تراه فتدرك أنه فقد شيئاً ثميناً في حياته. كشاعر لا يملك إلا قصائده؛ تترقق عيناه للحنٍ أو ذكري، حين يحكي لك عن ماضيه؛ تخشي عليه من العَبْرة، طريقة نطقه للكلمات، تجعلك تخمّن أنه سيبكي حالما ينتهي من حديثه، ينتابك يقين وأنت بحضرته؛ أنّ المغترب عن بلده كالفاكهة التي تُرش بالماء، قد تبدو زاهية ونضرة، خلا أنّ شيئاً في المذاق ليس علي ما يُرام، وتلك نتيجة متوقعة حين تواصل الاشجار نموِّها تحت شروط مختلفة، طقس غير ملائم وشمس غير صديقة لتنجب ظلاً باهتاً، والظلُّ ليس عملية حجب الشمس؛ بل احساس يتعلّق بالطمئنينة والسلام.
أقول إن مذاقها يتغيّر، إذ لا يتعلق الأمر بنضارة الفاكهة بقدر ما هو بطعمها وطبيعة أنساغها. حين تمعنت في حياة كبوش؛ تذكرت وصف الفقيه لأحد اصدقائه:
"كان انساناً بالغ الرهافة، وعندما أجده بجواري يحتسي قدح الشاي وقد استخدم يديه الاثنتين ممسكاً به يخشي أن يسقط منه فوق السطح؛ أشعر بمدي رقته وأحس بأنه طفل كان يجب أن ترافقه أمه لتعتني به".
ذلك هو ياسر كبوش، أنيقا في مظهره في غيرما تكلف، ابتسامته تزيده بهاءا ورقة. الغربة صنعتْ منه شخصاً آخر، شخصاً لا يصادق غير الحنين والاغنيات، تألفه بمرور الوقت فتدرك فداحة الغربة وأيّ أعطاب تخلقها في النفس البشرية، أمنيته الوحيدة كما قال لي، هي العودة إلي السودان ليصبح (سوّاق لوري) في الشمالية، فيا لها من أمنية صعبة المنال! إنها مأساة أن تصبح حتي الاشياء العادية أمنيات!