زين العابدين حسن
01-09-2019, 06:39 AM
الحلقة الأولى
أهمية تناول الرق في الإسلام ليس فقط لاستجلاء ذلك التاريخ و الفقه الديني المرتبط به ، لكن لما له أيضا من ظلال على واقعنا و ما نتج عنه مع إشكاليات أخرى ، كالموقف من المرأة و الجهاد و فقه الولاء و البراء و غيره من تأثير على واقع حياتنا اليوم و ربما في المستقبل لزمن قد يطول . دعونا نحاول أن نستقصي أهم المفاهيم التي شغلت الفقهاء و المفكرين قديما ثم حديثا و الإشكاليات التي شغلتهم عبر الأزمنة منذ أقدم ايام الإسلام بعد موت الرسول (ص) و ذلك بصورة عامة و لكن بالأخص ما لها علاقة بموضوع الرق . بعد موت الرسول (ص) امتنعت قبائل عن دفع الزكاة ، الحقيقة لم يكن الأمر فقط امتناع عن دفع الزكاة لكنه استبطن موقفا سياسيا لا يتسع المقام لتفصيله . رد عليهم المركز بما يعرف بحروب الردة التي كان من نتائجها سبي ذراري القبائل العربية المرتدة (أخذ النساء سبايا و الرجال عبيدا) ، استمرت الحروب عاما كاملا من فترة خلافة سيدنا أبو بكر الصديق التي كانت مدتها27 شهرا . ظل وضع السبايا كما هو (أطولهم سبيا عاشها سبيا طوال فترة خلافة سيدنا أبوبكر و أقلهم مدة حوالي 15 شهرا) . جاءت بعد ذلك خلافة سيدنا عمر بن الخطاب عندها حدث أمر مهم جدا سيلقي بظلاله على مجمل تاريخ الإسلام و هو توقف استرقاق العرب بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب : جاء في (تاريخ الطبري, 3/339, الناشر: دار التراث - بيروت, الطبعة: الثانية - 1387 هـ) قول عمر بن الخطاب : (ليقبح بالعرب أن يملك بعضهم بعضا و قد وسع الله و فتح الأعاجم) أي أن الرق لا يقبح بالأعاجم ، لكنه يقبح بالعرب ، و قد منع سيدنا عمر بن الخطاب سبي العرب و بهذا لم يعد هناك مولى أو رقيق من العرب و كان أول قرار اتخذه الخليفة عمر في دولته ، رد سبايا أهل الردة إلى عشائرهم حيث قال: كرهت أن يكون السبي سنة في العرب(الخلافة والخلفاء الراشدون ص160) ... لا ننسى أن سيدنا عمر رضي الله عنه كان قد منع الموالي (المقصود الأرقاء) من دخول المدينة إلا من يُؤذن له و منهم قاتله فيما بعد أبو لؤلؤة غلام المغيرة (عبد المغيرة بن أبي شعبة) و يحسن بنا إلقاء نظرة على مقولته قبل مقتله . تورد كل المواقع الإسلامية تلك القصة كالتالي : (كان عمر رضي الله عنه يسير يوماْ في المدينة مع مجموعة من الصحابة ، فلقي ابا لؤلؤة في الطريق . فقال له عمر : لقد سمعت انك تقول : لو اشاء لصنعت رحى ( طاحونة ) تطحن بالري ، فأجابه ابو لؤلؤة بغضب وحقد وعبوس : لأصنعن لك رحى يتحدث بها الناس !!. فقال عمر للصحابة الذين معه : إن هذا العبد يهددني ويتوعدني) ، فهو رضي الله عنه لم يتحرج في نعت أبو لؤلؤة بالعبد ..
