سودانيات .. تواصل ومحبة

سودانيات .. تواصل ومحبة (http://www.sudanyat.org/vb/index.php)
-   منتـــــــــدى الحـــــوار (http://www.sudanyat.org/vb/forumdisplay.php?f=2)
-   -   رحلة .. لا أقوى من فكرة حان وقتها .. ولا أنعم من دواخلك المفعمة بالنغم (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?t=24638)

الرضي 15-06-2012 07:30 PM

رحلة .. (حكاية قصيرة)
 
(((1)))

الطريق إلى أبو رقية:

قضينا يوماً مزدحماً بالتجهيز لرحلة قتلنا تفاصيلها بحثاً على مدى أسبوع كامل... فنحن سوف نغادر إلى حيث لا صلة للمكان بالمدينة ... إلا بما نأخذه معنا من أدوات تعيننا على العيش في تلك الأصقاع البعيدة ... والغائرة في أقصى خارطة البلاد.
ورغم كثرة التفاصيل كان معظم همي هو التأكد من صلاحية وحدة الطاقة الشمسية التي سوف تعمل على تشغيل جهاز الأم بي ثري الذي أحمله معي.. ولا أدري إن كانت زحمة العمل الذي ينتظرنا ستسمح لي بسماعه.

خلدنا إلى النوم مبكرين وصحونا أبكر حيث غادرنا في الثلث الأخير من الليل على أن نصلى الفجر خارج العاصمة ...... ويا لها من متعة أن تصلى في فضاء تلتقي فيه الأرض بالسماء ... فيسكن الخاطر، وتغوص النفس في بحور من الرضا تكشف للإنسان مدى الفقد الذي تكبدته روحه بسبب طغيان حضارة الزجاج والمعدن على حياته.

الرضي 15-06-2012 07:31 PM

(((2)))

واصلنا مسيرتنا - بعد الصلاة - مسرعين حتى نغتنم فرصة برودة الأسفلت وخلو الطريق من الشاحنات.. الشيء الذي يتيح بعض المتعة ومشاهدة المنظر المحيط الذي تتفتح مشاهده مع انبلاج نور الفجر الآتي من شمس لطفت حدتها غلالة من حرير ناعم.

يقولون السرعة قاتلة وهي فعلاً كذلك .. ولكن الإنسان لا يفتأ يغامر ليعيش لحظات إثارة تصارع الملل الذي يجده في حياته.. فبعد تخطي عداد السرعة المئة والعشرون ينتفي القلق وتتناغم النفس مع هدير المحرك.

فهل هناك رابط بين مركز القلق في المخ وصريخ المحرك بعد أن تفتح الفونية (وحدة تغذية الوقود في محركات الديزل) لأقصى حد .. أم إن المسألة مرتبطة بالشعور بالإثارة فقط .. حقيقة لا أدري رغم معايشتي للظاهرة كثيراً في أسفاري المتعددة.

الرضي 15-06-2012 07:33 PM

(((3)))

واصلنا السير .. وبسبب مباشر من السرعة العالية غيرنا خططنا .. حيث واصلنا بدون توقف .. وكانت تفاصيل الحياة الريفية تتابع أمامنا في أبداع إلهي.. اللوحة تلو الأخرى .. فمن شجيرات ترتفع لتشكل سقفاً أخضر مزدهر بزهر أصفر .. إلى قطعان ومجموعات أنعام تشكل مع البساط الأخضر لوحة أبدع الخالق في رسمها.

يا إلهي كم أنعم الله على الإنسان حين وهبه تلك المخيلة المستوعبة للجمال من حوله .. فقد أحسست بدواخلي تنعم بسكينة لم أعهدها في المدينة وحياتها المتسارعة.

هناك فكرة مجنونة تنتابني كل ما طاولت قمم الشاعرية المنيرة .. وهي أن أصبح ومضة تسكن قلب (من أحب)... تفرح بفرحه وتستمتع بنغماته وهو يدق مسارعاً حيناًً.. وهادئاً أحياناً.

(من أحب) يا لها من حالة أعلم بوجودها ولا أعيشها.. فالسياسة قد أكلت عقلي كما يقول أبي، وأفقدتني أي رقة تعطر حياتي التي أحسها جافة إلا من نغمات أعيشها فتسكن روحي إليها كوليد وجد الرحابة في صدر أمه.

