المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ريــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــره


أبو جعفر
13-11-2013, 12:01 AM
ريــــــــره:

اسم رقيق ذو جرس حبيب ارتبط بنشيد حيبب في تاريخ التعليم في السودان، كتب عنه الأستاذ مكي أبو قرجة قائلا:

ظلت حناجر الأطفال الغضة لأكثر من خمسين عاماً تردد نشيداً شجياً فى كل المدن والقرى والبوادى السودانية بحماس وغبطة وحبور فى آخر كل حصة للجغرافيا فى السنة الثالثة الابتدائية ... كان هذا النشيد الذى شدّ نياط القلوب بأوتار لا ترتخي بكل بقاع الوطن .. من القولد حتى يامبيو ومن محمد قول حتى بابنوسة ، وفعل فى النفوس فعل السحر ولا يزال يتوهج فينا نحن الكبار بعد مرور عشرات السنين ويبعث حنيناً وروحاً وطنية متأججة فى كل الأجيال.

فى القولد التقيت بالصديـق
أنعم به من فاضل ، صديقى
خرجت أمشى معه للساقية
ويا لها من ذكريات باقيــة
فكم أكلت معــه الكابيدا
وكــم سمعت آور أو ألودا
***
ودعته والأهل والعشيرة
ثم قصدت من هناك ريره
نزلتها والقرشى مضيفى
وكان ذاك فى أوان الصيف
وجدته يسقى جموع الإبل
من ماء بئر جره بالعجـل
***
ومن هناك قمت للجفيـل
ذات الهشاب النضر الجميل
وكان سفري وقت الحصاد
فســرت مع رفيقى للبــلاد
ومر بي فيها سليمان على
مختلف المحصول بالحب إمتلا
***
ومرةً بارحت دار أهـلى
لكي أزور صاحبى ابن الفضل
ألفيته وأهله قد رحلـوا
من كيلك وفى الفضـاء نزلوا
فى بقعة تسمى بابنوسـة
حيث اتقوا ذبابة تعيســــة
***
ما زلت فى رحلاتي السعيدة
حتى وصلت يا مبيو البعيدة
منطقة غزيرة الاشجــار
لما بها من كثرة الأمطــار
قدم لى منقو طعـام البفره
وهو لذيذ كطعام الكســـره
***
وبعدها استمــر بى رحيلى
حتى نزلت فى محمد قـــول
وجدت فيها صاحبي حاج طاهر
وهو فتى بفن الصيد ماهـــر
ذهبت معه مرةً للبحـــــر
وذقت ماء لا كماء النهــــر
****
رحلــت من قول لودْ سلفاب
لألتقى بسابع الأصحــــاب
وصلته والقطن فى الحقل نضر
يروى من الخزان لا من المطر
أعجبنى من أحمد التفكيـــر
فى كــــل ما يقوله الخبيرُ
***
ولست أنسى بلدة أم درمــان
وما بها من كثرة السكـــان
إذا مرّ بي إدريس فى المدينة
ويا لها من فرصـــة ثمينة
شاهدت أكداساً من البضائــع
وزمراً من مشتر وبــــائعْ
***
وآخر الرحلات كانت أتبره
حيث ركبت من هناك القاطره
سرت بها فى سفر سعيد
وكان سائقى عبد الحميـــد
أُعجبت من تنفيذه الأوامر
بدقة ليسلم المســـــافر
***
كل له فى عيشه طريقـة
ما كنت عنها أعرف الحقيقـة
ولا أشك أن فى بــلادى
ما يستحق الدرس باجتهـــاد
فإبشر إذن يا وطني المفدي
بالسعي مني كــي تنال المجدا

أبو جعفر
13-11-2013, 12:42 AM
ومن من جيلنا لا يذكر:

يا ايها المنجم
والعالم والمعظّم
جئنا إليكَ كلنا
نعرف منكَ حظنا

يا ايها المشهور
والعالم الكبير
ماذا يكون في غدي
ألا تجيب سيدي

يا شيخ ما تقولا
آما لنا عقولا
من يعرف المكتوبا
ويدرك الغيوبا
غير الآله الأعظم
الخالق المعظّم

دعنا من الكلام
وقل لهم أمامي
ماذا يكون في غدي
ألا تجيب سيدي

عيناك ما لونهما
عيناى زرقوان
هل فيهما معان
أو قل كالبنفسج
هل فيهما من مبهج


ولي مع هذه القصيدة قصة ......

أبو جعفر
13-11-2013, 07:43 PM
قصتي مع قصيدة يا أيها المنجم والعالم المعظم انو ما شدتني فيها إلاجزئية:
حين يقول الطالب إن أسعفتني الذاكرة أو النجرة
عيناي كالزمرد فهل من خبر متفرد
فيقول المنجم:
تغرم بالأسفار وتهيم بالترحال
وتمخر البحار وتجتاز للجبال.

أها وعينكم ما تشوف إلا النور. أول وظيفة لي قالوا لي تمشي أبودليق أبيت.

لكن بعدها حفظت السكة شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً محطة محطة، وسكنت مع الدبيب في قطية واحدة ... بالنهار عيني ليهو، لكن بعد ما تمغرب التكل عليك يا الله.
مرة مشيت كريمة، القطر الوصلني ارتاح انا ما ارتحت، يومين شغل وتني راجع بي دربي. عشت أيام أول ما أفتح عيوني ما أعرف أنا وين، ومرات يكون اليوم عيد وأنا ما جايب خبر، أكتر حتة أثرت فيني الفاشر ودي قصه براها، بحكيها ليكم إن ربنا سهل.

أبو جعفر
13-11-2013, 08:27 PM
أها الفاشر دي حكايتها حكاية، أول ما وصلتها مشيت الدكان داير صابونة كانت بشلن على ما أظن وقتها، أديت سيد الدكان جنيه قال لي فكه مافي جيب القروش في أي وكت، جيت راجع البيت متمخول، أنا نزلت البلد ما لي ساعة الزول ده يخلي لي قروشه بالطمائنينة دي كيف، الظاهر الناس ديل ناس طيبين وموحدين، واحد خبيث قال لي هو عارفك لازم تجيهو راجع، هي الفاشر فيها كم دكان.

الشي التاني مدير المطار قال لي عندنا أزمة بنزين وأنا ما بقدر أجيك يومي أوصلك المطار فـ شنو أقعد أنت في البيت ولو حصلت حاجة أنا بجيك اسوقك، وأعتبرها أجازة وخدمة وطنية للبلد بتوفير البنزين لمهام أعجل، طبعاً وافقت فوري بسبب الوطنية.

أول معرفة لي كانت ست الخضار، ومخكم ما يمشي بعيد الخضار في الفاشر وقتها كان أغلى من اللحمة بكتير، ولا بد من واسطة لكي يتوفر في البيت، المهم ست الخضار كانت امرأة عطوفة شديد وكانت بتقول لي وليدي، وعرفتني بزوجها وأولادها وكانوا يوم الجمعة بيسوقوني لي حيهم فرجة، أي فرجه عديل أنا بكون قاعد وناس الحلة بجو كارات كارات، للترحيب بي والونسة معي وهم يطعموني أطايب أطعمة الفاشر الفريدة. وأنا كمان ما كنت بقصر كنت بمدهم بجاز كتير كانوا بيصرفوه لينا.

ونواصل..........

أبو جعفر
13-11-2013, 09:51 PM
أطعمة الفاشر دي حكايتها حكاية، الناس ديل عندهم عصيدة أسكت كب، مرة الطيارة لسبب أو لآخر تأخرت في الوصول للفاشر واضطرت للمبيت، أها المضيفات قالن عايزات يتفسحن وكيل سودانير خماهن جابن لي عشان أوديهم عرس في حلة الخالة السرة ست الخضار، وهناك جابوا لينا صينة حوت أربعة عصائد وأربعة ملحات، وكل عصيدة شكل وكل ملاح لون، والبنات يشيلن ويتشهقن، وأنا أشيل واتحسبن، أصلو قالوا عين الفتاة تقد الواطة، بعدين هن بكره يسافرن ويحيرننا في برنامج الجمعة.

الشي البتذكرو الملحات كانت فيها تقلية لحمة وأخرى سمك والعصائد كانت واحدة دخن وواحدة عيش وتاني ما بعرف شي أصلو دخول المطبخ عندنا في البيت للرجال كان من المحرمات، المهم البنات في الآخر ساقوهن النسوان وسقوهن شربوت عيش معسل، أحنا بنقوليهو (الحسوة) أو مريسة الفقرا أي المتدينين، لكنها في الفاشر تشبه العسلية المخففة شديد، والظاهر البنات راسن خفيف، وكيل سودانير قال لي سكرن وقعدن يورجغن طول الليل، البنات شديدات لخبتنو بعصير بزيانونس مركز لطشنو من الطيارة. ولحدة ما فارقت الطيران المدني واحدة من البنات محل ما تشوفني تضحك وتقول: "شربوت العيش زيو مافيش".

الموية في الفاشر كانت بتجينا يومين في الأسبوع وكانت الماسورة - عبر الخرطوش - فاتحه في البرميل مباشرة، لكن كان معاها (بسم الله) يوم واحد ما لقينا موية مدفقة تحت البرميل بس تملى البرميل وتقيف وبدون أي عوامة، ويوم واحد ما أحتجنا لأكثر من الموية بالتصل. إلا يوم نويت أغادر الفاشر

الكهربة كانت متوفرة لكن لم نشعر بأهميتها والحاجة إليها، ما عندنا تلفزيون والإرسال الإذاعي ما كان بيصل الفاشر وقتها، ومعظم قعادنا على عادة أهل الفاشر وقتها بره حوش البيت في مواجهة الوادي الفاصل بين حي (مكركا) حيث كنا نسكن وحي (أولاد الريف). الوادي كانت فيهو زراعة بسيطة بسقوها بالطلمبات يعني خضرة وبعض ماء.


ونواصل.................

أبو جعفر
14-11-2013, 05:12 PM
لي في الديار ديار كلما طرفت عيني ** يرف ضياءها في دجى هدب
سيف الدين الدسوقي

الاجتماع بالناس في الفاشر يحتاج إلى سباح ماهر حتى لا يجرح شعورهم، فحتى المزاح يقابل عندهم باهتمام بالغ، ففي مرة كنا بناكل في بطيخ قلت لي واحد خلي حاجة للحمار عاين ليهو بيعاين ليك كيفن، قام قال لي صدقت احنا بناكل وهو يعاين وقام شال البطيخ القدامو كلو وقدمه للحمار المحظوظ.

حكاية البطيخ في الفاشر حكاية ما تدخل بيت إلا ويقابلك، تاكل وتشرب وتأكل حمارك. كرم الفاشريين مثل كرم البطيخ بسيط ولكنه ممتد ومؤثر جداً، فلا يمر بك أحد سوى كان بنت أو ولد، امرأة أو رجل، طفل أو طفلة شيخ كبير أو شيخة إلا ويقرئك السلام في مودة محسوسة، فتجد نفسك وسط مهرجان من الأحاسيس الطيبة. فقد كنا جيران ولكن بقوة القرابة، وتسمع عادي جيرانك كيفنهم.

شركاي في السكن الاثنين باسم عبد الرحيم، واحد فيهم كان متخصص في عمل اللقيمات بسبب مباشر من حصة الزيت والدقيق الضخمة التي كانت تصرف لنا، وللفرز سميناه عبد الرحيم لقيمات لأنها كانت مؤثرة، فكثيراً ما كانت اللقيمات هي المكون الرئيس في حفلات الشاي التي كنا نقيمها للموظفين من الهيئات الأخرى، وتخيلوا معي كفتيرة كبيرة شاي بالبن المقنن بواسطة جارتنا ستنا، وطشت كبير من اللقيمات يمتد عطاءه إلى الجيران وهاك يا ونسة.

أبو جعفر
14-11-2013, 08:43 PM
أول خطاب كتبته من الفاشر قلت فيه ".. سكنت كل مكان زرته أو عملت فيه، ولكن الفاشر سكنت داخلي". كنا مهذبين يعني لا خمر ولا نسوان فقط شربوت العيش الذي كانت الخالة السرة تحذرنا بأن نشربه في يومه وفي غد نتخلص منه، إلا أن عبد الرحيم (ما لقيمات) عمل حيلة بأن لف الجركانة في خيشة وختاها تحت الزير حتى تتوقف عملية التخمير، وقام من الصباح شرب منها.

جانا الخبر قالوا الطيار قال ليهو: "أنت قايل نفسك في مطار هثرو تسمي لي زلطكم الواحد ده"، أها الجماعة سموه عبد الرحيم زيرو تو، أو عبد الرحيم صفر اتنين، لأنه شدد على الطيار في تعريف ممر الهبوط، وكلو من الشربوت البقى عسلية في الطريق لعرقي.

الشي الما ممكن أنساه مرة قاعدين في ميز الأشغال واحد كبه العرقي في البنطلون فوق الفخذ وولعوا... نار غاز عديل والبنطلون ما حصلت ليه حاجة، حليلك يا رأفت فاتك عرقي من الكاس للراس.

الأكلة الوحيدة الما جربتها في الفاشر تسمى (سوق شين) وهي عبارة عن لحمة من الجزار لفرن العيش، الواحد يجي شايل لحمة تكفي بلتون لأنو اللحمة كانت هاملة وقتها، والجزار يديه صينية يقطع فيها اللحمة وبعد داك يدخله الفرن، وعلى بال ما تنجض اللحمة يقطع السلطة، طبعاً حكاية الأكل في فرن دي ما دخلت لي في راسي، لكن مع العرقي البولع زي البتوجاز ده الناس محتاجة أسواق شينة ما سوق واحد.

أمير الأمين
14-11-2013, 09:12 PM
رغم إختزال الحكى الطاعم فى "الملفات" المنعرجة:D
الا انه حكى سهل وممتع للاخر ....
اكيد الواحد فى انتظار المزيد

أبو جعفر
14-11-2013, 09:52 PM
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أمير الأمين http://www.sudanyat.org/vb/images/buttons/viewpost.gif (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?p=564678#post564678)
رغم إختزال الحكى الطاعم فى "الملفات" المنعرجة:D
الا انه حكى سهل وممتع للاخر ....
اكيد الواحد فى انتظار المزيد.مرحب كتير أمير
الملفات المنعرجة دي تخصص رأفت والسمعي فيها كتير لكن قلنا ما نلخبت الإختصاص، بعدين أكتر حاجة نفعتنا في الفاشر هي سكنا وسط المواطنين في حي (مكركه) بعيداً عن حي الموظفين، وشكراً كتير للإشراف على رفع المفترع في البنر.

أبو جعفر
14-11-2013, 10:33 PM
الموية في الفاشر حكايتها حكاية، أول يوم وصلت قدموا لي موية ليمون، لمن شربتها انقلبت موية زرقا، طبعاً أنا سمعت بمن يروب الموية لكن زول يقلب موية الليمون لموية زرقاء دي ما شفتها إلا في مطار الفاشر، وما عارف سر عكورة مياه الفاشر شنو.

عبد الرحيم لقيمات في واحدة من ابتكاراته أعلن عن نيته إحضار موية صافية من آبار مزارع الوادي أمام المنزل، وطبعاً كانت المسألة برنامج أكثر منها إحضار موية، المهم في اليوم المحدد أخذ معاه حلة كبيرة وبعد فتر ظهر شايل الحَلة مع بنات الحِلة في سيرة شبه حقيقية وهن يغنن إن صحت الذاكرة أو النجرة:

عبد الرحيم ود القبايل شوبش وسيرو

من أولاد الريف لأم مساير شوبش وسيرو

مهرو وشيلته حلة موية شوبش وسيرو

وطبعاً احنا ما قصرنا وقابلناه بأبشر يا عريس واتلموا شباب من الحلة وظهرت دلوكة وأصروا تبقى الحكاية دايرة غناء عفوية، بعد انتهاء الترحيب بالحلة المكللة بالماء النظيف، فكرنا في كيفية تبريدها لأن الزير سوف يعود بها إلى الحالة التي هربنا منها أولاً، فقرر عبد الرحيم وضعها تحت المروحة ويتم الشراب منها مباشرة.

الخالة السرة في مساء ذلك اليوم احضرت لينا شربوت عيش، وكنا قد وعدناها بجركانة جاز أبيض (كيروسين). طبعاً وقود الطائرات هو الكيروسين وكانت لنا حصة اسبوعية، المهم الخالة السرة لقتنا خاتين الحلة في نص الأوضة وبنشرب منها دقت صدرها وقالت: ".. أيـــــــــــش أو أجي - ما متذكر المدة طالت – بتشربوا في الجاز. ولما عرفت الحكاية موية أصرت على أخذ نصيبها منها.

وطبعاً ما ممكن نتجاوز ملف الموية دون ذكر موية بير (حجر قدو) ولها صلة بالسلطان علي دينار على ما أذكر، وكيف إن من يشرب منها لا بد وأن يعود إلي الفاشر مرة أخرى، وموية حجر قدو لا سبيل إليها إلا في مطاعم السوق الكبير، وقلت الكبير لأن هناك أسواق صغيرة مثل سوق أم دفسو وهو أقرب الأسواق للسكن وتعمل فيه الخالة السرة التي خدمتنا مع أهل الفاشر كثيراً ربنا يرحم الأحياء والأموات منهم.

أبو جعفر
15-11-2013, 09:01 AM
الموظفين في الفاشر – عدا الجيش والبوليس - كانوا عاملين نادي غير معلن ويحتالون على المناسبات حتى يبرمجوا لياليهم. ومن هنا كنا أسياد الليل في الفاشر دون منازع، من سكن لي سكن ومن ميز لي ميز، فلان نقلوا تقوم لمة فلان جا جديد تقوم لمة وكانت اللمات بقيادة مدير السجون حلفاوي مرح يقول لنجيب الريحاني انت شنو.

وكان عادي تسمع كرهنا اللحمة، دايرن لمة لقيمات وطبعاً فريق عبد الرحيم لقيمات مع ستنا وبناته كان يعجبك في اللت والعجن، لطخك طبجك طش، وبعد شوية الصحانة تتطاقش نحو الحلة، ده غير لقيمات اللمة التي كنا نصر على أن ينفرد كل واحد بصحن ملان، زائد البطيخ وكفتيرة الشاي المدورة.

لمات السكن عندنا كانوا مسمينها لمة الفقرا لأننا كنا مانعين فيها العرقي، ومتكفلين في المكللة باللحمة منها، بشربوت العيش ربنا يحفظ حاجة السرة ما قصرت في ولا لمة، وطبعاً جركانة (عبد الرحيم زيرو تو) المصبنة تحت الزير كانت جاهزة للشفوت أهل العرقي.

عكــود
15-11-2013, 10:29 AM
سلام أبو جعفر،

كلي إعجاب بإثرائك المنتدى بكل ما هو مفيد وثر من موضوعات.
هذا البوست، مثلاً، متعدّد النكهات؛ فبجانب تطرّقه لمنهج التعليم (القديم) المغري للطالب بالمتابعة، فاحتفائك بالمكان والذكريات يجعله أكثر تشويقاً وأغراء بالمتابعة.

كتاب "سُبُل كسب العيش في السودان" كان يجعل حصة الجغرافيا متعة لا تضاهيها متعة. ما زلت أذكر لهفتنا لحصة الجغرافيا وترقبنا لزيارة إحدى نواحي السودان (القولد، ريرة، كيلك، الجفيل، يامبيو ...)؛ كما أذكر بعدها زياراتنا الخارجية لأحمد في مصر، جون في أستراليا، والأصدقاء الآخرين في الصين، هولندا .... إلخ.

واصل يا أبا جعفر في الكتابة عن المدُن، فذلك ما تفتقده المكتبة السودانية.
مثل هذه الكتابة مكانها البانر، ولا فضل.

تحياتي.

أبو جعفر
15-11-2013, 02:56 PM
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عكــود http://www.sudanyat.org/vb/images/buttons/viewpost.gif (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?p=564708#post564708)
كلي إعجاب بإثرائك المنتدى بكل ما هو مفيد وثر من موضوعات.
هذا البوست، مثلاً، متعدّد النكهات؛ فبجانب تطرّقه لمنهج التعليم (القديم) المغري للطالب بالمتابعة، فاحتفائك بالمكان والذكريات يجعله أكثر تشويقاً وأغراء بالمتابعة.

كتاب "سُبُل كسب العيش في السودان" كان يجعل حصة الجغرافيا متعة لا تضاهيها متعة. ما زلت أذكر لهفتنا لحصة الجغرافيا وترقبنا لزيارة إحدى نواحي السودان (القولد، ريرة، كيلك، الجفيل، يامبيو ...)؛ كما أذكر بعدها زياراتنا الخارجية لأحمد في مصر، جون في أستراليا، والأصدقاء الآخرين في الصين، هولندا .... إلخ.

واصل يا أبا جعفر في الكتابة عن المدُن، فذلك ما تفتقده المكتبة السودانية.
مثل هذه الكتابة مكانها البانر، ولا فضل.
سلام كتير عكود
وشاكر كتير على الإشادة ورفع المفترع للبنر، وكذلك لك الشكر على الإضاءة الثرة فقد نسيت لتباعد الزمن أصدقاءنا حول العالم أحمد وآفو وجون وعرفة، وكذلك أجدادنا القدماء ومغامراتهم في اكتشاف النار وسكاكين الحجر. والله كانت أيام طيبة ومناهج ثرية وهي كذلك لأن الإنجليز حضروا إلى السودان بخبرة ألف سنة في الحكم وإدارة الجموع البشرية. فأبدعوا في التعليم والزراعة والإدارة الأهلية والخدمة المدنية، وتقريباً في كل شيء. الشيء الذي دمرناه وحطمنا قواعده طوبة طوبة وحجر حجر. وصدق من قال الإنجليز طلعوا وركبونا لوري لا فرملة لا بوري.

أبو جعفر
15-11-2013, 03:04 PM
عبد الرحيم لقيمات خطب بت جارتنا ستنا ورغم إن البنت صاقعة... جمال وطول وحنان يرميك واقف على طولك، إلا أن الزملاء قالوا البت كتبته لأن عبد الرحيم زول بهجه وما بتاع عرس.

عقدنا اجتماع حتى نسهل على عبد الرحيم موضوع زواجو، ناس السجون اتكفلوا بالفنانين والخدمة، ناس الأشغال وكانوا وقتها بيبنوا في قاعة للبرلمان اتكفلوا بالكراسي والإضاءة، ناس مطافي المطار اتكفلوا بزريبة البهايم وعمليات الذبح، ستنا قالت ابعدو لي من المطبخ، ناس سودانير التزموا بالتذاكر لأهل عبد الرحيم، احنا شلنا كشف مرتباتنا وسلمناه عبد الرحيم بالكامل، أهل ستنا ملو الزريبة عجول وخرفان وحلفوا ما يدفع تعريفة، بالله شوفوا الدنيا كانت بخير كيف.

بالنسبة للسكن قررنا أنو يسكن في الجزء الداخلي من البيت ولكن (عبد الرحيم زيرو تو) قال الزول ده بتاع حكاوي وحيشحتف روحنا ويلبسنا في بنات ستنا دي واحدة ورا التانية عشان كده لازم ينقفل الباب البينا وبينه، طيب ياخ هو يطلع بي وين، قال مش شغلي ... سيد البيت حل المشكلة قفل الباب العلينا وفتح ليه باب على حوش ناس ستنا، على الأقل البت تلقى راحته في الدخلة والمرقة.

أبو جعفر
15-11-2013, 03:35 PM
صباح يوم حنة عبد الرحيم الذي تبدل أسمه من عبد الرحيم لقيمات لعبد الرحيم العريس، الزريبة اتملت بهايم وكنا متوقعين عدد كبير من المعازيم عشان كده قررنا الحفلة تكون بره البيت ونفرغ حوش البيت للعشاء على أن يكون المكون الرئيسي للعشاء على نظام ناس البطانة لحمة وجبنة والتحلية بطيخ، وسبحان الله... ناس الحلة ما نسو لقيمات عبد الرحيم ملو البيت بطيخ.

حنة (عبد الرحيم) كانت مبالغة فقد اجتمعت فيها ثلاثة أحياء حينا وحي الموظفين وحي الخالة السرة. والمكرفون يلعلع بالغناء والشوبش (النقطة)، وكل الناس كانت في فرحة حقيقية فقد شعرنا بالانتماء التام للبلد وأهلها الذين جاملوا عبد الرحيم حضوراً ومشاركة بما يفوق التصور.

ناس الأشغال لما الناس كترت قالوا انتو وفروا لينا حوشين زيادة وما عليكم بالباقي وفعلاً فتحت لنا أبواب أكبر حوشين في ساحة الحفل فتم تجهيزها في دقائق بالكراسي والترابيز، والخالة ستنا كانت عاملة حسابها وضبحت خمسة عجول وعشرين خروف وقالت نسيبي ده زول كريم والكريم بجيب الضيفان، وكان ما جو الناس بتنشف اللحمة وتقسمها، غايتو زولة واعية، احنا ضربنا السوق لزيادة الجبنة، وهي مطمئنة ضربت أي حاجة في خمسة.

أبو جعفر
15-11-2013, 04:28 PM
بعد أنتهاء مراسم الزواج ستنا قالت عبد الرحيم ده لازماً ما يمرق من البيت مدة أربعين يوم .... والزول أجازته تلاتين يوم يغادر بعدها البديل، أها كيف العمل؛ المدير قال لي تمسك بدلاً منه العشرة يوم الأخيرة طبعاً وافقت لخاطر عشرة سلفت، ولقيمات دين علينا.

أول يوم بديت في تفتيش الركاب تقدمت واحدة وأول ما رفعت يديها للتفتيش بواسطة جهاز كشف المعادن، برزت المدافع فصرخت بأعلى صوتي علوووووووووووووية، علوووووووووووية ... علوية دي كانت موظفة في المطار. البت جات جارية قايلة الطيارة وقعت... في شنو؟!..... قلت ليها هاكي فتشي أخواتك ديل تراهو عبد الرحيم ما وقع بالساهل.