المهم بعد تولي سيدنا عمر الخلافة صار المجتمع المسلم قسمين ، قسم هو السادة العرب و القسم الثاني الأكبر من المجتمع هم الموالي و الرقيق (يطلق لفظ الموالي على الرقيق كما أن له معنى آخر و يقصد به نوعان آخران : فالموالي هم الرقيق الذين تم عتقهم ، فمن يعتق يكون مولى لسادته الذين عتقوه ، جاء في الحديث المشهور الوارد في الصحيحين في قصة بربرة المشهورة (انما الولاء لمن اعتق) ، فالمولى ملزم بالحرب مع سادته و منتسبا لهم يرثوه و يرثهم حسب فقه المواريث ، القسم الثاني من الموالي هو مجموعات او قبائل غير عربية توالي قبيلة أخرى فتصبح من مواليهم ينتسبون إليهم و ملزمين بنصرتهم ... بدأ تحلل نظام الموالي بعد الخلافة العباسية الثانية ، بعد حروب الزنج و القرامطة و ذلك بصورة تدريجية امتدت لقرون ، لكن بقاياه و آثاره و تبعاته ظلت تفعل فعلها في التاريخ) .. كما قلنا إنه قر في الوعي أن غير العرب يمكن أن يكونوا رقيقا أو موالي ، فقط العرب لا يمكن أن يكونوا رقيقا أو موالي . سيستمر أثر ذلك المفهوم في كل التاريخ الإسلامي مما يخلق في الوعي أن الرفعة و السيادة تكون منسوبة للعربي (تحسر الإمام الشافعي على سبي حرائر العرب من بني المصطلق) لذا تجد أن أغلب المسلمين يدعون نسبا عربيا و انتشرت ظاهرة النسابين الذين يدعون معرفة أصول القبائل . كان هناك نسّابون في مكة و المدينة و اشترك الأزهر في ظاهرة النسابين ، استمر ذلك حتى منتصف القرن العشرين ، يذهب إليهم بعض ممن يريدون شهادة تثبت التحاق نسبهم بالسادة العرب فيدفعون و يحصلون على النسب المبارك ملحقا لهم حتى بالدوحة القرشية ، لا غرو أن كثير من قبائل السودان المستعربة تلحق نسبها بقريش ، طبعا القليل ممن يرضى باقل من قريش إن لم يكن يلحقه ببني هاشم . (ليس معنى ذلك أننا ننكر على أي أحد أو مجموعة ما اختاروه ، فكل إنسان حر فيما يختار من نسب) . كذلك تجد كثير من القبائل المسلمة في غرب افريقيا عامة (تشاد ، افريقيا الوسطى ، النيجر، حتى أقصى جنوب غرب نيجيريا) تدعي نسبا عروبيا قرشيا هاشميا (زعيم بوكو حرام أبو بكر نموذج) ، بل حتى في آسيا تجد هذه الظاهرة (في فترة كان الحارس حيث اعمل باكستانيا قحا و نشأت بيننا علاقة ودية ، قال لي يوما متحسرا إن أجداده عرب ينتسبون لقريش لكنهم ضيعوا لغة أهل الجنة (و هي اللغة العربية ) ... ذلك ما سيؤدي لبعض الظواهر السالبة من عروبية الإسلام عندنا في السودان و بالتالي تهميش المستعربين لمواطنيهم ، حتى المسلمين منهم ، و ينشأ داخل المستعربين الشعور بدونية القبائل غير العربية تلك التي ظلمها بؤس و ظلام التاريخ فوقع عليها الرق . هذا الإحساس العروبي لدى المستعربين جعل الإحساس بدونية أولئك كامن في لا وعي الغالبية حتى و إن لم يصرحوا به و هو ذلك الذي أشار إليه فرانسيس دينق بقوله "المسكوت عنه هو الأخطر" و مما حدى بالمرحوم بولاد الكادر الإخواني المعروف ، أن يقول لجون قرنق في الإجابة على سؤاله عن سر انضمامه للجبهة الشعبية : (وجدت الدم أثقل من الدين) و ذلك للمرارات التي اكتوى بها من إخوانه في الله بالتهميش و النظرة الدونية .
