تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : اللغة و القرآن و التاريخ


زين العابدين حسن
12-01-2020, 11:23 AM
اللغة و القرآن و التاريخ
(1)
هذه محاولة لإلقاء نظرة على اللغة بصورة عامة ثم اللغة العربية بصورة خاصة ، لتاتي بعد ذلك محاولة القاء نظرة لعلاقة اللغة العربية بالقرآن من حيث تطور كتابته و إلقاء نظرة على وجهة نظر المستشرقين الجدد و من يُطلق عليهم أيضا المؤرخون الجدد في العالم الإسلامي في تبنيهم لتصور جديد تماما لتاريخ الإسلام من حيث مكان نزوله (البتراء بدلا من مكة) ، و تبني جزء من الأخيرين لوجهة نظر أن القرآن وحده هو الذي يجب التمسك به و بالتالي لا إلزامية للسنة .
لتكن البداية بتناول اللغة بصورة عامة ثم اللغة العربية بصورة خاصة . بدأت اللغة مع بداية الوعي لحاجة الناس للتواصل و التفاهم ، و في حيز كالمتاح ليس من الممكن التعرض لنظريات نشوء اللغة .. كلها تقريبا تقوم على افتراضات (علمية) .. لكن من دراسات لمجتمعات منعزلة يمكن وضع تصور لتطور اللغة من الإشارة إلى الملفوظ و من التجسيد للتجريد . المشترك بين الدراسات هو أن اللغة نشأت و تطورت في سياق تطور المجتمع البشري ، طبعا احتاج الامر لتطور الدماغ و بالتالي الصوت و مخارجه ، استغرق ذلك زمنا مديدا منذ ظهور أشباه البشر (الاسترالوبيتكس) الذين يعتبرون أول من مشى على الأرض بقدمين (منذ ما قبل 4.2 مليون سنة) ثم ظهرت السلالات الشبيهة بالإنسان منذ حوالي 2.3 إلى 2.4 مليون سنة .. ظهر بعد ذلك ما يعرف بالانسان المنتصب (هومو اريكتوس) قبل حوالي 1.6 مليون سنة (انقرض قبل 140 الف سنة تقريبا) لياتي بعده إنسان هايدلبيرغ منذ نحو 350 ألف سنة ، تقريبا متزامنا معه ظهور انسان الهوموناليدي المكتشف في جنوب افريقيا الذي ظهر قبل حوالي 335 الف عام و انقرض قبل حوالي 236 الف عام أي عاش حوالي 100 ألف عام) .
ظهور الانسان العاقل (الهومو سابين) كان منذ حوالي 300 الف عام كما ثبت اخيرا من الجمجمة المكتشفة في المغرب و ليس قبل 195 ألف سنة كما كانت تدل المعطيات السابقة ، عاصر جنسنا الهومو اريكتوس قبل انقراضه . هناك انسان النياندرتال الذي توصل العلم إلى أنه لم ينقرض لكنه تزاوج مع الهوموسابين و ذلك من خلال فحص الحمض النووي (الدي ان اي).
من المهم ملاحظة أن الرؤية الآن لتسلسل أسلاف الإنسان الحالي ليست سلسلة من حلقات ، كل حلقة تتبعها أختها ، إنما عريشة بفروع متشابكة وأن هناك اجناسا متنوعين انقرضوا و بقي فقط جنسنا الحالي ... بدأ الإنسان في تشييد مساكن خاصة به بدل الكهوف قبل أكثر قليلا من ثلاثين ألف سنة ، و بدأ في إقامة المستوطنات الجماعية في السهول بداية الألفية التاسعة قبل الميلاد و اكتشف الزراعة و دجن الحيوان . هذا التاريخ تدل عليه الأحافير من مخلفات الإنسان و تشمل الآلات و الأدوات و الكهوف و مساكن و منحوتات و رسومات و بقاياه من جماجم و عظام ...الخ .
من علم الآثار و تتبع تطور الجمجمة البشرية و استخدام علم التشريح لوحظ أنه بمرور مئات آلاف السنين تزايد حجم الدماغ من نحو 700 سم مكعب ليصل في الإنسان العاقل لنحو 1300 سم مكعب و لم يكن من الممكن نشوء اللغة لولا ذلك ... (من المثير اكتشاف العلماء أن أدمغة جنسنا ظلت تنمو لتصبح اكبر من ادمغتنا قبل 40 الف عام ثم صغرت لتصل لحجمها الحالي ، مما جعل العلماء يتساءلون : هل كانت تلك الاجيال أكثر ذكاء من جنسنا الحالي؟)
تشير الأدلة التاريخية وأدلة أخرى كثيرة إلى أن أكثر النظريات قبولا لوقت نشوء اللغة كان قريبا من سنة 200 ألف ق . م . ابان العصر الحجري القديم ، لكن هناك نظريات أخرى ... طبعا كما سلف القول إن تفسير نشوئها يحتاج لحيز آخر.

زين العابدين حسن
13-01-2020, 06:12 AM
اللغة و القرآن و التاريخ
(2)
استمرت اللغة ملفوظة غير مكتوبة زمنا طويلا و لذلك سمي زمن ما قبل اختراع الكتابة بعصور ما قبل التاريخ . يُرجع كثير من العلماء اختراع الكتابة لزمن أبعد من عمر المكتشف من الألواح المسمارية في بلاد الرافدين (حوالي 3600 ق . م ، و الهيروغلوفية حوالي 3400 ق .م ) ففي الصين تم اكتشاف رموز تشبه الكتابة على أصداف ، يرجع تاريخها لحوالي 6000 ق. م. باختراع الكتابة و تطورها صرنا نعرف الكثير من المعلومات عن حياة الإنسان . تطورت الكتابة من تصويرية لتصل لمرحلة الابجدية . حتى الآن أقدم الابجديات المكتشفة هي التي تم اكتشافها في منطقة الشام و شمال سيناء لشعوب سامية منها الأوغارتية 30 حرفا (حوالي 1400 ق . م) ، الفينيقية (حوالي 1100 ق . م) . لا ننسى الكتابة المروية و كتابة شمال أفريقيا (الامازيغية) و هناك عبر المحيطات في العالم الجديد مثل المكسيك عرفوا الكتابة بطريقة مختلفة ... حتى ذلك الوقت لم تظهر اللغة العربية كلغة مكتوبة على صفحات التاريخ .
تعتبر اللغة العربية إحدى اللغات التي تعرف باللغات السامية و تشمل اللغة العبرية القديمة والحديثة ، واللغة الفينيقة و السريانية (المتفرعة من الآرامية) ، الأشورية و اللغات السامية في أثيوبيا و أرتريا (حتى اليوم يعيش حوالي 200 ألف في جنوب الجزيرة العربية و الجزء الغربي من عمان و جنوب و شرق اليمن لغتهم الأصلية ليست العربية إنما لغات مشتقة من اللغة العربية الجنوبية الحديثة) . لدارسي علوم اللغات آراء في مدى قرابة اللغة العربية بهذه اللغات فقد تكون أقرب في الصوت (الفونولوجيا) لإحدى اللغات ، و أقرب لأخرى في خصائص التصريف والاشتقاق (المورفولوجيا) .
كان سكان شمال الجزيرة العربية يكتبون بالخط النبطي . الأبجدية النبطية مشتقة و متفرعة عن الأبجدية الآرامية (الآرامية هي اللغة التي تكلم بها المسيح) و مكونة من اثنين وعشرين حرفاً ، عاش الأنباط في شمال الجزيرة العربية و كانت عاصمتهم في منطقة البتراء في الأردن الحالي (زالت مملكة الانباط عندما غزاها الروم 106 م لكن بقي الخط النبطي لقرون بعد زوال المملكة) ... سنحتاج للبتراء عندما ياتي الحديث عن الرؤية الجديدة للتاريخ الإسلامي و أن نشأته كانت في البتراء و ليست مكة . الخط النبطي تطور لما صار يعرف فيما بعد بالخط الحجازي (لأن اقدم مخطوطات القرآن المكتشفة مكتوبة به فتمت نسبته خطأ إلى منطقة مكة و المدينة "الحجاز") يصف ابن النديم (المتوفى سنة 384 هجرية) هذا الخط في الفهرست نقلًا عن ابن إسحاق بأنه (أول الخطوط العربية الخط المكي وبعده المدني ثم البصري ثم الكوفي فأما المكي والمدني ففي ألفاته تعويج إلى يمنة اليد وأعلا الأصابع وفي شكله اضجاع يسير)... و هو وصف لما يعرف الآن بالخط الحجازي و أول من اسماه بالخط الحجازي هو المستشرق الايطالي (ميكيلي أماري 1806 ـ 1889 م) معتمدًا على ما أورده ابن النديم في وصفه له اعلاه و نسبه خطأ لمنطقتي مكة و المدينة . تم اكتشاف نقوش في الشمال مكتوبة بما يشبه الخط الحجازي ، منها نقش أم الجمال الأول(أم الجمال منطقة جنوب دمشق. وقد قدر تأريخ النقش من قبل مكتشفه بين العامين 250 و 270 ميلادي) و نقش النمارة (النمارة جنوب سوريا) المفترض أنه مكتوب على شاهد قبر امرؤ القيس المتوفى سنة 328 م ، يمكن القول إن النقوش تؤرخ لأول آثار مكتوبة بلغة تشبه اللغة العربية في حالتها التي سيرد تفصيلها في هذا المقال ، و هناك شواهد عديدة أخرى لا يتسع المجال لها لإثبات أن الخط العربي الحالي أصله الخط النبطي (و هو احد الأدلة التي يعتمد عليها القائلون بأن البعثة النبوية كانت في البتراء و ليست في مكة) ، من امثلة هذه الشواهد التعريف في لغة الانباط (ال) و التي اشتركت معها فيها اللغة العربية ، في حين ان اداة التعريف في اللغات السامية العربية الجنوبية (التي يفترض المؤرخون الجدد أنها كانت لغة مكة و المدينة) هي النون الساكنة في آخر الاسم ، و في بعضها الألف و الميم (ام)... الخ . الحديث عن تطور الخط العربي يطول و يمكن الرجوع للمصادر ذات الصله .

imported_هيثم علي الشفيع
13-01-2020, 11:34 AM
و كالعادة.....-سيدي- زين العابدين..

موضوع جميل و شيّق و يستحق المتابعة..

و قبل أن يتفرع الموضوع و يدخل في تفاصيل تفاصيله
آمل ...
أن تكون هناك فقرة قادمة تحدثنا -بالتفصيل - عن الجزء الذي أشرت فيه لموضوع
أن نشأة التأريخ الإسلامي كانت في البتراء و ليس مكة ، و تناقضها مع الهجرة للمدينة و المسافة بينهما { هذا مع التسليم بأنه -حسب الروايات- كانت هناك أكثر من كعبة في الجزيرة العربية-...}


مع أكيد التقدير والإحترام

زين العابدين حسن
13-01-2020, 01:44 PM
و كالعادة.....-سيدي- زين العابدين..

موضوع جميل و شيّق و يستحق المتابعة..

و قبل أن يتفرع الموضوع و يدخل في تفاصيل تفاصيله
آمل ...
أن تكون هناك فقرة قادمة تحدثنا -بالتفصيل - عن الجزء الذي أشرت فيه لموضوع
أن نشأة التأريخ الإسلامي كانت في البتراء و ليس مكة ، و تناقضها مع الهجرة للمدينة و المسافة بينهما { هذا مع التسليم بأنه -حسب الروايات- كانت هناك أكثر من كعبة في الجزيرة العربية-...}


مع أكيد التقدير والإحترام
الاستاذ الشفيع تحية و محبة و تقدير ، سيرد اغلب ما اشرت إليه او كله في ثنايا البحث و اذا لم يجب على كل الأسئلة ، اعدك باني ساحاول الإجابة على ما تراه .. لك شكري و تقديري و محبتي .

imported_عبدالله الشقليني
13-01-2020, 07:45 PM
https://www.youtube.com/watch?v=pLJA7v0LdaU&t=3669s

زين العابدين حسن
14-01-2020, 06:16 AM
https://www.youtube.com/watch?v=pLJA7v0LdaU&t=3669s

أستاذنا الأديب الأريب الشقليني تحية و احتراما و محبة .. دائما تتحفنا بالنفائس المفيدة و الممتعة . شكرا لك يا اديبنا صاحب القلم الذكي .