عصر نفس اليوم جاني عبد الرحيم العريس - سمين ويرقش بعد ما كان زي جرادة الضهاري - لكي يطمئن على سير العمل، ولمن سألته عامل كيف. ندمني على سؤالي وقال لي أمبارح اتعشيت بجدادة محمرة بزيت معطر بالقرنفل، أنا آكل فيها وهي تكورك. اتحسبنت وقلت ليهو والله (زيرو تو) ما خاتي عليك لمن قفل منك الباب، وحلفت ليه تاني كان كرر الكلام ده إلا أخلي ناس المطافي يشيلوه طب العصب يودوه الشغل وتحرق ستنا وبتها، مش كفاية قطعت لي أجازتي الوطنية، وبدل أنوم بالنهار وأساهر الليل، بقيت أنوم الليل وأشتغل بدلك بالنهار.

عبد العظيم السعيد
15-11-2013, 06:38 PM
[QUOTE=أبو جعفر;564720]أول يوم بديت في تفتيش الركاب تقدمت واحدة وأول ما رفعت يديها للتفتيش بواسطة جهاز كشف المعادن، برزت المدافع فصرخت بأعلى صوتي علوووووووووووووية، علوووووووووووية ... علوية دي كانت موظفة في المطار. البت جات جارية قايلة الطيارة وقعت... في شنو؟!..... قلت ليها هاكي فتشي أخواتك ديل تراهو عبد الرحيم ما وقع بالساهل.

:D:D
سلام يا ابوجعفر ..
بالصح صدقت .. ياخي مافي زول مشى الجيهة ديك ورجع خالي الوفاض ..
حكي طاعم طعامة اهل الفاشر ..

أبو جعفر
15-11-2013, 08:25 PM
عبد العظيم السعيد;564724
سلام يا ابوجعفر ..
بالصح صدقت .. ياخي مافي زول مشى الجيهة ديك ورجع خالي الوفاض ..
حكي طاعم طعامة اهل الفاشر .. مرحب كتير عبد العظيم
متابع معاك بهناك ويا نوري تنوري..
ولن تصدق يا عبد العظيم الفاشر دي كانت فيها ميزات عجيبة ساقتنا للتعمق في سوحها الاجتماعية، أول حاجة إنسانها المسالم لحد التعجب، ثانياً أحتواء أحيائها الشعبية للغريب لدرجة القرابة القريبة. ثالثاً عدم التعقيد الاجتماعي فيها يعني عادي ممكن تلقى المرأة شغالة جزار وطلبة، وتلقى سيد البيت ماسك الإبريق بيغسل يدين العمال الشغالين في بيتو، وعشان كده رسخت أيامها في الذاكرة أكثر من غيرها.

أبو جعفر
15-11-2013, 08:43 PM
نقطة عبد الرحيم العريس كانت مهولة لدرجة حيرتنا. وقد فسرها البعض على أساس مجاملة أهل الفاشر للحكومة ممثلة في (عبد الرحيم لقيمات) لأن الطائرة وقتها كانت وسيلة السفر المجيهه الوحيدة فلا يوجد طريق معبد للبصات السفرية.

واحترنا هل نعطيها لعبد الرحيم العريس مباشرة أم نعطيه معها نصائح لاستثمارها. (عبد الرحيم زيرو تو) قال لو أديتوها المطرطش ده حيبهدلها فشخرة وسفر وقعدات، الأفضل نحضر ليهو مشروع ونضعه أمام الأمر الواقع، قمت أنا قلت ليهم حقو ندي أبوه منها نسبة لمقابلة المهنئين في البلد بعد عودته، والباقي نشتري ليه بيه بيت.

مدير المطار كان من أهل الفاشر قال لا- هو ما محتاج بيت ونسيبته ما بتفك بتها من جنبها بالساهل، الأحسن بعد ما تدو أبوه الفيها النصيب، تشترو ليهو دكاكين في السوق والمبلغ ده ممكن يجيب دكاكين كويسه.

المهم أقتنعنا بكلام المدير خاصة انه من أهل البلد، وقمنا بالاتصال بناس السوق من المعارف وهم كثر بسبب وجود مكتب سودانير وسط البلد، وبعد يومين جانا خبر أربعة دكاكين في مربوع واحد معروضة للبيع بمبلغ يوفر عشرين في المية من مبلغ عبد الرحيم العريس، فقمنا من فورنا ودفعنا العربون، وأدينا والد عبد الرحيم نصيبه وكان مبلغ كبير برضك .... عمنا انبسط وقال ما تشوفوا لي ولدي التاني ده كمان عروس. مدير المطار ضحك وقال ليهو يا حاج ما ولدك بس انت زاتك كان مديت رقبتك بنلقى ليك أربعة.

أبو جعفر
15-11-2013, 09:31 PM
بعد ما تم عبد الرحيم الأربعين الإلزامية وزادها يومين، نزل الشغل، وبمجرد ما طفشنا الطيارة اختطفناه لمكتب المحامي حسب مواعيد مع صاحب الدكاكين، وفي مكتب المحامي حكينا لعبد الرحيم الحاصل والعربون المدفوع. أول رد فعل ليه قال فوتو علي سفرية لندن باريس نيويورك ..... (عبد الرحيم زيرو تو) قال: ما قلت ليكم الزول ده مطرطش. (عبد الرحيم لقيمات) ما سكت ليه ورد قائلاً: مطرطش أنا ولا أنت الحاضن ليك مخدة وتغازل في القمرة.

مدير المطار تدخل وقال يا جماعة الناس دي عندها مواعيد ما تضيعوا عليهم الزمن، يلا يا عبد الرحيم أدينا بطاقتك، عبد الرحيم قال: لااااااااااااااااا والله الدكاكين دي تتسجل باسم العروس ... أنا جيت الفاشر دي بشنطة ده رزقها ورزق أولادها، الناس انبسطت من كلامه وقالت ليه: طيب أمشي جيبه.

حلف ستين يمين مرته ما تلطع من بيتها، ردينا عليهو أنت امبارح القريبة دي ما شيلتها حلة الموية، وترمي معاك في اللقيمات الجد شنو، قال الجد إنها بقت زوجة مدير أمن مطار الفاشر، طيب الحل شنو قال الحل إنو انتو والمحامي تمشو معاي البيت وهناك تكتبوا العقد وبالمرة تتغدوا معانا، عشان أنا موصى يضبحوا خروف مفاجأة للعذابة حاضني المخدات.

المحامي وصاحب الدكاكين قالوا بصوت واحد: يعني هو يتنازل من مبلغ زي ده لبتنا واحنا نستكثر عليها مشوار وعزومة غدا ..... يا زول أحنا من دربنا ده معاك ..... وأمر المحامي البت البتكتب تشيل المكنة وتوجهنا للسكن الذي يسكن في قسمه الداخلي (عبد الرحيم لقيمات) وزوجته.

أبو جعفر
16-11-2013, 08:19 AM
عند وصولنا دخلنا نحن والضيوف صالون السكن، وعبد الرحيم دخل على ستنا وبناتها، وعينكم ما تشوف إلا النور طوالي جات الفرشة أو التصبيرة على قول ناس أم درمان تحملها بنات ستنا وهي: مرارة وشية جمر وشطة مظبطة وشربوت عيش أصفى من أتخن عسلية أو شربوت تمر أراه في حياتي، (عبد الرحيم زيرو تو) ما أقتنع جرى جاب شربوتو المصبن تحت المزيرة، وأقنع المحامي يشرب معاه.

بعدها بقليل دخلت العروس وقدامه ستنا تزغرد، (عبد الرحيم زيرو تو) على مذهب الما بتلحقو جدعو شاغل العروس قائلاً: جرادة العشر بقت زول، (لقيمات) قال ليه: أنت في الأول لم ليك في نملة وبعدين اتفاصح.

المحامي بعد ما استلم بطاقة العروس من عبد الرحيم، ما كضب خبر بدا الشغل قائلاً يا فلانة أنتي اشتريتي من فلان ده العقارات الكائنة بجهة كذا وبالأرقام التالية ... ... ... ... مظبوط كلامي ده، البت المسكينة من اللخمة سكتت وما ردت. أنا قلت السكوت علامة الرضا، المحامي قال لي ما تفتي، بلعتها وقبلت على شيتي، المحامي كرر كلامه البت قالت أي حصل.

بعد أن انتهت الطباعة والتوقيع من المشترية والبائع والشهود الذين كانوا مدير المطار وشاهد من طرف البائع، خرجت ستنا والعروس وساقوا معهم بت المحامي، وحضرت صينية الغدا وتوابعها الفاشرية، عبد الرحيم قال مافي زول ياكل رغيف لحمة بس، مدير المطار قال ليه خلي الناس على راحتم؛ بلعها وسكت.

أبو جعفر
16-11-2013, 10:44 AM
بخروج (عبد الرحيم لقيمات) من شلة العذابة فقدنا لاعب مهم في فريق اللمات، لكن الصراحة ريحنا من مسألة الغدا وحولنا مرتب الخضار وحصة تموين (عبد الرحيم زيرو تو) لستنا، مع بقاء حصتي للخالة السرة.

مضت الأيام و(عبد الرحيم زيرو تو) بدا يرنق لبت ستنا الوسطانية الظاهر وقع في فخ (عبد الرحيم لقيمات). وانا جات إشارة أسافر أغطي موسم عودة طائرات الحجاج لكسلا.

غادرت الفاشر على أن أعود إليها بعد انقضاء مأمورية كسلا وأجازتي السنوية، ولكن لم أكن أعلم بأن هذا هو آخر عهدي بها، ولذلك غادرتها في هدوء، ولكن حرصت على وداع الخالة السرة وأسرتها، والتي حملتني السلام الكثير لأسرتي، وسلام خاص للمهدي وعياله في مرقدهم. وحينها عرضت عليها أن تسافر معي لزيارة البقعة المباركة. على أن تسافر في مقعدي وأنا أسافر مع ناس الجيش، وأكدت لها احتفاء أهلي بها لأنهم أنصار مثلها وبعد العودة من كسلا نعود سوية للفاشر.

فذكرت لي إنها فعلاً فرصة طيبة لأن لها – فضلاً عن زيارة القبة - أهل في أم درمان تود رؤيتهم ولكن ظروف العمل وصحة زوجها المتدهورة لا تسمح لها بذلك، فقلت لها الأولاد والبنات ممكن يسدو مكانك وأنت محتاجة إجازة ترفهي فيها شوية، فقالت لي: البيت ما بتسندو إلا الركيزة الكبيرة، فغادرتها على أمل العودة إليهم قريباً.

نبراس السيد الدمرداش
16-11-2013, 10:45 AM
تحياتي ابو جعفر
وتحية لضيوفك الاكارم

رجعتنا كم وعشرين سنه
حصة الجغرافيا كنت بحضرها بكل انتباه
كان عندنا معلمه اسمها بروق صوتها جمييييييييييييل جدا
بتنشد لينا الرحله دي وللان انا حافظاها
وحصه البحث عن الكنز والزيارات للسوق والمركز الصحي ونقطة البوليس
التعليم في السودان الان يعيش اسوأ ايامو (سلم تعليمي ومناهج)

غايتو طلعنا دفعة جغرافيا

أبو جعفر
16-11-2013, 12:00 PM
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة نبراس السيد الدمرداش http://www.sudanyat.org/vb/images/buttons/viewpost.gif (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?p=564749#post564749)
تحياتي ابو جعفر
وتحية لضيوفك الاكارم

رجعتنا كم وعشرين سنه
حصة الجغرافيا كنت بحضرها بكل انتباه
كان عندنا معلمه اسمها بروق صوتها جمييييييييييييل جدا
بتنشد لينا الرحله دي وللان انا حافظاها
وحصه البحث عن الكنز والزيارات للسوق والمركز الصحي ونقطة البوليس
التعليم في السودان الان يعيش اسوأ ايامو (سلم تعليمي ومناهج)

غايتو طلعنا دفعة جغرافيا.
مرحب كتير بت أخوي نبراس وأسعد الله أيامك

بالله شفتي المنهج ده قوي كيف، تلاقي أي واحد من القولد تتذكر صديق عبد الرحيم ويقول ليك الشخصية دي حقيقية.


وأجمل حاجة ذكرتينا الزيارات لأن خالد أبوالروس عليه رحمة الله كان بجعل من زيارة متحف بيت الخليفة مسرحية كاملة الدسم، وذلك بجمعنا في حوش الخليفة قبل الدخول للمتحف، ويحدثنا عن معركة كرري بالتفصيل ثم يرسم النيل والجبال ويقسمنا بين غازي ومدافع. فندخل المتحف ونحن مدركين لأي قطعة فيه.


سبب ضعف التعليم الآن هو عدم إيمان الإخوان المسلمين - كتنظيم فاشي ذو رؤية أحادية - بالخصوصية السودانية فالناس عندهم مسلمين وبس .. وطبعاً ده كلام خطأ لأن القرآن الكريم أقر التعددية والخصوصية السياسية. شاكر كتير على مرورك الدسم، ودمتي بألف خير.

أبو جعفر
16-11-2013, 12:15 PM
شغل المطارات الممتعة فيهو إنو بتنزل من الطيارة تكون وصلت مكتبك وبيتك، وذلك بسبب تواجد الشفت أو الورديات 24 ساعة، يعني عادي الليلة مقيل في المطار وبكره بايت فيهو، خليت الشنطة في المكتب ومشيت البيت سلمت على ناس أبوي وقعدت معاهم لحدة الساعة عشرة - زمان الناس ما بتساهر - بعدها عدت للمطار، نمت مع ناس الوردية.

الصباح رسلت الشنطة والتذكرة مع الفراش لميزان كسلا وقعدت أتونس مع الزملاء، الفراش جاب لي بطاقة الصعود وتذكرة العفش، وأنا في ونستي، واحد قال لي: يا زول الطيارة دي بتفوتك. جريت على التارمك (موقف الطيارات) لقيتن اربعة طيارات بقت علي حكاية موقف المواصلات أول طيار سألته قال مروي التاني قال الأبيض التالته طلعت كسلا صعدت السلم.

المضيفة قالت لي أنت حجزك كوكبت، يعني البنبر البين الطيارين، قلت ليها الكوكبت تقعدي فيهو أنتي دي، أنا داير أقعد مع الركاب، قالت لي كيف الكلام ده، قلت ليها أنا تذكرتي أن ون يعني حجز مؤكد تقعديني في الكوكبت.

الطيار سمع الجوطة جانا طاير، قال في شنو؟.... قالت ليهو الزول ده أبى الكوكبت، قال ليها ناس الطيران المدني ديل يا هو حالهم، جيبي بتاع سودانير وخليه يقعد مكانه، دايرين يخموني يختو زولم مع الركاب يستمتع بالخدمة النظيفة ويجدعوني في البنبر.

أبو جعفر
16-11-2013, 12:30 PM
أها في نص السكة ندمت إني ما ركبت في الكوكبت، على الأقل كنت عرفت الحاصل، لأنو الطيارة فجأة بدأت تفقد الإرتفاع والأرض تقترب بسرعة دون أي تنبيه أو كلمة من الطيار، والعيون نططن_ خلاص ياها النهاية .... وجاية بعد شكلة مع البت المسكينة. يعني شنو لو ركبت في الكوكبت أو حتى ضنب الطيارة ما كلنا بنصل سوا.

استمرت الطائرة في فقدان ارتفاعها وظهرت الأرض قريبة وعينا للساتك نزلن، أها فجأة نزلت في التراب أي والله تراب راسه عديل وأنا ما فاهم حاجة، وفجأة تحدث الطيار قائلاً: مرحباً بكم في مطار حلفا الجديدة .... ياخي يرحب بيك عزرائيل نص الليل وأنت براك، الشي لا بطلو التدخين.. لا أربطو الأحزمة، بس طوالي نازل بيها الواطة، وياريت كان في ممر هبوط مسلفت كان اطمئنينا شوية، منزلة في تراب دقداقتو تقول يا غربتي.

غايتو كان درس كويس بيقول في السودان توقع أي شي، طيارة تنزل في التراب بدون تنبيه، عمارة أبو العلا تجي ماشة قدامك، النميري يبقى الرئيس.

أبو جعفر
16-11-2013, 05:39 PM
الطريق من المطار للاستراحة تحس انو الظلط بالقلبة، ودقداقة تفك الجنيه تعاريف وكل مفاصل العربية - حالته كومر عضمو قوي - تصرخ وتئن، سألت زميلي ده شنو يا عثمان قال أنه شفت حاجة الغريق قدام ولكن حالة الشارع تحسنت ونحن داخلين على المدينة لأن المطار خارجها وعلى بعد كبير.

كسلا تشبه أم درمان لحد كبير حتى بالنسبة للفوارق بين أحياءها فحي المرغنية يشبه أحياء الوسط في أم درمان وهناك أحياء شبيهة بأمبدة واخرى بالثورات، والبلد كبيرة نوعاً ما، وثرية بالخضرة، وفيها كم كبير من التنوع البشري والجغرافي.

في كسلا سكنا في استراحة القاش، أو (القاش راحات) كما يسميها المواطنين، وفعلاً كانت متميزة بالحدائق الواسعة والكثيفة، والمبنى الفخم، والسيرفس الممتاز من قبل العاملين فيها. والله البلد دي كانت متميزة وبتحترم موظفيها، لكن دوام الحال من المحال.

أنضممت للجالية السودانية في كسلا كما قال أبو داوود عليه رحمة الله. فكسلا وقتها كانت مكتظة بالأثيوبيين لدرجة غير متخيلة، تركب البص تلقى نفسك السوداني الوحيد، تخش العرس تلقاه حبش في حبش، تشق الحي تلقاه حبشي بالكامل. ورغم كل ذلك فهي مدينة دمها خفيف احتمال بسبب نسبة الجمال المرتفعة والمنتشرة بلا تقتير في السوق والطرقات.

رأفت ميلاد
16-11-2013, 09:24 PM
يا أبو جعفر ياخ أنا ساكن هنا

أبو جعفر
16-11-2013, 10:08 PM
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة رأفت ميلاد http://www.sudanyat.org/vb/images/buttons/viewpost.gif (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?p=564776#post564776)
يا أبو جعفر ياخ أنا ساكن هنا أستاذنا رأفت عساك بألف خير

وترحب بك الديار وكل من سكن الديار

المفترع ده مفروض أسميه (ريره _ رأفت ميلاد وكل الدفعة)

ولو بتتذكر طاحونة كلبس في عبد الله خليل وكيف نحن يومياً بنجي مارين بيها

لكن يوم الزيارة المدرسية كان عندها طعم خاص وكانت أول معلوماتنا في دنيا الكهرباء وتحويلها إلى طاقة دواران. ومرحب بيك كتير شرفت الديار ديارك.

أبو جعفر
16-11-2013, 10:41 PM
العمل بالنسبة لي في كسلا كان مقسوم بين مباني القيادة والمطار ويبدأ من السادسة صباحاً، ويا حليل أجازة الفاشر الوطنية، هنا الصباح في المطار والعصر في القيادة، وبالليل في معركة مستمرة مع البعوض بسبب التشجير الكثيف في منطقة الاستراحة، حتى إن عثمان زميلي في السكن علق قائلاً: لو ربنا جمع الباعوض ده في فيل كان ريحنا راحة شديدة.

عثمان بموجب أنه سكن كسلا طويلاً كان مرشد جيد لعالم الليل والنهار فيها وله أصدقاء يمتدون من السواقي إلى جبال التاكا، وقد جلت معه في كل أحياءها وجبالها وأسواقها وفي الحقيقة هو سوق واحد الذي أذكره الآن_ نجي مارين بيه في المرقة .... وبعد الساعة عشرة بالليل ممنوع المرور داخله بأمر الشرطة مما يجبرانا على المرور من خارجه في لفة طويلة للوصول للاستراحة.

وأعجب شي في كسلا هو أن العلاقات مع السودانين بتكبر وتتداخل مع الأيام رغم أختلاف المشارب والأهواء الثقافية، وأظن أن السبب في ذلك قلة السودانين في وسط المدينة، وأذكر في مرة كنا في جلسة، أو قعدة حسب التسمية الصحيحة، وكان الحضور فيهم المهندس والسبابي والطبيب والمقاول والتاجر، وفيهم البشرب في العرقي وفيهم الخاتي الكلفوازير قدامو، وفيهم أنا وعثمان لا لينا في التور ولا في الطحين، ونسينا الجماعة قعدنا نتونس مع الحبشية المكلفة بعمل العشا لأن خطيبة عثمان شغالة في مفوضية اللاجئين وهو مهتم بموضوعهم، واذكر إنها قالت إنهم بيعتبروا السودان ممر للوصول لإيطاليا أو أوربا وأمريكا على ما أذكر.

أبو جعفر
17-11-2013, 12:58 PM
صباح يوم عيد الأضحى بدأ كيوم عادي فقد غادرنا في السادسة صباحاً للمطار، ولا أذكر بأننا تبادلنا التهاني أو سمعنا صوت تهليل أو تكبير، ولكن شعورنا بزخم العيد بدأ حين وصلت طائرة سودانير، فبعد نزول الركاب دخل علينا - في مكتب الإدارة والاتصال - الطيار والمضيفات يحملون أكياس بها علب حلاوة وبسكويت والكثير من العصير المركز والأكواب كعيدية من سودانير؛ الشيء الذي جعلنا نتذكر العيد ونتبادل التهاني.

وكان أجمل ما قدموه لنا كروت معايدة عليها شعار سودانير لكي نبعث بتهانينا إلى الأهل، أنا شخصياً انتهزت فرصة وجود واحدة من بنات شربوت العيش مع المضيفات، وأرسلت معها معظم معايداتي - والتي أستغرقت خمسة وعشرين كرتاً - لأهل الفاشر والعاملين بمطارها، ما خليت زول: ستنا وبناتا والخالة السرة وأسرتها فرداً فرداً .... والعريس لقيمات، وزيرو تو، والمدير والجيران في حي مكركه، وحي الخالة السرة. وسبحان الله سمعت بعد فترة إن هذه الكروت عملت مناحة حين وصولها؛ حقيقي الفاشر غير.

عثمان لملم نصيبو ونصيبي من علب الحلاوة والبسكويت وقال لي ديل بنحتاج ليهم بعدين، ما سألتو لأن فكري في تلك اللحظة كان مشغول مع ناس الفاشر وعبد الرحيم العريس الذي حلف يضبح عشرة خرفان في أول عيد ضحية له مع بت ستنا.

بعد أن غادرت الطائرة توجهنا أنا وعثمان ومفتش الرئاسة إلى بيت المدير تلبية لدعوة إفطار أقامها على شرف العيد. وحقيقي كانت فطرة مجيهة، عثمان قال لي أملا كويس ما عندنا وكت لغيرها، قلت ليهو ما توصي حريص نسيت مشوار القيادة.

أبو جعفر
17-11-2013, 02:31 PM
عصر يوم العيد وبعد مشوار القيادة أتصل مدير المطار ليدعونا إلى الغداء فأعتذر له عثمان بشدة فقد كان لنا موعد مع جنة الله في أرضه، فقد حضرت خطيبة عثمان مع ملاك يقول للقمر أنزل وأنا أقعد مكانك، وقد اكتملت اللوحة بالجلوس في حدائق الاستراحة الزاهية.

ناس الاستراحة بيعرفوا خطيبة عثمان لأنها بتجي اجتماعات المفوضية في القاعة الرئيسية للاستراحة، وعثمان نفسه اتعرف عليها في نفس المكان، وعشان كده ما قصروا وقدموا الفي والمافي، حتى إننا لم نحتاج إلى فتح هدية سودانير وأعطيناها لهن بأكياسها.

حقيقة البنية - صديقة خطيبة عثمان - كانت صاقعة لكن أنا زول واقعي وتربية أنصار وتجدون هذا ظاهراً في مذكرات الشيخ بابكر بدري، فالأنصار يحذرون أبنائهم بشدة من التلاعب بالقوارير، وعشان كده اكتفيت بتعارف بسيط وحركة في شكل وردة بأن تركتها تحكي عن نفسها وعن عملها في المفوضية وتسترسل، البنية كانت خبرة في مجال عملها، وفعلاً كانت معلومات مهمة لكل من يملك أي حس إنساني، فوقتها كانت حرب التحرير الإرترية على أشدها؛ والسودان كان المنفذ الأقرب للمتضررين من الطرفين.

عثمان وخطيبته كانوا هايمين في الملكوت وما جايبين خبر لوجودنا، وما عارف بيسمعوا بعض كيف، إلا أن الفرحة كانت تشع من عيونهم، وسبحان الله جلسة بريئة زي دي بلا خمرة ولا ورجغة ممكن تسعد الإنسان كما ألف قعدة وقعدة.

وحقيقي هو عيد في الذاكرة رغم البداية الباهتة التي أهل بها علينا، ولكن كان ختامه مسك وورد بكل الألوان، وصدق من قال إن الفرصة تهل مرة واحدة، ولكن كانت كل الظروف تعاند قيام علاقة مستقبلية، فأنا في مأمورية محددة الزمن وقصيرة أعود بعدها ليس إلى الخرطوم وإنما إلى أقصى الغرب حيث الحياة الاجتماعية الزاهية والاحتواء النضر الجميل.

أبو جعفر
17-11-2013, 02:47 PM
بعد العيد وقبل وصول الحجاج توافد على المطار فريق من الجمارك وفريق دعم من سودانير، وقد كلفت أنا بالإضافة إلى عملي بتشغيل إنارة ممر الهبوط في حالة الحاجة إليه، يعني ممكن اداوم حتى الليل في حال تأخر وصول أي سفرية الشيء الذي لم يحدث والحمد لله.

وبدأ وصول الحجاج، وصار المطار مثل خلية النحل ما إن تنزل طائرة حتى تلحق بها أختها، وتوافدت كسلا بلا كلل لإستقبال حجيجها. وأذكر في يوم أن أحد الطيارين استأذن في تجربة مجموعة الهبوط (اللساتك) فكان يطير ثم يهبط ثم يطير ثانية وكرر هذه العملية حوالي ثلاثة أو أربعة مرات، وعند وصلونا للبلد سبقتنا الإشاعات بأن الطيار فقد الاتصال بالمطار ولذلك كان يدور في مكانه، لم نخبرهم بالحقيقة وتركناهم ينظرون.

كثرت زيارات خطيبة عثمان وصديقتها للاستراحة. ورغم أن عثمان كان المسئول عن هبوط وأقلاع الطائرات والترتيب لها مع فرق الدفاع الجوي الشيء الذي يستدعي المساسقة بين مكتبه ومكتب الدفاع الجوي، إلا إنه كان في لحظات اللقاء متجلياً ونشيطاً ويطلق القفشات يسرة ويمنة.