نستبق الأحداث لنقول : إن إشكاليات الحرية و الديمقراطية و المواطنة و المساواة و علو القيمة الإنسانية منذ القرن التاسع عشر (و حتى قبل ذلك منذ الثورة الفرنسية) و الكفاح من اجل تحقيقها بلا هوادة أمر يزداد يوما بعد يوم ... إن الأمر للمتابع المتجرد يعطيه الشعور بأن الإنسانية تقترب من تحقيق تلك الشعارات بصورة دؤوبة ، فعالم اليوم مثلا قد قطع شوطا طويلا مقارنة بما كان قبل خمسين سنة ، لم يعد أحد يرضى بأن يقال عنه إنه عنصري أو يمارس الفصل العنصري و سيحاول التملص من ذلك حتى و إن كان جوهر أفعاله ممارسة لتلك الأشياء البغيضة ... حسنا فأن من يخجل و ينكر ليس كمن يشرعن تلك الممارسات كما كان في الماضي ... نعم حتى الآن لا زالت العنصرية موجودة لكنها كامنة في النفوس و مجرّمة قانونا في كل دول العالم تقريبا و يكافح أنصار القيم النبيلة ضدها في أركان العالم الأربعة و سيتم محوها أو على الأقل محاصرتها في ركن ضيق جدا ... يجب التنويه أن منطقتنا و خاصة العربية لا زالت تمثل اقبح وجه و ستكون آخر من يغتسل من أدران تلك الرذائل) . الحرية و الديمقراطية الرق و المرأة و الجهاد و فقه الولاء و البراء كما أسلفنا هي إشكاليات دعت البعض للبحث عن تأويلات تعطيهم طريقا مريحا لقلوبهم العامرة بالإيمان . إن اشتداد ساعد دعوات مثل القرآنين في القرن العشرين هو وجه من تلك الوجوه (صحيح أنها ليست وليدة القرن العشرين) و شخصيات مثل عدنان إبراهيم و محمد شحرور و دكتور علي منصور الكيالي و إسلام البحيري و غيرهم ، هو وجه لا تاريخي يريد أن يشطب كل التاريخ الإسلامي أو كثير منه ، بحجة أنه مشكوك فيه ، لذا من السهل على الكثيرين منهم التمسك بالقرآن فقط و القيام بتأويل النصوص التي لا تتوافق مع نظرته كفرد يعيش في القرن العشرين أو الحادي و العشرين و خاصة في موضوع الرق و الجهاد و المرأة .
منذ منتصف القرن التاسع عشر بدءا بجمال الدين الأفغاني (1838 ـ 1897) مرورا بتلميذه محمد عبده بدأت اجتهادات لحل إشكاليات الحرية و الديمقراطية (لكنهما لم يتعرضا للرق كموضوع أساسي) ، و عندما نصل لإسماعيل مظهر محمد عبد المجيد (1891 ـ 1962) سنجد أنه رغم مثاليته و كفاحه من اجل الديمقراطية و الحرية لم يكن الرق شاغله الأكبر ، نعم قد كتب عن الجزية و الوحدة الوطنية و ضد التفرقة بين المسلم و المسيحي فقد سجل في السنوات 1930 صيغة كانت تكتب في عقود البيع بين المسلم و المسيحي :"باع الهالك ابن الهالك جرجس مثلاً ، لابن ساكن الجنان محمد مثلاً..." (طبعا نجد توثيقا لكيفية دفع الجزية التي استمر الأقباط يدفعونها حتى يناير 1855 عندما قام الوالي حينها سعيد باشا ، و هو الرابع في الولاية بعد محمد علي باشا بإلغائها : يحكي كتاب (معالم القربة – للقرشي) : يقف الذمي بين يدي عامل الجزية ذليلا. فيلطمه المحتسب بيده على صفحة عنقه: ( أد الجزية يا كافر.) .... هناك صور للصغار كانت تطبق في أزمان وأماكن مختلفة خاصة في الدولة العثمانية و لا يتسع المجال لسردها هنا ــ نعرف أن الدولة العثمانية كانت تفرض ضريبة الدوشرمة على رعاياها المسيحيين في دول البلقان منذ السلطان أورخان (ابن السلطان عثمان ارطغرل ثاني سلاطين الدولة العثمانية (687هـ 1281م ــ 761 هـ ،1360م) بدأها بالغلمان الأيتام و المشردين من أبناء المسيحيين ثم تطورت فيما بعد ليتم خلالها أخذ خمس أطفال الرعايا المسيحيين بالقانون و ليصبح أطفال الدوشرمة القوات الضاربة (الإنكشارية) في عهد ابنه السلطان مراد الأول ... استمر إصدار الفرمانات العثمانية بجمع ضريبة الدوشرمة حتى العام 1826، عندما أنهى السلطان محمود الثاني نظام الإنكشارية وضريبة الدوشرمة (توجد مراجع في إرشيف الدولة العثمانية نفسها لضريبة الدوشرمة ، لكن سيقوم بعض المتحمسين في زماننا و في بعض مواقع الانترنت بإنكارها و وصف المؤرخين بالحاقدين) .... نواصل ..