هل هو محظوظ من يعيش الحب شلالاً روياً كما يقول الكابلي؟... لا أدري فأنا ما عشت يوماً عشقاً شاعرياً .. وكل ما أعشقه هو أن أثير تساؤلاً وأبحث عن إجابته في أضابير المعرفة المتاحة والمتنزلة.. لعل الله ادخرني لمستقبل أعيشه بعقلي ولا دخل للقلب في مساره.

الرضي 15-06-2012 07:36 PM

(((4)))

عائلتنا تتبدل فيها الأدوار كثيراً.. فأنا ابن جدي، وابنة عمي هي (ابنة أبي) الذي رفض طلب جدي بزواجي منها.. وكان الرفض بحجة إنني أحتاج إلى أم ترعاني وليس زوجة أرعاها، وقالها بوضوح: ".. ولدك ده يا أبوي محتاج أم ترعاه، وليس زوجة يتحمل مسؤوليتها.. ده ثمانية ساعات شغل واتناشر ساعة سياسة وأربعة ساعات يستيقظ بعدها كمن يجر قاطرة.. بتي متعلمة وتستحق حظاً أفضل".

كانت صدمة لي - رغم ارتياحي للنتيجة - فأمامي الكثير من الواجبات التي تفضل مسألة الزوجة والأبناء.. ويبقى السؤال قائماً هل أنا بهذا السوء الذي طغى على عاطفة الأبوة عند أبي.. ورغبته في الخلود عبر ابنه؟.

تلك الرغبة التي أخرجت أبونا آدم من الجنة - لا خرافة التفاحة - كما يقول د. عماد في كتابه (آذان الأنعام) حيث يقول بأن لفظة شجرة في الآية تعني التداخل الجنسي.. الشيء الذي منع منه آدم في جنته ... فأغراه الشيطان بخلوده عن طريق الأبناء والأحفاد.. ولو صبر آدم لشرع له الزواج ولنعم بالأبناء والأحفاد في جنتهم التي أخرجهم منها اللعين.

هذا وبسبب مباشر من زواج ابنة عمي ممن أختاره لها أبي .. أنا الآن أنهب الطريق نحو ريفي حاضرة من حواضر جنوبنا الجديد - بعد أن انفصل جنوب عشناه زماناً ومكاناً - فقد رأى أبي أن أبتعد عن نظر جدي حتى لا أذكره بأمله المنهار وحفيدته التي ابتعدت بزواجها من خارج الأسرة.

الرضي 15-06-2012 07:38 PM

(((5)))

ابنة عمي فتاة رقيقة ... كنسمة خريف عطرة تفاجئك من قلب حقل نضر.. بسيطة بساطة ماء نقي .. كانت في صغرها أشبه بوردة يانعة وسط صحراء يغلفها عمي بطبعه العسكري الكاره للرومانسية ومياصة البنات كما يقول.. الشيء الذي دعا أبي لإبعادها عنه .. وها هو اليوم يبعدها عني ... وبقي عمي مع من تصالح مع طبعه من أبناءه الباقين .. فهل أجد من تتصالح مع طبعي.

دارت هذه الخواطر في رأسي مزاحمة للوحات الطبيعة على جانبي الطريق الذي أمتد بلا نهاية.. وتتابعت الحواضر والأرياف.. غرب رفاعة ومسجدها الذي يرحب بك من البعيد .. مدني السني وخضرتها اليانعة .. الحاج عبد الله التي يجنح خيالك بالتجول داخل بيوتها الأمدرمانية .. سنار وعبق تاريخ أحيائها.. لم نتوقف إلا في الطريق إلى سنجة.. حيث قمنا بزيارة مزرعة عامرة لعائلة أحد العاملين معنا، والذي كان من ضمن ركبنا المكون من ثلاث سيارات من ذوات الدفع الرباعي.. والتي نسميها بذوات الجدي لقفزها المتواصل في الطرق غير المعبدة.