أنتهى موسم الحج بخيره وبدأنا أنا ومفتش الرئاسة في الاستعداد للعودة للخرطوم وذلك بشراء الهدايا من منتجات كسلا البستانية، وكذلك وداع من تعرفنا بهم من الجالية السودانية بكسلا أثناء وجودنا بها، وفي اليوم الموعود غادرت بنا الطائرة عائدة لأرض الوطن، لأجد في انتظاري مفاجئة من الوزن الثقيل.

مها عبدالمنعم
17-11-2013, 03:25 PM
سلامات عمنا ابو جعفر
تسلم حكي في غاية الروعه ...من وريره الي ان وصلنا المفاجاة ...يارب تكون شنو

أبو جعفر
17-11-2013, 05:15 PM
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مها عبدالمنعم http://www.sudanyat.org/vb/images/buttons/viewpost.gif (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?p=564826#post564826)
سلامات عمنا ابو جعفر
تسلم حكي في غاية الروعه ...من وريره الي ان وصلنا المفاجاة ...يارب تكون شنو. مرحب كتير بت أخوي
شهادة أعتز بها من مبدعة في قامتك ....... وقد أسعدتني كثيراً حتى إن كانت على سبيل المجاملة .... فلدي شعور بأنني ألت وأعجن في تخاريف زمان مضى ولا طائل من وراءها ولا تقدم أي توثيق.

وبالنسبة للمفاجئة لن تصدقي مدى البساطة التي عشناها فقد كنا نفرح لأبسط تغير حتى وإن كان لا دوام له. وحق لنا ذلك فقد عشنا زمان البساطة وعدم التفرقة الطبقية والثقافية، حيث لا توجد فروق اجتماعية كبيرة بين الجامعي وخريج الأولية فمعظم الأسر لا يواصل فيها كل الأبناء تعليمهم إلى الجامعة أو حتى الثانوي نسبة للتصفية الكبيرة التي تتم من مرحلة لأخرى، فهل تصدقي بأن كامل الدفعة التي أمتحنت معها الشهادة السودانية كانت أربعة عشر ألف تلميذ وتلميذة لكامل السودان، نجح منهم سبعة ألف، ولكن لم تستوعب الجامعات والمعاهد منهم سوى ثلاثة آلاف. وتم استيعاب الباقين في مناحي الخدمة المدنية والعسكرية.

أبو جعفر
17-11-2013, 05:52 PM
كانت المفاجئة استلامي مذكرة بنقلي للخرطوم بصفة نهائية وإلحاقي بقسم الملاحة الجوية هندسة أجهزة الهبوط الآلي ..... وكان الالتحاق بقسم الملاحة في هندسة إرشاد الطيران مكسب كبير وعزوة لصاحبه.

فما بالكم بالعمل في أحدث ما توصل إليه العلم فيها، وهي أجهزة هبوط الطائرات والتي تصل بعض درجاتها ( Cat - 3) إلى التحكم في الطائرة وإنزالها بدون التدخل من الطيار، وطبعاً ومؤكد ولازم فتحت لقسم المحطات الداخلية، وليسقط عبد الرحيم لقيمات وكل اللقيمات في العالم.

المسئول عن أجهزة الهبوط كان بريطاني من أصحاب الدم الأزرق ولذلك كان في عمله حنبلي للحد البعيد، ورغم ذلك تمكنت الإدارة من تكليفنا بمهام خارج نطاق القسم ضد إرادته.

وعلى سبيل المثال أرسلت على بعد أسبوع واحد من انضمامي للقسم إلى الأبيض غصباً عنه في مهمة صيانة عاجلة وكانت اقامة قصيرة لم تتعدى الثلاثة أيام ولكن مليئة بالأحداث فقد زرت الأبيض وأنا طالب في زيارة لأخي الذي كان يعمل فيها، وتعرفت هناك على الكثيرين من حي القبة. ولذلك رفضت النزول مع ناس الطيران المدني ويا فكيك على حي القبة.

أبو جعفر
17-11-2013, 05:59 PM
أول ما دخلت الحي - حي القبة - الجماعة قالوا العيد جا تاني، وتم ترتيب برنامج مكثف يسمح لي بيوم عمل واحد واحتلت اليومين الباقيين رحلات إلى جناين البان جديد، مع البهجة والغناء، والله الناس ديل فنانين ويعشعش الفن داخلهم، كيف لا وهي بلد ود القرشي عليه رحمة الله.

وفي نفس اليوم حضرنا حفلة لفنان صاعد اسمه عبد الفتاح على ما أذكر، وكانت الأبيض كلها تتحدث عنه، تاني يوم ونتيجة للسهرة التقيلة ذهبت للمطار الساعة عشرة صباحاً على أن أخلص صيانة الجهاز في نفس اليوم حسب برنامج ناس القبة، المهم خلصت الساعة السادسة مساءً، ومن هناك لحي القبة وحفل آخر لعبد الفتاح، وحقيقي الزول غناي وصوته إلى الآن - كلما تذكرته - يرن في أذني.

مسار المأمورية كان خمسة أيام، يوم وصول ويوم مغادرة وثلاثة أيام قضيت منها يومين في حدائق البان جديد مع ليال ساهرة مع عبد الفتاح في مهمة وطنية أخرى هي إعادة العيد لأهل الأبيض الطيبين، وكردفان تستاهل فهي الغرة أم خيراً جوه وبره.

أبو جعفر
18-11-2013, 01:09 AM
العمل في أجهز الهبوط أو منظومة الهبوط (ILS) بالإضافة للمحاضرات المستمرة، كان شاقاً ومرهقاً بسبب ارتباطه الوثيق بممرات هبوط الطائرات والخط الصاعد منها شمالاً وجنوباً، وكذلك ووجود أجهزته خارج مباني المطار بجانب هذه الممرات.

ولهذه الأسباب كان لنا تواجد دائم في الفضاء المترامي للمطار وبلا سقف يقينا حر الشمس أو برد الشتاء. كما كانت هناك خطورة التواجد المستمر مع العملاقات النفاثة في نفس المكان. وكان أكثرنا رعباً منها هو الخبير البريطاني الذي كان دائم السؤال عن نوعية الطائرة الهابطة هل هي جت أم مروحية.

ولكن كانت هناك جوانب مشرقة وهي السفر إلى المطارات الداخلية لعمل الاختبارات في العودة، وقد كان مطار الفاشر أحدها في مرة، وكذلك في الكورسات القصيرة إلى العالم المتقدم ..... مما يعني أن نجمة السفر لا زالت مسيطرة على سماء حياتي.

أبو جعفر
18-11-2013, 09:48 AM
مهمات السفر والعودة بنفس الطائرة لمراقبة عمل منظومة الهبوط كانت متتالية وروتينية بعض الشيء - وطبعاً بنبر الكوكبت محمدك ذهاباً وإياباً – ولكن في مرة طلعت مع سفرية للفاشر على أن أعود على نفس الطائرة حتى أقدم تقريري.

وما إن وطئت قدماي صالة المسافرين وإلا وقامت الدنيا ولم تقعد ترحيباً بمقدمي، وظن الجميع بإنني قد عدت للعمل معهم. ولكن عندما أخبرتهم بأنني عائد على نفس الطائرة تدخل مدير المطار وأمر (عبد الرحيم زيرو تو) بأن يرسل مذكرة عاجلة للرئاسة، يحتج فيها على سحب مهندس الإرشاد المقيم وعدم إرسال مهندس صيانة دوري، وعندما حضر من نحتاجه أخبر بعودته على نفس الطائرة. ثم طلب منه أن يحضر له باشمهندس الإرشاد على الجهاز.

ذهب عبد الرحيم زيرو تو وبعدها نادى على مدير المطار ثم ظهرا - والفرحة تملاء وجوههم على نجاح مؤامرتهم - وفي يدهم إشارة بأن أمكث لمدة أسبوع لأعمال الصيانة الدورية؛ غايتو الخواجة ده يوم بنجلط.

عبد الرحيم لقيمات - عندما سمع الخبر - جدع لي جهاز تفتيش الركاب وطيران على الحي لتجهيز لمة نهارية، الطيار عندما لم يجدني في الكوكبت رسل المضيفة فأخبروها باستبقائي لأعمال الصيانة.

عند أنتهاء الدوام خرجنا في سيرة نحو الحي الذي تقدمنا إليه عبد الرحيم لقيمات ولم يترك خروف في زريبة ستنا لم يذبحه، وحقيقي كانت لمة ضخمة استمرت إلى الليل حتى إن (زيرو تو) قال يا أخوانا ما تعقدو لي بمناسبة جية الزول ده.

الخالة السرة بكت - عند لقائي - كما تبكي الناقة على فصيلها وأبكت كل الموجودين، وأصرت على أزورها يومياً في السوق قبل ذاهبي للعمل، فكانت جلسات قهوة صباحية ممتعة، ولا زالت ذكرها ندية داخلي.

ورغم إصراري على تنفيذ أعمال الصيانة كاملة، إلا إنه كان أسبوع ولا أروع وتبارت الميزات في عمل اللمات، شي بالشربوت وشي بعسلية عبد الرحيم زيرو تو، وكيف لا وشيخ لمة اللقيمات قد حل بالبلد.

أبو جعفر
18-11-2013, 04:41 PM
تخريمة صغيرة:
علي ود الصديق ماهيتو سبعمية جنيه بالجديد طبعاً ... أجر بيت كبير وسمح بسبعمية جنيه، أهلو زاروه وعجبم البيت سألوه: أجرته بي كم يا علي. قال ليهم بسبعمية جنيه. وماهيتك كم. قال ليهم سبعمية جنيه .... طيب بتاكل شنو؟!!!!. قال ليهم باكل سيد البيت.

دايركم تتخيلو حال البيت ده بعد تلاتين سنة لو كنكش فيهو ود الصديق المستهبل ده ... والله ياهو ده حالنا .... في الثمانينيات عندنا جهاز هبوط (2 CAT ) يعني لو الرؤية صفر ينزل الطيارة ..... نسمع بعد الألفية الثانية والوصول بالسيطرة على الطائرات لمدى يصل 1600 كيلو متر ..... انو في طيارة وبسبب مباشر من عدم الرؤية نزلت في فضاء الحاج يوسف واصطدمت بالمبنى الوحيد في المنطقة وموت كل الطاقم والركاب.

ثم حتى لو استبعدنا وجود منظومة هبوط، هناك ترتيبات أخرى .... يقال أن السفير الأمريكي كان في نفس الليلة قادماً للخرطوم ... وذهب بطائرته إلى مطار بورتسودان وعندما تحسنت الرؤية عاد سالماً إلى الخرطوم ... وهذا نظام معمول به في الطيران المدني وهو إمكانية الذهاب إلى مطار بديل لأي ظرف طارئ ... وقد شهدت بعيني وعلى مدى أيام العواصف عودة الطائرات إلى مطار الإقلاع لتعذر الرؤية.

رحم الله شهداء ذلك الحادث الذين ماتوا سمبلة!!!.

أبو جعفر
18-11-2013, 06:48 PM
أول كورس - قصير - لي كان إلى فرانكفورت وقد كان على حساب أحد وكالات الأمم المتحدة المختصة بالتنمية البشرية أو هيئة النقل الجوي العالمية (IATA).. ما متذكر الزمن طال، ومقره مطار فرانكفورت والسكن كان في شيراتون وهو يقع داخل دائرة المطار المربوط بالمترو مع فرانكفورت المدينة.

هذه السفرية تعاملت مع معطياتها كطفل في السادسة. وكيف لا أمام أعجاز هؤلاء الألمان في صناعة ما يشد المشاعر وانتزاع رضاء المتعامل.

وقد بدأت حيرتي أول ما وضعت قدمي في طائرة اللفتهانزا وهي قابعة في مطار الخرطوم، والسبب في ذلك ابتسامة مضيفات هذه الشركة العملاقة، وكيف إنها ابتسامة رائعة ومتشابهة حد الدهشة، والتي لم تفارق خيالي حتى اليوم وأنا أتعدى الستين بعدد سنين، رغم ظني بأنها مصنوعة.

وقد قلت إن ابتسامة قوارير اللفتهانزا كانت مصنوعة بسبب عدم ظهورها عليهن في المترو الذي يربط المطار بفرانكفورت المدينة، فقد ظهرن - حتى وهن يتحدثن مع بعضهن البعض - بصورة مختلفة وأقرب لتماثيل الشمع.

نفس الشيء لاحظته وأثار دهشتي في تعامل عاملات الأسواق الحرة في المطار.. تعامل راقي يجبرك على الشراء، والاستدانة للشراء. مش زي بناتنا فتحة خشمي قالت لي ما تشتري من محل ما جيت، الشيء الذي دفعني إلى الهرولة من أمامها حتى لا تتكرم علي بمساخة أخرى.

وخدمات الفندق وما أدراكم ما خدمات شرتون فرانكفورت تحس معها بشعور ملك، وسيد يطيعه البشر والحجر. تخرج من الحجرة تجد المصعد مشرعة أبوابه لإستقبالك، تطلب الطعام فتأتيك سفرة ملكية تتوسطها الزهور وتحمل ما طاب من الساخن والطازج، مياه الاستحمام مضبوطة على درجة الحرارة التي تقررها ... أنا شخصياً اخترت أربعين أنتو اختاروا ما بدا لكم. صحيح كانت فترة قصيرة لا تتعدى الأسبوعين ولكن في النفس - وإلى اليوم - شيء من حتى.

أبو جعفر
18-11-2013, 11:02 PM
وأنا جاي منفصم من دقة مكينة العمل الألمانية ظهرت لي سفرية الأبيض، وكالعادة قررت المبيت مع مهندس الوردية راحة من المساسقة خمسة صباحاً لأن ميزان السفريات الداخلية بيبدا الساعة ستة.

وهناك فوائد وأسباب أخرى وهي أن مكاتبنا لها بلكونة بتطل على موقف الطائرات والرن وي، يعني فرجة طيارة طالعة وواحدة نازلة، مضيفة أرضية جارية، بالإضافة للونسة ... والفراش المتوفر لتلبية طلبات الشاي والقهوة والعشا.

مهندس الوردية في حبكة نمارسها كثيراً قال لي الليلة أخت صاحبك مداومة. فقلت له والله فرصة عشان أنا عندي جواب مهم ليه وما عندي عنوانو الجديد. فقال لي خلاص مر عليها وبالمرة شيك لي على الببلك أدرس (جهاز التنبيه على المسافرين) عشان عندي تقرير مفروض أسلمه بكرة الصباح. فوافقت على أساس أنا ماشي الصالة بيه وبراه.

المهم مشيت الصالة وسألت عن نوال قالوا لي كانت مداومة الصباح. عرفت المقلب، وشيكت على الجهاز ورجعت، قال لي لقيته قلت ليه أيوه لكن في راسك ده. ضحك وقال لي كان لازم نستفيد من وجودك. أنا فترت من المساسقة.

مررتها ليه على أساس الرد لاحقاً وقعدنا نتونس، وفجأة أشوف ليك طيارة فوكرز أقلعت، وبدون مقدمات قلت ليه: دي أكيد طيارة الأبيض المفروض تقوم بينا الصباح، قال لي عرفتها كيف. قلت ليه: عشان الأبيض أكتر محطة حاقرين بيها عشان عندها القطر.

فقال الموية تكضب الغطاس أنت شيكت لي على الصالة وأنا بجيب ليك خبرها، مشى على عمليات سودانير وجا قال لي لقيت المهندس قريبك قال طيارة الأبيض شيلوها لساتك بوينج لبورتسودان، وقال ليك أتكامل أهلك.

تخيلو ركاب يجو ستة صباحاً وعندهم مواعيد وأشغال في الأبيض وببساطة يقولوا ليهم السفرية اتلغت وأعلنا عنها في نشرة ستة. وصدق من قال حكومة والناس أهالي.

الجيلى أحمد
18-11-2013, 11:11 PM
صباح يوم عيد الأضحى بدأ كيوم عادي فقد غادرنا في السادسة صباحاً للمطار، ولا أذكر بأننا تبادلنا التهاني أو سمعنا صوت تهليل أو تكبير، ولكن شعورنا بزخم العيد بدأ حين وصلت طائرة سودانير - وبعد نزول الركاب - دخل علينا في مكتب الإدارة والاتصال الطيار والمضيفات يحملون أكياس بها علب حلاوة وبسكويت والكثير من العصير المركز والأكواب كعيدية من سودانير؛ الشيء الذي جعلنا نتذكر العيد ونتبادل التهاني.

وكان أجمل ما قدموه لنا كروت معايدة عليها شعار سودانير لكي نبعث بتهانينا إلى الأهل، أنا شخصياً انتهزت فرصة وجود واحدة من بنات شربوت العيش مع المضيفات، وأرسلت معها معظم معايداتي - والتي أستغرقت خمسة وعشرين كرتاً - لأهل الفاشر والعاملين بمطارها، ما خليت زول: ستنا وبناتا والخالة السرة وأسرتها فرداً فرداً .... والعريس لقيمات، وزيرو تو، والمدير والجيران في حي مكركه، وحي الخالة السرة. وسبحان الله سمعت بعد فترة إن هذه الكروت عملت مناحة حين وصولها؛ حقيقي الفاشر غير.

عثمان لملم نصيبو ونصيبي من علب الحلاوة والبسكويت وقال لي ديل بنحتاج ليهم بعدين، ما سألتو لأن فكري في تلك اللحظة كان مشغول مع ناس الفاشر وعبد الرحيم العريس الذي حلف يضبح عشرة خرفان في أول عيد ضحية له مع بت ستنا.

بعد أن غادرت الطائرة توجهنا أنا وعثمان ومفتش الرئاسة إلى بيت المدير تلبية لدعوة إفطار أقامها على شرف العيد. وحقيقي كانت فطرة مجيهة، عثمان قال لي أملا كويس ما عندنا وكت لغيرها، قلت ليهو ما توصي حريص نسيت مشوار القيادة.



كتابة سمحة, التقول شيوعى

أبو جعفر
19-11-2013, 12:11 AM
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الجيلى أحمد http://www.sudanyat.org/vb/images/buttons/viewpost.gif (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?p=564992#post564992)
كتابة سمحة, التقول شيوعى.
ههههههههههه

ومنو القال ليك أنا ما شيوعي .. ولكن ليس بالأماني يحيا البشر

تعرف يا الجيلي أنا خمسة وعشرين سنة في حالة قراءة حرة في الفلسفة والدين والسياسة، ورغم عدم تواصلها، ولكن طول المدة غطى على تقطعها، وجا ابن عقيل لخص لي كل هذا في جملة واحدة وهي (السياسة بحيث يكون الناس أقرب للصلاح) ثم جا المثل القائل: (من جرب المجرب خطله، حاقت به الندامة) وقفل على الحكاية ..... دمت بخير وليوفقنا الله. وشاكر على المداخلة الطيبة.

جيجي
19-11-2013, 09:34 AM
ابو جعفر
تحية ومحبة
تعودت تصفح المنتدى بعد صلاة الصبح مباشرة
كأن الله اراد ليومي الذي نام حزينا ان يشرق زاهيا
هذه الكلمات اخذتني لصبح كامل البهاءوتلك الحكاوي ملأتني دفئا وطمأنينة
بان هناك رجالا يمشون على الارض جمالا وامنا وبهاءا لانفتا ان نصرخ وسطهم فرحا غير مبالين من سوء ونراقصهم الصفاء مودة وزهاءا
واصل ياسيدي هذه النفحات لتشرق عند الروح ضياء تتساقط عنده بقايا الظلمات

أبو جعفر
19-11-2013, 11:02 AM
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة جيجي http://www.sudanyat.org/vb/images/buttons/viewpost.gif (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?p=565045#post565045)
ابو جعفر
تحية ومحبة
تعودت تصفح المنتدى بعد صلاة الصبح مباشرة
وكأن الله اراد ليومي الذي نام حزينا ان يشرق زاهيا
هذه الكلمات اخذتني لصبح كامل البهاءوتلك الحكاوي ملأتني دفئا وطمأنينة
بان هناك رجالا يمشون على الارض جمالا وامنا وبهاءا لانفتا ان نصرخ وسطهم فرحا غير مبالين من سوء ونراقصهم الصفاء مودة وزهاءا
واصل ياسيدي هذه النفحات لتشرق عند الروح ضياء تتساقط عنده بقايا الظلمات. سلام كتير بت أخوي جيجي وعساك بألف خير
صعدت بعمك إلى الثريا فالتزمها ورفض النزول ... فما أروعها كلمات منك أثلجت قلب عمك المثقل بأحمال السنين، لك الشكر الجزيل عليها ومن الله له الحمد والمنة خير الجزاء.

ولعلها فرصة أن أخبرك بأنني دائم المقارنة عبرك، بين جيلك وجيل الوالدة عليها رحمة الله .... وكيف إن الأخيرة لجيلها كل احترام ومودة، عاشت في قوقعة خوف الاحتجاج على الظلم، والاكتفاء بما يلقى إليها من فتات .. ولهذا السبب يسكنني هاجس أو فكرة إن الوالدة إن سمعت كلمة عرقي سوف تقع من طولها فكيف تحتج عليه.

أما جيلكم - ما شاء الله ألف مرة - فهو جيل مقتحم للحوار مهما تعرج للوصول لمجتمع خالي من التشوهات والمنقصات الدنيوية. وفقك الله بنيتي وأسعدك في الدارين كما أسعدت عمك بكلمات سيحتفظ بها وسام على صدره. ودمتي في رعاية الله وحفظه.

أبو جعفر
20-11-2013, 02:45 AM
بورتسودان شهر سبعة - في معاندة لباقي السودان الذي يعيش الخريف - تسخر من جحيم دانتي ودانتي نفسه، وتمد له لساناً بطول متر وأحياناً أمتاراً عديدة. وكيف لا ورطوبتها تنتر الماء من جسدك نثراً حتى يئن، وتصبح ولسانك كما المدينة الساخرة من الجحيم.

فقد ذهبت إليها في صيف عينه ويصادف رمضان، ولكن قلنا نستفيد من الإجازة، ونكتسب بعض معارف تجارية ونصلح الميزانية بمأمورية خاصة، وهي متابعة تخليص بضائع لشركة أحد الأخوان.

وعشان تكون فسحة ومصلحة في نفس الوقت قررت أسافر بالقطر لأن الخريف في طريق مدني القضارف كسلا - حيث الديار ديار ليلى - يبهج القلب، ويفرح الروح ويسعدها.

وقد كانت رحلة ولا أروع، تنوم وتصحى وتتونس وتتفرج على الزراعات والمدن والقرى التي أخضرت وأينعت بسبب الخريف والمطر، فقد كانت السكة حديد وقتها سكة حديد. وكانت غرف ركابها نظيفة وخدماتها من ناحية الأكل السنطور (Senator) ممتازة وطول اليوم ماشي السنطور جاي من السنطور.

أما عن التسطيح فدي ليها حكاية وهي إنني لاحظت في ظل المسطحين ساعة العصرية واحد ماسك رق، وأنا خبير تسطيح من أيام التلمذة فضمنت السهرة. وفعلاً بعد المغرب والقطار مغادر لكسلا صعدت إلى السطح ووجدتهم معمرين الجلسة.

وليه يا قلبي ليه تاني رجعت ليه
زي أيام زمان عدت تحن ليه

استمعت هذا وأنا ألمح كسلا تغادرنا، فهاجت شجوني كما غادرتها أولاً، ولكن هذه المرة كانت أخف وطئة. وصدق من قال الأيام أفضل طبيب قلب عرفته البشرية.

استمرت السهرة وكان يسوق الحفل أكثر من مغني والرق واحد، ولا أحد يتحدث أو يسأل الآخر من أين هو أو إلى أين هو ذاهب فالكل يعلم بأنها عشرة طريق ليست للدوام، والأفضل العيش مع الذات واللحظة ... شخصياً اجتررت ذكريات أبو حمد وجزرها الزاهية خاصة جزيرة أبو ديس وهي تبدو كعروس مشرقة من سطح القطار ونحن قاصدون حلفا أيام التلمذة.

انتهت الجلسة وتمدد الجميع لينام فقضيت بينهم ساعة أنظر إلى السماء ونجومها التي تظهر وتختفي جراء السحب، ثم نزلت بعدها إلى غرفتي وغرقت في نومة لم أحظى بمثلها طوال السفرية.

أبو جعفر
20-11-2013, 11:24 AM
وصلنا بورتسودان وليتنا لم نصل فالمهمة كانت انتحارية بسبب حرارة الجو غير المحتملة مع الجري والمساسقة مع المخلص ومساعديه وكذلك مع الكمسنجية لشحن ما يتم تخليصه أول بأول.

وبورتسودان هي مدينة الشللية في السودان بلا منازع، وتنعدم فيها البساطة الأمدرمانية التي تحسها في معظم مدن السودان، وقد يكون انطباعاً خاطئاً ولكن هذا ما احسسته، فلا تعارف عفوي بين فئات سكانها، فتجد الغرباء فئة، والموظفين فئة، وأهل البلد فئة أخرى.

حقيقي خسارة فالبلد – وقتها - نظيفة وجميلة وبها حديقة لو وجدت في أي مدينة لكانت ملتقى يندر مثاله، ولكن في بورتسودان يكتنفها الجليد الاجتماعي رغماً عن حرارة صيفها القاتلة. وأذكر أننا في مرة سبحنا إلى صخرة على بعد قريب من الشاطئ، فقال أحدهم ماذا لو تحررت هذه الصخرة، فقلنا بصوت واحد على أن لا تقف إلا في جدة، فنهرب من حر وغربة إلى حر وغربة على سبيل التغيير.

شلة الغرباء كان فيها تاجر مواشي عزمنا سوق شين (اللحمة في فرن العيش لو تتذكروا)، ولكن حرارة الفرن وعليها حرارة البلد الغير محتملة أصلاً جعلتنا نفكر بالذهاب بالوجبة إلى صخرة الطفشانين في البحر. ولكن كيف السبيل لحمل اللحمة وباقي الأشياء. فاشترينا شنطة ولستك عربية داخلي لزوم التوصيلة، وحقيقي كانت وجبة في الذاكرة لأن هواء البحر بخلي الناس تاكل.