أهمية تناول الرق في الإسلام ليس فقط لاستجلاء ذلك التاريخ و الفقه الديني المرتبط به ، لكن لما له أيضا من ظلال على واقعنا و ما نتج عنه مع إشكاليات أخرى ، كالموقف من المرأة و الجهاد و فقه الولاء و البراء و غيره من تأثير على واقع حياتنا اليوم و ربما في المستقبل لزمن قد يطول . دعونا نحاول أن نستقصي أهم المفاهيم التي شغلت الفقهاء و المفكرين قديما ثم حديثا و الإشكاليات التي شغلتهم عبر الأزمنة منذ أقدم ايام الإسلام بعد موت الرسول (ص) و ذلك بصورة عامة و لكن بالأخص ما لها علاقة بموضوع الرق . بعد موت الرسول (ص) امتنعت قبائل عن دفع الزكاة ، الحقيقة لم يكن الأمر فقط امتناع عن دفع الزكاة لكنه استبطن موقفا سياسيا لا يتسع المقام لتفصيله . رد عليهم المركز بما يعرف بحروب الردة التي كان من نتائجها سبي ذراري القبائل العربية المرتدة (أخذ النساء سبايا و الرجال عبيدا) ، استمرت الحروب عاما كاملا من فترة خلافة سيدنا أبو بكر الصديق التي كانت مدتها27 شهرا . ظل وضع السبايا كما هو (أطولهم سبيا عاشها سبيا طوال فترة خلافة سيدنا أبوبكر و أقلهم مدة حوالي 15 شهرا) . جاءت بعد ذلك خلافة سيدنا عمر بن الخطاب عندها حدث أمر مهم جدا سيلقي بظلاله على مجمل تاريخ الإسلام و هو توقف استرقاق العرب بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب : جاء في (تاريخ الطبري, 3/339, الناشر: دار التراث - بيروت, الطبعة: الثانية - 1387 هـ) قول عمر بن الخطاب : (ليقبح بالعرب أن يملك بعضهم بعضا و قد وسع الله و فتح الأعاجم) أي أن الرق لا يقبح بالأعاجم ، لكنه يقبح بالعرب ، و قد منع سيدنا عمر بن الخطاب سبي العرب و بهذا لم يعد هناك مولى أو رقيق من العرب و كان أول قرار اتخذه الخليفة عمر في دولته ، رد سبايا أهل الردة إلى عشائرهم حيث قال: كرهت أن يكون السبي سنة في العرب(الخلافة والخلفاء الراشدون ص160) ... لا ننسى أن سيدنا عمر رضي الله عنه كان قد منع الموالي (المقصود الأرقاء) من دخول المدينة إلا من يُؤذن له و منهم قاتله فيما بعد أبو لؤلؤة غلام المغيرة (عبد المغيرة بن أبي شعبة) و يحسن بنا إلقاء نظرة على مقولته قبل مقتله . تورد كل المواقع الإسلامية تلك القصة كالتالي : (كان عمر رضي الله عنه يسير يوماْ في المدينة مع مجموعة من الصحابة ، فلقي ابا لؤلؤة في الطريق . فقال له عمر : لقد سمعت انك تقول : لو اشاء لصنعت رحى ( طاحونة ) تطحن بالري ، فأجابه ابو لؤلؤة بغضب وحقد وعبوس : لأصنعن لك رحى يتحدث بها الناس !!. فقال عمر للصحابة الذين معه : إن هذا العبد يهددني ويتوعدني) ، فهو رضي الله عنه لم يتحرج في نعت أبو لؤلؤة بالعبد ..
