سودانيات .. تواصل ومحبة

سودانيات .. تواصل ومحبة (http://www.sudanyat.org/vb/index.php)
-   منتـــــــــدى الحـــــوار (http://www.sudanyat.org/vb/forumdisplay.php?f=2)
-   -   رحلة .. لا أقوى من فكرة حان وقتها .. ولا أنعم من دواخلك المفعمة بالنغم (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?t=24638)

الرضي 16-06-2012 02:04 PM

((( 14 )))

واصلت التفكير في اتجاه المواهب البشرية ... ومسئولية الدولة تجاهها ... وكذلك الفرق بين الطموح والحاجة .... واحتيال الإنسان المستمر في تبديل الطموح لحاجة .... وذلك بهدف التكسب خارج نطاق الشرعية، والمصالح الوطنية.

وأخذت أعدد ... سكنى المدن طموح، والعمل حاجة ... التعليم طموح، والعلاج حاجة ... الثروة والسلطة طموح، والطعام حاجة ... وبنظرة سريعة نجد إن الطموح يحتاج لموهبة تدعمه .. والحاجة يجب أن تتوفر للجميع بدون فرز ... وكذلك نجد أن الطموح يحتاج موارد لا قبل لدولة بها .. والحاجة تحتاج فقط لتنظيم إداري ... تدعمه موارد الطموح.

ولكن عندما تختلط الأمور بسبب الرعونة السياسية .. تنقلب الموازين وتصبح متطلبات الحاجة أغلى وأثمن من متطلبات الطموح .. فالتعليم مجاني، وجوال الذرة بمئة دولار .... ارض السكن في المدن (عشوائي) مجاناً، وزراعة حواشة بملايين تسبب الإعسار.

مرت بي هذه الخواطر وأنا أتذكر شهراً قضيته في مأمورية عمل في مزرعة بقرية بشرق النيل الأزرق ... حيث اكتشفت إن هؤلاء الناس – ما شاء الله ألف مرة - عايشين بلوشي .. وبروقة بال يحسدهم عليها أتخن مليونير عاصمي .. والسبب هو توفر الحاجة من عمل وطعام .. وقناعة الناس بالموجود.

الرضي 16-06-2012 05:02 PM

((( 15 )))

انتزعتني من خواطري جلبة غير مسموعة فألتفت .. وليتني لم أفعل ... فقد احتضنت عيناي سراً .. نقلني خارج نطاق المكان والزمان .. وأفاض عليّ قدر من السعادة ... حتى رفرفت روحي فوق المكان .. ترى كل شيء ولا ترى سواها .... كانت في الرابعة عشر من عمرها كما علمت فيما بعد ... ولكنها فعلت بي الأفاعيل .. كل هذا حدث في ومضة من الزمن ... كشذا عطر يفاجئك من البعيد.

شذا زهر ولا زهر .. وسُكر ولا سُكر ... تلك كانت ابنة مسئولة المطبخ - من أم إثيوبية وأب إيطالي .... وقد انضمت أمها للسفرية لزيارة أهل لها في طريقنا ... فأقترح عليها المدير أن تدير مطبخ الكونفوي وتستفيد من البدلات السفرية.

كان الطعام تقليدياً ولا يتناسب مع الملاك الذي أحضره .. عصيدة، وعدس، وسلطة ستنقطع حال توغلنا باتجاه المشاريع ... ولكنها كانت مائدة عامرة بالنسبة إلي .. ترى من أين أمسكت الصحن .. وهل أحظى بحبة عدس لامست يدها .. الاستحواذ كان كاملاً فهل ألجأ إلى وصفة عثمان .. لكي تطلق أساري .. لا أظن إنني سأفعل.

هيفاء عبدالستار 16-06-2012 07:26 PM

يااااالرّضي ..رضي الله عنك ..وعن أهلك أجمعين ..

أولا سلامات ..

أظني أول مره أقرأ ليك ..(قطعاً انا الخسرانه).

والله كأني راكبه معاكم دابتكم ..وأقرأ تفاصيل هذي البلاد ..

واصل وكلي حضور ومتعه ...