كان من المقرر أن أتم العمل قبل رمضان بخمسة أيام أقضي منها ثلاثة أيام في كسلا عسى ولعل الحظ يعاود، ولكن ونسبة للتعقيدات الإدارية دخل علينا رمضان ونحن نعمل، فغيرت خططي وغادرت بالطائرة. حيث وصلت الخرطوم ولم يبقى من العطلة الكثير، ولكن المال المكتسب خارج الروتين الشهري كان له طعم آخر.

أبو جعفر
20-11-2013, 01:42 PM
اللوحة دي جات هدية كل الشكر لمهديها:


http://www.sudanyat.org/vb/uploaded/2873_1384966942.wma

أبو جعفر
20-11-2013, 07:28 PM
يوم قاعد في قهوة يوسف الفكي منتظر الدور التاني للسينما - المتوفية إلى غير رجعة - أشوف ليك زميل الدراسة عبد القيوم واقف فوق راسي ... وبعد السلام مباشرة قال لي أنت حظك من السما .. سألته في شنو أنا والسما مترافقين ما نزلت وإلا وصعدت إليها ... قال لي فرصة وظيفة تكون الرجل الثالث في إدارة قدر الليلة وبكرة، هي إدارة قسم الكهرباء في النقل النهري .. أها الوكت داك أنا بلغت من السفر حد التخمة، فقلت له من نقل جوي لنقل نهري يفتح الله يا زول ده ربيت.

قال لي ما تستعجل، كدي أسمع كلامي وبعدين أحكم. وبدأ يحكي لي ياخ بدل الفيافي الجادعنكم فيها دي، حيكون مكتبك على الشاطئ مقابل القصر الجمهوري .. والعجب البلي (الجكس بلغة اليوم) الله على البلي النضيف، لمن يقول جوبا الخرطوم (نداء لا سلكي) إلا تمشي تغطس في الموية عشان تطفي النارية، ده غير إنو الوظيفة معاها بيت وتصادف تأهيل ألماني كامل للهيئة من وابورات وجرارات وشبكة ربط واتصال متكاملة.

ثم قال لي بعدين ياخ الناس كلها بدت تحضر في الزمالة إلا أنتو ناس الطيران القشري، بسبب السفر الكتير ما تضمن تحضر ليك محاضرتين ورا بعض. حديثه عن الزمالة حرك أطماعي بشدة، ولكن أدعيت عدم الاهتمام وقلت له يا عبد القيوم أنا في إجازة وما صدقت أصحى ألقى نفسي في البيت فبالله ياخ ما تفلقني بالشغل.

قام قال لي عز الطلب أنا بكره عازمك فطور، تعال لي الساعة تسعة في الوابورات أنا بخلي عامل ينتظرك في الاستقبال يجيبك لي، فوافقت على دعوته من قبيل قفل الموضوع. وغيرنا الحديث إلى ذكريات أيام الدراسة والذين قضوا يوم تخرجهم في الحراسة.

أبو جعفر
21-11-2013, 11:13 AM
المهندس عبد القيوم زول داهية يعرف كيف يصل لهدفه، فقد كان الفطور في بلكونة مكتب مدير الإدارة الفنية والظاهر كان مخطط للموضوع معاهو، لأن الخدمة كانت تقوم بها سكرتاريته، وهي ما سكرتارية نصاح لطافة وسماحة وظرافة وحنية ما تديك الدرب - أقمار تمشي على الأرض - ونحن وقتها شباب والقلب رتينة ينور على الهبشة، هذا خلاف منظر النيل والساحة المشجرة والبلي المتناثر في أرجاءها، وطبعاً الفطور كان سمك عشان تكتمل اللوحة.

بعد الفطور وعلى نغمات الشاي الفاهم بسبب الأيدي الحالمة التي قدمته، بدأ عبد القيوم يشرح لي أبعاد المشروع الألماني لتحديث أسطول الجر ومواعين النقل وتزويدها بمولدات وأجهزة اتصال ومنظومة ملاحة حديثة، وكلها مزودة بلوحات ضبط إليكترونية.

وفي أثناء حديث عبد القيوم حضر مدير الإدارة وسلم علي بحرارة تؤكد بساطة وعفوية السودانين، وشارك عثمان في شرح أبعاد المشروع الذي تنفذه إدارته. وقد كان الرجل صريحاً حيث حدثني بأنهم في حاجة لمهندس له خبرة في المولدات وأجهزة الملاحة ونظم الاتصالات وأن عبد القيوم قام بترشيحك بحسب زمالته لك ومتابعة تاريخ عملك في الطيران المدني.

شكرت الرجل وذكرت له بأن أي مهندس مع قليل من التدريب يمكن أن يوفي مطالبهم. فقال لي أن لا ... فهم في عجلة لم تسمح لهم بابتعاث عبد القيوم – مع نيتهم القوية لذلك - لكي يوفي تلك المطالب، ومن هنا فليس هناك بد من الاستعانة بكادر جاهز لتسيير العمل.

شكرته مرة ثانية على ثقته وطلبت منه مهلة للتفكير في مسألة قبول الانتقال، وكذلك إمكانية تخلي هيئة الطيران المدني عن خدماتي، فقال لي مسألة النقل من الطيران المدني هذه أتركها علينا فهناك بعد سياسي للمشروع الموجه لخدمة الإقليم الجنوبي سيسهل الأمر.

أبو جعفر
21-11-2013, 06:26 PM
ذهبت مع عبد القيوم إلى مكتبه فوجدته يحتل صالة فسيحة في الطابق الثاني من باخرة على النيل وتفتح – الصالة - على غرف جعل منها ورش متكاملة بها اثنين من تلاميذ الهندسة عرفني بهم وكان أحدهم من أبو دليق أول اسم في حياتي المهنية، والثاني من الحلفاية أو حلفاية الملوك كما يناديها أهلها.

كذلك كانت لعبد القيوم جلسة مريحة تطل على المياه في الطابق الأرضي من الجهة الخلفية للباخرة. يستخدمها كمتكأ للفطور وصيد السمك، وهي المكان الذي جلسنا فيه نناقش عرض مدير الإدارة الفنية.

وبادرته متسائلاً أنت يا عبد القيوم أمبارح جيت يوسف الفكي صدفة؟!. ضحك وقال: نقشتها، لا كلمني إبراهيم (زميلنا في الطيران المدني) قال هي مكانك المفضل، وأبراهيم هو الكلمني عن خبرتك في المولدات لأنك اشتغلت كتير في الأوت استيشن، وكذلك عملك في قسم الملاحة.

سألته مرة ثانية بأمانة رأيك شنو في عرضكم؟. فقال لي صحيح الطيران المدني فيهو ميزات مثل التذاكر المجانية وزخم العمل وأهميته، لكن هنا في راحة البال والخبرة السوقية، وإمكانية التحضير للزمالة.

بقوله إمكانية التحضير للزمالة حسم الموضوع لأن لا أحد في الطيران المدني استطاع أن يواصل في التحضير للزمالة في سنين الملطشة والسفر، وبعد أن يستقر يكون قد نسي الموضوع. فقلت له يا زول على بركة الله ولكن عند انتهاء أجازتي السنوية على بعد أسبوع.

قال لي هذا حقك وعندما تنزل للعمل ستكون الأمور قد رتبت، والآن أريد أن أمر بك على ورش الهيئة، وحقيقي كانت ورش ضخمة ومتكاملة، فيها الحدادة والخراطة والبرادة والكهرباء والبناء وتقريباً كل التخصصات الهندسية على أعلى مستوى وتحس الخبرة في كوادرها. وكيف لا وهي تبني البيوت، وتصنع بواخر من ثلاثة طوابق. وبكل أسف انتهى كل هذا وأصبح هذا الصرح العملاق مجرد مساكن تطل على النيل، وصدقت فينا قصة الحلاق الما بعرف شغلو، لمن يظعمت الزبون ويقول ليه: باظت نتمها صلعه.

أبو جعفر
21-11-2013, 07:52 PM
نهاية تلك العطلة كانت آخر عهدي بالطيران المدني وبداية عهد جديد مع هيئة النقل النهري في عمل اتسم بالمهلة في تناول الأمور، ويغلب عليه طابع الرقة فقد كان الجو العام في منطقة مكاتب الإدارة كما لوحة عامرة بالخضرة والماء والوجه الحسن.

وفي العمل بدأت مع عبد القيوم في كورسات تركيب وصيانة مكثفة لتلاميذ الهندسة - الذين زاد عددهم إلى أربعة - وركزنا فيها على المولدات وأجهزة قياس الأعماق والأجهزة اللاسلكية حتى نلبسهم قفة الجري والطيران، ونحتل نحن مقعد الخبراء الأجانب.

وقد لاحظ عبد القيوم عدم اهتمامي بمواعيد انتهاء الدوام واستمراري في الشرح والفلفلة (معرفة مكونات الجهاز وفلفلتها، وهي خبرة اكتسبتها من كورس لإيطاليا) لتلاميذ الهندسة لوقت متأخر مستغلاً حماستهم، فنبهني لذلك فأخبرته بأن تلك كانت عادة العمل في الطيران المدني حيث لا فرق بين البيت والمكتب، فهناك أكل ومرقد وفي المطار أيضاً أكل ومرقد. ووعدته بالانتباه لذلك رفقاً بالشباب.

أستمر العمل والتأهيل للفنيين الذين أضفنا إليهم بعض العمال المهرة، ونزل عبد القيوم لإجازته السنوية. وفي يوم أرسل مدير الإدارة في طلبي، فذهبت إلى مكتبه حيث قابلتني مديرة مكتبه مازحة: "الأكلو سمكنا وحاربو حلتنا" فاعتذرت لها بالمشغولية، ودعوتها مع زميلاتها في الغد على سمك أم درماني على نغمات الموج في متكأ عبد القيوم الذي جعلته متاحاً للجميع. ودخلت على المدير الذي أعطاني أوراق استلام ستة عشر جهاز اتصال وصلت لتوها وقال لي بدبلوماسية ظاهرة، أعمل رأيك فيها.

استلمت الأجهزة لمخزن القسم الفرعي، وقررت استبدال أجهزة كل من الخرطوم، وكوستي، وملكال، وجوبا، وكريمة، ولكن هل يستطيع تلاميذ الهندسة تركيبها، وهل من الأمانة تعريضهم لمهمة ومسئولية مثل هذه وهم في بداية سلمهم الوظيفي، إذن هي نجمة السفر قد حكمت علي بالقيام بكامل المهمة وحيداً فعبد القيوم في أجازته السنوية.

النور يوسف محمد
22-11-2013, 12:57 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

يا سلام ،،
ياخ متعة ما بعدها متعة ،،
قرأت كل هذه الصفحات جرعة واحدة
one shot :D

يتجلى جمال هذا ( الحكى ) فى ملامسته العميقة اللطيفة للمشاعر
صدقاً ليست هى الأحداث التى ترسم الملامح ، بل هى الروح التى تمشى بين السطور ،،

ممنونك ياخ ،،
ومدان لك بأمسية خميسية (فاشرية ) النكهة والمذاق ،،،

أبو جعفر
22-11-2013, 02:53 AM
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة النور يوسف محمد http://www.sudanyat.org/vb/images/buttons/viewpost.gif (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?p=565322#post565322)
بسم الله الرحمن الرحيم

يا سلام ،،
ياخ متعة ما بعدها متعة ،،
قرأت كل هذه الصفحات جرعة واحدة
one shot :D

يتجلى جمال هذا ( الحكى ) فى ملامسته العميقة اللطيفة للمشاعر
صدقاً ليست هى الأحداث التى ترسم الملامح ، بل هى الروح التى تمشى بين السطور ،،

ممنونك ياخ ،،
ومدان لك بأمسية خميسية (فاشرية ) النكهة والمذاق ... وعليكم السلام أخي النور
وسعيد بمرورك وتشجيعك، وهو شرف لا أستحقه ولكنه الكرم منكم، لك الشكر أجزله.

وأحمد الله على مرورك الذي ذكرني مسألة مهمة لم أذكرها رغم وضوحها كظاهرة تميز الفاشر وقتها وهي أن الفئات المتصارعة الآن في دارفور كانوا عناصر اجتماع بشري يكمل بعضه البعض في الفاشر، فتجد الزغاوة في التجارة، والفور والبرتة في الزراعة، والمعاليا والرزيقات في المجال الحيواني.

وكذلك كانت البلد آمنة بدرجة عدم السمع بأي جريمة سرقة أو حتى مشاجرة ... وكنا نتجول فيها لأوقات متأخرة دون التفكير في حمل مجرد عصا صغيرة. فما الذي حل حتى نسمع بالجريمة فيها ونحن في الخرطوم، والتي طالت حتى العسكريين مثل ضابط المظلات المصري الذي قتل في قلب الفاشر.

نسأل الله أن يحفظ بلادنا من كل سوء. وفقك الله ورعاك. ولك الشكر مرة أخرى. فأنت منارة وعي في هذا المنبر.

أبو جعفر
22-11-2013, 03:22 PM
الرحلة الأولى كان مسارها كوستي بالقطر، ثم ملكال جوبا بالباخرة (وادي حلفا) وهي من البواخر الحديثة. وفي اليوم المحدد ركبت القطر لكوستي الذي يمر بمدني سنار وبعدها يتجه لكوستي، وكانت معي في الغرفة إمرأة وبناتها، المهم أثناء النهار كان البساط أحمدي، ولكن في الليل قررت ترك الغرفة حتى تأخذ السيدة راحتها.

جلست على السلم مجتراً شريط حياتي في صعوده وهبوطه مع النزول والتمشي في المحطات، وأستمر هذا الوضع إلى أن أسفر الصبح عن هوائيات محطة ريبا للإرسال الإذاعي قرب سنار، وبحسبة بسيطة وجدت عندي ثلاثة أيام على مواعيد وصول الأجهزة المرسلة عبر ماعون نهري إلى كوستي. فنزلت لزيارة الزملاء واكتساب بعض خبرة في مرسلة بحجم جهاز إرسال ريبا.

وصلت المحطة وكنت على معرفة وصداقة مع اثنين من مهندسيها، فرحبوا بي وأخذوني إلى الاستراحة التي كانت أشبه ببيت في الريف الإنجليزي من حيث الخضرة والهدوء. فطلبت منهم بعد تناول الشاي الذهاب إلى عملهم لأنني في حاجة للنوم، فقالوا لي أحسن حاجة لأن عندنا لك برنامج وسهرة من أبو كديس. هكذا الموظفين في كل مكان.

بعد الغداء خرجت بنا سيارة المحطة في مشوار يسمونه الترفيه إلى سنار، وكان الترفيه هذه المرة على شرفي فاخترت حضور مباراة لكرة القدم، وفعلاً وصلنا الإستاد واتخذنا مواقعنا مع الجمهور، وبدأت المباراة وكانت مباراة مهمة على ما أذكر ولكن الفريقين خايفين يفتحو اللعب.

الجمهور زهج وفجأة وبصوت واحد صرخ ببسي ببسي ببسي، أنا أفتكرت بيوزعوا ببسي على الجمهور تبع التذكرة وناس الخرطوم زمنهم ده كلو خامننا، وعليه أخذت أصيح معهم ببسي ببسي ببسي .. فإذا ببسي ده لاعب يطالب الجمهور بدخوله واستجاب المدرب .... الصراحة الود لعاب وأشعل المباراة بهدف، لكن كان قسموا لينا معاه ببسي كانت الحكاية ظبطت أكثر.

عكــود
22-11-2013, 04:47 PM
سلام تاني يا أبا جعفر،

فقط لتسجيل المتابعة والإعجاب بهذا التداعي الحميم.
طريقة سردك تجعل القارئ في قلب الحدث تماماً؛ خاصة وأنت تحكي عن زمن جميل افتقدناه.

واصل ولا تقيف.

تحياتي.

ياسر قسم الله الصديق
22-11-2013, 06:09 PM
سردك سمح بالحيل و في قمة الألق لقد عشت معك كل سطر و كل كلمة كأني فعلا رأيت فاشر السلطان لك التحية و لو سمحت كثر منو
كسرة صغيرة: مكي ابو قرجة ده استاذي في مدرسة منيب المتوسطة و منه نهلنا اللغة الانجليزية حتى تخصصنا فيها حبا فيه و قد بذر فينا حب الأدب و القراءة فقد كان يجمعنا في النجيلة قدام الفصول و يقرأ الشعر بصوته المميز و نحن طلاب في المتوسط له التحية و كل الود و الشوق فأنا ما زلت اكن له نفس الحب و الاحترام منذ ذلك الزمان في اوائل الثمانينات

أبو جعفر
22-11-2013, 06:51 PM
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عكــود http://www.sudanyat.org/vb/images/buttons/viewpost.gif (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?p=565370#post565370)
سلام تاني يا أبا جعفر،

فقط لتسجيل المتابعة والإعجاب بهذا التداعي الحميم.
طريقة سردك تجعل القارئ في قلب الحدث تماماً؛ خاصة وأنت تحكي عن زمن جميل افتقدناه.

واصل ولا تقيف.

تحياتي.
مرحب كتير عكود وعساك بألف خير


وسعيد بمداخلتك فقد حق لنا زمن نبكيه سوية ونعجب من زواله بهذه البساطة المذهلة، فنحن من أمة أهتم دينها بالمعرفة أو النو هاو (Know how) وجعلها في صلب الدين وذلك لقول الرسول صلى الله عليه وسلم عن السلطة والمسئولية في العمل: بأنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها.

وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: ((يا أبا ذر ، إني أراك ضعيفًا ، وإني أُحب لك ما أحب لنفسي ، لا تأمَّرَنَّ على اثنين ، ولا تولين مال يتيم)).

وسبحان الله الإنجليز أداروا السودان بنمط بسيط وغير مكلف فمعظمه عمد وشيوخ ومساعد طبي ومدارس صغرى، لإدارة زراعة ورعي تسد عين الشمس، ولا يتعدى هذه الدائرة إلا النوابغ. ويخيل إلي إن الإنجليز حققوا قاعدة النو هاو التي تقول:
knowledge of how to do something smoothly and efficiently

دمت بألف خير وشاكر حد الشكر على التشجيع لاستعادة ذكرى أيام أراد الله سبحانه وتعالى لي العيش في متقلبها. أسأل الله لي ولكم السلامة والعافية والسعادة في الدارين هو ولي ذلك والقادر عليه.

أبو جعفر
22-11-2013, 07:24 PM
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ياسر قسم الله الصديق http://www.sudanyat.org/vb/images/buttons/viewpost.gif (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?p=565374#post565374)
سردك سمح بالحيل و في قمة الألق لقد عشت معك كل سطر و كل كلمة كأني فعلا رأيت فاشر السلطان لك التحية و لو سمحت كثر منو
كسرة صغيرة: مكي ابو قرجة ده استاذي في مدرسة منيب المتوسطة و منه نهلنا اللغة الانجليزية حتى تخصصنا فيها حبا فيه و قد بذر فينا حب الأدب و القراءة فقد كان يجمعنا في النجيلة قدام الفصول و يقرأ الشعر بصوته المميز و نحن طلاب في المتوسط له التحية و كل الود و الشوق فأنا ما زلت اكن له نفس الحب و الاحترام منذ ذلك الزمان في اوائل الثمانينات. مرحب بيك كتير أستاذ ياسر
ولك الشكر على المداخلة المشجعة، والتي عكست مدى اهتمام المعلمين في الثمانينيات وما قبلها بعملهم، وكيف إنهم كانوا يمتلكون الموهبة اللازمة لتوصيل المادة الدراسية. ولكن يجب أن لا ننسى التصفية التي تتم لطلاب المرحلة الأولية والتي ترفد المدارس المتوسطة بمستوى أكاديمي وأخلاقي جيد للطلاب.

أبو جعفر
22-11-2013, 07:41 PM
بعد المباراة عدنا للمحطة ليبدأ برنامج آخر بقيادة صاحب كنتين جار للمحطة. وسبحان الله رغم مرور السنين لا زلت أتذكر الزول ده وهو ماسك الصينية ويغني، ورغم إن القعدة كانت بالمنكر، لكن كثيراً ما يتراءى لي بملامح صوفي هائم بذكر الله، والصينية بين يديه كما طار مترنماً بأهازيج دينية، لا بـ: يا عشة القطر قام ... تلقا قدام يا أبو هاني.

صاحب الكنتين ذاك وأخته - كما عرفاني يلتصق بالوجدان - لم يفارقا خيالي إلى اليوم، رغم قصر المدة التي جمعتني بهم. واحتمال يكون السبب هو شبههم الشديد بتلك الرسومات للفتيات والفتيان الذين عمرت بهم كتب المرحلة الأولية مثل كتاب المطالعة الذي حوى قصة طه القرشي.

قرب نهاية السهرة أطلت علينا صواني العشاء حيث حضر المدير بصينية وكذلك نائبه فهما يسكنان بيوت المتزوجين بعيداً من الاستراحة. وكانت منافسة حية بين حلة القطر قام التي طبخها العذابة وصواني العوين وبالطبع انتصرت صواني العوين. وتم تحويل حلة القطر قام بعد التبريد ليلاً، والتسخين اللازم صباحاً للخلوة بريبا. تلك كانت حلة مباركة فقد ابتعدت إلى أهل الذكر الحكيم وعمار بيوت الله.

صباح اليوم الثاني ذهبت مع الجماعة للمحطة وبدأت رحلة شرح مطولة من ألو ارسال إلى ألو استقبال لجهاز عملاق يلتهم الكهرباء كما مارد انفتحت شهيته بعد يوم عمل شاق. كان كل شيء ضخماً بدءً من مساحة المحطة والتي كانت كيلو متر مربع إلى مباني المحطة نفسها والتي فاقت بيوت المتزوجين والاستراحة مجتمعة. ولا عجب فقد كانت ريبا أضخم جهاز إرسال إذاعي في السودان وقتها.

ثم إلى رحلة ترفيهية أخرى على شرفي أيضاً، وكانت هذه المرة مسائية لقلب سنار حيث تجولنا في السوق وانتهت رحلتنا بعد الفول المدنكل إلى المقاهي، حيث لم نترك ذكرى ضاحكة أيام الدراسة وإلا اجتررناها، وجرى الزمن سريعاً حيث نبهنا السائق إلى حلول وقت العودة للمحطة.

في اليوم الثالث ودعتهم حزيناً - على قصر المدة التي قضيتها بينهم - فقد بدأت أتعود على الجو العام للمحطة ولا أمل كبير في المعاودة، وكان صاحب الكنتين وأخته آخر من ودعتهم، حيث أوقفت السائق وقمت بوداعهما ثم واصلت إلى موقف سنار السفري في طريقي إلى كوستي.

اشرف السر
22-11-2013, 11:49 PM
مدهشة التفاصيل يا أبا جعفر

قريت البوست علي يومين...
واستمتعت متعة حقيقية بالتفاصيل وذكرياتك الجميلة اللي اجدت جد في سردها هنا بطعامة...

واني من المتابعين

ياسر قسم الله الصديق
23-11-2013, 09:06 AM
نحن منتظرون لترفدنا بسردك الجميل و متشوقون لوصولك عندنا في كوستي لنجتر معك الذكريات فهلا فعلت

أبو جعفر
23-11-2013, 02:17 PM
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة اشرف السر http://www.sudanyat.org/vb/images/buttons/viewpost.gif (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?p=565393#post565393)
مدهشة التفاصيل يا أبا جعفر

قريت البوست علي يومين...
واستمتعت متعة حقيقية بالتفاصيل وذكرياتك الجميلة اللي اجدت جد في سردها هنا بطعامة...

واني من المتابعين
سلام كتير أشرف وأرجو أن تكون بألف خير
سعدت برأيك فهي ذكرى نعيش على أعطافها حين نخلو إلى أنفسنا من زحمة الحياة، شكراً كتير.

أبو جعفر
23-11-2013, 02:52 PM
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ياسر قسم الله الصديق http://www.sudanyat.org/vb/images/buttons/viewpost.gif (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?p=565403#post565403)
نحن منتظرون لترفدنا بسردك الجميل و متشوقون لوصولك عندنا في كوستي لنجتر معك الذكريات فهلا فعلت. سلام ياسر
وصدقت فكوستي تستحق أن تنثر حولها الدرر فهي العاصمة الإقتصادية للنيل الأبيض وبوابة جنوب مضى بخيره، فمن ينسى المحالج والميناء وسوقها العامرة. وكأني في هذه اللحظة أنظر إلى معالمها تبدو من البعيد وأنا في الطريق من سنار. دمت بخير وشاكر حد الشكر لمشاركتنا ذكرى أيام نسأل الله أن يعود خيرها فينعم الأبناء كما نعم الآباء.

أبو جعفر
23-11-2013, 02:57 PM
وصلت كوستي وكانت هذه زيارتي الثانية لها فقد زرتها وأنا في الأولية مع أخوي الكبير وقضيت بها خمسة عشر يوماً، ولكن لا أذكر من تلك الزيارة أي معالم سوى إننا كنا نسكن حي النصر جوار النادي.

توجهت لمباني النقل النهري قبل نهاية الدوام وفوجئت بما وصف به الطيب صالح بيت بندر شاه ... حيشان خلفها حيشان وبيوت وراها بيوت، وورش داخلها ورش ومكاتب وبواخر وجرارات وساحات ما تديك الدرب، وكل هذا محاط بسياج على أبوابه شرطة الهيئة، يعني مدينة داخل مدينة. ياخ سبحان الله الإنجليز ديل جيهوها ونحن جطناها.

كنت على معرفة سابقة بمدير الإدارة الفنية حيث قابلته كثيراً في الرئاسة، وبعد السلام والسؤال عن مهمتي وفر لي سكن ومكتب في أحدى البواخر الواقفة في الشاطئ وأمر مهندس كهرباء قسم كوستي بتوفير كل ما أحتاج إليه.

مهندس الكهرباء أعترض على سكنى في الباخرة بحجة تجنب الباعوض، وأخبرني بأنه حجز لي في فندق داخل المدينة. وكان كل هذا تحصيل حاصل، لأن خالي بكوستي وسوف لن يرضى بأن أسكن في فندق أو سكن الهيئة. ولكن قلت أرضي عليهم وقبلت بالعرضين.