وكان للاتصال أثره حيث استقبلتنا العائلة المضيفة بالشية والمرارة والكثير من الشربوت.. والذي عب منه الجميع بعد خلطه بالمشروبات الغازية .. فبعد الوجبات الضخمة يحتاج الإنسان لهاضمة تكفيه شر الشره الذي تسببت فيه نضارة الطبيعة في ذلك الشاطئ البعيد للنيل الأزرق.

الرضي 15-06-2012 07:40 PM

(((6)))

كنت أعلم عادة أهل تلك المنطقة في ختمهم لوجباتهم ذات الخصوصية باللبن.. ولذلك لم أكل كثيراً بل تعمدت في معظم الوقت التظاهر بالأكل.. الشيء الذي جعلني أنفرد باللبن الطازج الذي تتميز به تلك المنطقة .. هذا فضلاً عن تلك النكهة التي تذكرني بضواحي الدامر.. فأهل الشمالية حتى وإن لم يسكنوها يحنون إليها ويتغنون لها كما خالد الباشا حين يترنم شعراً:

محل سافرت لقيتك شوق ..مشتت في الشوارع ضي

اماسينا البتسهر بيك .. نجيماتنا البتشهد لي

اونس بيك نصايص الليل .. احجيك دندنة وموال

سألت عليك ضفاف النيل

تميراتنا وعصافير الهوى الصداح

لقيتك في عيون الناس

حنين ساكن القلوب مرتاح

بتطلع من حكاياتنا .. وخيالاتنا

يبق نورك مع الفجرية .. علي النخل العزيز أفراح

الرضي 15-06-2012 07:51 PM

(((7)))

الطبيعة هنا غنية غناءً ظاهراً ولكنها لا تعدل الحنين الذي تبثه قري النيل في شمالنا الحبيب.. لعل شخصية المكان هي التي تؤثر في مشاعرنا.. وإلا لما ملأ شعراء الشمال دنيانا شعراً.. الشيء الذي لم يفعله ساكني غنى الطبيعة في الجنوب.. ورحم الله حميد حين قال:

لا بي إيدك تمنع قلبي .. ولا قلبي كمان بي ايديا

ودعتنا الأسرة المضيفة في احتفالية تعلم ما نحن مقبلين عليه من مشقة ومواجهة لانفلات أمني في طريق (أبو رقية) حيث ينعدم الأسفلت والأمان.. في مسيرة محسوبة ومحمية بواسطة أطواف من الأمن والجيش.

الرضي 15-06-2012 07:52 PM

((( 8 )))

الإندفاعة الأخيرة لعاصمة الإقليم كانت متواصلة وكان الكل متشوقاً لأن يغادرها متى يصلها .. حتى تتواصل مسألة مفارقة المدنية... ولا ندخل في حالة كر وفر، فالنفس إن عايشت وضعاً ألفته.

دخلنا المدينة ظهراً وتوجهنا لاستراحة الشركة التي كانت تمور بالحركة لتجهيز باقي الطوف المغادر معنا ... شاحنات عامرة بالتقاوي، ومؤن العاملين بالمشاريع ... تناكر مواد بترولية .. شاحنة مدمجة (شبه عسكرية) لمساعدة العربات التي تنغرز في الرمال أو الطين.

الرضي 15-06-2012 07:55 PM

((( 9 )))

لم تتح لنا فرصة للراحة، حيث علمنا بأننا سنغادر فجر الغد .. الشيء الذي جعلنا نراجع كشوفات الحمولة .. وجاهزية العربات لرحلة في طرق وعرة ومليئة بمجاري المياه والوديان.

واصلنا العمل والمراجعة دون كلل .. لأن كل ذلك يجب أن يتم قبل آخر ضوء ... وفي أثناء عملي تقدم منى العم عبد الرحمن - وكنت قد تعرفت إليه حين حضوره للعاصمة للاستشفاء – وقال لي شحنت لك سرير ختري .. وحين استفسرت عن مواصفات هذا المخدع الختري .. قال لي هو عنقريب وأربعة براميل .. يتم استخدامه للنوم وسط المزروعات في حالة ما كان المعسكر - في المشاريع الطرفية - مستهدفاً من الشفتة.