زين العابدين حسن
14-01-2020, 06:17 AM
اللغة و القرآن و التاريخ
(3)
بعد المرور على نشوء اللغة بصورة عامة ثم ظهور اللغة العربية كلغة مكتوبة و علاقتها بلغة الأنباط ، يمكن الانتقال لعلاقة اللغة العربية بالقرآن و كيف تطورت كتابة القرآن بها . يكاد يجمع الباحثون على أن أقدم مخطوطات القرآن التي تم العثور عليها حتى الآن هي (طرس صنعاء) و التي اكتشفت بالصدفة سنة 1972 في الجامع الكبير بصنعاء القديمة عند القيام بأعمال الصيانة ، و هي عبارة عن مخطوطات و رقائق لنسخ مختلفة من القرآن يبلغ عدد رقائقها حوالي 4500 . لكن اهمها ما يعرف بطرس صنعاء لمصحف كتب بالخط الحجازي و الذي بلا شك أنه اقدم الخطوط . بعضهم ادعى أن الخط الكوفي هو أقدم الخطوط ، لكن في الزمن المفترض لكتابة أول المصاحف لم تكن الكوفة قد وُجدت كمدينة ، ربما كانت قرية مهملة . ما هي حروف الخط الحجازي ؟ هي الحروف : الالف ، حروف الباء و التاء و الثاء و النون و الياء يمثلها حرف واحد ، ثم حروف الجيم و الحاء و الخاء يمثلها حرف واحد ، و كل زوج من حروف الدال و الذال ، الراء و الزاي ، السين و الشين ، الصاد و الضاد ، الطاء و الظاء ، العين و الغين ، الفاء و القاف : يمثله حرف واحد ... و بذلك تكون حروف الخط الحجازي 15 حرفا خالية من التنقيط و الهمزات و التنوين و بالطبع التشكيل من فتحة و ضمة و كسرة و سكون و كذلك ألف المد . في الحقيقة يصعب تمييز الحروف عن بعضها البعض و لأن حرف السين مثلا (أو الشين) يمكن تخمينه باعتباره حروف من مجموعة الباء و التا و ... و هكذا ، ربما لا يستطيع القارئ العادي إلا التمييز بين ستة حروف على الأكثر . بالتالي يمكن القول إن اللغة العربية المكتوبة ظلت حتى القرن الهجري الأول تفتقر لحوالي 13 حرفا و تفتقر للهمزات و التنوين و الف المد و التشكيل .
يكاد يُجمع الباحثون على إرجاع الفضل لبداية تطور كتابة اللغة العربية لأبو الأسود الدؤلي (16 ق.هـ/69 هـ) " (ساعتمد كتابة الاسم كما هو ، من غير حركات الاعراب ، إلا إذا ورد في نص مكتوب قديما) و أبو الاسود رغم ولادته قبل البعثة بثلاث سنوات لكنه لم يصحب النبي (ص) لذا يعد تابعي" . استعان أبو الأسود بعلامات للسريان يضعونها على الحروف السريانية للرفع و النصب و الجر و للتمييز بين الفعل و الاسم و الحرف ، يؤرخ الباحثون لذلك بالعام 67 هـ تنفيذا لأمر زياد بن أبيه أمير العراق حينذاك . قام أبو الأسود الدؤلي بضبط كلمات القرآن الكريم بوضع نقطة فوق الحرف لتدل على الفتحة ، ونقطة تحت الحرف لتدل على الكسرة، كما وضع نقطة على يسار الحرف للدلالة على الضمة ، ونقطتين فوق الحرف ، أو تحته ، أو على يساره للدلالة على التنوين ، وكان يترك الحرف الساكن خالياً من النقاط . استمرت اللغة العربية بتلك الحالة حتى عهد عبد الملك بن مروان (26 هـ - 86 هـ) حيث قام نصر بن عاصم الليثي( توفي 89 هـ) ، ويحيى بن يعمر العدواني (توفي 87 هـ على الأرجح) بتنقيط الحروف و ترتيبها هجائيا (أ ، ب ، ت ... ) بدلا من الطريقة القديمة (أبجد هوز) . تنقيط الحروف جعل علامات أبو الأسود الدؤلي غير صالحة إذ تختلط بنقاط الحروف فجاء الخليل بن أحمد الفراهيدي(100 ــ 170 هـ) بوضع طريقة أخرى لتشكيل الحروف ، حيث كانت طريقته بجعل ألف صغيرة مائلة فوق الحرف للدلالة على الفتحة ، ووضع ياء صغيرة تحت الحرف للدلالة على الكسرة، و بوضع واو الصغيرة فوق الحرف لتدل على الضمة ، أمّا في حالة التنوين فيتمّ تكرار الحرف الصغير، كما جعل السكون دائرة صغيرة، وجعل الهمزة رأس عين (ء)، كما قام بوضع رمز الشدّة ، يبدو انه اضاف ألف المد أيضاً.

زين العابدين حسن
15-01-2020, 07:21 AM
اللغة و القرآن و التاريخ
(4)
نعرف من علم المخطوطات ، و المخطوطات القرآنية بالذات ، أن المختصين عند فحصهم لأي مخطوطة لتحديد تاريخها ، يهتمون اول ما يهتمون بالخط و نوعية الكتابة و ما يصاحبها من زخرفة أو تزيين أو عدمه . يمكن القول إن أول المصاحف المكتوبة و الشبيهة بمصحف صنعاء المذكور تكون خالية من التنقيط و التشكيل و ألف المد و ترقيم الآيات ، بعد ذلك تظهر المصاحف التي تحتوي على النقاط ثم تلك التي فيها التشكيل و تتدرج حتى تصل إلى الزخرفة ، لذا يمكن القول إن الخط الكوفي ظهر متاخرا من الخط الحجازي بمدة طويلة . طبعا هناك عوامل أخرى يضعها المختصون في الحسبان منها نوع الرقعة المكتوب عليها و الفحص الإشعاعي و فحص الكربون 14 (عادة الكربون 14 لا يعطي تاريخا دقيقا) و غيرها من العوامل .
نرجع لمصحف صنعاء ، باختصار المصحف مكتوب على رقائق من الجلد أظهر الفحص الإشعاعي ان هناك نصا مكتوبا تمت إزالته و كُتب فوقه نص آخر (قال بعضهم إن ذلك كان بغرض التعليم ، لكن يصعب تصديق ذلك ، للتكلفة العالية و الجهد الذي يُبذل لإعداد الرقائق و لوجود وسائل أخرى سهلة الاعداد و رخيصة التكلفة للتعليم و المحو و إعادة الكتابة) ، النص الممحو به اختلافات عن النص القياسي متفق عليها (أكثر من ثمانين اختلافا طفيفا ، بعضها اختلاف حروف و بعضها كلمات و بعضها جمل) .
انظر
https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85%D8%AE%D8%B7%D9%88%D8%B7%D8%A7%D8%AA_%D8%B5% D9%86%D8%B9%D8%A7%D8%A1
هناك بعض الاشكاليات في فهم بعض ألفاظ القرآن ، و هناك اجتهادات جديدة (لا أستحسن الخوض فيها هنا ، لكن لمن يريد يمكنه الرجوع للآراء التي تتناول بعض الآيات من حيث شبهة الأخطاء النحوية في القرآن ، للطبري " جامع البيان " (9/397) أو للسيوطي "الإتقان في علوم القرآن" أو للزمخشري في "الكشاف" أو غيرها من المراجع) . ظهرت مقولات جديدة تدّعي وصولها لقراءات جديدة بمعرفة اللغة السريانية و تطرح إشكاليات جديدة . الحقيقة كثير من الإشكاليات نابعة من اشكالية التاريخ الإسلامي كله و الذي وصلنا أول تدوين له بعد اكثر من 120 عاما على الأقل من وفاة النبي (ص) و في أماكن تبعد آلاف الكيلومترات من موقع أحداثه الأولى ، و سنتعرض في مكان آخر خارج هذه المقالة ، لمقولة راسخة لكنها غير علمية و هي أن القرآن ظل محفوظا في الصدور و ليس السطور و منقول شفاهة بالتواتر جيلا عبر جيل ...
لنبدأ بكيفية معرفتنا لأحداث التاريخ الإسلامي . لكي نعرف عن نبي الرسالة : اسمه ، وصفه و صفاته ، أهله ، طفولته و صباه ، شبابه ، كيف جاءته الرسالة ، الفترة المكية ثم الهجرة و ما جرى في المدينة حتى وفاته ، عند بحثنا عن ذلك فإننا سنجد مصدرا إسلاميا أساسيا ستعتمد عليه بقية المصادر الإسلامية الأخرى و هو (السيرة النبوية لابن هشام المتوفى سنة 218 هجرية) و هي السيرة المنقحة لسيرة ابن اسحاق (85 هـ / 703 م ـ 151 هـ /768 م) و كما قيل " كل رواة السيرة عيال على ابن اسحاق" ... فابن اسحاق قال عنه الذهبي (إنه أول من دون العلم بالمدينة ، وذلك قبل مالك) ، و هو ما يتفق مع رأي كل المؤرخين تقريبا ، و اتفق جمهور العلماء والمحدثين على توثيقه (أي اعتباره ثقة) ، إلا ما روي عن مالك ، وهشام بن عروة بن الزبير من تجريحهما له ، وقد حمل كثير من العلماء المحققين تجريح هذين العالمين الكبيرين له بعداوات شخصية كانت قائمة بينهما وبين ابن إسحاق ، و هناك من ينكر عليه أخذه من اهل الكتاب (اليهود) كالمديني . اتفق المؤرخون على أن ابن اسحاق بدأ بجمع الروايات المختلفة من مختلف المصادر الشفهية التي كانت متوفرة آنذاك (يذكر البعض أنه نظر في كتابات عروة بن الزبير التي لم تصلنا ، عروة أخ عبد الله بن الزبير و بايع عبد الملك بن مروان بعد مقتل أخيه عبد الله و يروي الرواة انه كتب الكثير من السيرة لعبد الملك) ولم يكن أهتمام ابن اسحاق الرئيسي منصبا على تدقيق صحة الروايات وإنما كان غرضه جمع كل مايمكن جمعه من معلومات عن الرسول (ص) و قد ذكر ابن اسحاق نفسه في مقدمة كتابه إن "الله وحده عليم أي الروايات صحيحة"...

زين العابدين حسن
15-01-2020, 10:20 AM
ملاحظة : رابط الاختلافات بين النسخة المزالة من مصحف صنعاء و المصحف القياسي المضمنة في الجزء الرابع أعلاه غير موجودة حاليا ، لكن ستجد الاختلافات في الرابط أدناه :
https://ar.m.wikipedia.org/wiki/مخطوطات_صنعاء
هذا هو الرابط الموجود الآن باللغة العربية .. راجع عنوان الاختلافات .

حسين عبدالجليل
15-01-2020, 04:07 PM
اللغة و القرآن و التاريخ
(4)
الحقيقة كثير من الإشكاليات نابعة من اشكالية التاريخ الإسلامي كله و الذي وصلنا أول تدوين له بعد اكثر من 120 عاما على الأقل من وفاة النبي (ص) و في أماكن تبعد آلاف الكيلومترات من موقع أحداثه الأولى ، و سنتعرض في مكان آخر خارج هذه المقالة ، لمقولة راسخة لكنها غير علمية و هي أن القرآن ظل محفوظا في الصدور و ليس السطور و منقول شفاهة بالتواتر جيلا عبر جيل ...


تحياتي اخ زين العابدين

أنتظر تفنيدك لمقولة "أن القرآن ظل محفوظا في الصدور و ليس السطور", حتي لو إفترضنا أن القرآن الكريم تم تدوينه بعد 120 عاما من وفاة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام (وليس في عصر الخلفاء الراشدين) فما ماالعجب في أن يكون القرآن محفوظا في الصدور لمدة 120 عاما , قبل تدوينه ؟

ف 120 ليست بالمدة الطويلة , يعني قبل 120 عاما من الآن هو عام 1900 . أنا و أنت و كثيرون هنا تحدثوا مع جدات و اجداد لهم عاصروا المهدية , اي عاشوا قبل اكثر من 120 عاما , وحكوا لنا وقائع تاريخية حقيقية .