في المساء قررت الذهاب لخالي في مكتبه لأنني لا أعرف منزله، وكنت أعلم (بحسب معلومة سابقة) بأن المكتب في نهاية شارع الإجزخانة فطفقت أسأل عن الإجزاخانة فقيل لي هي في شارع الظلط (لاحظوا أجزخانة وشارع ظلط والكل مبني للمجهول). المهم أشق السوق كله ما ألقى ليك شارع ظلط وأرجع اسأل تاني عن الإجزخانة فيقولون لي في شارع الظلط. وأشق السوق تاني ما ألقى ظلط، وفي الآخر زهجت قمت قلت لواحد: لو سمحت شارع الظلط وين، ولو ممكن توديني ليهو؟. ساقني بعد شارعين قال لي ياهو ده قدامك. وأقسم بالله العظيم ما كان في ظلط ولا يحزنون، شارع رملة زيو وزي شوارع الفاشر. المهم في ذاك الظلط الخفي عيني للأجزخانة اتجهت لآخر الشارع عيني للبت السكرتيرة.

لم يسأل الخال أين شنطى أو يهتم باحضارها حيث دخل بي السوق وأشترى لي معجون وفرشة أسنان وفي البيت أعطاني 3 جلاليب جديدة بلوازمها، وعندما احتجيت بأن الشنطة في الهيئة قال لي: الجلاليب دي كفاية للبيت ومشاوير العصرية. أنت في الشغل غير على كيفك مش قلت عندك سكن.

ياسر قسم الله الصديق
23-11-2013, 04:06 PM
بمناسبة شارع الزلط بتاع كوستي فنحن عندما كنا صغارا كنا ننتظر المطر حتى يزيل الرمل من الزلط و تظهر لنا القروش التي تسقط من اصحابها و تغوص داخل الرمل.
أهل كوستي مشهورين كذلك بالمشي في نص الزلط كأنهم عربات و عندي واحد صديقي سواق قابل احدهم ماشي يقدل في نص الزلط فنزل من عربته و سلم عليه و قال ليه مبروك يا اخينا فرد شنو المبروك قال ليه الزلط السجلو باسمك ده. يا حليل كوستي الحنينة الحلوة التي كنت تعرفها فقد جار عليها الزمن و اشياء اخرى :mad::mad:

أبو جعفر
23-11-2013, 07:22 PM
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ياسر قسم الله الصديق http://www.sudanyat.org/vb/images/buttons/viewpost.gif (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?p=565445#post565445)
بمناسبة شارع الزلط بتاع كوستي فنحن عندما كنا صغارا كنا ننتظر المطر حتى يزيل الرمل من الزلط و تظهر لنا القروش التي تسقط من اصحابها و تغوص داخل الرمل.
أهل كوستي مشهورين كذلك بالمشي في نص الزلط كأنهم عربات و عندي واحد صديقي سواق قابل احدهم ماشي يقدل في نص الزلط فنزل من عربته و سلم عليه و قال ليه مبروك يا اخينا فرد شنو المبروك قال ليه الزلط السجلو باسمك ده. يا حليل كوستي الحنينة الحلوة التي كنت تعرفها فقد جار عليها الزمن و اشياء اخرى :mad::mad:. سلام السر
وسبقتني في حتة حنية كوستي، وشكراً اكدت لي حكاية الظلط الرملي.

وفي الحقيقة أنت أثرت قصة مشروع تنمية عملاق تمزق وهو في الحلقة الأخيرة من حلقات أكتماله. ويتكون من: 1- مشروع قناة جونقلي والمصانع المصاحبة له. 2- تأهيل النقل النهري بإمكانيات مهولة. 3- أكتمال الطريق البري بورتسودان سنار كوستي. 4- تأهيل السكة حديد (مواعين النقل) لتفعيل خط بورتسودان سنار كوستي.

كل هذه المشاريع قضى عليها جون قرنق عام 1982م بضربه لمشروع قناة جونقلي ومسارها الممتد من ملكال إلى بور، وأقول هذا وأنا أحد شهود ذلك الزمان، حيث لم يتبقى على أكتمال القناة إلا مئة كيلو متر من 360 كيلو متر في تعديلها الأخير لتمر بمعظم قرى الدينكا.. ثم توقف كل شيء، لنحصد كل هذا الفشل الذي تراه ماثلاً.

فقط مئة كيلو من ثلاثمئة وستين كليو متر ويكون عندنا مصانع سكر تغطي كل منطقة السدود وأفضل ممر ملاحي يجعل من كوستي المدينة الثانية في السودان. وتكسب مصر مليارات الأمتار المكعبة من المياه.

ولكن هناك سؤال مهم وهو هل كان جون قرنق وقتها من القوة بحيث يهزم مصر والسودان ويحطم آمالها المائية والتنموية بضربه صغيرة واحدة. أنا شخصياً لا أصدق ذلك لأن الجيش المصري الذي خرج منتصراً في 73 كان من الممكن أن يضع عشرة ألف جندي مقابل كل كيلو متر من الـ 100 كيلو متر المتبقية. ومن هنا فالسبب الحقيقي هو رغبة القوى الغربية وأمريكا على وجه التحديد في عدم قيام المشروع، وما جون قرنق إلا ستارة لحفظ ماء الوجه أو الشماعة التي علق عليها فشل المشروع العملاق. وتبقى الحقيقة التي تقول: السبب الحقيقي هو جبن الدكتاتور النميري وصنوه السادات الذان رضخا لأمريكا، والتي واصلت ضغطها حتى أعلنت الآن منطقة السدود من المناطق الرطبة المحمية ويمنع تجفيفها.

أبو جعفر
23-11-2013, 07:39 PM
في كوستي البرنامج كان ملان فل، الصباح في العمل وغرف الباخرة من مكتب وسكن تحت التشغيل مرة ركلسة ومرة شغل، والعصرية في الكورة وميدان القهوة، وبعد المغرب ألتقي بمهندس الكهرباء وشلته في صالة الفندق، ومن هناك لبرنامج المساء والسهرة والانتقام من السمك، فكوستي هي عاصمة السمك بلا منازع. وكنت أنام وأتغدى مع الخال.

صاحب الفندق كل ما يشوفني يلولح رأسه متخيلني ببيت في الحلة (وأنا ما بفسر ورأفت ما بقصر). وطبعاً صرفت ليه غتاته وما شرحت ليهو الحاصل. ولما فاض به قال لمهندس الكهرباء (حسب ما حكى لي بعدها): زولك ده النسوان بكملنو، أها المهندس طلع رباتفه زي ما بيقول ناصر، فرد عليه بسؤال: بالله كملن قروشو وما بيدفع ليك حق الأوضة؟. صاحب الفندق قال ليهو: ما أنت عارف هو دافع أسبوع مقدم مش أنتو اتحالفتو قدامي. المهندس: طيب وانتو النوم بقى عندكم إجباري، وعندكم دفتر حضور وغياب زي الحكومة؟. صاحب الفندق شعر بالورطة فحب يتخارج، فقال له: ياخ الموضوع ده نقفل عليه.

أها بقت سيم بيناتنا أول ما الكلام ما يعجب الزول طوالي يصرف ليهو: (ياخ الموضوع ده نقفل عليهو). ومحل ما زول يغلط يقولوا ليه: (أنت الظاهر شكلك حلة).

كوستي بلد حنينة وتتيح لك أوقات خاصة جداً، أنا كنت بعد الغدا بسوق ود خالي للكورة وقالو اتعلموا الزيانة في رؤوس اليتامي عملت ليهم فيها كوتش، وبعدها لميدان القهوة نسيت أسمه، ميدان بمساحة ميدان المولد فيهو زي ألف ست شاي (ألف دي للمبالغة وكده)، قالوا ديل الذين مات عنهم أزواجهم في معركة الجزيرة أبا عليهم رحمة الله.

الشافع ود خالي شايف نفسه لاعب كبير يصر يشرب قهوة، المرة تقول ليهو: يا ولدي القهوة دي حقت الناس الكبار يتنح ليها لمن تديها ليهو. سبحان الله أنا كنت شايف في المرة دي طيبة وعفوية الخالة السرة وعشان كده كانت أهم برنامج في اليوم.

أبو جعفر
24-11-2013, 08:33 AM
دابتنا إلى جوبا كان مفروض يسموها - زي (القاش راحات) – (وادي حلفا راحات)، كانت بطوابقها الثلاثة مبالغة وتحفة هندسية ومزودة بأجهزة اتصال وملاحة، ومولدات حديثة كهربتها أثبت من الخرطوم. هذا بالإضافة لتجهيزات الركاب من الغرف المريحة، والمطعم الذي كان على مستوى فندقي،

قابلت مهندسها وقلت ليه العندو القلم ما بكتب نفسه شقي، أنا عندي هدية للعروسة دي وقالوا الجديد للجديد. وطبعاً أنا ما عندي غير أجهزة فعرف الحكاية وقال لي: حتركب لينا جهاز جديد زي جهاز المكتب البرقش براهو داك؟. قلت ليهو: قرضتو قرضة بس ياهو ذاتو. زولك ما صدق وقال لي: المطلوب شنو. قلت ليه: محتاج تيم حدادة ينفذ لي قاعدة للهوائي ويخلي الباقي علي، سأل عن مواصفات القاعدة سقتو المكتب أديتو المواصفات المطلوبة رسم وكتابة.

وسبحان الله زولك ما كضب خبر جيت تاني يوم أشوف ليك الحدادين مشعلقين بركبوا في القاعدة. وأنا ما كضبت مليت فورم باسم الباخرة في المخزن واستلمت جهاز وجبتو مع عمال الكهربة، لقيت الزول ما قصر نفذ المواصفات بدقة (بوينت ون ملي) فهو مهندس ودارس رسم وتطبيق هندسي.

التركيب أخد اليوم كله لأنو كان مفروض أضرب أقصى انحناءة للهوائي حتى أتفادى الأشجار بالنسبة لمحطة متحركة. وكذلك عمل موالفة للمرسلة بحسب الانحناءة التي استجدت. ما علينا زولك انبسط وقال لي بعد التركيب طلباتك: قلت ليه جولة اتصال بكل من كريمة وجوبا. يا زول الجديد شديد كأنما الناس ديل قاعدين معانا، ومهندس الوابور رأسه وألف سيف لازم ومهندس الكهربة نتغدى معاه وليشرب خالي وفريق الكرة وست القهوة من البحر، حقيقي الزول وناس ساقنا وما خلى شي من ذكرياته في البحر.

http://www.coutant.org/aa6sc/station.jpg
شبيه للبرقش

أبو جعفر
24-11-2013, 11:47 AM
ودعت كوستي ومرابيعها الشبيهة بأم درمان، والتي أحياناً في ملمح يغيب ويحضر كانت تشبه - بسبب الميناء النهري - بورتسودان. وأظن إن هذا هو سبب وسر الإنتلجنسيا (الحنين للوطن) التي تصيب أهلها عند فراقها فهي مدينة متفردة ومتميزة بالتعدد الإثني والثقافي.

وأنطلقت بنا الباخرة جنوباً حيث دخلنا في فضاء السيطرة فيه لهيئة النقل النهري بلا منازع، فجراراتها وبواخرها وكوادرها من البحارة والميكانيكيين والكهربائيين يغطون كامل الحوض الملاحي، ويظهرون حين الحاجة إليهم كما فرسان ألف ليلة وليلة من المجهول. وسأحكي قصة مولد الباخرة الذي تعطل عندما يحين دورها.

الركاب كانوا خليط يشمل عرسان في شهر عسلهم الأول وأظنه الأخير فلا عسل بعده حسب قول بعض الحكماء، وهناك سياح من مختلف الجنسيات، ومواطنين من مختلف الفئات، فيهم الطبيب والموظف والعامل. غرفة الدرجة الممتازة التي احتليتها كانت بسررين خصصت واحد لكراتين أجهزة ملكال وجوبا، وخيال يراود بين الحين والآخر. وأنخمد في الآخر حين يبلغ بي النعاس مداه.

أول محطة كانت الرنك ولم يكن بها شيء يذكر حيث لم ينزل أحد أو يركب. فالمسافة قريبة وتغطيها عربات النقل. الرنك بلد شمالي السحنة حسب رؤيتي السطحية للميناء. ولكن جغرافياً تابعة للأقليم الجنوبي.

في المساء جلست مع مفتش الرئاسة وهو شاب من أبناء العاصمة، وكان أول كلامه أن الوابور يسير من الرأس للرأس أي متعرج في مساره، فسألته عن تأثير قناة جونقلي – التي كان يجري العمل فيها وقتها - على المجرى الملاحي حين اكتمالها، فقال لي قناة جونقلي بالنسبة للملاحة وكامل عمليات النقل النهري تمثل ثورة حقيقية فبخلاف تفادي المسار المتعرج لبحر الجبل فإن سرعة الجريان التي ستحققها من المؤكد ستنظف المجرى الملاحي من جوبا إلى كوستي.

من جلستنا تلك ذهبنا للمطعم المكون من صالة فسيحة وغرفة سيرفس من خلفها مطبخ واسع. وكان الطعام بمستوى راقي ذكرني بوجبات الفندق الكبير، فقلت لمفتش الرئاسة: مدير الهيئة لا يجد مثل هذه الخدمة. فقال لي: وبربع القيمة وبلا بقشيش بالنسبة لموظفي الهيئة. ثم قال: تعرف الطباخين ديل وزعيمهم لا يتعاملون مع هذه الفخامة ويفضلون عليها القراصة بالبامية الناشفة والتي يضيفونها لأي شيء لحمة سمك همبرغر، طبعاً الوكت داك لسه ما عرفنا الهوت دوق.

أبو جعفر
24-11-2013, 04:18 PM
سهرة اليوم الأول قضيناها مع عود حنين وشاب كان يغني للكاشف ولكن كانت الصفوف متمايزة حيث جلسنا أنا ومفتش الرئاسة في جانب وجلس أهل الشربة في الجانب الثاني، ثم أتت سائحة لا أدري جنسيتها وجلست بجانبنا الشيء الذي شجع بعض الفتيات الجنوبيات لحزو حزوها، والجلوس محتمين بنا، مفتش الرئاسة قال لي شاعر بأني هارون الرشيد، فأسميته هارون الرشيد.

انتهت السهرة والليل قد أليل، ونامت بعض الفتيات مكانهن فانسحبنا إلى غرفنا راشدين، أسفر الصباح عن منظر جميل للشاطئ حيث ازداد خضرة وظهرت بعض القرى على الجانبين واستمر اليوم في روتين حياتي طبيعي الفطور الغداء الشاي والونسة مع مهندس الوابور وربانها. وكذلك بدأت بعض الألفة بين الركاب فظهرت شلل هنا وهناك.

دخلنا ملكال عقب المغرب وكان في انتظاري قريب لي يعمل بملكال وله علم بسفريتي تلك، فأتي معتمراً قبعة مكسيكية ومزداناً بسكرتيرته وصديقتها من بنات ملكال، حيث أخذتهم في جولة قاشراً بهم داخل الوابور من المكينة إلى غرفة القيادة. ثم عزمتهم على عصير أحضرته لهم من البوفيه.

غادرنا ملكال على وعد بالمكوث فيها مدة أسبوع في طريق العودة لتركيب جهازها، ولكن ليت ملكال لم يقطع الركب عرضها، وليت ملكال مشت الركاب لياليا، فقد طلع علينا الصباح ونحن في متاهة السدود وما أدراكم ما متاهة السدود، منظر متكرر يثير جنون أتخن تخين، ويثير حنقك وأنت ترى الأرض والماء ينتجان الهباء. نوع من البوص بطول شجرة متوسطة، ثم لا شيء سوى بعض تجمعات العراة هنا وهناك.

أبو جعفر
24-11-2013, 07:15 PM
أستمر المنظر المتكرر خضرة غير ذات نفع ظاهر ومملة حد الملل حيث لا تغير يتخللها، وعراة يظهرون كل حين وأخر، ولكن الفتيات كن يلبسن تنانير بسيطة (إن صحت التسمية) ويتركن الجزء الأعلى عارياً. وفي مرة قال لي هارون الرشيد: تخيل بناتنا ونسوانا في الخرطوم لبسن زي ديل. فقلت له: ما ينفع ياخ، كانت حتظهر بلاوي زرقاء .... عان ديل ... ينافسن أتخن راقصة بالي في الرشاقة، لكن ناس حوه بنزين ديلاك يودوهن وين.. ياخ التوب فضلاً عن الدين بالنسبة لهن نعمة وأي نعمة. هي تخاريف نسميها تخاريف بحر فما تاخدو في بالكم.

وكانت المشاكل تثور بين البوليس ومن يقومون بتصوير العراة في تنفيذ لقانون حكومي. ولكن الوابور كبير فلا يمكن لقوة الشرطة المكونة من فردين، ضبط مثل هذه الممارسة

ثاني يوم أخبرني المهندس بتعطل أحد مولدي الكهرباء، فنزلت إلى غرفة الماكينات وحددت العطل ولم يكن معنا الإسبير فأعطيته تقرير ليطلبه. المهم في نفس اليوم عصراً ظهر جرار به فني كهرباء معه الإسبير المطلوب، حيث قام باللازم ودخل المولد الخدمة في دورته المعتادة. لم نكن نرى الجرارات أثناء سيرنا، ولكن متى ما أحتجنا إليها تخرج إلينا من رحم الغيب للنجدة.

رابع يوم بلغ القلق بالناس مداه وأخذوا يستفسرون البحارة عن أين هم ومتى سوف يغادرون هذا السجن النظري، ولكن البحارة عندهم سبر لا أدري من أين أتو به وهو بأن لا يخبروا عن مراحل ومسار رحلتهم. أنا وهارون الرشيد كنا ما جايبين خبر للحاصل فالمرتب مستمر والبوفيه مستعد لطلبات الأكل والشاي والقهوة. والركلسة نحن أسيادها هذا فضلاً عن كوم الحريم الذي صار تحت حمايتنا لحضور القعدات الغنائية. وكيف لا وهو مفتش الرئاسة وشرطة الباخرة على قلتها تحت إمرته.

أبو جعفر
25-11-2013, 05:36 PM
أخيراً خرجنا من منطقة السدود وبلغنا بور. والطريق من بور لجوبا يختلف كثيراً من حيث المناظر المتغيرة والخضرة والأشجار الباسقة على جانبي الشاطئ. وكذلك زادت سرعة الوابور، حيث لم نشعر إلا ونحن على أبواب جوبا.

وكانت هناك مشكلة في الممر الملاحي منع الباخرة من الدخول للميناء، ولكن كانت الجرارات جاهزة لنقلنا إلى الميناء داخل جوبا، فقط علينا عبور مسافة قصيرة لنقابل الجرار على بعد قصير من الوابور. وحقيقي كانت متعة أن يتاح لك السير على اليابسة بعد كل تلك الأيام في الماء.

سلمت مفتاح الغرفة للشرطة حتى يضمنوا سلامة الأجهزة لحين حل المشكلة ودخول الوابور لجوبا ثاني يوم. وذهبت مع المسافرين لركوب الجرار، واذكر وأنا في طريقي صادفتني قطية خالية فنظرت داخلها فلم ارى سوى حصيرة أصبحت والأرض التي ترقد عليها سواء. ففكرت قائلاً ما أبسطها حياة لا أدوات كهربائية تخرب ولا أثاث يتحطم ولا حتى ملابس تغسل.

أبو جعفر
25-11-2013, 05:57 PM
جوبا يغلب عليها الطابع الإفريقي بكثرة سقوف الزنك، وكذلك فقر أسواقها وبدائيتها، الشيء الذي لا يتلاءم مع اتساع المدينة والخضرة المحيطة بها حيث من المفترض ان تنعم بسوق عامر بتلال من المنتجات كما تونس والمغرب كما نرى في القنوات التلفزيونية الآن.


حال وصولنا ظهراً ذهبت مع مفتش الرئاسة إلى سكن السفريين، وسبحان الله كان الهواء ساكناً وهناك كتمة ولكن حالما وضعت جنبتي استعداداً للنوم تغير الحال وكأنما خمسون مبرد هواء قد عملت في نفس الوقت فلم أصحو إلا بعد المغرب، وكلو من سهرات هارون الرشيد.

مساءً ذهبنا إلى الفندق لزيارة أحد معارف مفتش الرئاسة وهناك دعانا للعشاء ولكن هربنا إلى الفول، وسبحان الله الفول في جوبا مع أجواء الخريف والمطر له نكهة لا تنسى، قرضتو مش.

عدنا إلى الاستراحة فإذا بالغمز واللمز يدور حولنا ده شنو ده لا غدا لا عشاء طوالي ضاربين الحلة وعرقي الجنزبيل، فحكيت لهارون الرشيد قصة صاحب الفندق في كوستي وصرفنا لهم غتاتة.

ثاني يوم وصل الوابور وأنزلت المعدات، وكنت قبلها قد راجعت تشغيل الجهاز القديم، فطلب مني المدير بأن لا أسحبه، فطمئنته قائلاً بعد هذا المشوار لو عايزين جهاز ملكال سوف أتركه لكم فضلاً عن سحب الجهاز القديم. فشكرني وقال - مستصحباً تجديد جهاز الباخرة وادي حلفا - قالوا فاتح البلف على الأخر أي واحد يقابلك طوالي جهاز جديد. فأعلمته بالخطة وهي تجديد أجهزة المحطات وبواخر الركاب الحديثة.

عصر اليوم الثاني حضر قريب لي سمع بقدومي وأصر على أن يدعوني مع هارون الرشيد على العشاء وذكر توابعه، فدعونا معنا اثنين من الزملاء لزوم توابعه. وحقيقي هي سهرة في الذاكرة فقد حفلت بالغناء والدوبيت حتى تخيلت إننا في النيل الأبيض لا جوبا. وتتالت الدعوات حتى غادرت جوبا بعد انتهاء تجديد المحطة.

أبو جعفر
26-11-2013, 01:21 PM
.
غادرت جوبا بعد التزود بكمية من الشاي القادم من الحدود الجنوبية كهدية للأهل والأصدقاء في الوطن، وقد حكي لي التاجر الذي اشتريت منه عن خطورة الحياة في الكيلو 38 من جوبا حيث تتم صفقات التهريب، وكذلك عن ترحيله بالعجلات التي يتم استبدال إطاراتها الهوائية بإطارات من القماش حتى تتحمل الحمولة.

طريق العودة لملكال أتاح لنا التمعن في حياة ساكني التيه الأخضر على بحر الجبل. وزراعاتهم وقواربهم المسماة بالواك. حياة بدائية أشبه بحياة أجدادنا القدماء. فقد كانت لهم زراعة يسقونها بالقرعة لم يفكروا إطلاقاً في عمل مجرد جدول وشادوف يوفر عليهم مشاوير سقاية نبتة وراء الأخرى.

هذا بالإضافة لاعتمادهم الرماد يلطخون به أجسادهم بدلاً من الملابس للحماية من لسعات البعوض. وكان النشاط الاقتصادي الوحيد الظاهر هو معسكرات لصيد السمك وتجفيفه وهو ما يسمى بالكجيك. أي انتاج الكجيك بدلاً من السكر في كوبا. أما قطعان الأبقار فهي نشاط معيشي حيث لا تصدير لأي من منتجاتها للشمال الذي على العكس يورد كل شيء للجنوب.

هل خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان وأعطاه العقل المبدع لكي يحصر نفسه في مثل هذه البيئة البدائية، والتي يصر الغرب إلى اليوم على دفن الأخوة الجنوبيين فيها أحياء بحجة المحافظة على منطقة رطبة هي منطقة السدود. في حين أن أمريكا جففت تسعين في المئة من مناطقها الرطبة.

وأذكر في ليلة شديدة الظلام وصلت إشارة بسقوط صبي من أحدى بواخر الركاب القديمة ذات الصنادل. فقال البحارة في اتفاق مرعب: (ده اللي شافته العين) وكان هذا مريعاً لأن المنطقة تنتشر بها التماسيح بصورة كبيرة فكنا لا نغادر قطيعاً منها (إن صحت التسمية) إلا ونرى آخر متشمساً وحين تمر الوابور قربه ينزلق أفراده إلى الماء.

المهم عندما وصلنا إلى الوابور الذي سقط منه الصبي رأيت منظراً لا يصدق وهو ازدحام الركاب عليها بصورة لا تصدق ويصح معها تسميتها بصنادل الموت، مما يدل على هرب الجنوبيين من بيئتهم البدائية تلك إلى مناطق الحضر في ملكال والشمال معرضين حياتهم للخطر بالركوب غير الشرعي وغير الآمن في آن.

أبو جعفر
26-11-2013, 05:41 PM
المناورة التي قام بها الربان العجوز للدخول لمجرى بحر الغزال من بحر الجبل جعلت الركاب يصفقون له، فقد أخذ الوابور بكل ضخامته غرباً باتجاه بانتيو، ولكنه فجأة وبزاوية حادة أخذ الوابور شرقاً باتجاه التقاء بحر الغزال بالسوباط لتكوين النيل الأبيض والذي تمثل ملكال أول مدنه.

وصلنا ملكال وهي مدينة الفوارق الطبقية والثقافية بلا منازع. فتجد كل طبقة وفئة قد أحتلت شريط يمتد من النيل إلى الغابة غرباً، فتجد الري المصري شريط وحده، الملكية وهي سكن الأخوة الجنوبيين شريط أخر، وحي الجلابة وهم الشماليين شريط ثالث. ثم الوابورات وحي الموظفين وهكذا.

كان في استقبالي قريبي وقد أتى هذه المرة وحده فقلت له: أين البلي هذه المرة أم خفت أخرتك. فقال لي: تخرت منو ملكال كلها عارفه إنك جاي سنده وستغادر على الوابور الجاي. سلمت مدير المحطة كراتين الأجهزة وذهبت مع قريبي إلى حي الجلابة ولكن في الطريق غير مساره إلى السوق حيث أشترى لي حذاء مثل الذي يلبسه الخواجات في الجليد ويسمونه في ملكال التُزلق. وعندما استفسرته عن السبب قال لي أنت الآن في أعالي الطين وبغير هذا الحذاء لن تستطيع أن تسير إن هطلت أي مطرة.

وصدق قريبي فبعد خمسة خطوات فقط ثاني يوم عدت ولبست حذاءه العجيب. ومن هناك ذهبت لمكاتب الهيئة .. واصلت العمل حتى الخامسة حيث غادر كل الموظفين ولم يبق معي سوى الفراش لقفل المكتب بعد الإنتهاء.

