عن.. الشـهر الذي كنتُ فيه شخصاً مهمّاً... (توثيق)...!!
عجيب هو أمر الاسفير الذي يجعل شخصاً لا علاقة لك به من قبل؛ ينافس نفسه في الاحتفاء بك، مساعدتك وتيسير أمرك، لا لشيء سوي أنّك جاورته يوماً ما في جنبات هذا الاسفير.
حين تأملتُ سيرة سودانيات؛ أدركتُ يقيناً أنّ خالد الحاج لم ينشيءْ منتديً للحوار، بل صنع مدينة بناسها وحيواتها وعلاقاتها الحقيقية الحميمة، ولو لم يقمْ منتدي سودانيات بشئ سوي هذا الأثر الاجتماعي الممتد؛ لكفاه، فالتنوير ليس هذه المفاهيم أو تلك الأفكار، التنوير هو هذا السلوك وتلك المعاملة، والوعي ليس بالتحقق من شروط أخري سوي شروط الانسان. سودانيات جعلتني أغتني بالمعرفة الاجتماعية، أضافت لي رصيداً اجتماعياً لا يُشتري، فربّ شخصٍ يكتب وتتداخل معه في كتابته، سوي أنّك لا تعرفه ولم تقابله من قبل قط، ولكن بمجرد ملاقاته، تسقط كل الجدُر والحوائط، كقصيدة غنائية وصلت لأيدي ملحنين ومغنيين يدركون قيمتها. وتلك ميزة سودانيات ومعناها. لوهلةٍ بدا لي أنه ربّما يجدر بالجميع ملاقاة الجميع، فبعض المساحات الجميلة لأعضاء سودانيات، لا تفصح عنها كتاباتهم، قريباً من قول علي بن أبي طالب (أفضل الزهد، إخفاؤه). |
راسلته قبل سفري لأخبره بأنني سأكون في دبي نهاية ديسمبر، لذلك فإنني استفسر عن وجوده في الامارات في تلك الفترة. ردّ علي قائلا: ما فرَقتْ لو أنا في ولّ مافي، السكن موجود، العربية الخاصة والسواق الخاص البوديك مشاويرك موجود، بس وإنت ماشي علي المطار، أدينا خبر)! زول مختلف باعترافه، أقصي أمنياته في الحياة حسب إفادته، أنْ يكون مفيداً للآخرين، شخص قلق، يحب الغلاط لدرجة الهوس، أوّل ما أوصاني به ياسر كبوش هو (بابكر دا لو دايرو يتكيّف منّك؛ غالطو في أيّ حاجة بقولها). يستمع بإهمال حتي لتظن إنّه لا يستمع إليك، لا يستطيع البقاء في مكان واحد لفترة طويلة، يتحرك كثيراً هنا وهناك ما يعطي انطباعاً بأنه يبحث عن شيء ما، شيء لا يدري كنهه، خلا أنه يدرك حوجته لذلك الشيء، مثل رسّام انتهي من رسم لوحته ووقف يتأمّلها حائراً وكأنّ هناك شيئاً ناقصاً نسي رسمه. في حديث لي مع خالد غالي، قال لي (ياخي أكتر حاجة مكيفاني في بابكر دا إنو بحب مهنتو دي حب شديد). سطر: بابكر الكاتب؛ بعد ملاقاتي واستماعه لنصائحي الأدبية :smile:؛ لمستُ فيه رغبة جادّة في الاهتمام بمشروع الكتابة الأدبية، بدا ذلك واضحاً في إنزاله لنص (بيت النمل) المنشور بسودانيات، بمنبر سودانيز أونلاين بعد تعديل عنوانه الي (ترتكتور جوندير). |
الرّجل الذي لا يتغيّر، الذهب يا عكود يظل ذهباً بداخل الارض أو خارجها، عكود يظل مبتسماً في وجهك بشكل دائم في كل أحواله، كأنه يخشي أنْ يخدش سلامك الداخلي وأنت في حضرته. من لم يجُدْ عليه الزمان بابتسامة عكود الدائمة، فقد فاتته حصّة في رسم الزهور والفراشات وأعشاش الطيور. ما يزال وصفي له قبلاً جديراً ولائقاً به: اقتباس:
|
شاب يظنه الناس عجوزاً، أوّل ما لاقاني بادرته قائلا: يا دكتور ما عرفتني صاح؟ أنا الرشيد، حينها التفت لعكود قائلا: عاين دا بالله؟ قال ما عرفتني قال!!، ثمّ التفت إليّ قائلا: ياخي أنا من شناتك دي عرفتك، تقول لي ما عرفتني؟!!:biggrin: بادرته بضحكة: يا دكتور ياخي أنا قلت يمكن بعد السنين دي اتغيرتَ وبقيت وجيه شوية، فردّ علي قائلا: لالا، إنت زول أصيل وملتزم بمبادءك، أصلك ما بتتغيّر!:biggrin: ثمّ التئم جمعنا علي طاولة قهوة حبشية بمكانه العامر. يتحرك بخفة ورشاقة لا تتناسبان وعمره الذي يقول به الناس (وتُقرأ الحُسّاد). زول ونّاس وحكّاي، إدّعي أنه أصغر عمراً بكثير من رأفت ميلاد وفتحي مسعد، ذاكراً أنّ الفرَقة الزمنية بينهم كبيرة. إحتفي بيَ كثيراً، وكان مُصرّاً علي أنْ أبقي معه لأيّام ولكن الزمن لم يكن يسمح بذلك. خرجنا منه بيقين أنّ بابكر مخيّر ليس (زول جميل)، بل أكثر جمالاً. |