أيضا لم تتفضل بذكر "مخطوطة القرآن بجامعة برمنغهام" وهي التي قيل عنها :
(قد استخدم الخبراء في علم المخطوطات معجل جامعة أكسفورد الإشعاعي والذي يحلل عمر المخطوطات بواسطة عنصر الكربون المشع، واستنتج أن المخطوطة قد دونت في فترة السنوات 568-645 م، مع العلم أن فترة نبوة النبي محمد قد كانت بين السنوات 610-632 م، وهذا يعني أن المخطوط دون من قبل شخص عاصر فترة النبي محمد وعاش معه..............يقول البروفسور ديفيد توماس David Thomas أستاذ اللاهوت في جامعة برمنغهام: ((إنني منصدم ومندهش جداً أن نجد جزءاً من مخطوطة للقرآن (تتألف من صفحتين) كتبت قبل أكثر من 1370 سنة ميلادية على الأقل (وهذا يعادل 1411 سنة هجرية). إن هذه المخطوطة تؤكد أن القرآن كتب في زمن النبي محمد وليس كما كنا نعتقد أنه تم تجميعه والإضافة عليه بعد وفاة النبي الكريم)).)
https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85%D8%AE%D8%B7%D9%88%D8%B7%D8%A9_%D8%A7%D9%84% D9%82%D8%B1%D8%A2%D9%86_%D8%A8%D8%AC%D8%A7%D9%85%D 8%B9%D8%A9_%D8%A8%D8%B1%D9%85%D9%86%D8%BA%D9%87%D8 %A7%D9%85


النص القرآني بالمخطوطة مطابق تماما (عدا التنقيط) لنظيره في مصحف اليوم .

"وتحتوى الصفحة الأولى من المخطوطة على الآيات من الآية رقم 22 إلى الآية رقم 31 من سورة الكهف، أما الصفحة الثانية من المخطوطة فتشتمل على جزئين من النصوص بينهما فاصل أما الجزء الأول فهو عبارة عن الآيات الخمس الأخيرة من سورة مريم، والجزء الثاني من نفس الصفحة يحتوي على بدايات سورة طه "


David Thomas, professor of Christianity and Islam at the University of Birmingham said:[2]

The tests carried out on the parchment of the Birmingham folios yield the strong probability that the animal from which it was taken was alive during the lifetime of the Prophet Muhammad or shortly afterwards. This means that the parts of the Qur’an that are written on this parchment can, with a degree of confidence, be dated to less than two decades after Muhammad’s death. These portions must have been in a form that is very close to the form of the Qur’an read today, supporting the view that the text has undergone little or no alteration and that it can be dated to a point very close to the time it was believed to be revealed.
https://en.wikipedia.org/wiki/Birmingham_Quran_manuscript

هذه ترجمة لما أوردته أعلاه من قول بروفسير ديفيد توماس استاذ الاديان بجامعة بيرمنجهام :

( إن الفحص الذي تم لمخطوطة بيرمنجهام يؤدي لإحتمال كبير بأن الحيوان الذي أستخدم جلده لكتابة المخطوطة كان حيا خلال حياة النبي محمد او بعده بقليل وهذا يعني القول بدرجة من الثقة بأن (اجزاء/آيات) القرآن المكتوبة بالمخطوطة تم خطها في أقل من عقدين بعد وفاة محمد . شكل القرآن في هذه المخطوطة يشبه شكل كتابة القرآن اليوم (يقصد الخط), مما يؤكد وجهة النظر بأن النص(القرآني) لم يحدث به إلا تحريفا قليلا أو لم يحدث به اي تحريف و أن تاريخه قريب من التاريخ الذي قيل أنه تنزل فيه . )

imported_عادل عسوم
16-01-2020, 06:45 AM
رحم الله الحسن البصري وقد قال مامعناه:
الشك وحده لا يكفي للإصلاح، على المصلح الذي يشكك في أمر تراضى الناس عليه، الإتيان للناس بنظام أصح منه.

زين العابدين حسن
16-01-2020, 08:49 AM
تحياتي اخ زين العابدين

أنتظر تفنيدك لمقولة "أن القرآن ظل محفوظا في الصدور و ليس السطور", حتي لو إفترضنا أن القرآن الكريم تم تدوينه بعد 120 عاما من وفاة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام (وليس في عصر الخلفاء الراشدين) فما ماالعجب في أن يكون القرآن محفوظا في الصدور لمدة 120 عاما , قبل تدوينه ؟

ف 120 ليست بالمدة الطويلة , يعني قبل 120 عاما من الآن هو عام 1900 . أنا و أنت و كثيرون هنا تحدثوا مع جدات و اجداد لهم عاصروا المهدية , اي عاشوا قبل اكثر من 120 عاما , وحكوا لنا وقائع تاريخية حقيقية .

أيضا لم تتفضل بذكر "مخطوطة القرآن بجامعة برمنغهام" وهي التي قيل عنها :
(قد استخدم الخبراء في علم المخطوطات معجل جامعة أكسفورد الإشعاعي والذي يحلل عمر المخطوطات بواسطة عنصر الكربون المشع، واستنتج أن المخطوطة قد دونت في فترة السنوات 568-645 م، مع العلم أن فترة نبوة النبي محمد قد كانت بين السنوات 610-632 م، وهذا يعني أن المخطوط دون من قبل شخص عاصر فترة النبي محمد وعاش معه..............يقول البروفسور ديفيد توماس David Thomas أستاذ اللاهوت في جامعة برمنغهام: ((إنني منصدم ومندهش جداً أن نجد جزءاً من مخطوطة للقرآن (تتألف من صفحتين) كتبت قبل أكثر من 1370 سنة ميلادية على الأقل (وهذا يعادل 1411 سنة هجرية). إن هذه المخطوطة تؤكد أن القرآن كتب في زمن النبي محمد وليس كما كنا نعتقد أنه تم تجميعه والإضافة عليه بعد وفاة النبي الكريم)).)
https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85%D8%AE%D8%B7%D9%88%D8%B7%D8%A9_%D8%A7%D9%84% D9%82%D8%B1%D8%A2%D9%86_%D8%A8%D8%AC%D8%A7%D9%85%D 8%B9%D8%A9_%D8%A8%D8%B1%D9%85%D9%86%D8%BA%D9%87%D8 %A7%D9%85


النص القرآني بالمخطوطة مطابق تماما (عدا التنقيط) لنظيره في مصحف اليوم .

"وتحتوى الصفحة الأولى من المخطوطة على الآيات من الآية رقم 22 إلى الآية رقم 31 من سورة الكهف، أما الصفحة الثانية من المخطوطة فتشتمل على جزئين من النصوص بينهما فاصل أما الجزء الأول فهو عبارة عن الآيات الخمس الأخيرة من سورة مريم، والجزء الثاني من نفس الصفحة يحتوي على بدايات سورة طه "


David Thomas, professor of Christianity and Islam at the University of Birmingham said:[2]

The tests carried out on the parchment of the Birmingham folios yield the strong probability that the animal from which it was taken was alive during the lifetime of the Prophet Muhammad or shortly afterwards. This means that the parts of the Qur’an that are written on this parchment can, with a degree of confidence, be dated to less than two decades after Muhammad’s death. These portions must have been in a form that is very close to the form of the Qur’an read today, supporting the view that the text has undergone little or no alteration and that it can be dated to a point very close to the time it was believed to be revealed.
https://en.wikipedia.org/wiki/Birmingham_Quran_manuscript

هذه ترجمة لما أوردته أعلاه من قول بروفسير ديفيد توماس استاذ الاديان بجامعة بيرمنجهام :

( إن الفحص الذي تم لمخطوطة بيرمنجهام يؤدي لإحتمال كبير بأن الحيوان الذي أستخدم جلده لكتابة المخطوطة كان حيا خلال حياة النبي محمد او بعده بقليل وهذا يعني القول بدرجة من الثقة بأن (اجزاء/آيات) القرآن المكتوبة بالمخطوطة تم خطها في أقل من عقدين بعد وفاة محمد . شكل القرآن في هذه المخطوطة يشبه شكل كتابة القرآن اليوم (يقصد الخط), مما يؤكد وجهة النظر بأن النص(القرآني) لم يحدث به إلا تحريفا قليلا أو لم يحدث به اي تحريف و أن تاريخه قريب من التاريخ الذي قيل أنه تنزل فيه . )


الأخ حسين عبد الجليل .. تحية و سلام .
دعني أبدأ بالقول إن الاتفاق بين المؤرخين جرى على أن المصحف الذي لدينا الآن كُتب في عهد الخلافة الراشدة و كل المخالفين و الذين لديهم روايات عن تعديلات أو خطأ النسخ حججهم ضعيفة ، لكن لا بد لمن يقلب في أضابير التاريخ من إيراد كل ما يعرفه على الأقل من باب الرد عليه .
من غير الدخول في تفاصيل القراءات و تفسير ورود بعض الكلمات في مصحف ورش و عدم وجودها في المصحف الذي لدينا أو العكس ، نعرف ان الأمر قد تم قتله بحثا و أن تفسيره له اوجه متعددة منها أن سيدنا عثمان أثبت كلمات في نسخ من النسخ الستة و حذفها في بعضها ليوافق القراءات الصحيحة .
نأتي بعد ذلك لمخطوطة القرآن ببرمنجهام ، لا شك انها من أقدم المخطوطات و لكن في رأيي انها ليست اقدم المخطوطات . فيما كتبتُ أعلاه أوضحت رأيي في معرفة تاريخ المخطوطة و كتبت أن أول ما يؤخذ كمؤشر هو نوع الخط و ما يصاحبه . مخطوطة برمنجهام تحتوي على تنقيط و نقاط كفواصل بين الآيات و زخرفة و تلوين مما يجعلها متأخرة عن مخطوطات صنعاء التي لا تحتوي على نقاط و لا فواصل و لا زخرفة و لا ألف المد . فحص الرقعة بالكربون 14 له هامش خطأ يمكن ان يكون كبيرا و تاريخ الرقعة لا يعني تاريخ الكتابة عليها ، أذكّر بأن فحص الكربون 14 لا يعطي عمرا دقيقا و عادة يكون من ضمن الأدلة التاريخية و ليس الدليل الوحيد ، و عندما يؤخذ وحده تتم الإشارة لهامش الخطأ . من غير الدخول في ردود المختصين على المسؤولين عن مكتبة بيرمنجهام و بأنهم موضع احترام و لكنهم غير متخصصين في علم المخطوطات و خاصة مخطوطات القرآن ، يمكن القول إن المسالة لها وجه دعائي للمكتبة .
أخيرا ، الحفظ في الصدور لنص ضخم كالقرآن يستوجب للحافظ وجود مصحف مكتوب للرجوع إليه كثيرا و إلا فلمَ حدث إختلاف استوجب تدخل الخليفة عثمان و حرق كل المصاحف عدا نسخه الست (ست نسخ على أرجح الأقوال) ... شغلني أمر الحفظ في الصدور و قمت بسؤال شيوخ حفاظ اسئلة منها : هل تنسى أو يختلط عليك؟ و كانت إجاباتهم بلا استثناء : نعم . من تجربتي في الخلوة و في سن صغيرة و متفرغ للحفظ و كنت سريع الحفظ و حفظت فقط ثلاثة اجزاء قبل دخول المدرسة ، خلصت لنتيجة أنه مهما كانت قوة حفظك فإنك أحيانا تضيع عليك كلمة او تشك في الترتيب أو .. أو ... لا تنسى أن القرآن يشتمل على 6236 آية و 77436 كلمة ، عدد الكلمات في القرآن الكريم من دون تكرار هو (14721) كلمة و في إحصائية اخرى من دون التكرار عددها سبعة عشر ألفاً وأربعمئة وثمانٍ وخمسين كلمة. الآيات المتطابقه عددها (84) آية وعدد تكرارها (252) مرةً في القرآن الكريم ، عدد السّور التي فيها آيات متطابقة هو (65) سورة .أخيرا المؤكد أن القرآن ظل محفوظا في السطور بالدرجة الأولى و في الصدور ايضا لكن مع وجود مرجعية ... هذا الجانب موضوعه طويل .