عند الخامسة والربع حضر قريبي مع سكرتيرته وأختها بعد نهاية دوامهم. في تلك اللحظة كنت قد انتهيت من تركيب الجهاز وناديت على أخت السكرتيرة وقلت لها فليكن افتتاح متميز أضغطي السماعة وقولي (بحري ملكال)، البت كان صوتها صاقعة رقيق وبه شيء من الدلع مع لكنة النوير المحببة .. موظف الجهاز في بحري ما كضب خبر طوالي رد قائلاً: أمووووووووووووووت ركن .. ملكال جابت قَبور (أي الجراد الصغير).

أبو جعفر
27-11-2013, 02:11 PM
فصلت المايك وتركت بحري تنادي بحثاً عن القَبورة: ملكال بحري ... ملكال بحررررررررررري .... ملكال بحري تنادي. ثم صمت، لعله ظن بأنه توهم النداء. أطفأت الجهاز بعد التأكد من صلاحيته للعمل، وأمرت الفراش بقفل المكتب.

خرجنا متجهين إلى الملكية لتوصيل البنتين، وكانت هناك مظاهر تحضير لحفل زواج فقالت السكرتيرة لقريبي ما تنسى بعدين، فرد عليها بأن جداً سنحضر سوية.

في المساء ذهبنا إلى حفل الزواج ذاك، كان حفل زواج شمالي بجدارة البنات في جهة والرجال والأولاد في الجهة الثانية والفنان وحلبة الرقص في النص. استغربت وسألته ما قالو الحكاية بقر وخلاص فقال لي: أهل الملكية جامعين بين الثقافتين (أي البقر والمهر وكذلك الطقوس)، فهناك شماليين متزوجين منها.

ولزيادة معلوماتي حول (البقرو عرس) سألته: أسع قريبة زولتك دي بكم بقرة؟. قال لي دي متعلمة ما أقل من ثلاثين بقرة ولكن ممكن تكون من ضمنها عجول.. فاستغربت وقلت له يعني بقر جدي فلان كلو بعرسة واحدة. ضحك وقال لي بقر جدك كنانة سوقي منتج للبن واللحم، وده بقر معيشة يعني عزوة ولبن قليل ودمتم. المهم ضربنا الحكاية فوجدت ماليتي لا تسع سوى بضع غنم وسخلان، يعني ممكن شافعة نربيها وبعدين نعرسها.

جيجي
27-11-2013, 02:22 PM
بالله ناس يبدلو بتهم بي بقر:p
على قول خالي وامي لقتوا يوم زهجان بعد عرسوا بناتو
بالله الرجال ديل يغشوني كل واحد يدفع لي خمسة مليون ويسوقوا بناتي المربيهم عمري دا كلو:)

أبو جعفر
27-11-2013, 03:35 PM
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة جيجي http://www.sudanyat.org/vb/images/buttons/viewpost.gif (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?p=565797#post565797)
بالله ناس يبدلو بتهم بي بقر:p
على قول خالي وامي لقتوا يوم زهجان بعد عرسوا بناتو
بالله الرجال ديل يغشوني كل واحد يدفع لي خمسة مليون ويسوقوا بناتي المربيهم عمري دا كلو:) مرحبا جيجي
والله خالك ده راجل كريم الما قال خمسة مليون وجاب أهله أكلوهن، وجاب لوريه وشال العفش. يا زوله هناك البقر ده صافي إلى خزينة أقصد إلى زريبة الأب. وعشان كده بيفرحوا بالبت أكتر من الولد. والعجب كان متعلمة دي بتكون أغنيني وسدي الدين. أما الولد فإما أن ينتقص من زريبة العائلة. أو يعرض نفسه لخطر سلب أبقار الآخرين.

أبو جعفر
28-11-2013, 10:24 PM
ثاني يوم ذهبت لمكاتب الهيئة لتسليم الجهاز لمدير المكتب رسمياً وتوقيع الأوراق الخاصة بذلك. وبعدها صرت حراً لمدة أسبوع في انتظار الوابور نمولي القادم من جوبا ليقلني إلى كوستي.

أصدق تسمية لملكال هي (ذو الخير الفقير). أراضي شاسعة ومياه وفيرة والزراعة صفر كبير، مراعي دائمة وواسعة بلا حد وانتاج حيواني شبه معدوم. وهي كما قال الشاعر كالعيس في الصحراء يقتلها الظماء، والماء على ظهرها محمول.

وسبحان الله مشيت شرقاً حتى نهاية المساكن متوقعاً مزارع فاكهة وانتاج حيواني والنتيجة وجدت نفسي في غابة غنية ولكنها جرداء من أي استثمار بشري، وكمان قالو لي لازم تحمد الله لأنك ما أخدت علقة فأنت أضان حمرا. يعني أحنا هنا بنمثل (الحمرة الأباها المهدي).

كذلك الضفة الغربية لملكال ترى ملايين الأفدنة ولا قندول عيش واحد، رغم إنها لا تحتاج كما قال المصرى سوى رفع التربة ووضع البذرة، فقد قامت القدرة الإلهية بتسعين في المئة من العمل وذلك بتسوية وتسميد التربة وسقايتها.

كنت أقضي الفترة الصباحية في السوق- عندنا أهل كتار فيهو، وكانت كل ونستهم تدور حول أرباح جلب الذرة من الشمال ونقله إلى داخل الولاية. وسبحان الله الأمور في ملكال ماشة بالعكس تماماً وكان من المفروض ملكال تكون هي بورصة السكر والذرة واللحوم الحية في السودان. فهي تتمتع بالممر الملاحي والطرق البرية وكل احتياجات الإنتاج.

لكن يدي الحلق للما عندو أضان. الفاشر بي رملته وجفافها الكثير داك دخنها يقول يا غربتي. جبال النوبة وهي على نفس خط العرض ونفس المناخ وصلت لزراعة القطن مطري وكل العيوش التي تستهلكها، وحتى محطات النمر من أبو حمد لوادي حلفا حيث لا قطرة ماء إلا بالقطر شفت فيها شتلة عيش بقندولها، ملكال بي أرضها الطينية الواسعة ومطرها الكتير ما فيها حبة عيش إلا مستوردة.

نادر المهاجر
29-11-2013, 03:07 PM
ألاَ لَيتَ شِعرِي هَـلْ أبيتَنّ ليلةً .... بجَنبِ الغَضَا ، أُزجي القِلاص النّواجِيا

فَلَيتَ الغَضَا لم يقطَعِ الركبُ عَرضَهُ .... وليـتَ الغَضَا مَاشىَ الـركابَ لَياليِا

لقد كان في أهل الغضا، لو دنا الغضا .... مـزارٌ، ولكـنّ الغضـا ليْسَ دانيا


ابو جعفر لك التحية وصادق الود وانت تجمل يومنا بهذه الكتابات البهية بين صدق المشاعر والق الانسان والمكان والزمان ، أراك استدليت بابيات مالك بن الريب الذي عشق التسفارمثلك ووصف فاجاد .

حينما كنت في كوستي هل وصلتك اخبار عن عبدالرحيم لقيمات أو عن الخالة السرة .

أبو جعفر
29-11-2013, 05:53 PM
ملكال مدينة طابعها الاجتماعي قروي لأبعد درجة الكل يعرف بعضه، تجي بت ماشة يقولو دي بت فلان، يجي فلان ماشي يقولو ده أبو فلانه، مرة قلت لأبو فلانة انا داير نعرس فلانة ده، ما سألني أنا انسي أو جني. أول كلامو أكد لي كلام قريبي، وقال داير فيها 30 بقرة لأنه قام بتعليمها. وحقيقي البت بتستاهل فيها طول ناس الفاشر ودلع ناس الخرطوم وحنية ناس كسلا. ولكن الحكاية جابت بقر، ونحنا ماليتنا وقتها حدها الغنم وبالكتير خروف خروفين كما أسلفت.

قبل أربعة وعشرين ساعة من وصول الوابور ذهبت إلى مكاتب الهيئة لكي أؤكد حجزي عليها فعلمت إن مفتش الرئاسة هو زميلي في رحلة جوبا على (الباخرة وادي حلفا)، فقررت أن أنزل معه في غرفته، وتنازلت - بطلب من قريبي وسكرتيرته - عن غرفتي لأسرة صديقتها صاحبة العصمة (30 بقرة).

وصل (الوابور نمولي) وملكال الأعمى شايل المكسر يريد أن يغادرها إلى صحاري الشمال، وهو عكس المفروض تماماً. دخلنا إلى الباخرة بعد أن هدأت الأحوال بمعية أسرة صاحبة العصمة وسلمتهم الغرفة، ومفتش الرئاسة يضحك ويقول لي بكره البحر ده كلو حيتكلم عن النويراوية الوقعتك علي قدومك. فأخبرته عن العلاقات الاجتماعية في ملكال وانخراطي فيها ولكنه لم يقتنع.

احتوينا تلك الأسرة طوال السفرية حيث كنا نتواجد سوياً في المطعم وفي البلكونة الخلفية للباخرة. وحكى لنا والد الفتاة عن عدم رغبته في مغادرة ملكال ولكن تعليم بناته هو الذي أجبره على ذلك. وعندما سألته عن الفقر الزراعي الذي يعيش فيه كل الجنوب، قال لي بأن كل القبائل الجنوبية هي قبائل رعوية مارست الرعي منذ قديم الزمان مع زراعة لا تذكر، ولذلك هم لا يصلحون لقيام حواضر زراعية كبيرة، الشيء الذي تطبع به الشماليين الذين سكنوا الجنوب فلم يستثمروا في الزراعة إلا في أقصى الجنوب حيث نجحت زراعة البن كمحصول نقدى يستحق المجازفة.

أبو جعفر
29-11-2013, 06:25 PM
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة نادر المهاجر http://www.sudanyat.org/vb/images/buttons/viewpost.gif (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?p=565943#post565943)
ألاَ لَيتَ شِعرِي هَـلْ أبيتَنّ ليلةً .... بجَنبِ الغَضَا ، أُزجي القِلاص النّواجِيا

فَلَيتَ الغَضَا لم يقطَعِ الركبُ عَرضَهُ .... وليـتَ الغَضَا مَاشىَ الـركابَ لَياليِا

لقد كان في أهل الغضا، لو دنا الغضا .... مـزارٌ، ولكـنّ الغضـا ليْسَ دانيا


ابو جعفر لك التحية وصادق الود وانت تجمل يومنا بهذه الكتابات البهية بين صدق المشاعر والق الانسان والمكان والزمان ، أراك استدليت بابيات مالك بن الريب الذي عشق التسفارمثلك ووصف فاجاد .

حينما كنت في كوستي هل وصلتك اخبار عن عبدالرحيم لقيمات أو عن الخالة السرة .
مرحب بيك كتير أخ نادر
وشاكر حد الشكر على تذكيري بمالك بن الريب، فقصيدته هي القصيدة الوحيدة التي حفظتها خارج المقرر طوال فترة دراستي، وذلك تعاطفاً مع إنسان يموت ويصور موته، وكذلك وصف زوجته بباكية أخرى تهيج البواكيا، ووصف فرسه بأشقر خنذيذ يجر عنانه .. إلى الماء لم يترك له الدهر ساقياً ... وسبحان الله علمت أو قرأت فيما بعد إنه لم يمت في حادثته تلك.

بالنسبة لأهل الطيران المدني لم ألتقي بهم بعد أن غادرتهم، والسبب في ذلك هو صعوبة بل استحالة دخول المطار لغير العاملين فيه. وكذلك لم تتح لي فرصة للذهاب للفاشر. فكل عملي انحصر في الحوض الملاحي من الخرطوم إلى جوبا جنوباً وكريمة بالقطر شمالاً.

أبو جعفر
30-11-2013, 11:02 AM
وصلنا كوستي ليلاً. ودعاني مفتش الرئاسة للذهاب معه إلى سكن السفريين، ولكن فضلت أن أنزل في السكن المخصص لي والقريب من الورش، على أساس أن هناك مهمة تركيب جهاز جديد للوابور الذي أوصلنا، ومن الأفضل أن ابدأ في السادسة صباحاً حتى أنتهي من العمل في نفس اليوم ومغادرة كوستي في اليوم التالي.

أنهيت المهمة عند الثانية، ثم كانت رحلة وداع لكوستي وناسها الطيبين بدأت ببيت خالي ثم فريق الكرة وميدان الشاي وانتهت مساءً عند شلة مهندس الكهرباء. ولم أنسى عمنا أبو قلابة الذي نادى علي يوماً وأنا في طريقي لبيت خالي، وكانت أمامه صنية غداء وأصر على مشاركته. فقد ذهبت إليه لوداعه وحملت معي شيء من شاي جوبا لأكتشف بعدها بأن أبناءه هم موردي الشاي لكوستي يعني بعت الموية في حارة السقايين.

ركبت القطار عائداً إلى الخرطوم ولم أنسى أن أرسل تحياتي وشكري وشيء من الشاي – مع أحد الركاب المغادرين في محطة ريبا - لشلة محطة ريبا الإذاعية وسيد الكنتين. وكانت رحلة ظريفة تمعنت فيها في المحطات التي هجرت بسبب الأسفلت وأصبح لا يمتطي القطار إلا موظفي الدولة.

وصلت الخرطوم وكتبت تقريري وبدأت أستعد لرحلة كريمة حيث أخبرني مدير القسم بوجوب أخذ المعدات معي بدلاً من شحنها حتى لا أتمقلب ولا تصل في الموعد المحدد.

أبو جعفر
30-11-2013, 10:12 PM
بعد وصولي بيومين غادرت إلى كريمة بالقطار، حيث أوصلتني عربة الهيئة مع توصية شديدة بأن تخصص لي غرفة لوحدى نسبة للحساسية الأمنية للأجهزة التي تصاحبني. وقد كان أن خصصت لي غرفة. مع ديباجة زينت الباب باسمي واسم الهيئة.

ولكن بعد أن تحرك القطار حضر إلي المفتش راجياً استضافة أسرة من معارفه معي في الغرفة، وطبعاً أنا من حادثة أو قصة مطار حلفا الجديدة والطيارة النزلت في التراب، بقيت زول حنين وزي ما الطيارة بتقع كمان القطر بنقلب، فوافقت على الفور وحريقة في النقل النهري وأجهزته.

رحلة كريمة حركت داخلي كم كبير من ذكريات أيام التلمذة في قاهرة المعز، وكيف إننا كنا نحفظ السكة من الخرطوم إلى وادي حلفا محطة محطة ... وكيف لااااا وهي حيناً تقربنا من الأهل والأحباب لعطلة دراسية كاملة، وطوراً تبعدنا لعام دراسي طويل. هذا بالإضافة لما تبعثه فينا تلك المحطات من ذكرى وتاريخ مؤثر في حياة أم درمان بلد النشأة والأمان. والمحطات هي:

((الخرطوم، بحري، الكدرو، القبة (الكباشي)، الجيلي، الرويان، جبل جاري، بانقا، القوز، شندي، التراجمة، كبوشية، جبل ام علي، المحمية، الزيداب، العلياب، الدامر،عطبرة)). ثم من عطبرة:((دار مالي، بربر، العبيدية، مبيريكة، الكربة، ندي، الشريك، أبو ديس، أبو هشيم، دقش، أبو حمد)) ثم محطات النمر: ((من 10 الى 1 واخيرا وادي حلفا)).

فلا نمر بكبوشية إلا وتبرق الذاكرة بتاريخ حقيبة الفن وود الفكي الذي حضر إلى أم درمان وأكتسح كامل ساحتها الفنية. وكيف رمى بالطنابرة إلى فيافي التاريخ وطبع الفن السوداني بما يطرب الناس إلى اليوم.

وكذلك لا تبدو المحمية من بعيد إلا وتندفع ذكرى أهلها السمحين أهل التقى والدين من الكتياب والذين عمروا سماء أم درمان بنور القرآن وفريد الشعر، فمن من أم درمان لم ينهل من خلاوي الكتياب، ومن من جيلنا لم يترنم بإبداع التجاني يوسف بشير وقوله مغرداً:
قف لديها وامتزج في ذاتها عمقاً وغورا
وانطلق في جوِّها المملوءِ إيمانا وبرّا

وكذلك الحال مع دامر المجذوب وذكريات الطفولة في الحديبة ورجالها الذين عمروا النيل الأبيض بالزراعة المروية، بالإضافة لإشراقات د. عبد الله الطيب وقصيد محمد المهدي المجذوب، وعكير ويا مولاي آه من غلبي من النار وحرقت قلبي.

أبو جعفر
01-12-2013, 09:05 PM
أبو حمد كانت نسج وحده بخضرة جزرها، وطابع عمرانها المعجون بأصالة أهلها والذي يذكرك بأهلك وبساطة عيشهم المحفورة في الذاكرة.. ثم هناك جلسة الميدان الكبير غرب المحطة والشاي بالليقامات الذي تحس معه بنفس الوالدة وحنيتها. وسبحان الله دخلنا أبو حمد وكأنما عاد كل شيء كما كان، فأبو حمد هي أبو حمد في أي زمان، الشيء الذي جعلني أجتر الذكرى بقوة الحاضر.

وذكرياتي مع أبو حمد أيام التلمذة لا تنتهي ففي مرة تحرك القطر مغادراً أبو حمد واشتدت سرعته وفجأة ظهرت سائحة من مقام (شطة نار) تجري، وطبعاً السودانين يعجبوك كل الركاب صاروا يلوحون للسائق لكي يقف، وناس تكورك وناس تصفر وكانت من ضمن أدوات التلويح بشكير حقي، المهم وقف السائق وركبت السائحة في أمن وسلام ... ولكن دخلنا في دور جديد، فقد قبض البوليس وبأمر مباشر من مفتش القطر على السائحة وصاحب البشكير وهو أنا، وتم اقتيادنا إلى غرفة البوليس.

وبدأ التحقيق معي. الاسم؟. فلان. المهنة؟. طالب في نهائي جراحة الأزهر (طبعاً مافي حاجة اسمها جراحة الأزهر) لكن قلت نكبر المقام عسى ولعل. السكن؟. أم درمان ومقيم حالياً بالعكد أسرة فلان ... وفلان ده قريبي كان سواق سفري في السكة حديد برضك لدعم المقام لأن أم درمان مافيها سكة حديد. البشكير ده حقك. أي نعم ... أشرت بيه لييييه؟. أنا ما أشرت بالبشكير وعندي ألف شاهد. ياخ القطر ده كلو ما فيهو ألف زول!. طيب الكان بأشر منو؟. ماعارف.

ثم بدأ التحقيق مع السائحة وكنت المترجم. وبعد أخذ البيانات ألقمتهم حجراً بأنها جرت وراء القطار كرد فعل طبيعي ليس باستطاعته إيقاف القطار، وإنما وقف من حاله وركبت فما ذنبها في ذلك.

ناس البوليس شعروا بهيافة المسألة فطلبوا من أحدهم بأن يذهب ويحضر الحلة ويوصي على الشاي. وفعلاً حضرت الحلة وخصوني بالجوكر وهو أكبر عضم فيها ومعاها حليفة (يمين يا دكتور)، وأنا الوكت داك يا دوب في أولى كهربا. لكن زي ما لبسوني تهمة والشاهد خرقة، أنا أبيع ليهم قطرهم، والحشاش يملا شبكته.

الخواجاية رفضت أن تأكل معهم، وطلبت كباية شاي فقلت لها بعد الأكل سيحضر الشاي. فأخرجت صندوق بسكويت وأخذت تتشاغل بالأكل منه. بعد الشاي دخلت في دور ونسه مع الخواجية فشرحت لي بأنها في طريقها إلى جوبا فقد قرأت عن القبائل النيلية والحياة البكر التي يعيشونها. وسبحان الله شاء القدير أن أذهب إلى جوبا بعد ذلك بسنوات وأشاهد بعيني نفس ما حكته دون أي تغيير أو تقدم في حياة أولئك القوم.

قريباً من عطبرة حضر مفتش القطر واطلق سراحنا محذراً إياي من تكرار جريمة لم أرتكبها. ولكن قدر الله لي حلة مكربة بدلاً من الطعمية، وونسة مجيهة مع الخواجية حتى الخرطوم، فقد صرت حامي الحمى للسائحة الجميلة.

أبو جعفر
02-12-2013, 02:37 PM
نعود لرحلتنا من أبو حمد لكريمة، وكريمة هي الوجه المعاكس لجوبا وملكال من حيث الإبداع الإنساني، فكريمة تبدأ رحلتك إليها من قلب الصحراء من المحطة نمرة عشرة في طريق أبو حمد وادي حلفا وعندما تصلها تحتضنك في حاضرة صحراوية تمتد من جبل البركل إلى نهاية المساكن. ولكن يصيبك العجب حين تكتشف إن هذه البانوراما الصحراوية تخفي – كما قصص ألف ليلة وليلة - كنوزاً من الإنتاج الزراعي الوفير.

وحتة الزراعة في الشمالية وسكنى الناس بعيداً عنها لها في ذاكرة شبابي الأول (ليته يعود يوماً) حكايتين، واحدة نكته لشايقي مع رباطابي، والتانية مع الخواجية صاحبة قصة البشكير الذي ألبسني التهمة في المداخلة السابقة. ونكتة الشايقي بتقول أنه الشايقي كل ما القطر يقيف في محطة للرباطاب – من أبو حمد وأنت نازل - يقول: هو البلد دي فيها شنو عشان القطر يقيف ليهو؟. أها الرباطابي لما فاض بيه قال ليه: (((فيها طين أنزل لخو))).

أما قصة الخواجية فعندما وصلنا جبل أم علي في مرحلة عطبرة شندي أصرت على أن البيوت التي تراها هي آثار من زمن مضى حيث لا أثر لأي نشاط يمكن أن يعيش عليه من يسكن هذه الحيشان الفارغة. وقدر ما شرحت ليها مسألة النمتي والمحافظة على الأرض الزراعية، لم تقتنع بأن الإنسان يمكن أن يسكن الصحراء ويترك مورد الماء المستمر.

المهم اضطررت أن أطلع بالمسكينة سطح القطر حتى ترى الزراعات بعيداً على النيل، وقد عملت حسابي بأن أجلستها بيني وبين مسطح آخر حتى لا تقع وتبقى علينا رقبة وتهمة حقيقية ... الخواجية انفعلت بمنظر النيل ونسيم الأصيل والخضرة فسلمت علي في خدي، طبعاً أنا شايف الحكاية دي عند المصريين فلم اتأثر كثيراً، ولكنها وبنفس العفوية قبلت على التاني ... فأبعدتها عنه وأنا مخلوع إلى اليوم ... نووووووووووو!!!!!!!!!!!!!!........ ده تهبشيه يقع ويوقعك معاه.

نعود لحكايتنا، فمن أبو حمد تحرك بنا القطار شمالاً في أتجاه النمر. ولكن من نمرة عشرة أتجه بنا غرباً في طريق كنا نراه يتفرع سابقاً ويقال لنا هو طريق كريمة، ولكن لم أكن أظن يوماً بأنني سوف أمتطيه إلى حيث مروي الكابلي وديار المبدع عبد الله الشيخ البشير شيخ شعراء السودان الذي أتحفنا بدرره الرائعة.

والمحطات من نمرة عشرة إلى كريمة هي: ((محيسة، كحيلة، الكاب، الدغفيلي، أبو حراز، أم غربان، أم رهو، الكاسنجر، كريمة)). وفيها نزل الركاب بكثرة فهذا موسم جني التمر وكل منهم يريد أن يحضر الحصاد وتقسيم المحصول.

عبد العظيم السعيد
02-12-2013, 02:49 PM
الخواجية انفعلت بمنظر النيل ونسيم الأصيل والخضرة فسلمت علي في خدي، طبعاً أنا شايف الحكاية دي عند المصريين فما اتأثرت كتير، ولكنها وبنفس العفوية قبلت على التاني ... فأبعدتها عنه وأنا مخلوع إلى اليوم ... يا زولة!!!!!!!!!!!!!!........ ده تهبشيه يقع ويوقعك معاه.
يا زول خلعة شنو ووقعة شنو..؟ دي حسادي راسا عديل ..
قاعدين لك على الهبشة وشركنا موقا ..
علما باننا متكيفين للطيش ..

أبو جعفر
02-12-2013, 09:05 PM
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبد العظيم السعيد http://www.sudanyat.org/vb/images/buttons/viewpost.gif (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?p=566128#post566128)
يا زول خلعة شنو ووقعة شنو..؟ دي حسادي راسا عديل ..
قاعدين لك على الهبشة وشركنا موقا ..
علما باننا متكيفين للطيش .. سلام كتير عبد العظيم وعساك بألف خير
قلت لي حسادة.. ياخ ديل في الزمن داك بتهم أرعبت ود الخرطوم وهي عروس تقول لي حسادة :D :D.. حلوه حكاية الشرك دي لأني بعد الصفحة التالتة قلت الناس دي زهجت من التخريف ده وفتحت ليهو، فـ شنو أنا أتفسح شوية ... عارف أعمامك ديل لسانهم فاكي ودونك عمك رأفت .. أسع يجي طاير يقول لي ده توحه رأفت دخلو شنو. دمت بخير وشاكر على المداخلة.

أبو جعفر
03-12-2013, 10:30 PM
وصلنا كريمة مساءً، وكانت اسماً على مسمى، فقد دعاني رب الأسرة التي شاركتني الغرفة (وهي أب وأبناءه الإثنين) إلى الذهاب معه إلى المنزل وفي الصباح سيقوم بتوصلي للهيئة، فاعتذرت له بوجوب تسليم الأجهزة حال وصولي. وفعلاً قمت بإغلاق الغرفة واتجهت إلى مباني النقل النهري وهي تقع على الشاطئ قريباً من محطة السكة حديد.

وهناك وجدت شاب يجلس على كرسي ونظره ممتد على مسافة عشرة فراسخ في اتجاه الضفة الأخرى فبادرته ... السلام عليكم ... لا توجد تغطية وبالتالي لا رد من الساهم الجالس .... السلام عليكم ... نفس الحالة ... اضطررت أن أقطع عليه تأملاته ووقفت بينه وبين النيل وكررت: السلام عليكم ... فانتبه ورد علي قائلاً: وعليكم السلام، أعز من الجالس.

قدمت له خطاب المهمة، بدأ يقرأ فيه وبعد كم من سطر قام واقفاً وهو يقول: حمداً لله على السلامة، ومرحباً بك في كريمة يا باشمهندس ... فقلت له أريد أن أقابل مدير الإدارة الفنية فقال لي هو يسكن قريباً من هنا وسآتيك به حالاً، تفضل بالجلوس مكاني فسأذهب إليه بنفسي.