شكرته وتذكرت مقولة طه حسين الشهيرة: (المثقف الحقيقي هو كل من يحسن التعايش مع محيطه .. وليس الأمر متعلق بتحصيل العلوم) ... ويا لها من ثقافة .. (مشاريع طرفية .. شفته .. سرير ختري).

الرضي 15-06-2012 08:00 PM

(((10)))


عند الغروب ولت الشمس مودعة .. وكذلك قوانا المنهكة أصلاً بسبب السفر والعمل .. صلينا المغرب وانتظرنا آذان العشاء بآخر نفس حيث غرقنا في نومة أظنها بدأت أثناء الصلاة .. فقد ظللنا في حركة دائبة لمدة ستة عشر ساعة متواصلة.

استيقظت مبكراً .. وخلدت إلى تفكير جدي - ساعدني عليه الهدوء الذي يلف المكان – حول أمانة التكليف ونشر ثقافة: السيطرة على الروح .. والتحكم في القدر .. والخيرية على المجتمعات المجاورة ... وهل في الإمكان ذلك والعمر محدود .. عليَّ أن أعمل جهدي راجياً توفيق الله سبحانه وتعالى.

قدموني للصلاة فقرأت عليهم آيات سورة السجدة ... التي تقول بأن الروح نفخت في آدم وهو حي يرزق ... وأن لا علاقة مباشرة للروح بالحياة والموت .. وكما هي العادة لم تحرك فيهم الآيات ساكناً فقد تعامل معظم المسلمين منذ زمان بعيد مع آيات القرآن الكريم ... كدابة تحمل كتاباً لا تدري ما بداخله.

مي هاشم 15-06-2012 08:05 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الرضي (المشاركة 465904)
(((1)))

الطريق إلى أبو رقية:


تحية طيبة أيا الرضي

من العنوان الجانبي..أظنها رحلةً للمدينة المنورة..على ساكنها (أبو رقية) -ما يحلو لكثير من السودانيين - أفضل الصلاة وأتم التسليم..
فهل هي كذلك..أم أنني (بعرض برة الدارة؟)..:)

استمتعت جداً بالقراءة..وسأعود للتصويرك الجيب لتفاصيل الرحلة..

شكرا يا الرضي

الرضي 15-06-2012 08:24 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مي هاشم http://www.sudanyat.org/vb/images/buttons/viewpost.gif
من العنوان الجانبي..أظنها رحلةً للمدينة المنورة..على ساكنها (أبو رقية) -ما يحلو لكثير من السودانيين - أفضل الصلاة وأتم التسليم..
فهل هي كذلك..أم أنني (بعرض برة الدارة؟)..:)

تحية طيبة مي
أبو رقية مدينة سودانية في أقصى شرق جنوبنا الجديد في أتجاه الحدود الإثيوبية ... ولا أستبعد أن تكون مسماة على الرسول الكريم فأهل تلك المناطق يغلب عليهم التصوف ... سعيد بمرورك العطر .. وشاكر للتشجيع.

الرضي 15-06-2012 08:30 PM

(((11)))

بدأنا مسيرنا على ضوء السيارات فقد صلينا الصبح بغلس لم نمكث بعده كثيراً .. وسرنا ببطء شديد بسبب انضمام شاحنات التقاوي منخفضة السرعة .. ولكن الطبيعة الجميلة التي بدأت تشف عنها غلالة الفجر الناعمة جعلنا نتناغم مع المنظر المحيط.
قال لي مرافقي عثمان: "منظر يرد الروح" انتهزت الفرصة وقلت له: نعم ولكن هل تعلم بأن الروح ليست سبب الحياة.. ولا علاقة لها بالموت.. فالروح هي التي تحس بالجمال .. وتتلقى الفيوض الرحمانية، والوسوسة الشيطانية ... فنظر إلي باستغراب وقال لي: إن كانت الروح ليست سبب الحياة .. فلماذا يموت الإنسان حال مغادرتها للجسد؟!.

فقلت له لعلك لم تنتبه لآيات سورة السجدة التي قرأتها عليكم في صلاة الفجر اليوم .. فقال: بل أحفظها عن ظهر قلب ... فقلت له أقرأها علي .. فقرأها فأوقفته عند الآيات: ((وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ)) * ((ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ من مَّآءٍ مَّهِينٍ)) ... وقلت: " هذه الآيات كما فسرها د. عماد وهو طبيب سوداني يعمل في لندن .... تقول بأن الإنسان بدأ خلقه من طين ... وصار كائن حي ومتناسل".