زين العابدين حسن
16-01-2020, 09:04 AM
اللغة و القرآن و التاريخ
(5)
قبل الاستمرار أنوه إلى أن الاتفاق بين المؤرخين جرى على أن المصحف الذي لدينا الآن كُتب في عهد الخلافة الراشدة و كل المخالفين و الذين لديهم روايات عن تعديلات أو خطأ النسخ حججهم ضعيفة .
مر بنا أن مرجعية اهل السنة للسيرة هي سيرة ابن هشام المنقولة بتصرف من سيرة ابن إسحاق ، لكن للشيعة روايات أخرى ، يدّعي الشيعة أن تاريخهم أقرب و أصح لأن أحد من يعتمدون على تأريخه هو سليم بن قيس الهلالي و له كتاب عند الشيعة باسمه أي (كتاب سُليم بن قيس الهلالي) و هو مولود في السنة الثانية للهجرة في الكوفة ، لكنه لم يصحب الرسول (ص) لذا يُعد تابعي ، و كان قد زار المدينة في خلافة سيدنا عمر بن الخطاب و سأل الصحابة عن أحداث و أخبار الرسول (ص) و أعمال المسلمين ، لكنه لم يسجل الأحداث إلا مؤخرا لأنه كان من الممنوع تسجيل شيء خلاف القرآن . غير أن كتاب سليم بن قيس مختلف عليه ، فالسنة يرون أنه مدسوس عليه ، رغم أن الجميع يتفق على أنه كتب كتابا في عهد الخليفة علي بن أبي طالب ، لكنهم يختلفون في نسبة الكتاب المتداول عند الشيعة إليه ... لا بد من الإشارة إلى أنه من المفترض أن الروايات الشفهية كانت كثيرة قبل التدوين و لعل من أقدم من أرخ و دون (معاصرا لابن إسحاق) حسب هادي العلوي هو أبو مخنف لوط بن يحيى (توفي 157 هـ ، مقارنة بابن إسحاق الذي توفي 151 هـ) ، لكن لم يصلنا شيء من مدونات أبو مخنف ، و يمكن الافتراض أن الكثيرين نظروا في كتاباته كالطبري (224هـ/839 - 28 شوال 310هـ/923) و اليعقوبي (لم يُؤرخ لميلاده و وفاته بين 284 هـ و 298 هـ) و الواقدي (130 ــ 207 هـ) و ابن سعد (168 ــ 230 هـ) ، كما نظروا في كتاب ابن إسحاق . نرجع لابن إسحاق و نتساءل : متى بدأ في تدوين سيرته ؟ الراجح انه كان يحفظ في البداية ثم لما بدأ التدوين اعتمد على ما اختزنته الذاكرة . أما متى و اين بدأ تدوينه فالراجح أيضا أنه بدأ ذلك في خلافة الخليفة العباسي الثاني أبو جعفر المنصور استجابة لطلبه عندما كلّفه بتأليف كتاب تاريخ ما حدث منذ آدم حتى ذلك الوقت ، و ذلك لولي عهده ، ابنه محمد المهدي(تولى المنصور الخلافة في نهاية عام 136 هـ) . لا شك أن الخليفة أبو جعفر كان متأثرا بما يجري في العراق الذي غالبية أهله حتى ذلك الوقت مسيحيون (لم تنقلب موازين السكان إلا بعد و في أثناء الحروب الصليبية التي يُؤرخ لبدايتها سنة 1095 م "488 هـ" و امتدت حتى 1492 م "897 هـ" ، ظلت غالبية سكان مصر و الشام و العراق مسيحيين حتى عهد الحروب الصليبية و لأسباب يطول شرحها تحولت الغالبية للإسلام بعد ذلك) ، و لأن الانجيل يحكي عن تاريخ البشرية منذ آدم حتى ولادة المسيح و صلبه حسب ادعاءهم) أراد أبو جعفر أن يكون للمسلمين روايتهم الخاصة ، و كان المشهور عن ابن إسحاق أنه ملم بالتاريخ (من اكثر ما عرضه للنقد و التجريح اعتماده في كثير مما روى على أهل الكتاب) .
السؤال : متى بالضبط طلب أبو جعفر المنصور من ابن إسحاق أن يكتب السيرة ؟ يدعونا ذلك لتناول أحداث تولي أبو جعفر للخلافة و متى كان من الممكن له ان يتفرغ لهذا الطلب .
‏جاء في (سير أعلام النبلاء للحافظ الذهبي) : " ولما مات السفاح زعم عبد الله (عم السفاح و أبو جعفر) أنه ولي عهده وبايعه أمراء الشام وبويع المنصور بالعراق وندب لحرب عمه صاحب الدعوة أبا مسلم الخراساني فالتقى الجمعان بنصيبين فاشتد القتال وقتلت الأبطال وعظم الخطب ثم انهزم عبد الله في خواصه وقصد البصرة فأخفاه أخوه سليمان و سلمه للمنصور بعد أن أعطاه : (أمان الله و رسوله و أمان أمير المؤمنين) و لكنه غدر به . جاء الدور على أبي مسلم الخراساني الذي دعاه و أعطاه الأمان (أمان الله و رسوله و أمان أمير المؤمنين) ! ... كان عازمًا على قتله غدرًا ، وبالفعل وهو يكلمه آمنًا انقض عليه مسلحون بعد إشارة من أبي جعفر فقتلوه رغم توسله لأبي جعفر أن يبقيه سيفا في وجه أعدائهما ، و أنى له ذلك .
تبقى للمنصور خطر آخر يخافه أشد الخوف ، كان بنو هاشم في أواخر عهد بني أمية انتخبوا للخلافة محمد بن عبد الله بن الحسن بن زيد الملقب بالنفس الزكية وبايعوه بها ، و كان ممن بايعوه أبو جعفر المنصور ، بالطبع بعد قيام دولة بني العباس لم يعد في إمكان أبي جعفر الوفاء ببيعته ... لم يبايع النفس الزكية أبا العباس السفاح ولا أبا جعفر .. اختفى محمد (النفس الزكية) وكان أبو جعفر مهموما بالبحث عنه ، لما لم يعثر عليه اعتقل أباه وصادر أمواله بل و اعتقل كل من وجده من أهله ، و تمادى في تعذيبهم ومات أكثرهم في الحبس فقرر محمد الظهور بالمدينة (أول رجب 145هـ) ، حتى ظهوره هذا كان بمكر من أبي جعفر ، فقد كتب إلى محمد على ألسنة قواده أنهم يدعونه إلى الظهور. كان أبو جعفر قد أرسل منديل الأمان للنفس الزكية (أمان الله و رسوله و أمان أمير المؤمنين) ! فرد عليه النفس الزكية : " أي أمان ؟ أمان أبي سلمة الخلال أم أمان عمك عبد الله أم أمان أبي هبيرة أم أمان أبي مسلم الخراساني ." .. لم يعد أحد يثق في أمان أمير المؤمنين ... قُتل النفس الزكية بعد معركة غير متكافئة في المدينة و قُطع رأسه و أرسل إلى أبي جعفر المنصور (رمضان 145 هـ).

زين العابدين حسن
17-01-2020, 11:48 AM
اللغة و القرآن و التاريخ
(6)
تعددت الثورات على (أبو جعفر) و لكنه قضى على معارضيه من الثوار في فارس (سنباد) و العراق و الشام .... مما سبق يتضح أن المنصور ظل مشغولا بالحروب خلال التسع سنوات الأولى من خلافته (استمرت حروبه بعد ذلك لكن تلك هي أصعبها) ، فهل طلب من ابن إسحاق كتابة السيرة أثناء حروبه أم بعد ذلك ؟ الأرجح أنه فعل ذلك بعد تلك السنوات التسع المضطربة أي في عام 145 هجرية و هو العام الذي بدأ فيه بناء بغداد و الذي استغرق أربع سنوات و ربما بعد اكتمال بناء بغداد (مما يعضد ذلك رواية أن ابو جعفر أمر ابن إسحاق بكتابة السيرة في بغداد ، هناك رواية أنه التقاه في الحيرة) . فلو افترضنا أن ابن إسحاق بدأ كتابته قبل ذلك ، مثلا عام 140 هجرية فإنه يكون قد بدأ يدون بعد 130 سنة من موت النبي (ص) . يذهب البعض لافتراض أنه دون السيرة قبل ذلك و أعاد كتابتها عند المنصور ، لكن عادة ذلك الزمان كانت الحفظ ثم التدوين فيما بعد ، و في كل الأحوال تقول المراجع أنه بدأ جمع مادة السيرة بعد مرور أكثر من 120 عاما من موت النبي (ص) ... إلا أن ضياع تلك السيرة يُعتبر فقد كبير للتاريخ الإسلامي ، لكن حفظ لنا التاريخ أغلبها في تلخيص و تنقيح ابن هشام لها . كان ابن إسحاق قد قسّم كتابه إلى ثلاثة أقسام ، المبتدأ ، والمبعث، والمغازي ((و هو تقسيم متأثر بالخلفية الثقافية لابن إسحاق المسيحية و تدل عليه كتاباته و منها ما ترجمه عن أقوال المسيح [بتصرف بسيط] التي تتكلم عن (منحمنا) و قال أنها بالسريانية تعني (محمد) ، و هو ما سار عليه من جاءوا بعده من المسلمين . (من الواضح أن ابن إسحاق كان يعرف السريانية) ـ لا ننسى ان جده يسار كان من سبي عين التمر و قد وجده خالد بن الوليد في كنيسة عين التمر سنة 12هـ بين الغلمان الذين كانوا يدرسون المسيحية في الكنيسة فأخذه خالد إلى المدينة. و أصبح من موالي (عبيد) قيس بن مخرمة بن عبد المطلب)) فانجيل متى ينقسم إلى (البداية ثم تاتي الخدمة ، ثم الإرساليات و تشمل الموت و القيامة). تقسيم ابن اسحاق كما مر بنا : المبتدأ ما كان من أحداث و رسل ووقائع قبل الإسلام ، واعتمد على وهب بن منبه ، وكعب الأحبار، و بصورة عامة على أهل الكتاب (اليهود الذين أسلموا) . يبدأ ابن اسحاق السيرة بنسب الرسول (ص) حتى آدم مثلما يبدأ انجيل (لوقا) بنسب المسيح حتى آدم . أما الجزء الثاني فسماه(المبعث) (يشبه الخدمة في تقسيم الإنجيل) و يشمل حياة النبي (ص) قبل البعثة إلى الوحي ، ثم الهجرة، و الجزء الثالث عرض فيه الغزوات النبوية وحياة النبي (ص) في المدينة إلى مرضه ووفاته (يشبه الإرساليات في تقسيم الإنجيل) . عندما نظر البكائي تلميذ ابن اسحاق و شيخ ابن هشام في سيرة ابن اسحاق منع ابن هشام من كتابة بعضها لأسباب لم يوضحها ابن هشام و ذلك حسب رواية ابن هشام ، و ابن هشام بدوره أسقط جزءا كبيرا منها ، و لنقرأ ما كتبه عن ذلك :
"...... [تارك] أشعاراً ذكرها لم أر أحداً من أهل العلم بالشعر يعرفها، وأشياء بعضها يشنع الحديث به ، وبعض يسوء بعض الناس ذكره ، وبعض لم يقرّ لنا البكائي بروايته، ومستقص ـ إن شاء الله تعالى ـ ما سوى ذلك منه بمبلغ الرواية له والعلم به . " [السيرة النبوية لابن هشام/دار الفكر العربي/ بيروت/ج1/ص6] . فابن هشام اسقط كثيرا من الشعر الذي رواه ابن اسحاق (في السيرة الحلبية نجد أشعارا شنيعة منسوبة لشاعر النبي ص) في هجاء قريشيين أسلموا فيما بعد و لعل من أشنعها هجاءه لهند بنت عتبة زوجة أبو سفيان ردا على اشعارها قبل إسلامها ــ لا أجد من المناسب روايتها هنا ، و من أراد الاطلاع عليها يمكنه الرجوع للمرجع المذكور ــ و غير ذلك من الشعر الذي غالبا حفظه الرواة من سيرة ابن اسحاق المفقودة أو دونوه منها قبل فقدانها) ، اما الأشياء التي يشنع الحديث بها فذلك لتَغيُّر الأحوال و بالتالي تغيُّر الذائقة الثقافية التي كانت تقبل الكلام عن أشخاص و حوادث ايام ابن اسحاق ، ثم تدريجيا لم تعد تقبل ذلك (اليوم مثلا لا يقبل الكثيرون رواية بعض أقوال الصحابة عن بعضهم البعض ، و لا يستسيغون رواية بعض الأحاديث رغم صحتها ...الخ) . أما (البعض الذي يسوء بعض الناس ذكره) فغالبا هي الروايات التي لا يستسيغها بنو العباس حينها و لا يحبون أو لا يقبلون روايتها و ترديدها و التي ربما تعرض راويها لما لا يريد ـ المجال لا يتسع للتوسع في ذلك .
إذن مرت سيرة ابن اسحاق بثلاث مراحل من الحذف و التنقيح : الأولى حذف تلميذه البكائي لأجزاء منها و الثاني حذف ابن هشام لأجزاء أخرى ، أما الثالثة فضياع اصل ما كتبه ابن هشام و وصلنا ما قال عنه الرواة إنه منقول عن الأصل الضائع ... و من روى عن ابن اسحاق كما مر بنا : الطبري و الواقدي و ابن سعد و غيرهم . لن نتعرض للخلاف حول مدى موثوقية روايات ابن اسحاق التي حدث خلاف حولها فذلك أمر يطول الحديث عنه و لكن أشير لرد كثير من أحاديثه "فقبول الرواية التاريخية شيء عند المحدثين و قبول رواية الأحاديث شيء آخر .