الرضي 16-06-2012 07:37 PM

((( 16 )))

واصلنا سيرنا ولكن بروح جديدة بالنسبة إلى ... فقد أحسست بنفسي .. أطوف فوق الركب بجناحي ملاك حارس .. يا الله ماذا ألم بي .. كأنما انفصلت روحي عن جسدي ... تجوس خلال الركب تبحث عن من زلزل كيانها.

وصرت مشتعلاً بهوى يصادق الألم .. ويصارع المستحيل .. ليخترق السماء كما الشهب .. وكيف لا .. وقد ألمت بي قوة طاغية لن تقنع بأقل من السموات سكناً والنجوم موطناً.

والعجيب على الرغم من كل ما أحدثته تلك المفعوصة بي .. إلا أنني لا أذكر شيئاً من تفاصيل وجهها أو لون شعرها أو درجة امتلاء جسدها .. كأنما إقتحمتني موجة راديو لتقلب كياني وكفى.


((( 17 )))

وكأن عثمان شعر بما ألم بي .. فحكي لي حين جاءت سيرة القهوة المميزة التي أعقبت الفطور ... كيف إن أمها حضرت قبل خمسة عشر سنة .. وقالت جملة واحدة للمدير فعينها على الفور.

وكانت الجملة .. ".. زوجي توفي وأريد أن أربي طفلي القادم بالحلال" .. ولهذا السبب تعتبر سارا .. أو جزيل كما تدعوها أمها ابنة الكل .. فقد فرضت أمها احترامها وأخوتها على الجميع .. واشتهرت بالصدق والأمانة في العمل ... لدرجة حرمان أبنتها من معلقة سكر بعبارتها الشهيرة (عيب ده حق ناس).

قلت لعثمان: هذه المرأة حققت مقصد إسلامي كبير .. وهو التحكم في القدر من خلال العمل الصالح .. فالقدر في الإسلام ليس أعمى .. ولكن الطغاة أرادوه كذلك حتى يبرروا بأن فسادهم هو قدر لا مفر منه.

ولعل أول من ابتدع سيطرة القدر على الأحداث ... هم الأمويين فهم بعد تنكيلهم بآل بيت النبي وأخذهم لبناته كالسبايا .. أرادوا أن يوهموا الناس بأن القدر هو المسئول عن كل ما حدث.

وهذا خطأ كبير لأن القرآن الكريم أخبرنا بأن القدر يسير وفقاً لمسيرة الشخص .. قال تعالى: ((مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً)) ... ومن الجهة المقابلة قال تعالى عن الأشرار: ((وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً)) .. لاحظ حروف التأكيد في الآيتين.

صمت عثمان ولم يعقب بسوى: فعلاً هناك توفيق إلهي في نبوغ سارة ... ومن سلسلة تجارب كثيرة ... أستطيع أن أقول .. بأن القدر ليس أعمى.

نهلة محكر 16-06-2012 08:10 PM

إستغرقت كلياً في هذا الحكي
وكأن بي أشاهد مقاطعاً حية تحكي رحلتكم
كنت معكم في كل لفتة وكل وقفة وكل "دقداق"

واصل هذا الجمال



برة النص:
:L
ألم بنا كنبض العرق وهناً *** فلما جازنا ملأ السماء
كلااااااام

الرضي 16-06-2012 08:39 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة هيفاء عبدالستار http://www.sudanyat.org/vb/images/buttons/viewpost.gif
أظني أول مره أقرأ ليك ..(قطعاً انا الخسرانه).
والله كأني راكبه معاكم دابتكم ..وأقرأ تفاصيل هذي البلاد ..

تحياتي هيفاء ... وشاكر مرورك العطر .. وفي الحقيقة أنا مقل حتى في تلك المحاولات البائسة ... والتي هي لا إلى الرواية أو إلى الأقصوصة .. ولي تجربة واحدة سابقة ... تقولي شنو كسل السنين:
http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?t=16712

هيفاء عبدالستار 16-06-2012 09:11 PM

المبدع جدا ..كيفنك ..

روعتك في طريقه السّرد ..

البناء المتكامل للمكان ..الشخوص (وربط القارئ بالقطره ورا العربيه ..)

حد الإبداع ..

متابعنك ..