جلست مكان الشاب محاكياً جلسته الملوكية، وأرسلت نظري عبر المياه محاولاً الوصول إلى سلطنته التي أدت إلى عدم سماعي وأنا أردد السلام عليكم، السلام عليكم .... ولكن عادي مافي شي ياهو منظر النقل النهري في أي مكان رصيف وماء ولا شيء بعده ... كررت المحاولة عدة مرات، وأيضاً عادي مافي شي. فرددت في نفسي لله في خلقه شئون، واستلمت متفكراً في أغنية مروي وكيف إنها أبدعت على الشاطئ المقابل.

طالت الجلسة قليلاً وتذكرت نكتة أو طرفة الشايقي الذي قضى سهرته في الديسكو وفي كل مرة يطلب المشروبات الباردة لزملائه في التربيزة وإعادة أغنية مروي قائلاً: عشرة بارد ويا نوري تنوري. وعندما أحضرت له الفاتورة أحتج قائلاً: مية جنيه لي شنو .... فقال له الجرسون: شابكنا الليل كلو يا نوري تنوري، يانوري تنوري. أنت قايل نورى منورة بجنريتر ما ياهو بفاتورتك دي. ....

يا أخوانا أنا النكت دي كلها سمعتها من الشايقية في العمل سابقاً فما تزعلوا.

أبو جعفر
04-12-2013, 02:09 PM
قطع سلام عريض تأملاتي، فألتفت فوجدت المدير يرحب بي بلهجة الدناقلة المخلوطة بشيء من اللهجة المصرية قائلاً: أهلا وسهلاً ومرحب بيك في كريمة، وبعد السلام أخبرته بوجود الأجهزة في غرفة القطر. فقال المدير: طلع لينا كراسي وترابيز يا محمد علي، وأمشي لسكن العمال جيب أربعة منهم وعربية جر، وأغشى البيت خليهم يستعجلوا الشاي.

بعد أن ذهب محمد علي جلست مع المدير نتحدث حول مشروع التحديث وكيف إنه سيكون مع قناة جونقلي طفرة كبيرة لكامل الأقليم الجنوبي، وتناول حديثنا الميزات الملاحية للجرارات الحديثة كيف إنها أصغر حجماً وأقوى وأسرع بكثير من الجرارات القديمة، الشيء الذي جعلها تغطي كامل الحوض الملاحي من كوستي إلى جوبا تنقل البضائع وتنجد بواخر الركاب.

حضر محمد علي ومعه العمال وعربية الجر فذهبنا معهم إلى القطر وأنزلنا كراتين الأجهزة وكذلك قواعد الهوائيات وتم تخزينها في الغرفة التي تم تخصيصها لعمليات الاتصال وأعطاني مفتاحها.

تم صرف العمال وحضر الشاي فجلست مع محمد علي والمدير وشرحت لهم خطة التركيب واحتياجاتها من الأسمنت والخرصانة والمواسير الطويلة. على أن أبدأ عند أول ضوء في الخامسة صباحاً لعمل التخطيط الأرضي وحساب الزوايا. وعند السادسة يبدأ أربعة عمال الحفر بصورة متزامنة حتى تتم العملية في وقت واحد. على أن يكون معهم خامس حتى يخلط الخرصانة لأنها تحتاج إلى خبرة، فقال محمد علي متشفياً بوضوح: هنا أي زول خبير في الحفر واللخ هم شغلهم شنو غير الطين.

نظر إليه المدير نظرة لوم وعتاب شديدين فاعتذر قائلاً: معليش سعادتك أنت عارف الحاصل. فقال المدير بلهجة عقابية، بكره خمسة صباحاً تجي للباشمهندس في منزل السر الجاك وتحضر به إلى هنا، وتساعده على التخطيط الأرضي، والساعة ستة تمشي الورش تجيب أربعة عمال للحفر وتشرف عليهم، وكذلك تحضر له الأسمنت والخرصانة والرملة المطلوبة. فقال محمد علي: حاضر سعادتك.

أبو جعفر
04-12-2013, 07:04 PM
خرجت مع المدير باتجاه المنازل وقال لي ما تاخد بكلام محمد علي في أهل البلد أصلو كان خاطب واحدة هنا والظاهر خلتو، وعلى كل هو حيساعدك كتير لأنه كان تلميذ هندسة قبل أن يلتحق بأمن الهيئة وفاهم التطبيقات الهندسية كويس. فسألته عن أين أجده في حال لم يستيقظ صباحاً حسب الموعد، فضحك وقال لي ستجده فوق رأسك قبل الخامسة أصلو ما بنوم الأيام دي.

وصلنا إلى السكن الذي أعد لي وهو منزل لموظف في أجازته السنوية حيث وجدت سرير مفروش وبقربه منضدة وكرسي ولا شيء آخر، فأرتاحت نفسي للبساطة تلك حيث ظهرت مكونات الحوش الأخرى مثل شجرة النخل والليمونة والماسورة التي تتوسطهما.

غادرني المدير إلى منزله فوضعت الشنطة في الصالون ولبست جلابية استعداداً للنوم، ولكن المدير دخل علي بصينية عشاء فلمته على ذلك فقال لي: هي أكلة بلدية تغير بها أكل السنطور. وفعلاً كانت عز الطلب.

بعد العشاء ذهب المدير لمنزله وتركني لتصورات شتى ساعد عليها هدوء المكان وصوت أبو عركي يأتي من البعيد: (أنا أم درمان أنا السودان) فانتابني أحساس طفل يأوي إلى حضن أمه بعد طول فراق .. فقد كانت أم درمان - ولا زالت - ديار العامرية، التي تزرع عشقها في قلب ساكنها فيظل يردد مع سيف الدين الدسوقي:
تلك العاصمة الأنثى
أهواها مذ كنت غراماً
في عيني أمي وأبي
وحملت الحب معي بدمي
وأحمله حتى ألقى ربي

أبو جعفر
05-12-2013, 11:15 AM
استيقظت ونسيم فجر يدعو للركلسة، ولكن هم بداية العمل جعلني أقفز من الفراش والاستعداد منتظراً قدوم محمد علي والذي حضر في الموعد تماماً وطرق الباب منادياً: يا باشمهندس الساعة خمسة.

خرجت مع محمد علي وفي الطريق عرفت بأنه من أم درمان ويمت بصلة قرابة لأسرة معنا في الحي مما رفع الكلفة قليلاً بيننا فحكى لي نكتة الشايقي الحنين الذي لا يعود لوطنه، فتركته يفش غله، عسى ولعل أن يشفى مما ألم به.

وصلنا الساحة الخلفية لغرفة الاتصال وبدأت في حساب الزوايا وأستمر العمل بوتيرة منتظمة ... تعيين مناطق الحفر إحضار العمال والانتهاء من الحفر، ثم تحضير الخرصانة وصبها.

كان محمد علي كما ذكر لي مدير الإدارة الفنية متمرساً في التطبيق الهندسي وسيطر على أداء العمال بصورة متناغمة مما سمح لي بأوقات فراغ جلست فيها على الشاطئ مجتراً لأحلام الليلة الماضية.

عند التاسعة انتهينا من العمل الخارجي ودعاني مدير الإدارة مع مهندس كهرباء كريمة للإفطار في مكتبه وكان قد أرسل لنا شاي الصباح مع أبنه مشكوراً. أثناء الفطور قال لي مهندس الكهرباء طبعاً محمد علي كرهك في الناس ديل. فضحك المدير وقال: الزول باقيه عليه قصة شقي الحال البقع في القيد. ساب أم درمان حيث مسكنه، وبحري حيث معظم أيام عمله، ودنقلا حيث أهله ووقع في كريمة أدته شاكوش خلته لافي صينية.

بعد الفطور تركت لمحمد علي متابعة التوضيب في ورشة الحدادة، فقد كانت فرصة له بأن ينغمس في العمل مع وعد منى بتعليمه العمل بنظارة المساحة في المساء حتى يقوم بوزن سواري الهوائيات ويُِِِري أهل كريمة أي فتى أضاعوا.

عند الثانية عشرة انتهيت من مهمة أخراج الأجهزة من الكراتين وربطها مع بعضها وعمل تجربة أولية بواسطة أجهزة القياس. وكنت مدعواً للغداء عند مهندس الكهرباء بعد أكثر من ساعتين فوجدتها فرصة للذهاب لجبل البركل.

شوقي بدري
05-12-2013, 02:27 PM
العزيزابو جعفر بلاي بي سرعة عبر لينا تاني . انا الموضوع قرطعته كله بي نفس واحد . ومش غلطتي . في موضوع قناة جنقلي . انا اختلف معك تماما . اذا مصر بتبلطج علي الشمال الجنوب دخلو شنو . التدخل في الطبيعة باسايب فادحة يؤدي الي كوارس , وامريكا لم تجفف مستنقعات فلوريدا و لويزيانا وجنوب الولايات . وافر قليز محميات .احزنني كجنوبي شمالي او شمالي جنوبي ,, مما يدل علي هرب الجنوبيين من بيئتهم الحيوانية الي مناطق الحضر في ملكال والشمال ,, اذا لم احس بروعة كلماتك وامدرمانيتك وحبك للسودان لما غفرت لك هذه الكلمات فهي لاتشبه اسلوبك , نعتبرها غلطة مطبعية. فهذا ما يقوله العرب عن السودانيين الآن . وكوع مستخي .

أبو جعفر
05-12-2013, 08:00 PM
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة شوقي بدري http://www.sudanyat.org/vb/images/buttons/viewpost.gif (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?p=566383#post566383)
العزيزابو جعفر بلاي بي سرعة عبر لينا تاني . انا الموضوع قرطعته كله بي نفس واحد . ومش غلطتي . في موضوع قناة جنقلي . انا اختلف معك تماما . اذا مصر بتبلطج علي الشمال الجنوب دخلو شنو . التدخل في الطبيعة باسايب فادحة يؤدي الي كوارس , وامريكا لم تجفف مستنقعات فلوريدا و لويزيانا وجنوب الولايات . وافر قليز محميات .احزنني كجنوبي شمالي او شمالي جنوبي ,, مما يدل علي هرب الجنوبيين من بيئتهم الحيوانية الي مناطق الحضر في ملكال والشمال ,, اذا لم احس بروعة كلماتك وامدرمانيتك وحبك للسودان لما غفرت لك هذه الكلمات فهي لاتشبه اسلوبك , نعتبرها غلطة مطبعية. فهذا ما يقوله العرب عن السودانيين الآن . وكوع مستخي..
الأخ الحبيب شوقي بدري تحية وسلام وشكري الجزيل على إيرادك لمفردة (قرطعته) فقد هلت علي كما جك حلومر بارد والخالة سعدية عليها رحمة الله تحلف وتقول: "خسمتك أو خصمتك بالله إلا تكملو". هي مفردات فقدناها رغم بريقها.

وأبدأ بشكر واجب لما تتحفنا به من مقالات ثرة ومعلومات مفيدة .... وأحترم جداً وجهة نظرك حول قناة جونقلي وأرى فيها وجهة نظر مظللة أو مكللة بأيام صحة وفتوة الخدمة المدنية في السودان وكيف أن رطل السكر وشوال الدقيق في جوبا لا يختلف عنه في الخرطوم إلا بالنذر اليسير، كما إن المجموع الحضري (ساكني المدن) للجنوبيين كان قليلاً (كما هو الحال في معظم مناطق السودان وقتها). ولكن بتقدم الزمن زاد المجموع الحضري للجنوب، وصار لزاماً البحث عن تنمية توازي هذه الزيادة.

وهذا بالضبط كان الهدف من مشروع قناة جونقلي والمشاريع المصاحبة له، وهو تغطية الاحتياجات المستقبلية لإنسان جنوب السودان، وجبر الضرر الذي أحدثته الحرب التي أوقفتها اتفاقية سلام أديس أببا. فقناة جونقلي في تعديلها الأخير من 260 كليو متر، إلى 360 كليو متر - تم حفر 300 كيلو متر منها – تمر بمعظم قرى الدينكا جنوب بور وهم المكون الأكبر لسكان الجنوب، هذا بالإضافة لمناطق الشلك والنوير ..... وبالإضافة للممر الملاحي الممتاز، تنتج عنها صناعة سكر تم الإتفاق عليها مع الحكومة.

وكذلك أشكر لك تنبيهي لخطأ وصفي بيئة القرى الجنوبية بالحيوانية – وجل من لا يخطئ - فهي في الحقيقة بيئة إنسانية رغم التخلف الظاهر فيها، فالإنسان هو الإنسان في أي زمان وأي مكان. وكان المفروض أن أقول بأنها بيئة بدائية، وهي بيئة عاشها كل سكان الأرض يوماً ما. وكان بودي تعديلها ولكن لا سبيل إلى ذلك فقد أرسلت للإشراف سابقاً لتعديل مداخلة ولم تكن هناك استجابة.

وكذلك شاكر تنبيهي إلى أن أمريكا جففت تسعين بالمئة من مناطقها الرطبة وليس كلها.

ختاماً تبقى وجهة نظرى قاصرة ومحكومة بوضعي ضمن مشروع قناة جونقلي وانفعالي به وقتها. مع التنبيه إلى أنني لم أشعر يوماً باختلاف بين الزملاء الجنوبين والشماليين، وبالعكس كنت أرى في الأخوة الجنوبيين شيء من الوداعة والهدؤ المحبب. وهذا يعني أن التعليم يلغي الفوارق بصورة طبيعية. دمت بخير أخي شوقي وشاكر مرة ثانية مداخلتك الثرة.

أدناه صورة لمنطقة السدود لتقريب وجهة نظري:
http://www.sudaneseclub-oman.com/vbforum/uploaded/2_84822692attp4uf2southsu.jpg

أبو جعفر
07-12-2013, 07:27 PM
زيارتي لجبل البركل على قصرها كانت أجمل وأعمق ما في رحلتي لكريمة - رغم إنها كانت بعد اشتداد الحر في منتصف النهار - فالبركل نسيج وحده يخبرك الكثير ويعريك لا كما يتخلى الإنسان عن ملابسه، ولكن كما يخرج متعبد من جسده في لحظة صفاء، فتجد نفسك كما عبد الله الشيخ البشير حين قال:
ولاحت لي نوافذُ باهراتٍ
فجُزتُ من النوافذِ وامّحيتُ
وصيَّرني الحنينُ إليه معنىً
بلا مبنىً فغبتُ وما اختفيتُ

فها هنا التاريخ يجري أمامك قرن وراء الآخر، وتراه في كسر الفخار الذي بقي بعد أن شبع علماء المتاحف والآثار من أمثاله. وتراه في طيبة شعب عشت تحضره الموروث من حضارة ضاربة في القدم، ولمست عراقته باليدين.

لا أدري لم تذكرت محمد علي في تلك اللحظة، ذلك النوبي القادم من الشمال، والذي أراد أن يشارك البركل عراقته ويثبت أحفاد في جواره، ولكن لم تسمح له الأقدار. بقيت ساهماً وتوقف تفكيري عند ذلك العملاق، الذي هز مشاعري كما كتل المنخلع للدابي على قول ودالشلهمة؛ فقررت الهروب على نية قوية بالعودة إليه لاحقاً.

وصلت منزل مهندس الكهرباء ووجدته في انتظاري ودار الحديث حول لماذا لم تؤسس الحكومة متحفاً على قمة البركل للدفع بعلم الآثار في البلد ويكون مزاراً لطلبة المنطقة من الدبة إلى أبو حمد وكذلك القادمين من دنقلا على متن الباخرة، فلم نحر جواباً سوى عدم اهتمام أهل السودان بمسألة الآثار والتاريخ عامة.

أبو جعفر
09-12-2013, 08:56 PM
بعد الغداء عدت مساءً إلى ساحة غرفة الاتصال حسب وعدي لمحمد علي بتدريبه على استعمال نظارة المساحة. ووجدته قد حضر خشبة طويلة كدمية للتدريب، ولكن لم نربطها في القاعدة حتى لا نؤثر على الصبة الخرصانية.

محمد علي كان خير مثال على تفوق الموهوب على الأكاديمي، فقد ألتهم درس وزن استقامة الساري بدقائق معدودة، الشيء الذي أجبرني على الدخول معه في كيفية تحديد الزوايا وهي مسألة معقدة ولكنه استوعبها، مما حداني لأعرض عليه الانتقال لقسم الكهرباء مع الوعد بإلحاقه بمعهد متخصص ضمن تلاميذ الهندسة في القسم.. فوافق بموافقة مدير الإدارة الفنية في كريمة فهو ولي أمره المهني، فقلت له دع الأمر لي.

بعد انتهاء التدريب عند آخر ضوء أعطيته بالطو ليشعر بانتمائه للقسم، ثم أوصيته بسقاية الخرسانة صباحاً وتغطيتها بالخيش، وكذلك مواصلة التدرب صباح الغد بعد ربط دمية التدريب والرافعة، فقال لي سيكون ذلك بالحرف.

استيقظت قبل الفجر وأطلقت العنان لركلسة ممتدة، إلا إنني أخليت ذهني تماماً بالنظر للسماء والنجوم المغادرة، وقبل أول ضوء انطلقت نحو البركل محملاً بالمشمع السفري الذي يلازم شنطتي حتى لأظن إنه جزء من أرضيتها.

اعتليت البركل والفجر يرسل ضيائه الحريرية وهناك افترشت المشمع حيث جرت أمام عيني وهي تنطلق في فضاء البركل مسرحية كاملة الدسم. تخيلت نفسي فيها وليداً ثم يافعاً ثم جندياً برتبة عالية لدى الفرعون وأنا أردد.
هلا سألت الخيل يا ابنة مالك
إن كنت جاهلة بما لم تعلمي
الشيء الذي عكس تاريخي العاطفي على المشهد، من علوية منقة إلى سكرتيرة المدير مروراً بفاتنة كسلا ولم أنسى الصغرى لستنا بالفاشر. كل ذلك وصوت المغني يخترق حجب خيالي مترنماً:
أذكري أيام صفانا
وأذكرى عهد اللقا
والليالي الفي حبور

أبو جعفر
11-12-2013, 10:44 PM
عدت من البركل ورؤاه تسيطر على بزخم كبير لدرجة فكرت فيها بالذهاب إلى مروي بدلاً من مكاتب الهيئة فأمامي اليوم بطوله انتظاراً لتمام جفاف الخرصانة في صباح الغد، ولكن منعني عن ذلك خوف تشويه اللوحة التي رسمها الكابلي بلحنه الأنيق لرائعته مروي.

وصلت الهيئة بعد العاشرة ووجدت محمد علي عامل هلولة وهو يلبس البالطو الخاص بمهندسي الكهرباء والخوذة الخاصة بتركيب الهوائيات وهو يحدد في الزوايا ويتدرب على قياس الاستقامة بالخشبة (الدمية) بعد أن ربطها بالقاعدة وأوصلها بالرافعة. ابتسمت وواصلت سيري بعد تحية خفيفة وملاحظة سقاية الخرصانة، إلى مكتب مدير الإدارة الفنية.

دخلت المكتب ووجدت معه مهندس الكهرباء وحال ما رآني قال لي: الزول أنت عملت فيهو إيه، الليلة أول مرة يضحك ويبان عادي. فقلت لهم: أسألوا نظارة المساحة احتمال فيها سر. فضحكوا، وقال مدير الإدارة (وكان الأقرب لمحمد علي): أهو لقاها فرصة يجخ على العالم دي شوية.

ثم واصل المدير قائلاً: وبعدين يعني إيه (أونا)، و(بس)، و(ترا) المعذب بيها العمال دي. فقلت له هذه أكواد للأرقام في التلفون اللاسلكي فبدلاً من مناداة المساعدين بنمرة واحد ونمرة اتنين تتم مناداته بـ (أونا) أو (ترا) أو(كارت) كسباً للوقت ... ولكن العجيب أنه حفظها بهذه السرعة.

فقال مدير الإدارة: لعله القلب المجروح. فانتهزتها فرصة وقلت له: لا أظن .... هذا الشاب موهوب وهو خير مثال لتلميذ الهندسة الشامل ومشروع مهندس ناجح إن وجد التأهيل، علماً بأن الفرصة متوفرة لدينا في قسم الكهرباء بحري إن وافق على تدريب الشدة الذي نقوم به، وبدون تفكير قال لي المدير: ده حمار شغل ولكن رأسه خفيف كل ما شاف طرف توب عمل فيها روميو.

فضحكنا طويلاً وقلت له أرجو أن أطلع على شهادته الثانوية حتى أقيمه. فنادى على موظف شئون العاملين وطلب منه فايل محمد علي وفتح صفحة شهادته الثانوية فكانت درجته في الرياضيات 71 من مئة وهي أكثر من كافية لتلميذ هندسة.

وعندها طلبت منه - إن سمحت ظروف العمل - تحويله إلى قسم الكهرباء وأنا أضمن له إن شاء الله مستقبل كويس. فقال لي بأنه يحب له الخير، ولكن تحويله يجب أن يكون عبر مدير الإدارة الفنية بحري لأنه يتبع لإدارة ثانية. فقلت له إذن أعطه إجازة عرضية وليسافر معي غداً، لأن عندنا تدريب مهم وفي أثناءه تتم الإجراءات. فقال لي هذا سهل وغداً سيكون كل شيء مرتباً إن أخذت موافقته على تدريب الشدة.

فقلت له نادي عليه وأسأله بنفسك حتى تطمئن. نادينا على محمد علي الذي وافق بغير تفكير ولعله كان يتوق لمغادرة البلد التي جرحت قلبه وخلاصاً من حالة حاكت المغني حين ترنم: يا نسيم قول للأزاهر نامت الناس وأنا ساهر.

شوقي بدري
12-12-2013, 02:35 PM
وبعدين معاك ، ايه الحكاية انت ناسي اننا منتظرين ؟ مع كل الود

أبو جعفر
12-12-2013, 07:37 PM
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة شوقي بدري http://www.sudanyat.org/vb/images/buttons/viewpost.gif (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?p=566893#post566893)
وبعدين معاك ، ايه الحكاية انت ناسي اننا منتظرين ؟ مع كل الود.
لك التحية حبيبنا شوقي وأنت تزين هذه الأوراق بمرورك العطر

وصدقني أخوك جاري جري فغداً مفارق لديار البركل دون المرور على مروي ونوري والعتب كل العتب على الكابلي ورائعته (مروي) .. وقلنا ما نخرب المشهد الذي حفره في دواخلنا كما أسلفت. وحقيقي المنطقة تستحق أكثر مما قدم الكابلي فنحن في بلد الرومانسية رغم نادرة محمد علي والتي لم أقصها وهي ادعاءه فقدان كريمة - بفقدها له - لرومانسي عطر منطقتهم.. وحكى لي نكتة الشايقي الذي دخل وزوجته للسينما وكان الفلم رومانسي وعندما تأثرت الزوجة وأغمضت عيونها لكزها قائلاً فتحي عيونك أحنا دافعين قروش.

وحقيقي رحلة كريمة كانت يومين ولا بالأحلام فقد أعادت لي ذكرى سنوات خلت قبل تلك الرحلة رغم إن الذاكرة أحياناً تحتاج إلى دفرة مثل ذاك الذي سار يحدث نفسه:

اسنيكرز كافر؟. لا
رفايلو معلون؟. لا
ماكس نجس؟. لا
باونتي مشرك؟. لا
وصل البقالة وسأل البائع
ياخ الشوكلاته الأسلمت ديك اسمها شنو
فقال له البقال
جلكسي تاب

لك شكري مرة ثانية وغداً يوم مشهود لمحمد علي شهيد كريمة.

شوقي بدري
12-12-2013, 09:07 PM
العزيز ابو جعفر التحية . اتاني في المكتب الكابلي متعه الله بالصحة في الثمانينات . واثناء الجديث وسط آخرين ، ذكر ان احد الافنديه بحث عنه واتاه وهو غاضب ، ولام الكابلي لانه اضاع سنينا من عمره . السبب ان الشاب جاهد لكي ينقل الي مروي متاثرا بالاغنية . وكان يحسب انها جنة الله في الارض ، ووجد العكس . وحاول الكابلي ان يشرح له ان الروعة كانت في الشلة والناس الذين زاملوا الكابلي . ولم يقتنع الشاب وذهب حانقا علي الكابلي .

أبو جعفر
13-12-2013, 02:31 PM
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة شوقي بدري http://www.sudanyat.org/vb/images/buttons/viewpost.gif (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?p=566907#post566907)
العزيز ابو جعفر التحية . اتاني في المكتب الكابلي متعه الله بالصحة في الثمانينات . واثناء الجديث وسط آخرين ، ذكر ان احد الافنديه بحث عنه واتاه وهو غاضب ، ولام الكابلي لانه اضاع سنينا من عمره . السبب ان الشاب جاهد لكي ينقل الي مروي متاثرا بالاغنية . وكان يحسب انها جنة الله في الارض ، ووجد العكس . وحاول الكابلي ان يشرح له ان الروعة كانت في الشلة والناس الذين زاملوا الكابلي . ولم يقتنع الشاب وذهب حانقا علي الكابلي
مرحب كتير شوقي
ومتعك الله بالصحة والعافية، قلت لي زولك طلب نقلية عديل .... الزول ده ما قرا الشعراء يتبعهم الغاوون .... ولكن حقيقي الكابلي معاه حق لأن الظرف المحيط هو الذي ينعكس على الشعور. ففي (أبو حمد) هناك ميدان رملي غرب محطة السكة حديد ينتقل فيه الناس من ضيق عربات القطار ومنظر المحطات المتشابهة إلى فضاء حر مليء بالخيرات فتجد الشاي بالزلابية والعشاء المجيه والسندوتشات الشيء الذي يجذب معظم ركاب القطار للركلسة والأكل وشرب الشاي والونسة ... وسبحان الله حتى السواح يحبون التجول فيه. هذا الميدان لو حضرت إليه من داخل الحي فلن تجد شعور الراكب الذي يشبه شعور من أطلق سراحه من زنزانه إلى الفضاء الرحيب. ونسأل الله ان يقيل عترة أو وقعة السكة حديد فتعود أيام قطار الشمال وابداعات شعراءه:
http://www.sudanyat.org/vb/uploaded/2873_1386940803.mp3

قطار الشوق متين ترحل تودينا
نشوف بلدا حنان أهلاترسي هناك ترسينا
نسايم عطبره الحلوه تهدينا وترسينا
نقابل فيها ناس طيبينفراقم كان ببكينا
ياقطار الشوق متين توصل حبيبنا هناك راجينا
متين نحضنعويناتو ... متين يسرع يحينا
ياقطار الشوق ده ليل الغربة فيهو ودار
متين تسرعمتين بنكمل المشوار
عشان مانلقي فيها الناس ونطفي البينا من النار
نشوفعينيهو نعسانه ولونوا الزاهي كلوا نضار
ياقطار الشوق حبيبنا هناك يحسب فيمسافاتك
ولوتعرف غلاوة الريد كنت نسيت محطاطك
وكان فكرت في الميعاد وكان قللتساعاتك
وكان حنيت علي مرة وكان حركت عجلاتك

حقيقي كانت أيام.. وليت الشباب يعود يوماً فاخبره: وين يا زول

أبو جعفر
13-12-2013, 09:10 PM
عصر اليوم السابق لتركيب الجهاز والسفر أحضرنا كل المواد اللازمة لتنصيب الهوائي إلى ساحة غرفة الاتصال وثبتنا كل سارية إلى قاعدتها وكذلك حسبنا أطوال الصبانات (سلوك التثبت) وقمت مع محمد علي بربطها ولم يبق سوى جهة الرافعة التي يجب أن تتم صباحاً حتى تأخذ الصبة أقصى قوة متاحة. على أن نبدأ عند أول ضوء لأن القطار سوف يغادر عند العاشرة ويجب أن نكون قد سلمنا المحطة بالكامل في التاسعة حتى يتسنى لنا جمع المعدات والذهاب بها إلى المحطة.

