اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبد المنعم حضيري
إتق الله في ما تقول يا رجل
|
المظهر السالب المنسوب الى التصوف!...
ألا ترونه قد أضحى سيدا للحياة في السودان؟!...
بدءا...
من العدل أن لا ننسى فضل جماعات تنسب الى سياق التصوف كان لها الفضل في نشر الأسلام على أديم السودان...نسأل الله لهم تمام المثوبة وثبات الأجر...
(والتصوف بمعناه الصحيح من أستشفاف للروحانيات في سمت الدين...
والترقي (المنضبط) بالعبادات والذكر في عوالم الحب الألهي...
ونشر التسامح بين العباد...هو مندوب ومطلوب)...
ولكن !...
هل ما ينداح في بلادنا من سمت لمظاهر شكلية وسلوكية تنسب على عمومها الى (الدين الصوفي) يمثل الأسلام ؟!...
الأسلام الذي نردد عنه (كلنا) بأنه صالح لكل زمان ومكان؟!...
الأسلام الذي يستوعب الحياة كلها ويفضى بنا الى الآخرة؟!...
الأسلام الذي يتناغم مع العصر والعلم والمدنية والتحضر؟!...
في أجازتي الماضية (قبل عامين) ...أخذني أخي خالد عسوم الى مطعم (البحر الأحمر) في الخرطوم لتناول وجبة الغداء ...فاتحا شهيتي بحديثه عن (طاجن السمك) الذي يشتهر به المطعم ...
دخلنا وأتى النادل بالغداء وبدأنا في الأكل...
وفجأة ...دخل علينا رجل يلبس جلبابا أخضرا مرقعا بألوان أخرى... ويحمل في يده أبريقا وعلى صدره سبحة (كسلبة البير) من حبات اللالوب الغليظة!...
وقف الرجل أمامي (من دون خلق الله) وبدأ يرجز و(يطنطن) بحديث لاهو بالقرآن ولاهو بالشعر!...رفعت بصري أليه ثم عاودت النظر الى ماأمامي من طعام ...توقف الرجل عن الرجز ووجه حديثه لي ...(ياود الغوم –كذلك بالغين- الشيخ قالك جيب عشرين ألف؟!) ...رفعت اليه بصري مستفهما ...تقصدني أنا؟...قال أي والله ...وظل يدندن بالكلمة وكأنه يمدح...
أدخل أخي يده في جيبه ...فأمسكت بيده وقلت للرجل...مين الشيخ دة العاوز القروش؟...وهنا بدأ الرجل في الأرتجاف والأتيان بحركات غريبة !...
وأفاجأ بأن ترك كل الزبائن طعامهم وجاؤني وفي أعينهم نظرات ملؤها التقديس والخوف من الرجل والدهشة من تصرفي! ...
ياأبن العم دة حوار الشيخ (....) أعمل حسابك ياراجل ...
قلت للناس ...ياجماعة العاوز يدي الراجل هو حر... أما أنا فماعندي قروش أديها لي شيخو دة ...عاوز يتغدى ياجرسون من ألف لي مية نزل ليهو العاوزو...وكمان لو محتاج هو (لي رقبتو) ماعندي مانع أديهو الساهلة ...لكن (لي شيخ شبع موت) والله ماأديهو جنيه واحد!...
غضب الرجل وأزبد وأرعد وأذا بكل الناس يتحلقون من حوله مواسين وداعين للشيخ بالرحمة والنجدة !!!...أما نظراتهم لي ...فكانت نظرات غريبة ...
قال لي أحدهم ياولدي أستغفر ربك ديل أهل الله المكشوف عنهم الحجاب!!!...
قلت له ياعم ...الدين ماهو كدي ...وربنا ماقال كدي !!!...
ـــــــ
كم تحز في النفس تعابير ومصطلحات ومظاهر لا تمت لا للدين... ولا للوعي ...ولا للمدنية في شئ أضحت هي السمة التي (تدمغ) مجتمعاتنا ...
ومايحز في النفس أكثر ...أنك قد تجدها بين بعض قطاعات (لا يفتقرون لعلم ولا لثقافة) !...
صفات كثيرة أحسب أنها نتاج لتلك المظاهر السالبة من التصوف...
السبهللية! ...
عدم العناية بالمظهر العام!...
التسويف والمماطلة!...
الجهل بأبسط قواعد الشعائر لأناس يجلس أليهم المريدون وهم في نظر الناس (غرقانون)!...
أختم بالقول...
لقد نلنا أستقلالنا عام 56 ...ومازلنا نراوح مكاننا في سمت التمدن والتحضر... ألاّ من ومضات هنا وهناك ؟!!!...
ليتنا نناقش ذلك بتؤدة ومنهج علمي فيه الأفادة...دونما أستعصام أو تمترس بقناعات سابقة...مصوبين النظرة الى تقديم رؤية ووجه نظر علها تفيدنا جميعا على تلمس نقائصنا وعيوبنا ...ولعلها تدلنا على مايبطئ من سير مجتمعنا نحو التمدن والرقي!
لا أخال أحدنا ألا وهو/ي أبن/ة لشيخ (له طريقة) ...
أو هو/ي جار/ة لشيخ (له طريقة أخرى) ...
أو لديه/ها شيخ في أسرته/ها الممتدة له (طريقة) دون السابقتان!...
ف(الطرق) في سوداننا قد أوشكت بأن تتجاوز عدد القبائل أو المدن!...
وكلٌّ يزكي شيخه (برغم قول سبق من الله بأن لانزكي أنفسنا)!...