المهم بعد تولي سيدنا عمر الخلافة صار المجتمع المسلم قسمين ، قسم هو السادة العرب و القسم الثاني الأكبر من المجتمع هم الموالي و الرقيق (يطلق لفظ الموالي على الرقيق كما أن له معنى آخر و يقصد به نوعان آخران : فالموالي هم الرقيق الذين تم عتقهم ، فمن يعتق يكون مولى لسادته الذين عتقوه ، جاء في الحديث المشهور الوارد في الصحيحين في قصة بربرة المشهورة (انما الولاء لمن اعتق) ، فالمولى ملزم بالحرب مع سادته و منتسبا لهم يرثوه و يرثهم حسب فقه المواريث ، القسم الثاني من الموالي هو مجموعات او قبائل غير عربية توالي قبيلة أخرى فتصبح من مواليهم ينتسبون إليهم و ملزمين بنصرتهم ... بدأ تحلل نظام الموالي بعد الخلافة العباسية الثانية ، بعد حروب الزنج و القرامطة و ذلك بصورة تدريجية امتدت لقرون ، لكن بقاياه و آثاره و تبعاته ظلت تفعل فعلها في التاريخ) .. كما قلنا إنه قر في الوعي أن غير العرب يمكن أن يكونوا رقيقا أو موالي ، فقط العرب لا يمكن أن يكونوا رقيقا أو موالي . سيستمر أثر ذلك المفهوم في كل التاريخ الإسلامي مما يخلق في الوعي أن الرفعة و السيادة تكون منسوبة للعربي (تحسر الإمام الشافعي على سبي حرائر العرب من بني المصطلق) لذا تجد أن أغلب المسلمين يدعون نسبا عربيا و انتشرت ظاهرة النسابين الذين يدعون معرفة أصول القبائل . كان هناك نسّابون في مكة و المدينة و اشترك الأزهر في ظاهرة النسابين ، استمر ذلك حتى منتصف القرن العشرين ، يذهب إليهم بعض ممن يريدون شهادة تثبت التحاق نسبهم بالسادة العرب فيدفعون و يحصلون على النسب المبارك ملحقا لهم حتى بالدوحة القرشية ، لا غرو أن كثير من قبائل السودان المستعربة تلحق نسبها بقريش ، طبعا القليل ممن يرضى باقل من قريش إن لم يكن يلحقه ببني هاشم . (ليس معنى ذلك أننا ننكر على أي أحد أو مجموعة ما اختاروه ، فكل إنسان حر فيما يختار من نسب) . كذلك تجد كثير من القبائل المسلمة في غرب افريقيا عامة (تشاد ، افريقيا الوسطى ، النيجر، حتى أقصى جنوب غرب نيجيريا) تدعي نسبا عروبيا قرشيا هاشميا (زعيم بوكو حرام أبو بكر نموذج) ، بل حتى في آسيا تجد هذه الظاهرة (في فترة كان الحارس حيث اعمل باكستانيا قحا و نشأت بيننا علاقة ودية ، قال لي يوما متحسرا إن أجداده عرب ينتسبون لقريش لكنهم ضيعوا لغة أهل الجنة (و هي اللغة العربية ) ... ذلك ما سيؤدي لبعض الظواهر السالبة من عروبية الإسلام عندنا في السودان و بالتالي تهميش المستعربين لمواطنيهم ، حتى المسلمين منهم ، و ينشأ داخل المستعربين الشعور بدونية القبائل غير العربية تلك التي ظلمها بؤس و ظلام التاريخ فوقع عليها الرق . هذا الإحساس العروبي لدى المستعربين جعل الإحساس بدونية أولئك كامن في لا وعي الغالبية حتى و إن لم يصرحوا به و هو ذلك الذي أشار إليه فرانسيس دينق بقوله "المسكوت عنه هو الأخطر" و مما حدى بالمرحوم بولاد الكادر الإخواني المعروف ، أن يقول لجون قرنق في الإجابة على سؤاله عن سر انضمامه للجبهة الشعبية : (وجدت الدم أثقل من الدين) و ذلك للمرارات التي اكتوى بها من إخوانه في الله بالتهميش و النظرة الدونية .