الرضي 16-06-2012 09:20 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة نهلة محكر http://www.sudanyat.org/vb/images/buttons/viewpost.gif
كنت معكم في كل لفتة وكل وقفة وكل "دقداق".
خطاويك ..
تقالد سكتي وترتاح
وأتوسد مداك حنين
نغني نغني لي بكرة
تضيع الآهة والحسرة
:L

احنا تلاميذ في حضرة إبداعك
تحياتي يا روعة القصيد .. مرورك أسعدني
بيت الشعر في توقيعي للشريف الرضي

نهلة محكر 16-06-2012 10:22 PM

كلنا قطرات في بحرٍ ذاخر بالمبدعين

واصل هطولك فينا

الرضي 17-06-2012 05:36 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة هيفاء عبدالستار http://www.sudanyat.org/vb/images/buttons/viewpost.gif
متابعنك ..

حقيقي سعيد بوجودك وتشجيعك ... ربي يسعدك.

عكــود 17-06-2012 06:20 PM

سلام يا الرضي،

أنت تكتب ونحن نقرأ بمتعة ولا نقول عوافي؛
خجلٌ أنا من تداخلي المتأخّر.

كتابة في كامل جيهتها والحيويّة.

كل الوُد.

الرضي 17-06-2012 06:48 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة نهلة محكر http://www.sudanyat.org/vb/images/buttons/viewpost.gif
كلنا قطرات في بحرٍ ذاخر بالمبدعين


واصل هطولك فينا

المبدعة .. والمبدعة جداً نهلة .. استمتعت كثيراً بمدونتك الشعرية .. فقد وهبك الله السهل الممتنع .. ربي يحفظك

الرضي 17-06-2012 06:58 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عكــود http://www.sudanyat.org/vb/images/buttons/viewpost.gif
سلام يا الرضي،
أنت تكتب ونحن نقرأ بمتعة ولا نقول عوافي؛
خجلٌ أنا من تداخلي المتأخّر.
كتابة في كامل جيهتها والحيويّة.
كل الوُد.
سيد الحوش شخصياً ... حقيقي سعيد بمرورك العطر والمشجع ... شاكر كتير

الرضي 17-06-2012 07:06 PM

((( 18 )))

واصلنا مسيرنا كثعبان مثقل بفريسة ضخمة ابتلعها للتو ... وبتوغلنا جنوباً زادت كثافة الغطاء الشجري وكثرت المنحنيات بحيث لم نعد - في أحيان كثيرة - نرى العربة التي أمامنا .. الشيء الذي دفع السائقين إلى استخدام آذانهم لكي يعلموا طبيعة الأرض التي تمر عليها العربة التي أمامهم ... فإذا علا صريخ المحرك علم أن المنحنى القادم يحوي أرض مرنة .. وأن عليه الاستعداد لها حتى لا تنغرز دواليبه في الأرض.

أما أنا فبقيت على حالي بعد ومضة هيروشيما ... متمثلاً أبيات شاعرنا محمد سعد دياب:

إني أراك كأنما لم نفتــرق أبداً......... ولا شطّ المزار ثوانــــــي

تبقى حضوراً صادحاً في خاطري .... فعسى ألاقي مقلتيك عســـــاني

قدر بأن ألقاك تذهل أحرفي .............. وجوارحي قدر بأن تلقــــاني


قدر .. ويا له من قدر سخر مني حتى بانت نواجذه .. أنا المسمى بفارس الحديد، وقلب الحجر أيام الجامعة، وفي العمل حيث الحسان بلا عدد .. أسقط مجندلاً في مسيرة لا تحوي سوى امرأتين إحداهن في عمر الوالدة .. رحم الله من قال: ( ........ يطلعلي أسد).

طارق صديق كانديك 17-06-2012 07:37 PM

يالها من رحلة ويا لنا من محظوظين أن ارتحلنا خلف حرفك الذي بسط ذراعيه بوصيد الروح ولم يدخر شيئاً.. !

فقط مستأذناً أهمس أن عنوان النص "مربك" بعض الشئ وطويل ، ليتك اختزلته بقدرتك التي وسعت كل هذا الجمال.

لك تحياتي


الساعة الآن 11:12 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.