زين العابدين حسن
18-01-2020, 08:24 AM
اللغة و القرآن و التاريخ
(7)
يحق لنا أن نتساءل (هل كل ما أورده ابن هشام نقلا عن ابن اسحاق صحيح؟) يمكن الإجابة باطمئنان : (لا) ... ما هي الشواهد على ذلك ؟ يكفي اتهام ابن اسحاق بتأليف أشعار كثيرة حذفها ابن هشام ، بعضها منسوب لأقوام عاد و ثمود و بعضها لغير الناطقين باللغة العربية و بعضها قيل عنها إنها يصعب تسميتها بالشعر . تأثير ابن اسحاق على مجمل التاريخ الإسلامي كبير جدا ، فنجد الرواة و المفسرين يقتفون أثره باختراع أسماء عربية لعدد كبير من الشخصيات غير العربية في مصر الفرعونية أو في فارس ... الخ . لكن هل كل ما رواه ابن اسحاق مختلق ؟ من الصعب جدا القول إن كل ذلك مختلق ، فالرواية متماسكة و تبدو علاقتها واضحة بالقرآن و يندر وجود تناقضات في الأحداث ... في رأيي من المستحيل خلق اشخاص و أحداث و اماكن بضخامة تلك الرواية ، صحيح هناك الكثير في الرواية مما يمثل إشكالية (كقصة أصحاب الفيل ، التي لا يوجد دليل من القرآن أو السنة على حدوثها في مكة و لا يحددان لها تاريخا معينا ، ربما حدثت في مكان آخر و في زمن مختلف ، خاصة بعد اكتشاف نقش أبرهة الذي حكم اليمن حتى 565 م بحد أقصى حسب الوثائق المكتشفة و تاريخ غزوه لمكة حسب ابن اسحاق 571 م و هو العام الذي يؤرخ لميلاد النبي (ص)) .. نقش أبرهة نقش أثري يوجد في موقع مريغان الاثري بتثليث جنوب السعودية ، تم اكتشاف النقش عام 1951م ، منقوش في صخرة على إرتفاع 7 أمتار ، طوله 5 أمتار ويتكون من عشرة اسطر تحوي 440 رمز و يحكي عن حوادث و معارك حدثت قبل (18 إلى 23 عاما) من التاريخ المفترض لحادثة أصحاب الفيل و في مكان يبعد قرابة 600 كيلو متر من مكة حسب الطريق المعبد اليوم ، الأحداث المدونة على النقش لا تأتي على ذكر فيل أو افيال .... إذن الأمر وسط بين أولئك الذين يعتبرون أن رواية ابن اسحاق فوق النقد "عدا بعض ما يسمونها بالمراسيل و الهنات ... المراسيل جمع مُرْسَل و هو قسم من اقسام الحديث الضعيف و هو الحديث الذي ينتهي عند الصحابي من غير أن يرفعه للنبي" و بين اولئك الذين ينكرون الرواية جملة و تفصيلا . يقودنا ذلك لإلقاء نظرة على رؤية و رواية المستشرقين الجدد و معهم المؤرخين و المجتهدين الجدد للتاريخ الإسلامي .
أساس الرواية يقوم على ان الإسلام ظهر في الشام (البتراء) و انتشر من هناك للجزيرة العربية و لم يظهر أول أمره بمكة كما تقول الرواية السائدة . نشَر هذه الرواية على على نطاق واسع المستشرق دان جيبسون (كندي مولود سنة 1956 م) و يمكن القول إنه امتداد لمدرسة باتريشيا كرون التي ألفت كتاباً اسمه الهاجرية تدعي فيه أن محمداً اقتبس ما جاء به من اليهودية و هي متأثرة بكتابات استشراقية مثل كتابات أبراهام جايجر (و غيره) التي تزعم أن القرآن عبارة عن اقتباس و تحوير للكتاب المقدس اليهودي التناخ (التناخ هو الكتاب المقدس اليهودي و مكون من ثلاثة أجزاء : التوراة (الشريعة).، الأنبياء: (نيفيئيم) .، الكتابات (كتوفيم) الأدبيات) ... الشائع لدينا هو تسمية الكتاب المقدس لليهود بالتوراة ، أحيانا يطلق اسم التوراة على الكتاب المقدس اليهودي كله ، لكن كما راينا أن التوراة جزء منه و كلمة توراة تعني الشريعة أو التعليم أو التوجيه و تشمل الأسفار الخمسة : سفر التكوين (قصة خلق العالم و خلق آدم و حواء...الخ) يليه سفر الخروج (خروج اليهود من مصر و قصة سيدنا موسى ...الخ) يليه سفر اللاويين (الأحبار و تشريعات الحرام و الحلال و الفرائض و الحدود ...) يليه سفر العدد ثم سفر التثنية . يدّعي أولئك المستشرقون أنه مع الاقتباسات من المقدس اليهودي هناك اقتباسات من التفسيرات الحاخامية غير الموجودة فيه (كقصة تكسير سيدنا إبراهيم لآلهة قومه و قصة إلقائه في النار و تقطيع النسوة لأيديهن في قصة سيدنا يوسف مع امرأة العزيز و قصة الرابي و تلميذه "موسى و الخضر " و غيرها من القصص التي لم ترد في التناخ لكنها وردت في تفسيرات الحاخامات في المدراش (المدراش سلسلة مجموعة من التعليقات القديمة على كل أجزاء التناخ مكتوبة بواسطة حاخامات اليهود) و الهاجادة (و هي تفاسير وتآويلات للنص المقدس ، و ذلك بإضافة أساطيرغير مذكورة في النصوص الشرعية للكتاب القدس، بأسلوب وعظيّ أو أخلاقيّ). و بعضها في الكتب المنحولة غير المعترف بها "أبو كريفا" ، مع تكرار و تحوير ما ورد في التوراة من قصة الخلق و جنة عدن و الطوفان حسب زعمهم .. الخ ، اسمت كرون كتابها بالهاجرية نسبة لفرقة يهودية تتسمى بهذا الاسم تؤمن و تنادي بالعودة إلى ارض الميعاد (سلف الصهيونية) و ترى كرون أن سكان شمال الجزيرة العربية هم من كانوا ينادون بذلك و من هنا ترى ان الإسلام نشا في الشمال و ليس الحجاز . جاء بعدها توم هولاند و دان جيبسون فتم تبني نظرية أن الإسلام نشأ في الشمال و في البتراء بالذات . على ماذا استند دان جيبسون في تبنيه لوجهة النظر هذه؟ (ساعرض وجهة نظره في الحلقة القادمة و أعلق عليها في النهاية مع التعليق على نظرية المؤرخين الجدد) ..

imported_عادل عسوم
18-01-2020, 08:30 PM
اللغة و القرآن و التاريخ
(5)
قبل الاستمرار أنوه إلى أن الاتفاق بين المؤرخين جرى على أن المصحف الذي لدينا الآن كُتب في عهد الخلافة الراشدة و كل المخالفين و الذين لديهم روايات عن تعديلات أو خطأ النسخ حججهم ضعيفة .
مر بنا أن مرجعية اهل السنة للسيرة هي سيرة ابن هشام المنقولة بتصرف من سيرة ابن إسحاق ، لكن للشيعة روايات أخرى ، يدّعي الشيعة أن تاريخهم أقرب و أصح لأن أحد من يعتمدون على تأريخه هو سليم بن قيس الهلالي و له كتاب عند الشيعة باسمه أي (كتاب سُليم بن قيس الهلالي) و هو مولود في السنة الثانية للهجرة في الكوفة ، لكنه لم يصحب الرسول (ص) لذا يُعد تابعي ، و كان قد زار المدينة في خلافة سيدنا عمر بن الخطاب و سأل الصحابة عن أحداث و أخبار الرسول (ص) و أعمال المسلمين ، لكنه لم يسجل الأحداث إلا مؤخرا لأنه كان من الممنوع تسجيل شيء خلاف القرآن . غير أن كتاب سليم بن قيس مختلف عليه ، فالسنة يرون أنه مدسوس عليه ، رغم أن الجميع يتفق على أنه كتب كتابا في عهد الخليفة علي بن أبي طالب ، لكنهم يختلفون في نسبة الكتاب المتداول عند الشيعة إليه ... لا بد من الإشارة إلى أنه من المفترض أن الروايات الشفهية كانت كثيرة قبل التدوين و لعل من أقدم من أرخ و دون (معاصرا لابن إسحاق) حسب هادي العلوي هو أبو مخنف لوط بن يحيى (توفي 157 هـ ، مقارنة بابن إسحاق الذي توفي 151 هـ) ، لكن لم يصلنا شيء من مدونات أبو مخنف ، و يمكن الافتراض أن الكثيرين نظروا في كتاباته كالطبري (224هـ/839 - 28 شوال 310هـ/923) و اليعقوبي (لم يُؤرخ لميلاده و وفاته بين 284 هـ و 298 هـ) و الواقدي (130 ــ 207 هـ) و ابن سعد (168 ــ 230 هـ) ، كما نظروا في كتاب ابن إسحاق . نرجع لابن إسحاق و نتساءل : متى بدأ في تدوين سيرته ؟ الراجح انه كان يحفظ في البداية ثم لما بدأ التدوين اعتمد على ما اختزنته الذاكرة . أما متى و اين بدأ تدوينه فالراجح أيضا أنه بدأ ذلك في خلافة الخليفة العباسي الثاني أبو جعفر المنصور استجابة لطلبه عندما كلّفه بتأليف كتاب تاريخ ما حدث منذ آدم حتى ذلك الوقت ، و ذلك لولي عهده ، ابنه محمد المهدي(تولى المنصور الخلافة في نهاية عام 136 هـ) . لا شك أن الخليفة أبو جعفر كان متأثرا بما يجري في العراق الذي غالبية أهله حتى ذلك الوقت مسيحيون (لم تنقلب موازين السكان إلا بعد و في أثناء الحروب الصليبية التي يُؤرخ لبدايتها سنة 1095 م "488 هـ" و امتدت حتى 1492 م "897 هـ" ، ظلت غالبية سكان مصر و الشام و العراق مسيحيين حتى عهد الحروب الصليبية و لأسباب يطول شرحها تحولت الغالبية للإسلام بعد ذلك) ، و لأن الانجيل يحكي عن تاريخ البشرية منذ آدم حتى ولادة المسيح و صلبه حسب ادعاءهم) أراد أبو جعفر أن يكون للمسلمين روايتهم الخاصة ، و كان المشهور عن ابن إسحاق أنه ملم بالتاريخ (من اكثر ما عرضه للنقد و التجريح اعتماده في كثير مما روى على أهل الكتاب) .
السؤال : متى بالضبط طلب أبو جعفر المنصور من ابن إسحاق أن يكتب السيرة ؟ يدعونا ذلك لتناول أحداث تولي أبو جعفر للخلافة و متى كان من الممكن له ان يتفرغ لهذا الطلب .
‏جاء في (سير أعلام النبلاء للحافظ الذهبي) : " ولما مات السفاح زعم عبد الله (عم السفاح و أبو جعفر) أنه ولي عهده وبايعه أمراء الشام وبويع المنصور بالعراق وندب لحرب عمه صاحب الدعوة أبا مسلم الخراساني فالتقى الجمعان بنصيبين فاشتد القتال وقتلت الأبطال وعظم الخطب ثم انهزم عبد الله في خواصه وقصد البصرة فأخفاه أخوه سليمان و سلمه للمنصور بعد أن أعطاه : (أمان الله و رسوله و أمان أمير المؤمنين) و لكنه غدر به . جاء الدور على أبي مسلم الخراساني الذي دعاه و أعطاه الأمان (أمان الله و رسوله و أمان أمير المؤمنين) ! ... كان عازمًا على قتله غدرًا ، وبالفعل وهو يكلمه آمنًا انقض عليه مسلحون بعد إشارة من أبي جعفر فقتلوه رغم توسله لأبي جعفر أن يبقيه سيفا في وجه أعدائهما ، و أنى له ذلك .
تبقى للمنصور خطر آخر يخافه أشد الخوف ، كان بنو هاشم في أواخر عهد بني أمية انتخبوا للخلافة محمد بن عبد الله بن الحسن بن زيد الملقب بالنفس الزكية وبايعوه بها ، و كان ممن بايعوه أبو جعفر المنصور ، بالطبع بعد قيام دولة بني العباس لم يعد في إمكان أبي جعفر الوفاء ببيعته ... لم يبايع النفس الزكية أبا العباس السفاح ولا أبا جعفر .. اختفى محمد (النفس الزكية) وكان أبو جعفر مهموما بالبحث عنه ، لما لم يعثر عليه اعتقل أباه وصادر أمواله بل و اعتقل كل من وجده من أهله ، و تمادى في تعذيبهم ومات أكثرهم في الحبس فقرر محمد الظهور بالمدينة (أول رجب 145هـ) ، حتى ظهوره هذا كان بمكر من أبي جعفر ، فقد كتب إلى محمد على ألسنة قواده أنهم يدعونه إلى الظهور. كان أبو جعفر قد أرسل منديل الأمان للنفس الزكية (أمان الله و رسوله و أمان أمير المؤمنين) ! فرد عليه النفس الزكية : " أي أمان ؟ أمان أبي سلمة الخلال أم أمان عمك عبد الله أم أمان أبي هبيرة أم أمان أبي مسلم الخراساني ." .. لم يعد أحد يثق في أمان أمير المؤمنين ... قُتل النفس الزكية بعد معركة غير متكافئة في المدينة و قُطع رأسه و أرسل إلى أبي جعفر المنصور (رمضان 145 هـ).