ثم طلبت منه أن يواصل فقرأ: ((ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ)) .. فقلت له: وهذه الآية تقول بأن ذلك الكائن الحي المتناسل.. تم استعداله (سواه) ليقف على قدمين .. ونفخت فيه روح كان حياً من قبلها.

أحسست بعثمان ينكمش بعد أن تحفز لتفنيد قولي.. عبر ما يحفظه من تفسير (ابن كثير) لقصة خلق آدم من ذلك التمثال الطيني الشهير ... دام الصمت بيننا لعدة دقائق قال لي بعدها .. كأنما أسمع هذه الآيات لأول مرة .. فقلت له هكذا أرادنا الشيطان .. دواب تحمل كتاباً تنال بموجب حمله الجزاء ... ولا تفقه ما بداخله.

الرضي 15-06-2012 08:36 PM

(((12)))
صمتنا متابعين لمنظر نسوة يحملن أدوات قطع القش في الطريق إلى عملهن .. فغيرت الموضوع سائلاً .. كم مرة وقعت في الحب يا عثمان .. فأجابني: كثيراً .. فسألته: وماذا كنت تفعل ... فقال: لا شيء أقرأ سورة يوسف .. فقلت له وهل تقرب إليك المحبوبة .... ضحك وقال لاااااااااااا بل تشفيني مما بي ... ضحكت وقلت له: لو علم ناس الخرطوم وصفتك هذه .. لما تزوج أحد منهم.

ضحك عثمان وسألني: وهل المرأة عندكم شريرة إلى هذا الحد .. فقلت لاااااااا ولكن تبعات الزواج في العاصمة كثيرة ولا تنتهي .. تواصل الطريق متعرجاً بسبب كثافة الغطاء الشجري في المنطقة .. وحكى لي عثمان عن سفرياته السابقة للمشاريع. وعن الحياة في المعسكرات وكيف إن الحياة فيها بدأت تختلف عن ما كانت عليه في الماضي.

الرضي 16-06-2012 10:00 AM

(((13)))

توقفنا عند العاشرة صباحاً في سهل صغير .. بعد خمس ساعات من السير المتواصل في طريق وعرة ..... ورغم بطء السرعة ولكن القفز المتواصل للسيارات - المعدلة مخففات الاهتزاز فيها بحيث تصبح أقل مرونة وأكثر قوة - يخلق شعوراً غير مريح للراكب .. الشيء الذي جعلنا نرحب بهذه الاستراحة بشدة.

وصاح أحد الخرطوميين المخضرمين: .. دقداقة تفك الريال تعاريف .. فأجابه آخر: لا بل تقطع الخلف كما يقول أهل مصر .. ضحكنا في الاثنين ... ولكن لأنشغالنا بتهيئة مكان للجلوس على الأرض الثابتة لم يتواصل المزاح.

خلد الجميع للراحة عدا عن ثلاثة ... رجل وامرأتان انشغلوا باعداد الطعام .. وكانوا بعيدين بحيث لم ألق لهم بالاً ... واستمر عثمان يحكي عن حال المشاريع قبل دخول الشركات ساحتها .. وكيف إن التجار كانوا يستثمرون مساحات صغيرة .. وكانوا يجازفون بحراسة مزروعاتهم دون رفيق مع وجود الشفتة والنور (النور مع تعطيش النون) .... الشيء الذي أنبت فكرة السرير الختري.

كلام عثمان الأخير أدخلني في تفكير عميق حول زمان كانت فيه الذرة في مناطق الإنتاج أرخص من جوال الخيش الذي يحملها .. وكان السبب في ذلك رجال لم يهابوا بنادق الشفتة .. ولا الخسائر بسبب عدم هطول المطر ... فهل يحق لأحد أن يغتصب جهدهم هذا بسبب الفقر الذي يعيش فيه البعض ..... والذي قد يكون مسبباً بعدم الرغبة في الكسب.


الساعة الآن 11:55 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.