صباح يوم السفر ذكرني المثل القائل: زرة ترزي يوم الوقفة، فأي خطأ سيبقيني أسبوعاً كاملاً في انتظار القطار التالي. ورغم حضوري مبكراً عند السادسة ولكن وجدت كل العاملين متجمعين ليشهدوا آخر مهمة لمحمد علي في كريمة التي أرادها مستقراً ولكنها أرسلته من حيث أتى.

محمد علي كان مدركاً أهمية اللحظة فهي أول الطريق للتأهيل الأكاديمي في عالم الهندسة الألكترونية العريض، وهي فرصة لكي يبرز لمن لم يقدر مواهبه عضلاته الفنية، ولذلك وقف وسط الجموع بالبالطو والخوذة كالطاووس وهو يشرح لهم مراحل العملية التي شرحتها له في اليوم السابق.

وعند وصولي أراد أن يبتعد لي عن النضارة، ولكن أشرت أليه أن يبقى مكانه وأخذت مكاني وسط عمال الرافعة. ورغم إن العملية بسيطة وهي سحب الرافعة نحو الأرض ليرتفع الساري إلى الأعلى إلا أن محمد علي بصوته الجهوري وهو ينادي بالألفا برافو ليعلمني بالزاوية التي وصل إليها الساري أعطى العملية زخم شجع العمال على إتمام المهمة في وقت وجيز.

وسبحان الله وكأنما حلت بركة محمد علي المهمة وأراد الله أن يعوض صبره خيراً، حيث كانت أول محطة استجابة هي جوبا، ومن بعدها الباخرة وادي حلفا من كوستي الشيء الذي زاد على المتوقع. أخيراً ردت الخرطوم بحري فقمت بتسليم موظف الجهاز تعليمات التشغيل مع شرح مبسط للحفاظ عليه.. وطلبت منه أن يواصل مع بحري إلى أن يغادر القطار حتى يتأكد من صلاحيته.

أبو جعفر
14-12-2013, 06:31 PM
عند التاسعة تمكنا من جمع المعدات وإرسالها مع الشنط إلى حيث حجزنا في القطار المغادر للخرطوم، وبعد إفطار خفيف توجهنا في موكبين إلى محطة السكة الحديد. موكبي مع مدير الإدارة ومهندس الكهرباء ووالد الفتاة صاحبة الشاكوش الشهير لمحمد علي .. وموكب محمد علي الذي تكون من كل عمال ومهندسي النقل النهري وكذلك شباب فريق الوابورات بكريمة.

وسبحان الله والد الفتاة أوصاني بعاطفة والد على محمد علي وبصورة تحمل الكثير من الصدق الشيء الذي أجبرني - رغم كرهي للوعود - على طمأنته وإخباره بأن محمد علي وعلى بعد أربعة سنوات إن شاء الله سيكون مهندس كهرباء الحوض الملاحي المقيم في الدرجة الثامنة، وأن الطريق الأكاديمي سيكون مفتوح أمامه للزيادة. وهذا هو محمد علي دائماً ما يترك في معارفه الشعور بالقرابة القريبة.

أطلقت سراح المدير ومهندس الكهرباء ووالد الفتاة لكي يودعوا محمد علي الذي كان حجزه على بعد عربتين مني، وتفرغت للسوق الذي قام بصورة قمة في النظام والأناقة البسيطة أمام القطار ويعكس صورة واضحة لإنسان هذا الأقليم.

يا ألله من يصدق إن ذلك المجموع الخضري البسيط على جانبي النيل ينتج كل ذلك الخير المتمثل في منتجات مصنع تعليب البلح كريمة وكذلك تلك الشاحنات التي تمول سوق الفاكهة في العاصمة.

وهذا المثال الحضاري لتسويق المنتجات الزراعية أمام القطر هو خير مثال على التحضر الضارب في عمق التاريخ، فقد كان كل شيء (منقة، بلح، عجوة) معبأ في سلال مصنوعة بشكل دقيق من السعف وهي ما نطلق عليه القفة في العامية السودانية وما إن تختار ما تريده حتى تتم خياطتها ورفعها إلى غرفتك في القطر.

وأذكر إنني احتفظت فقط بمصاريف الطريق وعربة الأجرة للمنزل واشتريت بباقي المبلغ الذي كان معي من كل شيء فالإغراء كان عالياً بسبب نظافة السلال وجودة ونظافة المنتجات.

أبو جعفر
15-12-2013, 10:30 AM
في مطار الخرطوم كانت غرفة أجهزة الاتصال فوق صالة المودعين - أيام كان يسمح للمودعين بمشاهدة أقلاع الطائرات - حيث كنا نركلس عندما تخف زحمة العمل ونصطاد لحظة نسميها مهبط الدموع ... فقد كنا نتابع المودعين ونشدد المراقبة على فتاة يبدو عليها التأثر لوداع مسافر عزيز لديها، ونراقبها لحظة مفارقة عجلات الطائرة الخلفية للأرض .. ففي تلك اللحظة بالضبط كانت تنهمر دموعهن كما حنفية محلوجة ... ربنا يغفر لينا كان الجهل كاتلنا ونستمتع بآلام البلي.

هذه اللحظة - مهبط الدموع - حرصت بشدة على أن لا أرها على محمد علي وهو يغادر ديار من أحب ويفقد الأمل حتى في لقاء عابر. ولكن الأيام خير طبيب قلب كما اختبرت بنفسي، خاصة وأن الرجل مقبل على مسار جديد فيه من الشدة والجهد ما فيه.

لم أقابل محمد علي إلا في أبو حمد وقد لاحظت عليه التأثر رغم محاولته إخفاء ذلك بشدة. وكالعادة ذهبنا إلى الميدان حيث الشاي والزلابية، وكان حديثنا بعيداً عن السفرية والعمل حيث تحدثنا عن مجالس أم درمان وظرفائها، رغم إنني كنت قبل لحظات أعد له جدول التدريب العملي والنظري والذي يستغرق ورديتين أي من السادسة صباحاً إلى السادسة مساءً.

استمرت السفرية في روتينها العكسي تسلمنا محطة إلى الأخرى إلى أن وصلنا إلى الخرطوم بحري حيث افترقنا على أن نلتقي في الغد في مباني الهيئة. حيث وصلت متأخراً، ولم أضيع الوقت فبدأت في إجراءات نقل محمد علي إلى الإدارة الفنية، ورغم الروتين وكثرة الخطابات ... نرجو من سعادتكم .. يسرنا أن نخبركم ... إلا أن المسألة مضت بسلاسة إلى أن تسلمنا إشعار النقل.

أبو جعفر
15-12-2013, 02:31 PM
بعد استلام إشعار النقل جلست مع محمد علي وسلمته جدول العمل والتدريب والذي شمل الكهرباء العامة (توليد وتوزيع)، والسيطرة الإلكترونية بقسميها (ملاحة واتصال)، ويستغرق – الجدول - ورديتين في اليوم أي من السادسة صباحاً إلى السادسة مساءً، وذلك تمهيداً لإلحاقه بمعهد متخصص في السنة القادمة مع تنازله عن حقه في التفرغ أثناء الدراسة في المعهد والتي ستكون مسائية.

ثم أهديته نصيحة أهداني إياها مهندس مخضرم في مطار الخرطوم – وأهديها اليوم للشباب الذين في بداية عهدهم الوظيفي – وهي: (أن حظ وقدر الكسالى هو المشاكل)، ولذلك يجب تحديد سنين شدة يتم فيها مضاعفة الجهد وزمن العمل لاكتساب الخبرة. مع الحرص في أيام الكورسات والدراسة على عدم الخروج من المنزل حين العودة إليه، وعدم شغل الوقت في غير المراجعة والمذاكرة.

يقولون إن لا شيء يعادل طاقة (الحب والإيمان) ولكن طاقة شاكوش مهيرة كريمة فعلت فعلها مع محمد علي، حيث عنون عبد القيوم تجربة تدريبه ببغماليون أو بجماليون ذلك التمثال الذي برع صانعه فيه فتحول إلى إنسان، حيث حول ذلك الشاكوش محمد علي إلى كتلة من النشاط والطاقة. الشيء الذي أنعكس إيجابياً على كامل القسم.

فقد أكمل محمد علي مقرر السنة الأولى لمعهد الاتصالات في ستة أشهر رغم أن عبد القيوم وأنا لم نكن معلمين محترفين, وبرع في الرسم والتطبيق الهندسي لدرجة أن مهندس الكهرباء حين سألني عن مرشحي لكورس كهرباء مواعين - ومدته شهرين في إيطاليا - وقلت له محمد علي. قال لي: إيه الحكاية أنا خايف لو سألت زوجتي في البيت عن هذا الترشيح تقول لي محمد علي. فذكرتني الحالة التي أسلمت محمد علي إلى الانغماس في العمل والدراسة بهذا الشكل المرضي بقصيدة جماع الشهيرة:

في ربيع الحب كنا نتساقى ونغني
نتناجى ونناجي الطير من غصن لغصن
ثم ضاع الأمس مني
وانطوى بالقلب حسرة
إننا طيفان في حلم سماوي سرينا
واعتصرنا نشوة العمر ولكن ما ارتوينا
إنه الحب فلا تسأل ولا تعتب علينا
كانت الجنة مأوانا فضاعت من يدينا

أطلقت روحي من الأشجان ما كان سجينا
أنا ذوبت فؤادي لك لحناً وأنينا
فأرحم العود إذا غنوا به لحناً حزينا
ليس لي غير ابتسامتك من زاد وخمر
بسمة منك تشع النور في ظلمات دهري
وتعيد الماء والأزهار في صحراء عمري
ثم ضاع الأمس مني
وانطوى بالقلب حسرة.

أبو جعفر
17-12-2013, 08:54 AM
بعد سنة من جهدنا في تدريب كوادر القسم من تلاميذ الهندسة والعمال نظرياً وعملياً منتهزين فرصة بناء البواخر والجرارات - والتجهيزات التي تحتاجها - في التدريب الحي، وكذلك فتح الفرص أمام تلاميذ الهندسة للدراسة الأكاديمية، بدأت وعبد القيوم في احتلال مقاعد الخبراء الأجانب وهو مصطلح كنا نستخدمه في مطار الخرطوم لرؤساء الأقسام الذين كانوا يشحططونا بالسفر وهم متنعمين في مقاعدهم الرئاسية.

ويوماً عدت إلى المنزل مساءً لأجد مذكرة من مهندس قضيت معه فترة تدريب مسائية في ورشته على صيانة أجهزة التلفزيون .. وكان قد عاد لتوه من مقر عمله في السعودية.

فذهبت إليه وبعد السلام والسؤال عن حاله في الغربة سألني عن حالي فأخبرته بأنني ألآن أحضر في الزمالة وأحتل مقعد خبير أجنبي في الهيئة ولي عدد من تلاميذ الهندسة والعمال المؤهلين عملياً وبعضهم يتلقى دراسة أكاديمية في معهد المواصلات بعد قبولهم في السنة الثانية.

فقال لي ماذا تعرف عن التلفزيون البطئ. فقلت له (أبيض) أي لا أدري عنه شيئاً حيث لم أسمع بتلفزيون بطئ وآخر سريع فقط أعرف الملون والغير ذلك. فقال لي التلفزيون البطئ هو جهاز إرسال واستقبال يعمل عبر خطوط الهاتف لنقل صور المستندات. أي تضع المستند في المرسلة وتستقبل صورة منه في الجهة المقابلة، ويسمونه الفاكس والفكرة هي نفسها فكرة الإشارة المركبة للتلفزيون، ولكنها تستخدم أكواد الديقتال زيرو ون بدلاً من إشارة الراديو العادية.

ثم ذكر لي بأنه يحمل أجهزة تسهيل اتصال تلفوني هدية من شركته للسفير السعودي ويريد مساعدتي في تركيبها، أحسست بأنه يخطط لأمر ما، ولكن كنت أعلم طبعه في أخفاء نواياه حيث كنا نسميه (أبو الهول نطق)، ثم اختصرنا التسمية إلى أبو الهول.

أبو جعفر
19-12-2013, 03:11 PM
أعطاني أبو الهول أحد أجهزة (تسهيل الاتصال) مع كتيب تشغيله، وطلب مني ترجمة صفحات برمجته، والجهاز عبارة عن مفكرة الكترونية تقوم – بعد برمجتها – بالاتصال بالتلفون المعني وتلاحقه 99 مرة ... وهو يتسع لـ 99 رقم يمكن ملاحقته. وقد قلت مُلاحقته لأن الاتصال التلفوني وقتها - وخاصة منطقة بحري - كان أسهل منه الوصول للشخص المعني مشياً.

بعد أن أطلعت على الكتيب وقمت بترجمة الصفحات المنشودة - ولشيء في النفس - رأيت أن يكون هذا الجهاز ضمن الأجهزة المقترحة لإدارة الهيئة ... وما إن أشرقت الشمس إلا وطيران على سكرتيرة المدير وبمعيتي الجهاز الذي أعطاني له أبو الهول لكي أتدرب على تشغيله، وكذلك ترجمة برمجته. وقمت بتوصيل الجهاز مع الشبكة الفرعية لتلفونات المدير ودربت ست الحسن على استخدامه وبرمجته.

البنية انبسطت من التجربة وتبرعت بطباعة الترجمة وتصوير الكتاب لمكتب الرسم بنفسها بدلاً من تكليف مساعدتها والتي قالت مازحة: أنتي انبسطتي كده هو جاب ليك عريس. فكان ردها أسع في عريس يشيل منك هم التلفون ويخليك تعوسي عواستك.

فقلت لها ربنا يبسطك. ورداً على العريس ده عايز لي إجازة عرضية سبعة يوم لإتمام مهمة السفارة لأن أجازتي السنوية لن تحل إلا بعد خمسة عشرة يوما. فأعطتني ورقة لكتابة الطلب الذي سببته بامتحانات التيرم للزمالة التي حل وقتها، وتركت لها مهمة تقديمه والمتابعة مع عبد القيوم ورهطه.

مساء نفس اليوم قابلت أبو الهول وأعطيته نسخ الترجمة، واتفقنا على أن يمر علي في الغد للذهاب للسفارة حتى نقوم بتركيب الأجهزة وتدريب العاملين عليها. ثم أخذ يحدثني عن طبيعة العمل في الشركة التي يعمل بها وكيف إنها منتظمة بدرجة أنهم صاروا خواجات بنكهة سودانية.

شوقي بدري
19-12-2013, 06:56 PM
سينما اوانطة ادونا فلوسنا ولا ندخل الكنبة في الشاشة ذي مل حصل زمان في امدرمان . ياخي الكلام ده غلط. كمال سينة قال للجزار الطماع البقطع نتف لحم علشان يتم الكيلو وبيقول الميزان ده مامو ما عاوز ينزل . سينة قال ليه ينزل كيف اذا انت بتديه دوات وترايس . ده الانتا قاعد تعملوا معانا . لقيتنا ايتام وبعيدين من اهلنا , لك التحية

أبو جعفر
19-12-2013, 10:16 PM
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة شوقي بدري http://www.sudanyat.org/vb/images/buttons/viewpost.gif (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?p=567578#post567578)
سينما اوانطة ادونا فلوسنا ولا ندخل الكنبة في الشاشة ذي مل حصل زمان في امدرمان . ياخي الكلام ده غلط. كمال سينة قال للجزار الطماع البقطع نتف لحم علشان يتم الكيلو وبيقول الميزان ده مامو ما عاوز ينزل . سينة قال ليه ينزل كيف اذا انت بتديه دوات وترايس . ده الانتا قاعد تعملوا معانا . لقيتنا ايتام وبعيدين من اهلنا , لك التحية. السلام عليكم شوقي
ورحم الله سينا فقد ضحكت حتى تنادى ناس الحلة الزول ده مالو.. وخايف بكرة أفكها ضحكة في الجامع. قلت لي دوهات وترايس ... ألله يرحمك يا سينا والله فقدناك أنت وأبو داود كنتو معلم في ليل ونهار أم درمان. فأبو داود رغم انه يسكن بحري إلا أن جل يومه يكون في أم درمان فتلقاه في الإذاعة واتحاد الفنانين وعند الجزار وفي الحفلات. أما سينا فقد كان نجم الرياضة المرح عليه رحمة الله.

وصدقني يا شوقي أصبحنا نعاني من الغربة ونحن وسط أم درمان فيوسف الفكي أختفى وحديقة ميدان البوستة يجري فيها العمل لقيام عمارة ضخمة .. والمكتبة المركزية أصبحت دار مهجورة .. وسبحان الله قبل فترة دخلت جورج مشرقي الذي أحتفظ بشكله ولكنه فقد جورج وزبائنه وذلك الزخم الذي كان يمثله.. وعندما سألني أبنه عن ماذا أطلب فقلت أريد ان أتذكر أيام لنا هنا، ولا بأس من نص كيلو باسطة. ولن تصدق درجة تأثر الولد الظاهر أبوهم كان بنفس الألفة في بيته كما هو عمله. غايتو شيء خير من لا شيئ فلا زالت علالي أبو روف (المرتفع شمال الزريبة) وكذلك دار الرياضة أم درمان على حالها.
أما عن المواصلة فحقيقي الذكريات في الراس موجودة، لكن أخوك مزرور لأنو أول أيام وقفت الشغل في كم حاجة، والآن مطارد عشان أكمل ما توقفت عنه ... لكن ليك علي لن يكون هناك توقف طويل. وشاكر كتير على التشجيع ودمت بخير ولا عدمناك فقد أهديتني مع سينا خميس منتعش بذكرى الزمن الجميل.

أبو جعفر
19-12-2013, 10:48 PM
لشوقي بدري مع التحية

http://www.sudanyat.org/vb/uploaded/2873_1387367559.mp3

أبو جعفر
20-12-2013, 09:35 AM
صباح اليوم التالي والموافق لأول يوم في عطلتي العرضية حضر أبو الهول مبكراً مع جار له يملك عربة أجرة، ولحسن الحظ كان مزاج الوالدة يومها لقيمات مع تلك الكفتيرة التي تذكرني بأيام الفاشر.


ومع تلك اللوحة السودانية نسي أبو الهول كل شئ وأندمج في الونسة مع الأخوان والوالد الذي كان يحكي لنا عن أيامه في جبال النوبة أيام ثورة فكي علي وكيف إن فكي علي كان يعتمد على الجلابة لتموين جيشه.

قبل أن نغادر قال لي أبو الهول فالتأخذ الجواز معك احتمال نحتاج ليه في استقبال السفارة، ففعلت مقتنعاً بوجهة نظره. وفي الطريق قال للسائق أغشى بينا سوق الموردة وهناك وقف عند بشير أخو المحينة وقال له طلبين من المعلوم.

وكان المعلوم أربعة سمكات بلطي من المقاس الكبير لكل طلب، وسبحان الله لم يفعل بشير - بعد النظافة - شيئاً سوى خبطه لذلك السمك في قفة بها دقيق ووضعها على الصاج. وفي تلك الأثناء ذهب أبو الهول إلى سوق الخضار وأتانا مع شافع يحمل قفة من الطماطم والبصل والليمون.

فكرت احتمال الزول ده عازم ناس السفارة على سمك الموردة كما نفعل دائماً في العمل وقتها، ولكن عند وصولنا لمدخل الكبري اتجهت العربة غرباً فسألته ماشين وين فقال لي نفطر في لاسلكي الفتيحاب وبعدين نمشي السفارة فعرفت إن مشوار السفارة طرشق لأن لاسلكي الفتيحاب بساحاته الضخمة كان عبارة عن منتجع رحلات.

لاسلكي الفتيحاب وقتها كان يضم أجهزة إرسال الإذاعة ومسئولة عنها هيئة المواصلات حيث كان يعمل أبو الهول بجانب عمله المسائي في ورشته الخاصة، وكذلك كان يضم الحوش أجهزة إرسال الطيران المدني.

وهناك أنقسمنا أنا ذهبت إلى ناس الطيران المدني وهو جلس مع ناس المواصلات، وسبحان الله صادفت وردية الليل قبل خروجها فكانت لمة سمك نسيت معها أبو الهول ومشوار السفارة الذي راح شمار في مرقة انتلجنسيا الساحات لأبو الهول، حيث لم نغادر إلا بعد الثانية مع نهاية الشفت الصباحي للمحطة، وبالتالي تأجل مشوار السفارة إلى اليوم التالي.

أبو جعفر
23-12-2013, 05:25 PM
اليوم التالي حضر أبو الهول ورفض مجرد الترجل من العربة ذاكراً إن لقيمات الوالدة هي التي ضيعت علينا اليوم السابق فقد ذكرته بأيام البساطة زمان مما دعاه لقضاء اليوم كله في المحطة. ولم استغرب قوله فقد كنت أعلم مدى انتلجنسيا أبو الهول وحنينه للبلد.

وقبل أن نصل السفارة بقليل وقف بنا السائق عند فندق على شارع إفريقيا حيث تناولنا الشاي وأعقبه فطور خفيف ثم القهوة وجلسة ونسة تناولت الشأن السياسي في البلد، فقد كان النميري وقتها كمن عقدت له رايات الدوام - والدوام لله وحده - أبد الآبدين.

وطالت الجلسة الشيء الذي دعاني للقول هذا يوم آخر يضيع. فقال لي أبو الهول بأن لا سعودي يروق دماغه قبل العاشرة ومن هنا هو يكسر في الوقت.

وصلنا السفارة عند العاشرة وترجل أبو الهول بعد أن أخذ مني الجواز وتوجه نحو مكتب الاستقبال وبعد فترة أطل علينا بالإذن لدخول السفارة، وحملنا أكياس الأجهزة ودخلنا دون أن ينظر أحد إلى ما في الأكياس بغرض التفتيش، ففي ذلك الزمان كان الأفراد في وضع الأمان ولم يظهر تطرفهم كقاعدة وكيزان بعد.

قادنا المرافق إلى مكتب السفير مباشرة ورغم نسياني لأسمه إلا أنه كان شاعر مشهور وسمات أهل الفن من البساطة والالتحام بالناس ظاهرة في مكتبه المزدحم بالحضور سعوديين وسودانيين. وقد أستقبل أبو الهول بترحيب سائلاً عن صحة صاحب الشركة وأخبرنا عن والده – والد صاحب الشركة - الذي كان من أعمدة تحديث عالم الاتصالات بالمملكة.

شوقي بدري
23-12-2013, 07:21 PM
الله يسألني 18 سطر . اربعة نص كم والسطر الاخير فيه كلمة واحدة . ده بس علشان نعرف البينا والعلينا . القحة ولا صمة الخشم . لك التحية .وقالوا الحاري احسن من المتعشي

أبو جعفر
23-12-2013, 11:22 PM
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة شوقي بدري http://www.sudanyat.org/vb/images/buttons/viewpost.gif (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?p=567869#post567869)
الله يسألني 18 سطر . اربعة نص كم والسطر الاخير فيه كلمة واحدة . ده بس علشان نعرف البينا والعلينا . القحة ولا صمة الخشم . لك التحية .وقالوا الحاري احسن من المتعشي. سلام كتير أخي الحبيب شوقي بدري وربنا يسعدك
المرة دي الضحكة جات بالليل .. أها جارتنا قالت لبتها أصلو الناس ديل بخرفو بدري .... المسكينة ما عارفه الحكاية فيها ود بدري ... ولا عدمناك هي فعلاً ضحكات نحتاجها في زمن الكوارث هذا ... ولن تصدق مدى حزني على ما يجري في جنوب السودان، وكيف تتحول براءة الإنسان الجنوبي والتي تلمس باليدين بسبب العصبية العرقية إلى شر خالص ... ونسأل الله أن يهدئ النفوس ويصلح الحال في شقي الوطن الحبيب. قلت لي السطر الأخير دو ما تامي هههههههه ربنا يسعدك في الدارين.

شوقي بدري
24-12-2013, 01:15 AM
والله نبحتا اكتر من بياع كوارع في حارة البنيان ولا في زول هببو لي . كنت عارف انه الكعة دي حتحصل . ادردقتا في الرماضة وقلت للدينكا كنكشتكم الشديدة وتحكمكم في كل شي حيجيب مصيبة اي مؤتمر او اجتماع بردد نفس الكلام . ارفعو رجلكم من الابنص .
ولمن عصاية الكجور رجعت لي واط بعد 80 سنة في انجلترة بعد مصادرتها من نوير لاو لانها تسببت في كثير من الحروب . كنت عارف انه رياك ما حيجيبها علي البر . الدينكا والنوير بالرغم من اانه جدهم واحد ولغتهم واحدة ، الا انهم كطلبة في امدرمان ما بشتغلوا مع بعض خلي حكومة .