أثني على ذكرك لأهل السنة ابتدارا قبل ان (تخوض) في تفصيلات الشيعة.
:)

زين العابدين حسن
19-01-2020, 07:04 AM
أثني على ذكرك لأهل السنة ابتدارا قبل ان (تخوض) في تفصيلات الشيعة.
:)

و أثني على ما تفضلت به . تحية و سلام .

زين العابدين حسن
19-01-2020, 07:05 AM
اللغة و القرآن و التاريخ
(8)
نواصل مع جيبسون
يرى جيبسون أن :
1ـ جغرافية القرآن تثبت أن بيت الله الحرام (المدينة المقدسة للمسلمين) هي البتراء وليست مكة.
2 ـ يدعي أنه حتى سنة 724 ميلادية (حوالي 106 هـ) [و هي السنة التي توفي فيها يزيد بن عبد الملك و تولى الخلافة هشام بن عبد الملك] كان اتجاه القبلة للمساجد كلها يشير نحو البتراء في جنوب الأردن، وليس في القدس أو مكة. و حسب رأيه أنه يُستبعد احتمال خطأ بناة المساجد القديمة ، بسبب دقة هندستها وكذلك تجمعها جميعاً في نقطة واحدة وهي البتراء. في عام 1977 ادعى كل من كرون وكوك ، أن أقدم المساجد لم تكن موجهة نحو مكة المكرمة.
3ـ بعد عام 822 ميلادية (حوالي 207 هـ) [في خلافة المامون التي امتدت من 814 إلى 833 ميلادية] ، اتجهت جميع المساجد لمكة المكرمة دون استثناء.
4 ـ لا تتشابه أوصاف مكة بالقرآن والأحاديث النبوية مع واقع مكة . كما لم تكن مكة المكرمة تقع على أي طريق تجاري في زمن الرسول محمد ، وهذا ما ادعته باتريشيا كرون سنة 1987. بالاضافة لذلك لا يوجد أي سجل أثري لمكة منذ القرن السابع الميلادي . وذكرت الأبحاث التي أجريت على النباتات ، أن النباتات المذكورة في القرآن لم تنمو أبداً في مكة.
5 ـ البتراء في الأردن تتطابق تماماً مع أوصاف القرآن في كثيرٍ من التفاصيل. وكانت البتراء أيضاً مركز الحج العربي قبل نشأة الإسلام.
6 ـ ادعى جيبسون أن المخطوطات الأولى للقرآن لا تحتوي على الآيات التي تدل على تغيير القبلة مثل الآية (144 سورة البقرة)، والآية الوحيدة التي ذكرت فيها مكة بالقرآن (الآية 24 من سورة الفتح).
7 ـ كان هجوم المكيين على المدينة المنورة من الشمال، في حين أن مكة تقع إلى الجنوب من المدينة.
8 ـ المسافات المذكورة بالقرآن تكون أقرب بالمعنى للبتراء.
استنتج جيبسون أنه تم نقل الحجر الأسود من البتراء إلى مكة بعد انتصار العباسيين على الأمويين ، ثم بنى العباسيون المنتصرون المساجد باتجاه القبلة الجديدة. وبدأت البتراء تفقد ذاكرتها وأهميتها تدريجياً ، وأصبحت غير صالحة للسكن بعد زلزال كبير أصابها. أما تاريخ البتراء فتم القضاء تدريجياً عليه من قِبل العباسيين ، وأحرقوا الكتب التي تذكرها. وجميع التقاليد والكتب والمراجع التي تذكر بدايات الإسلام كانت مستمدة من العصر العباسي ما عدا القرآن ، لذلك في إطار الدراسات الإسلامية العلمية تعتبر هذه المراجع العباسية مشكوك فيها وغير تاريخية من نواحي كثيرة ، حسب نظرية جيبسون.
قبل فحص نظرية جيبسون يجب المرور على نظرية المؤرخين و المفسرين الجدد . بدأت المسالة بصورتها الحالية في نهايات القرن العشرين عندما استند البعض (منهم نادر قريط)على بعض الاكتشافات الأثرية لمسكوكات مكتوب عليها اسم معاوية (معوية) و تحمل في إحدى وجهيها علامة الصليب و استندوا على بعض كتابات المسيحيين الذين عاصروا تلك الفترة (و التي تستحق مناقشة موسعة ليس هنا مكانها و هي تحكي عن حاكم اسمه معوية "معاوية" يقوم بطقوس مسيحية في القدس) .
يتبنى المؤرخون الجدد أغلب ــ إن لم يكن كل ــ آراء جيبسون و يمكن تلخيص وجهة نظرهم في النقاط التالية و التي اقتبس التسعة الأولى منها من صفحة الأستاذ محمد المِسَيّح https://m.facebook.com/permalink.php?story_fbid=533790723637992&id=263584180658649 :
1 ـ آيات سورة الصافات (وَ إِنَّ لُوطًا لَّمِنَ الْمُرْسَلِينَ (133) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (134) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (135) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ وَ إِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ (136) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (137)) فقول القرآن (وَ إِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ . وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) يحكي عن مرور القرشيين صباحا و مساء بسدوم قرية قوم لوط و لا يمكن حسب رأي المؤرخين الجدد أن تخاطب قوما يسكنون مكة فيستحيل عليهم المرور بها صباحا و مساء لأنها تبعد حوالي 1300 كيلومتر عن مكة ، و قدموا نقدا للتفسير التقليدي الذي يقول إن المخاطبين هم التجار القريشيين فقالوا إن الخطاب لعموم القرشيين و لم يخص فئة التجار .
2 ـ الأحرف العربية الأولى التي نسخت بها المخطوطات القديمة جاءت بما يسمى "الخط الحجازي" وهو لا يشبه الخط الثمودي الذي كان يكتب به عرب الصحراء لكنه شبيه جدًا بالخط النبطي الذي وجد عند عرب البتراء .
3 ـ بعض المقاطع في النص القرآني تفيد أن البيئة التي ظهر فيها النص القرآني تعود لعرب البتراء ، كالآية 27 من سورة فاطر:... وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ . فخطوط الألوان الثلاث الأحمر والأبيض والأسود موجودة على صخور البتراء و لا وجود لها في صخور جبال الحجاز!
4 ـ قصة أصحاب الفيل تتحدث عن المعركة التي دارت بين الفرس والبزنطيين سنة 591 م لاسترجاع عرش خسرو الثاني .
5 ـ قصة الكهف وفتية أفسس من الموروث السرياني في بلاد الشام بعيدة كل البعد عن مكة .
6 ـ انتصار العرب على أقوى أمبراطورية في ذلك العصر أي الروم في الشمال ، يعزز فرضية أنهم كانوا بالقرب من الحدود البيزنطية ولم يقطعوا مسافة أكثر من ألف كيلومتر لقتالهم .
7 ـ أسماء الآلهة التي وجدت في البتراء مثل اللات والعزى ومناة وذو الشعرى (تعزز الفرضية) ، لماذا لم نسمع أو نرى ولو فتات من هذه الأصنام وجد مدفون تحت الرمال بين مكة والمدينة ولو حتى من باب أن هذه الآلهة كانت فعلا تُعبد في هذه البقعة! أليس هذا غريبا"؟
8 ـ حضارة العرب أساسها نابع من حضارة أقدم ، فلا شك أنهم أحفاد هؤلاء الأنباط الذين كانوا أسياد القوافل التجارية بامتياز ، والبتراء كانت هي ملتقى القوافل التجارية كما ذكر العديد من المؤرخين ، أين ذكر مكة كمدينة قبل 78 للحكم العربي؟
9 ـ العملات والنقوش تحمل أسماء وعبارات كـ "عبد الله معاوية" أو "عبد الله الزنبيل" وعبد الله اسم شرفي كأمير المؤمنين وبالتالي الحاكم الزنبيل (من الزبيل) أصبح في الرواية الإسحاقية عبد الله بن الزبير! حفيد أبو بكر، وابن الزبير بن العوام!
10 ـ جاء في سورة الروم ( غلبت الروم في أدنى الأرض) يمكن أن تعني كلمة أدنى الأقرب ، الدنو هو القرب، معنى ذلك أن معركة الروم و الفرس كانت قريبة من أرض البعثة و بذا تكون هي البترا و ليست مكة.