نستبق الأحداث لنقول : إن إشكاليات الحرية و الديمقراطية و المواطنة و المساواة و علو القيمة الإنسانية منذ القرن التاسع عشر (و حتى قبل ذلك منذ الثورة الفرنسية) و الكفاح من اجل تحقيقها بلا هوادة أمر يزداد يوما بعد يوم ... إن الأمر للمتابع المتجرد يعطيه الشعور بأن الإنسانية تقترب من تحقيق تلك الشعارات بصورة دؤوبة ، فعالم اليوم مثلا قد قطع شوطا طويلا مقارنة بما كان قبل خمسين سنة ، لم يعد أحد يرضى بأن يقال عنه إنه عنصري أو يمارس الفصل العنصري و سيحاول التملص من ذلك حتى و إن كان جوهر أفعاله ممارسة لتلك الأشياء البغيضة ... حسنا فأن من يخجل و ينكر ليس كمن يشرعن تلك الممارسات كما كان في الماضي ... نعم حتى الآن لا زالت العنصرية موجودة لكنها كامنة في النفوس و مجرّمة قانونا في كل دول العالم تقريبا و يكافح أنصار القيم النبيلة ضدها في أركان العالم الأربعة و سيتم محوها أو على الأقل محاصرتها في ركن ضيق جدا ... يجب التنويه أن منطقتنا و خاصة العربية لا زالت تمثل اقبح وجه و ستكون آخر من يغتسل من أدران تلك الرذائل) . الحرية و الديمقراطية الرق و المرأة و الجهاد و فقه الولاء و البراء كما أسلفنا هي إشكاليات دعت البعض للبحث عن تأويلات تعطيهم طريقا مريحا لقلوبهم العامرة بالإيمان . إن اشتداد ساعد دعوات مثل القرآنين في القرن العشرين هو وجه من تلك الوجوه (صحيح أنها ليست وليدة القرن العشرين) و شخصيات مثل عدنان إبراهيم و محمد شحرور و دكتور علي منصور الكيالي و إسلام البحيري و غيرهم ، هو وجه لا تاريخي يريد أن يشطب كل التاريخ الإسلامي أو كثير منه ، بحجة أنه مشكوك فيه ، لذا من السهل على الكثيرين منهم التمسك بالقرآن فقط و القيام بتأويل النصوص التي لا تتوافق مع نظرته كفرد يعيش في القرن العشرين أو الحادي و العشرين و خاصة في موضوع الرق و الجهاد و المرأة .
منذ منتصف القرن التاسع عشر بدءا بجمال الدين الأفغاني (1838 ـ 1897) مرورا بتلميذه محمد عبده بدأت اجتهادات لحل إشكاليات الحرية و الديمقراطية (لكنهما لم يتعرضا للرق كموضوع أساسي) ، و عندما نصل لإسماعيل مظهر محمد عبد المجيد (1891 ـ 1962) سنجد أنه رغم مثاليته و كفاحه من اجل الديمقراطية و الحرية لم يكن الرق شاغله الأكبر ، نعم قد كتب عن الجزية و الوحدة الوطنية و ضد التفرقة بين المسلم و المسيحي فقد سجل في السنوات 1930 صيغة كانت تكتب في عقود البيع بين المسلم و المسيحي :"باع الهالك ابن الهالك جرجس مثلاً ، لابن ساكن الجنان محمد مثلاً..." (طبعا نجد توثيقا لكيفية دفع الجزية التي استمر الأقباط يدفعونها حتى يناير 1855 عندما قام الوالي حينها سعيد باشا ، و هو الرابع في الولاية بعد محمد علي باشا بإلغائها : يحكي كتاب (معالم القربة – للقرشي) : يقف الذمي بين يدي عامل الجزية ذليلا. فيلطمه المحتسب بيده على صفحة عنقه: ( أد الجزية يا كافر.) .... هناك صور للصغار كانت تطبق في أزمان وأماكن مختلفة خاصة في الدولة العثمانية و لا يتسع المجال لسردها هنا ــ نعرف أن الدولة العثمانية كانت تفرض ضريبة الدوشرمة على رعاياها المسيحيين في دول البلقان منذ السلطان أورخان (ابن السلطان عثمان ارطغرل ثاني سلاطين الدولة العثمانية (687هـ 1281م ــ 761 هـ ،1360م) بدأها بالغلمان الأيتام و المشردين من أبناء المسيحيين ثم تطورت فيما بعد ليتم خلالها أخذ خمس أطفال الرعايا المسيحيين بالقانون و ليصبح أطفال الدوشرمة القوات الضاربة (الإنكشارية) في عهد ابنه السلطان مراد الأول ... استمر إصدار الفرمانات العثمانية بجمع ضريبة الدوشرمة حتى العام 1826، عندما أنهى السلطان محمود الثاني نظام الإنكشارية وضريبة الدوشرمة (توجد مراجع في إرشيف الدولة العثمانية نفسها لضريبة الدوشرمة ، لكن سيقوم بعض المتحمسين في زماننا و في بعض مواقع الانترنت بإنكارها و وصف المؤرخين بالحاقدين) .... نواصل ..