حين وصلتُ الإمارات، استلمتُ رسالة في الواتساب من عضو بسودانيات، مفادها (خالد غالي في دبي، راجل جدع وممتاز جداً، اتواصل معاهو علي مسؤوليتي)! يشبه الافندية الذين في مخيلتي، حياته مرتبة، يحب الاشياء التي لا يلقي لها الآخرون بالاً، فيه سمات طفل لم يزل، مختلف الاهتمامات والطباع، حبّوب بشكل يغري بمصاحبته، يشبه كثيراً صورة الأخ الشقيق، أكثر ما يلفت الانتباه فيه، حماسه غير المشروط للحياة، كشخص يعلن استعداده لإمتحانٍ ما دون أن يدري طبيعة الموضوع الذي ستدور حوله الاسئلة، ومثل هذا الحماس؛ حتماً سيفضي إلي أجوبة مثيرة وغير تقليدية. له مقدرة كبيرة علي الدخول الي قلبك ومصادقتك دون حتي أن تكتشف من هو، حياته بسيطة، تبدو كأنها تصل حدود السذاجة ولكنها بؤرة لفرح يشتعل وقناعة متحققة. مشيته تشبه مشية ساعٍ لمسجد يحاول إدراك ركعة أخيرة، له ضحكة تتكاثر لأسباب مختلفة، بصورة أوضح، له ضحكة ثرثارة تصبح مُعدية كلما مضت الإلفة بينك وبينه بعيداً. |
تراه فتدرك أنه فقد شيئاً ثميناً في حياته. كشاعر لا يملك إلا قصائده؛ تترقق عيناه للحنٍ أو ذكري، حين يحكي لك عن ماضيه؛ تخشي عليه من العَبْرة، طريقة نطقه للكلمات، تجعلك تخمّن أنه سيبكي حالما ينتهي من حديثه، ينتابك يقين وأنت بحضرته؛ أنّ المغترب عن بلده كالفاكهة التي تُرش بالماء، قد تبدو زاهية ونضرة، خلا أنّ شيئاً في المذاق ليس علي ما يُرام، وتلك نتيجة متوقعة حين تواصل الاشجار نموِّها تحت شروط مختلفة، طقس غير ملائم وشمس غير صديقة لتنجب ظلاً باهتاً، والظلُّ ليس عملية حجب الشمس؛ بل احساس يتعلّق بالطمئنينة والسلام. أقول إن مذاقها يتغيّر، إذ لا يتعلق الأمر بنضارة الفاكهة بقدر ما هو بطعمها وطبيعة أنساغها. حين تمعنت في حياة كبوش؛ تذكرت وصف الفقيه لأحد اصدقائه: "كان انساناً بالغ الرهافة، وعندما أجده بجواري يحتسي قدح الشاي وقد استخدم يديه الاثنتين ممسكاً به يخشي أن يسقط منه فوق السطح؛ أشعر بمدي رقته وأحس بأنه طفل كان يجب أن ترافقه أمه لتعتني به". ذلك هو ياسر كبوش، أنيقا في مظهره في غيرما تكلف، ابتسامته تزيده بهاءا ورقة. الغربة صنعتْ منه شخصاً آخر، شخصاً لا يصادق غير الحنين والاغنيات، تألفه بمرور الوقت فتدرك فداحة الغربة وأيّ أعطاب تخلقها في النفس البشرية، أمنيته الوحيدة كما قال لي، هي العودة إلي السودان ليصبح (سوّاق لوري) في الشمالية، فيا لها من أمنية صعبة المنال! إنها مأساة أن تصبح حتي الاشياء العادية أمنيات! |
أخيراً:
شكراً عكود لو تكفي، فأنت لم تزل مثلما عهدتك، كبيراً وشاسعاً كالبيوت العامرة المضيئة. شكراً أبوبكر عباس الكاتب النبيل "فعلا"، والكتابة قد تكون بترك انطباع وأثر في الآخرين. إبق حيث أنت، في زمرة الذين يحملون الأعباء، يصنعون التقدّم ويخدمون الحياة. شكراً صديقي ياسر كبوش، لم أقل لك حين تسائلتَ عن سر عدم اندهاشي بالمدينة، بأنّ الانسان الذي فيك هو ما فعل. وأذكِّرك بأننا الاثنان ننتمي لذات الذاكرة المثخنة، غير أنّ الغربة تأكل قلبك بلا ذنب. شكراً يا غالي يا فردة، الوقت معك كان به كثير من الطمئنينة والسلام، تمنيته لو طال، سعدتُ كثيراً بك، أنت إضافة وعلامة فارقة لكلِّ من يتعرّف بك. مضي عليّ زمان طويل جدّاً قبل أن أتعرّف علي شخص أثار حماستي للحياة مثلما فعلت. شكراً جميلاً بابكر مخيّر، نعم؛ يحدث أن نلاقي شخصاً حميماً بشكل مفاجئ فيترك فينا من لونه وشماً وشارة. سعيد جدّاً بالتعرّف عليك، فمن يلاقيك، يختبر نفسه تحت شروط أخري (كما يقول أحد أصدقائي)، وذلك سر اختلافك. ثمّ: يرهق الانسان نفسه في البحث عن الخلود، كلما تمر الأعوام، ينظر لنفسه فيكتشف أنه لم يعد صغيراً منذ زمنٍ طويل، ولكنه لا يهدأ، لا يعترف بزمان ولا غضون، ولا يبالي بإعياء أو وهن، ولكن الخلود ليس في طول البقاء في الحياة، بل في قيمة الانسان في الحياة، لذلك، خالد الحاج بيننا لم يزل. |
اعتذار:
لباقي بورداب الامارات الذين لم تسنح لي الفرصة بلقاءهم واخص صديقنا الزوول باعتذار صادق، عسي ولعلّ نتلاقي يوما من الايام. بعد المسافة وأشياء أخري كان عائقاً، ولكن، الجايات أكتر:smile: تحياتي للجميع |
الرائعون وحدهم يعزفون بمثل هذا الحرف والتغني، ولو أنك ما وجدت رفقتهم كما تكتب،لما هطلت عليك عناقيد الحروف البهية رسماً لهم وعزفاً على وتر الحنين.
ــــــــــــــ شكراً يا رشيد على هذا الحرف الرشيد، وشكراً لمن التقيتهم فرداً فرداً، ورحم الله الأخ خالد الحاج. |
ما في أي تعليق أقدر أقولوا ...غير
المراية دواخلك الجميلة النقية ذات المجسات الحساسة لإلتقاط الجمال إين ما كان هي المراية التي إنعكس عليها جمال هؤلاء الكرام فهنيئاً لمن كنت صديقه وهنيئاً لمن كنت بجواره تحياتي |
حاجز بنبري غايتو
|
كيف تتداخل مع بديع يكتب عن جمال الناس ؟
|
لو لم يقمْ منتدي سودانيات بشئ سوي هذا الأثر الاجتماعي الممتد؛ لكفاه،
دي آثار ياالرشيد ياخي وليست أثر... ... حري بجمال هذه المشاعر أن ينسكب على الأحرف فيهبها مابنبغي من عطر... وياالرشيد طالما كانت (ليلة القدر) خير من ألف شهر فشهرك دا حقيق به أن يحسب ليك ليلة قدر=83 عام و3شهور (من الاهمية) :smile: |
رشيدنا ياصديقي الجميل
شكرا على كلامك اللطيف ولو ما انا عارفك انسان مرهف الاحاسيس ورومانسي حالم، كنت صدقت كلامك ده واصابني الغرور زيادة على العندي :biggrin: والف رحمة ونور على قبر خالد الحاج، فلولاه ما كان حايتاح لي في اي يوم من الايام فرصة التعرف على من هو مثلك شكرا يا فردة ونشوفك قريب ان شاء الله :cool: |
يستمع بإهمال حتي لتظن إنّه لا يستمع إليك، لا يستطيع البقاء في مكان واحد لفترة طويلة، يتحرك كثيراً هنا وهناك ما يعطي انطباعاً بأنه يبحث عن شيء ما، شيء لا يدري كنهه، خلا أنه يدرك حوجته لذلك الشيء، مثل رسّام انتهي من رسم لوحته ووقف يتأمّلها حائراً وكأنّ هناك شيئاً ناقصاً نسي رسمه.
... غايتو يابكة... النص دا انا ختيت قدامو صور العديد من (الكتاب والأدباء والمفكرين) العالميين ولقيتو (لافق) معاهم و(متسق) تماما... العقاد شوبنهاور فولتير كانط فريدريك نيتشة باخ : (بالنسبة للذائقة الموسيقية الباذخة) بلزاك :(بالنسبة لموهبة الكتابة الروائية) وسواهم كثر... ف حقو تشكر الرشيد دا وتثمن (زاوية رؤيتو) :biggrin: |
| الساعة الآن 03:03 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.