زين العابدين حسن
20-01-2020, 07:37 AM
اللغة و القرآن و التاريخ
(9)
لفحص روايات إدعاء أن موطن الإسلام الأول البتراء ، أبدأ بتاريخ مكة خارج الرواية الإسلامية . طبعا هناك ملاحظة قديمة و هي أن كل الشخصيات المذكورة في الأديان و السرديات اليهودية و المسيحية و الإسلامية ليس لها وجود تاريخي خارج تلك الأديان و السرديات ، لذلك حقل الإيمان حقل مستقل عن حقل الروايات التاريخية التي تقوم على التاريخ كعلم ، ربما هناك حالات نادرة للتشابه بين بعض الشخصيات التاريخية و شخصيات السرديات الدينية مع ملاحظة أن ذلك التشابه تخميني . كذلك الأمر مع القصص الديني في الديانات الثلاث . طبعا المجال الجغرافي للديانات الثلاث و انبيائها و شخصياتها و احداثها تدور في فلسطين و المناطق المجاورة لها (قصة حياة سيدنا إبراهيم الأولى في العراق و قصة حياة سيدنا موسى و يوسف في مصر ، و قصة بلقيس في اليمن .. الخ ، عدا ذلك كل احداث القصص الديني اليهودي ـ و ضمنا المسيحي ـ تدور في فلسطين ، كذلك القصص الديني الإسلامي الذي حكى قصة نبيين إضافيين "ثمود و صالح" في الجزيرة العربية) .
أول ظهور لمكة في سرديات تاريخية خارج الرواية الإسلامية كان في القرن الخامس الميلادي (لا يعني ذلك أنها لم تكن موجودة) ، هناك خرائط رومانية تظهر فيها تهامة و يثرب و الطائف لكن لا تظهر معها مكة ، و ايضا لا تظهر مكة في المخطوطات السريانية أو اللاتينية و التي تذكر أسماء لأماكن في الجزيرة العربية كالطائف و يثرب و غيرهما ...
يمكن الاستعانة بما كتبه الباحث الفلسطيني علاء اللامي عن مكة فهو يكتب معلقا على من يسمى (محمد آل عيسى) في مقالة سماها (العبث النقدي بتاريخ الأديان) ، كتب الآتي : (يذكر جواد علي ، في (المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام) أنّه يتفق مع رأي مَن يقول بانعدام أيّ ذكر لمكّة كمدينة في العهود القديمة قبل الإسلام ، ولكنّه لا ينفي وجودَها .
لكن جواد علي يكتب عن ما أورده العالِم اليونانيّ بطلميوس (عاش في القرن الثاني الميلادي) ، اسمُ مدينة (مكربة) ، و لا يستبعد وجودَ صلةٍ بينه وبين لفظ مكّة .
وأمّا في الكتاب المقدّس - سفْر المزامير، وفي أشهر ترجماته الإنجليزيّة المنشورة اليوم ، فنجد ذكْرًا صريحًا لاسم مكّة القديم، "بكّة،" مرسومًا بحرف B كبير دلالةً على كونه اسمَ أحد الأمكنة، مقرونًا بالتأكيد على كون بكّة "واديًا جافًّا" و هو ما ورد في القرآن أيضًا ("وادٍ غير ذي زرع"). و معروف أنّ لفظ "بكّة" ورد في القرآن أيضًا (الآية 96 من سورة آل عمران) ، و هو ما يعطي الاسمَ التوراتيّ لمكّة (أو بكّة) قوّةً إضافيّة . نقرأ عند ابن هشام رواية ابن إسحاق عن مكة باعتبار أنها كانت مركزا تجاريا و ملتقى طرق التجارة بين اليمن و الشام ، و يُنسب تحول طرق التجارة عن مساراتها الاخرى باتجاه مكة بسبب الصراعات بين الإمبراطوريتين البيزنطية و الفارسية و هو ما يجعلنا نتساءل : لو كان الأمر كذلك لماذا لا نجد لها ذكرا خارج هذه الرواية ؟ و هناك وجهة نظر اخرى و هي أن من يريد أن يتاجر بين الشام و اليمن من الأسهل له أن يسلك طريق البحر الأحمر ...
عدم ذكر مكة في المصادر التاريخية شجع المؤرخين الجدد على تبني وجهة نظرهم عن مهد ظهور الإسلام في البتراء ...
تبقت حلقة أخيرة نختم بها .

زين العابدين حسن
21-01-2020, 08:21 AM
اللغة و القرآن و التاريخ
(10) الأخيرة
مر بنا متى ظهرت مكة في سرديات الآخرين ، ماذا عن الكعبة ؟ أول ذكر للكعبة في سرديات الآخرين نجده في القرن الثامن الميلادي بعد وفاة النبي (ص) باقل قليلا من قرن تقريبا . نعرف أنه كانت هناك كعبات كثيرة منتشرة في الجزيرة العربية تشبه الكعبة المكية كبناء مكعب و يوجد في أحد أركانه حجر أسود نيزكي باعتبار أنه سقط من ملاط بيت الرب في السماء . يمكن نقل ما جاء في الوكيبيديا :
يقول الباحث ( محمود سليم الحوت ) : " يجب ألا يخطر على بال أحد أن مكة – وإن ارتفعت مكانتها عن سواها من أماكن العبادة – هي القبلة الوحيدة في الجزيرة ؛ فقد كان للعرب كعبات عديدة أخرى تحج إليها في مواسم معينة وغير معينة ، تعتر ( تذبح ) عندها ، وتقدم لها النذور والهدايا ، وتطوف بها ، ثم ترحل عنها بعد أن تكون قد قامت بجميع المناسك الدينية المطلوبة ". وقد اشتهر من بيوت الآلهة أو الكعبات ما وجدنا ذكره عند الهمداني ( بيت اللات ، وكعبة نجران ، وكعبة شداد الأيادي ، وكعبة غطفان ) ، وما ذكره الزبيدي ( بيت ذي الخلصة المعروف بالكعبة اليمانية ) ، وما جاء عند ابن الكلبي ( بيت ثقيف ) ، إضافة إلى ما أحصاه جواد علي ( كعبة ذي الشري . و كعبة ذي غابة الملقب بالقدس ) ومحجات أخرى لآلهة مثل ( اللات ، وديان ، وصالح ، ورضا ، ورحيم ، وكعبة مكة . وبيت العزي قرب عرفات ، وبيت مناة ) ، هذا مع ما جاء في قول الأستاذ العقاد عن " .. البيوت التي تعرف ببيوت الله أو البيوت الحرام ، ويقصدها الحجيج في مواسم معلومة تشترك فيها القبائل .. وكان منها في الجزيرة العربية عدة بيوت مشهورة ، وهي بيت الأقيصر ، وبيت ذي الخلصة ، وبيت رضاء ، وبيت نجران ، وبيت مكة .. وكان بيت الأقيصر في مشارف مقصد القبائل ؛ من قضاعة ولخم وجذام وعاملة . يحجون إليه ويحلقون رؤوسهم عنده .. فالأمر الذي لا يجوز الشك فيه أن البيوت الحرام وجدت في الجزيرة العربية ؛ لأنها كانت لازمة .. وقد اجتمع لبيت مكة من البيوت الحرام ما لم يجمع لبيت آخر في أنحاء الجزيرة ؛ لأن مكة كانت . ( ملتقى القوافل ؛ بين الجنوب و الشمال ، و بين الشرق والغرب و يمكن التمييز بين مفهوم العربي الجاهلي لمعنى الألوهية ومعنى الربوبية ، فالألوهية تعني إلها غير منظور يسكن السماء ، ومن هناك يتساقط ملاط بيته الإلهي من أن لآخر ، على هيئة أحجار سوداء ، في حين أن الربوبية تشير إلى تقديس للأسلاف يتفق حجمه مع أهمية رابطة الدم عند العربي البدوي . وعلى هذا النحو عبد النبطيون حجراً أسود يرمز إلى الشمس كإله للسماء ، وعبد الهذليون حجراً أسود يرمز لمناة ، وكان ذو الشري حجرا أسود ، وكذلك كانت الكعبة إطاراً لحجر أسود ، كما كانت باقي الكعبات تتسم بذات السمة ؛ فهي أطر لأحجار سود . وسميت هذه الكعبات بيوت الله لأن كل بيت منها فيه حجر من بيت الإله الذي في السماء تمييزاً له عن الأرباب التي لم تكن سوى مجرد تماثيل أو أحجار بركانية توضع في أفنية الكعبات ؛ انتفاعاً ببركات الأسلاف الصالحين ، وتشفعاً بهم عند إله السماء ... انتهى .
https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%AA
يمكن الإشارة لرأي مستشرق الماني عن نشوء مكة و طقوس الحج و أنها نشأت بعد القرن الرابع الميلادي ، يقول إن مقام إبراهيم الأصلي كان في مدينة الخليل في فلسطين و كان العرب الوثنيون يقدسونه و يحجون إليه ، و كانت هناك بئر مقدسة يقال إن إبراهيم الخليل هو من حفرها ، كان العرب الوثنيون يذبحون قرابينهم عند البئر المقدسة حتى القرن الرابع الميلادي حين جعل الإمبراطور الروماني قسطنطين الديانة المسيحية ديانة رسمية للإمبراطورية ، و حين زار الخليل منع الوثنيين و ذبائحهم ، فانتقل الوثنيون بطقوسهم إلى ما سيعرف فيما بعد بمكة و حفروا بئرا مقدسا (زمزم) و جعلوا مقاما لإبراهيم هناك و جلبوا معهم تماثيل للات و مناة و العزى و إيساف و نائلة (تاريخيا اصلها من الشام) ليضعوها هناك ..
حان الأوان لنقد نظرية جيبسون و المؤرخين الجدد بعد عرض كل ما يتعلق بها تقريبا . سأطرح ذلك في شكل نقاط :
1 ـ هل من الممكن تأليف رواية كاملة عن آلاف الأشخاص و مئات الأماكن في تسلسل تاريخي يمتد لأكثر من قرن (رواية ابن إسحاق) ثم تستمر الرواة في البناء عليه و لمئات أخرى من السنين ؟
2 ـ لم تكن الرواية تخص قوما متفقين بل مختلفين أشد الاختلاف : سنة ، شيعة ، خوارج ، معتزلة ، أمويين ثم عباسيين و بعدها دولة الأمويين في الأندلس مقابل دولة العباسيين في العراق ... الخ ، فكيف لا نجد و لو أثرا واحدا يدل على تلك الرواية في كل الكتابات التي وصلت إلينا .
3 ـ ليس من المنطقي هجرة المسلمين للحبشة إذا كانت البتراء هي مدينة البعثة النبوية ، (نعم لا يوجد في تاريخ أثيوبيا أي ذكر لهجرة المسلمين إليها) ، لكن ذكر الهجرة في السيرة جاء منطقيا مع ظهور الإسلام في مكة .
4 ـ تم ذكر أماكن كثيرة في السيرة (الطائف ، الحديبية ، بدر ، أحد ... الخ) و هي أماكن لا زالت تحمل نفس الأسماء و قريبة من مكة و ليس لها وجود قرب البتراء .
5 ـ عن اتجاه القبلة فإن الاختلاف يسير بينها و بين القبلة الأولى (أو الثانية) "بيت المقدس" مما يجعل الحجة ليست بذات قيمة .
6 ـ ذكر نباتات غير موجودة في مكة و موجودة في الشام لا يعتبر حجة ن فالبتراء نفسها تقع في منطقة صحراوية شبيهة بمكة .
لكل ذلك فرواية ابن إسحاق و الرواية الإسلامية التي بين أيدينا هي الرواية الاصح و ليست تخريجات دان جيبسون و لا توم هولاند و لا المؤرخين الجدد ... نعم هناك نقاط تحتاج لبحث لأنها تمثل إشكالية .
تبقت وجهة نظر من يقولون إنه لا إلزامية للتمسك بالروايات عن السنة و هو ما أتركه لحيز آخر لأن الموضوع قد طال .

imported_أبو جعفر
21-01-2020, 03:13 PM
تعتبر اللغة العربية إحدى اللغات التي تعرف باللغات السامية و تشمل اللغة العبرية القديمة والحديثة ، واللغة الفينيقة و السريانية (المتفرعة من الآرامية) ، الأشورية و اللغات السامية في أثيوبيا و أرتريا (حتى اليوم يعيش حوالي 200 ألف في جنوب الجزيرة العربية و الجزء الغربي من عمان و جنوب و شرق اليمن لغتهم الأصلية ليست العربية إنما لغات مشتقة من اللغة العربية الجنوبية الحديثة) . لدارسي علوم اللغات آراء في مدى قرابة اللغة العربية بهذه اللغات فقد تكون أقرب في الصوت (الفونولوجيا) لإحدى اللغات ، و أقرب لأخرى في خصائص التصريف والاشتقاق (المورفولوجيا) .
كان سكان شمال الجزيرة العربية يكتبون بالخط النبطي . الأبجدية النبطية مشتقة و متفرعة عن الأبجدية الآرامية (الآرامية هي اللغة التي تكلم بها المسيح) و مكونة من اثنين وعشرين حرفاً ، عاش الأنباط في شمال الجزيرة العربية و كانت عاصمتهم في منطقة البتراء في الأردن الحالي (زالت مملكة الانباط عندما غزاها الروم 106 م لكن بقي الخط النبطي لقرون بعد زوال المملكة) ... الخط النبطي تطور لما صار يعرف فيما بعد بالخط الحجازي (لأن اقدم مخطوطات القرآن المكتشفة مكتوبة به فتمت نسبته خطأ إلى منطقة مكة و المدينة "الحجاز") يصف ابن النديم (المتوفى سنة 384 هجرية) هذا الخط في الفهرست نقلًا عن ابن إسحاق بأنه (أول الخطوط العربية الخط المكي وبعده المدني ثم البصري ثم الكوفي فأما المكي والمدني ففي ألفاته تعويج إلى يمنة اليد وأعلا الأصابع وفي شكله اضجاع يسير)... و هو وصف لما يعرف الآن بالخط الحجازي و أول من اسماه بالخط الحجازي هو المستشرق الايطالي (ميكيلي أماري 1806 ـ 1889 م) معتمدًا على ما أورده ابن النديم في وصفه له اعلاه و نسبه خطأ لمنطقتي مكة و المدينة . تم اكتشاف نقوش في الشمال مكتوبة بما يشبه الخط الحجازي ، منها نقش أم الجمال الأول(أم الجمال منطقة جنوب دمشق. وقد قدر تأريخ النقش من قبل مكتشفه بين العامين 250 و 270 ميلادي) و نقش النمارة (النمارة جنوب سوريا) المفترض أنه مكتوب على شاهد قبر امرؤ القيس المتوفى سنة 328 م ، يمكن القول إن النقوش تؤرخ لأول آثار مكتوبة بلغة تشبه اللغة العربية في حالتها التي سيرد تفصيلها في هذا المقال ، و هناك شواهد عديدة أخرى لا يتسع المجال لها لإثبات أن الخط العربي الحالي أصله الخط النبطي (و هو احد الأدلة التي يعتمد عليها القائلون بأن البعثة النبوية كانت في البتراء و ليست في مكة) ، من امثلة هذه الشواهد التعريف في لغة الانباط (ال) و التي اشتركت معها فيها اللغة العربية ، في حين ان اداة التعريف في اللغات السامية العربية الجنوبية (التي يفترض المؤرخون الجدد أنها كانت لغة مكة و المدينة) هي النون الساكنة في آخر الاسم ، و في بعضها الألف و الميم (ام)... الخ . الحديث عن تطور الخط العربي يطول و يمكن الرجوع للمصادر ذات الصله .