فذاك شيخ حفيان وذاك غرقان وذاك غير ذلك...
دعونا -جدلا-نقول بأن جل أهلنا قد أنتظموا خلال تلك الطرق وتدرجوا بالذكر والعبادة وشفت روحهم وهاموا في ملكوت الحب الألهي...
لماذا لا يبدو ذلك في سمت الناس وطبايعهم وسلوكهم؟!...
بالله عليكم لنستصحب الحراك الذي يحدث في الشارع العام ...
كم عدد المشاحنات والمشاجرات التي تحدث (دونما سبب منطقي بين الناس)؟!
لأن سبرنا غور السبب لوجدناه ضيقا في (خلق الناس) ...
أليس ذلك أرتكاس دون الرقي في مدارج الروحانيات تلك؟!...
...
لقد زرت (ماليزيا) كثيرا (وهي بلاد ليس بها عُشر عدد الطرق الصوفية الموجودة لدينا) ...
صدقوني (تكاد) لا تسمع للناس الاّ صوت وقع أقدامهم!
قد يقول قائل بأن الجغرافيا وعوامل الطقس قد تساهم في ذلك..ولكن لماذا لانجد ذلك في بلاد أخرى تشاركنا ذات الجغرافيا والطقس؟!
وقد يقول قائل بأن الوضع السياسي والمعيشي هو السبب ...ولكن أليس حالنا هو حال العديد من البلدان الأخرى؟!
أحبابي...
أحسب أننا نحتاج (بوحا عميقا) عن مسكوتاتنا!...
ونحتاج بأن نطرق بشدة لنفتح أبوابا موصدة كُثُر!...
...
..
.
(كسودانيين)... ندّعي بأننا (محضن) التصوف و(أهله)! ...
وأننا أكثر حبا للرسول صلى الله عليه وسلم عن غيرنا! ...
لكن...
تعالوا معا نعدد أسماء الرواد الذين أضافوا (بالفعل) للنهج الصوفي على مستوى عالمنا العربي والأسلامي ؟!...
لنبدأها من الحلاج ثم ابن عربي ...
مرورا بالغزالي والنقشبندي والنيسابوري وعبدالقادر الجيلاني ولنعد الكثيرين في مصر ثم المغرب العربي حيث أحمد التجاني ...
وفي موريتانيا الشيخ الشنقيطي ...
وغيرهم كثير...
من من هؤلاء خرج من السودان؟!...
أننا ندّعي (ريادة) ليس لنا فيها سبق ولا تأصيل!...
ولنعدالى واقع التصوف لدينا...
فالأمر لم يقتصر على تلك الأفعال المنافية لأصول الدين...
بل أضحى أدعاء وأرتهانا بفكر حيث لافكر! ...
وتمترسا بأعتقاد هو بعيد كل البعد عن (المنصوص) عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم...
طالما كان الفارق بين طريقة وعشرات غيرها هي عدد التسبيحات والتهليلات ...
فما الداعي لتكاثر القباب وأعداد الشيوخ بهذا القدر؟!...
بل ان الأمر قد تعدى ذلك ليصل الى مرحلة الزي الموحد الذي تختلف ألوانه وأشكاله من شيخ الى شيخ ...
أضيفوا الى ذلك (موضة) الفرق الأنشادية ...فهؤلاء أولاد الشيخ الفلاني ...وأولئك أولاد الشيخ الآخر!!!...
أما أمر الأعتقاد فحدث عنه ولا حرج...
أقسم لكم بأن أحد الشيوخ قد جعل الناس يأتون الى (مقعد خشبي فارغ) ليجلسوا عليه ويعترفوا بذنوبهم (تماما ككرسي الأعتراف لدى النصارى) ثم يغسلوا من بعد ذلك وجوههم من ماء خاص ليخرجو (بزعمه) من ذنوبهم ...وقد عرض ذلك على التلفاز!!!
التصوف الحق ياأحباب ...هو الغوص في (روحانيات) الشعائر دون النصوص والحركات...
والتصوف كذلك هو التدرج بالعبادة (المؤسسة والمبنية على الصحيح من الآثار والسنة) للوصول الى مرحلة نور الله وبصر الله وبطش الله ...
هذه الصوفية عندما كانت تتسيد الساحة في الخمسينات والستينات كانت هي الأرضية الخصبة لأفكار سالبة كثيرة...نمت وتترعرعت في أذهان طلبة الثانويات والجامعات...
أذ العقول عندما استنارت بالعلوم والتقانة وجدت بونا كبيرا بين العلم و(فطير) مفاهيم التصوف الذي كان ولايزال لايتعدى السبحة والنوبة وتمجيد المشايخ...
فما وجد أولئك سوى ثقافات اليسار ليشبعوا نهم عقولهم الباحثة عن فكر (ما) قبل أن تنداح في البلاد كتب الثقافة الأسلامية وأفكار (شمولية الأسلام) !...
نريد أن نرى تصوفا يحرص على:
تأصيل العبادة...
وتنقيح الأحاديث ...بحيث لا يؤصل أمرا على الموضوع ولا الضعيف منها!...
نريد تصوفا يدعو الى أن تكون الصلاة والنسك والدين والدنيا والمحيا والممات لله رب العالمين...
نريد تصوفا يصوب الأعتقاد والعبادة لله الواحد الأحد لا شريك له دونما واسطة ولا تقديس لمخلوق...
نريد تصوفا يضيف ذوبا ونفسا وروحا الى النصوص والشعائر الجامدة فيحيلها الى ملموسات ومحسوسات تلقي بظلالها على الأخلاق والنفوس...
عادل عسوم