تحياتي زين العابدين
وشكراً لهذا الطرح القيم ... وكنت أود أن تتوسع في مسألة اللغة كدليل أو كمفتاح للكشف عن صحيح الإسلام وتاريخه ...

وأول من قرأت له في نقد التحريف الذي حدث لتاريخ اللغة العربية هو طه حسين في كتابه: (في الشعر الجاهلي) والذي غير أسمه بعد أن حذف منه بعض الفصول المثيرة للجدل إلى (في الأدب الجاهلي) ... وذلك بعد محاكمته الشهيرة بسبب هذا الكتاب، ووبلاغ تقدم به شيخ الأزهر في 1926م.

كان على النيابة أن تتحرك، فرغم الأدلة التى ساقها طه حسين وهو يتبع في دراسته أسلوباً علمياً منظماً، إلا أنه في النهاية يمس شيئاً خطيراً ... يمس التراث والمعتقدات الثابتة. إن الأسلوب الذي اتخذه هو أوروبي المنهج، ولم يكن سائداً ولا معروفاً في مصر، فهو غير مقبول من أساسه ... ولكن قرار النيابة كان هو حفظ البلاغ إدارياً.

وكانت أهم نقطة في الكتاب تكمن في أطار نظريته حول تأثير الدين في انتحال الشعر وإضافته إلى الجاهلين و التي نفي على أساسها نسبة معظم ما نعرفه من الشعر الجاهلي لأصحابه وقال انه قرض في عصور أسلامية لاحقة، وأن المسلمون أردوا أثبات أن للإسلام أولية في بلاد العرب كانت قبل أن يبعث النبي.

وانتهى رئيس النيابة محمد نور بعدما حقق في الواقعة بكتابة تقرير قال فيه:

(وحيث إنه مما تقدم يتضح أن غرض المؤلف لم يكن مجرد الطعن والتعدي على الدين، بل إن العبارات الماسّة بالدين التي أوردها في بعض المواضع من كتابه، إنما قد أوردها في سبيل البحث العلمي مع اعتقاده أن بحثه يقتضيها).

المهم هو أن هذا الكتاب كان أفصح شاهد على التحريف والتدليس الذي واجهه تاريخ لسان الإسلام العربي ... فقد تم تأليف تاريخ مزيف يعود لقرون عديدة للسان نزل به القرآن الكريم ولم يكن معلوماً من قبل وإن كان مشتقاً من لسان سبقه وهو اللسان السيرياني المشتق من اللسان الآرامي ... فالقرآن الكريم هو أول كتاب عربي في تاريخ البشرية ... كما يقول الباحث السعودي لؤي الشريف. ولكنه لسان ميسر للذكر أي للفهم والتذكر بغرض التطبيق.

https://www.youtube.com/watch?v=gjRB45s9APQ


هذا ومسألة أن القرآن هو أول كتاب عربي تفسر لنا تحدي القرآن بأن يأتو بسورة من مثله.

وكذلك تفسر لنا نزول القرآن الكريم مكتوباً فالقرآن الكريم يوزن بالحرف وليس بالكلمة ... فهناك الكثير من الكلمات لها نفس النطق مع اختلاف الرسم لها.

زين العابدين حسن
23-01-2020, 12:17 PM
[QUOTE=أبو جعفر;549062][COLOR="Navy"]
تحياتي زين العابدين
وشكراً لهذا الطرح القيم ... وكنت أود أن تتوسع في مسألة اللغة كدليل أو كمفتاح للكشف عن صحيح الإسلام وتاريخه ...

وأول من قرأت له في نقد التحريف الذي حدث لتاريخ اللغة العربية هو طه حسين في كتابه: (في الشعر الجاهلي) والذي غير أسمه بعد أن حذف منه بعض الفصول المثيرة للجدل إلى (في الأدب الجاهلي) ... وذلك بعد محاكمته الشهيرة بسبب هذا الكتاب، ووبلاغ تقدم به شيخ الأزهر في 1926م.


[SIZE="5"]العزيز أبو جعفر تحية طيبة ... اعتز بمداخلاتك القيمة التي تدل على اطلاع و سعة أفق . أولا اعتذر لتاخري في الرد على ما تفضلت به لظروف كثيرة ... في مسألة التوسع في اللغة ، كما تعلم أن مراعاة تناول النقاط و جوانبها المختلفة تحكمه عوامل كثيرة منها الوقت و عدم إطالة الموضوع حتى لا تضيع الفكرة الأساسية ، لذلك جاءت مساحة اللغة في الطرح بذلك الحجم ، لكني مثلك مهتم جدا بموضوع اللغة العربية و تطورها و شاكر لك لإرفاقك الفيديو الذي يضيء جانبا مهما يحتاج للتوسع و الدراسة . شاكرا لك أيضا لأنك عرّجت على موضوع طه حسين و كتابه (في الشعر الجاهلي) و كيف تواطأت كل قوى الظلام ضده و منعته من التعبير عن وجهة نظره المهمة ، و يمكن القول إن ذلك التصرف كان واحدا من عقبات كثيرة ساهمت في تخلف الفكر و بالتالي تخلف المنطقة . طبعا ليس طه حسين وحده فكما تعلم قبل صدور (في الشعر الجاهلي) بعام واحد صدر كتاب علي عبد الرازق الشهير (الإسلام و أصول الحكم) الذي أثار ضجة و قام الأزهر بفصل الشيخ و تجريده من وظيفته كقاضي شرعي ... التعصب قرين الجهل و صانع التخلف ، لو قارنا مصر مع كوريا الجنوبية منذ قرن فسنكتشف العجب العجاب : كيف يقود ظلام الفكر للتخلف و كيف تساهم العقول المضيئة الحرة في تغيير الواقع البائس ، فكوريا الجنوبية حتى الستينيات من القرن الماضي كانت قد وصلت مرحلة مصر و صارت تصدر بضائع تقريبا بنفس مستوى مصر ... انظر للفارق اليوم (الناتج المحلي الإجمالي لمصر حسب صندوق النقد الدولي عام 2018 حوالي 250 مليار دولار "تحتل الرقم 45 في ترتيب الدول من حيث الناتج المحلي الإجمالي" بينما كوريا الجنوبية حوالي تريليون و ستمائة و ستة و خمسين مليار دولار "رقم 11 في الترتيب" ( ناتجها حوالي سبعة أضعاف ناتج مصر مع العلم أن عدد سكانها حوالي 52 مليون و عدد سكان مصر حوالي 92 مليون)
يمكنك ان تقارن الناتج المحلي الإجمالي من نفس المصدر و السنة للسودان و أثيوبيا التي كانت خلفنا حتى قيام الإنقاذ : السودان ترتيبه 100 في القائمة ب 33 مليار دولار "عدد سكانه حوالي 40 مليون" ، أما أثيوبيا فترتيبها رقم 68 في القائمة بناتج 84 مليار دولار "عدد سكانها 92 مليون" ... انظر لدولة مواردها لا تقارن بموارد السودان و كانت متأخرة عنه كثيرا لكن لأن قومنا كان همهم شراء السلاح لقتل الكفار و نشر التعصب فانظر اين صرنا ... تقبل تحياتي .

imported_أبو جعفر
24-01-2020, 02:00 AM
لكن لأن قومنا كان همهم شراء السلاح لقتل الكفار و نشر التعصب فانظر اين صرنا ...

وفي مداخلتك الأخيرة كتبت غير مصدق مدى التحريف الذي أصاب تاريخ الإسلام.1 ـ هل من الممكن تأليف رواية كاملة عن آلاف الأشخاص و مئات الأماكن في تسلسل تاريخي يمتد لأكثر من قرن (رواية ابن إسحاق) ثم تستمر الرواة في البناء عليه و لمئات أخرى من السنين ؟
2 ـ لم تكن الرواية تخص قوما متفقين بل مختلفين أشد الاختلاف : سنة ، شيعة ، خوارج ، معتزلة ، أمويين ثم عباسيين و بعدها دولة الأمويين في الأندلس مقابل دولة العباسيين في العراق ... الخ ، فكيف لا نجد و لو أثرا واحدا يدل على تلك الرواية في كل الكتابات التي وصلت إلينا .
3 ـ ليس من المنطقي هجرة المسلمين للحبشة إذا كانت البتراء هي مدينة البعثة النبوية ، (نعم لا يوجد في تاريخ أثيوبيا أي ذكر لهجرة المسلمين إليها) ، لكن ذكر الهجرة في السيرة جاء منطقيا مع ظهور الإسلام في مكة .
4 ـ تم ذكر أماكن كثيرة في السيرة (الطائف ، الحديبية ، بدر ، أحد ... الخ) و هي أماكن لا زالت تحمل نفس الأسماء و قريبة من مكة و ليس لها وجود قرب البتراء .
5 ـ عن اتجاه القبلة فإن الاختلاف يسير بينها و بين القبلة الأولى (أو الثانية) "بيت المقدس" مما يجعل الحجة ليست بذات قيمة .
6 ـ ذكر نباتات غير موجودة في مكة و موجودة في الشام لا يعتبر حجة ن فالبتراء نفسها تقع في منطقة صحراوية شبيهة بمكة .
لكل ذلك فرواية ابن إسحاق و الرواية الإسلامية التي بين أيدينا هي الرواية الاصح و ليست تخريجات دان جيبسون و لا توم هولاند و لا المؤرخين الجدد ... نعم هناك نقاط تحتاج لبحث لأنها تمثل إشكالية .
تبقت وجهة نظر من يقولون إنه لا إلزامية للتمسك بالروايات عن السنة

تحياتي زين العابدين وشكراً للرد الضافي ... وصدقني أي خلل في سلوك المسلمين اليوم سببه المباشر هو مخالفة تعاليم ومفاهيم القرآن الكريم والذي لم يفرط كتابه (أي ما فرضه على الناس) من شيء.

هذا وتتناسب كمية وكيفية الخلل مع التحريف الذي أصاب تعاليم العبادات والمعاملات في القرآن الكريم ...

فقد حرفت هيئة الصلاة من ملاحقة تعاليم الدين بالدرس والتطبيق إلى حركة وتلاوة عشوائية لا عائد من ورائها، ولا تنهى عن فحشاء أو منكر ولا تحقق ذكر (منهج) الله سبحانه وتعالى ...

وتم تحريف الحج من منظومة طوائف متفاكرة لتحقيق وظيفة الكعبة البيت الحرام من القيام للناس ومثابة لهم وأمناً، إلى طقوس وثنية ما أنزل الله بها من سلطان ...

أما عن الشورى في الإمارة فحدث ولا حرج .... فقد تم تغييبها بالكامل ..

وكل هذا فصلته في كتابي الاخير: (تجدد الرسالة ونهج النبوة في الأمة الإسلامية) وهو الكتاب الذي أقوم باستعراضه في البورد ... ويمكنك تنزيله كاملاً من هذا الرابط:

https://web.facebook.com/groups/401088506708201/permalink/1390484784435230/