سودانيات .. تواصل ومحبة

سودانيات .. تواصل ومحبة (http://www.sudanyat.org/vb/index.php)
-   منتـــــــــدى الحـــــوار (http://www.sudanyat.org/vb/forumdisplay.php?f=2)
-   -   حدث ذات مرة في العيد/نص روائي(نصيحة لا تقرأ هذه القصة)- الفصل الأخير وصل-انتهت القصة (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?t=3898)

أحمد أمين أحمد محمد 16-11-2006 05:54 PM

حدث ذات مرة في العيد/نص روائي(نصيحة لا تقرأ هذه القصة)- الفصل الأخير وصل-انتهت القصة
 
تمهيد :

هذه القصة قصة حقيقية…
أو غير حقيقية…
بعض أحداثها قد حدث بالفعل..
وبعضها لم يحدث.. ولكن الضرورة الدرامية حتمت إدخالها..
قد أكون أنا بطلها… وقد لا أكون…
ضعها في عقلك كيفما يتراءى لعقلك..
المهم أنها في النهاية تحمل ذلك الطعم الأليم..
طعم الحزن المرير…
مقدمة :

كنت قد كتبت هذه ال… ال.. لنقل الخاطرة في آخر آيام شهر رمضان الكريم , وقد أزعمت أن أنشرها في أول أيام العيد.. ولكن لأسباب سترونها حالا ً رأيت أنه سيكون عمل غير إنساني بالمرة… لذا قررت تأجيلها حتى تنتهي أفراح العيد التي يستمتع بها كل العالم والكون إلا العبد لله...

تحذير :

قراءة هذا العمل مضرة بالصحة العقلية وتؤثر بشدة على الإتزان النفسي لقارئها... لذا أسدي نفسك معروفا ً وانتقل للبوست التالي مباشرة .. وقد أعذر من أنذر..

----------------------------------------------------------------

" كل عام وأنتم بخير يا أبوحميد…! "
تمتمت شفتاي برد خافت غير مفهوم للعبارة أعلاه... لا أعتقد أن المتصل نفسه قد فهم ما قلته له .. إلا أنه قد إختار المعنى الذي يريده لأنه دعا لي بالعروس الصالحة بعد ذلك....
وضعت سماعة الهاتف متنهدا ً في ضيق... هذا هو الشخص السابع الذي يتصل بي ليهنئني بالعيد , وكلهم يتكلمون معي في حرارة و مشاعرة متدفقة كأنما أنا أعرفهم منذ دهور وغارق في هواهم لقرون بينما أنا لا أذكر من هم أساسا ً...
أتمطى في كسل كقطة فرغت من شرب إناء عملاق من اللبن... أعتدل في رقدتي فوق الفراش.. أتطلع إلى السقف لأرى (عنكب) .. صديقي العنكبوت الأسود اللطيف , الذي يدخل غرفتي كلما هطلت الأمطار... أسأل نفسي للمرة المليون : هل من الحكمة النهوض من الفراش أم لا ؟
تررررررررن ... ألو ؟... " كل عام وإنت بخير يا حمادة.. تعود الأيام.. إن شاء الله السنة الجاية عريس..."... أرد نفس الرد الغير مفهوم أو منطقي .. وأضع السماعة في قرف....
أتثاءب في عمق... تحدث المعجزة فأنهض من السرير في بطىء كديناصور تم بعثه حيا ً ... أتجه ناحية النافذة... أفتحها لأتطلع للأمطار الهادئة وهل تبلل الشوارع ... بينما لا تزال تتردد تكبيرات العيد من الجوامع المجاورة.....
إنها – كما يبدو – آخر أيام الخريف الحبيب... صديقي الوحيد يلفظ الآن أنفاسه الآخيرة...
لكم أحب هذا الفصل بشدة.... هل سمعتم أغنية الكاشف العبقرية (المقرن في الخريف) ؟... لا ؟ .. إذ لابد أن تسمعوها...
ماذا ؟ .... أتسألون عن فصل الربيع ؟ .... أظن أنني قد قلت لكم سابقا ً أنني أكره كالموت.. ولاأزال عاجزا ً عن فهم أو إيجاد الرومانسية التي يقولون أنها تتواجد فيه دون سواه.. يكفيك فقط أنه الفصل الذي يحتضن شرف أن تأي الإمتحانات دوما ً خلاله.. صحيح أن جو الإمتحانات المخيف هذا لا يعنيني بشيء الآن , لكنه يسمم الجو بما يكفي بحيث تتقلص أمعاؤك كلما فتحت النافذة أوالشرفة.... لترى ذلك الطالب يقف بالفانلة الداخلية في الشرفة ممسكا ً بكتاب عملاق وهو يحك رأسه محاولا ً إيصال بعض الدم إلى مخه المكدود... انظر لليمين لترى بنت جارتك الشابة تجلس على الأرض منكوشة الشعر وهي لا تنفك تحملق في الأفق محاولة تذكر مساحة (كوستاريكا) ... أضف لهذا أغنية سيلين ديون (a new day has come) خارجة من المذياع ليكتمل الجو الجدير بأفلام الرعب...
لا من فضلك... احتفظوا أنتم بربيعك الكابوسي هذا واتركو لي خريفي الحزين الجميل... ذلك الفصل الراقي العذب الذي لا يلبس المايوه ولا يعطس في وجهك , ولا يتنهد في هيام وهو يقطف الورد من المرج....
أعتذر للمرة المليون لتعذيبكم بنشرة الأحوال الجوية المملة هذه.. ولكن من يتابع أعمالي – وهم ليسو بكثر بالمناسبة – يعرف ثلاثية (الخريف – السجائر - الإكتئاب) الشهيرة التي تميزها ..
ترررررررررررررررررن ... ألو ؟.. "كل سنة وإنت طيب.. السنة الجاية بأولادك يا صديقي"..
أرمي سماعة التلفون من يدي... وأعود لنافذتي المفتوحة كقلب صديق.. أرتشف الشاي البارد التي قمت بغليه منذ يومين أو ثلاثة ... ألتقط نفسا ً عميقا ً تلو الآخر مدخلا ً أنسام الأمطار الباردة إلى صدري... بينما لا تزال التكبيرات تتردد في إصرار محبب..
إنه العيد... لماذا لا أشعر بالفرح والحبور المتوقعين في هذه المناسبة التي تدخل البهجة على قلوب كل المسلمين وغير المسلمين حتى وإن كانت قلوبهم سوداء كالليل بلا أقمار...؟؟!!!!
أين تلك السعادة البريئة واللهفة الغامضة والإرتجافة المقدسة التي كانت تعتريني كلمل قدم العيد...؟
أين ذهبت أيام إرتداء الملابس الجديدة ومسابقة اخوانك وأصدقائك للجامع لأداء فريضة الصلاة...؟
مالذي حدث لتلك الأيام التي كنت أستمتع فيها – حقا ً – بزيارة الأهل والأقارب وأكل حلوى البونبون المشحمة تلك , التي تلتصق بالأصابع محيلة حياتك إلى جحيم حقيقي .. ولكن بالرغم من ذلك تشعر بالسعادة تماما ً كخنزير في بركة وحل.. أو دودة في مقبرة جماعية... أو لنقل كطفل في متجر حلوى (إن كنتم قد كرهتم التشبيهات الصادمة السابقة)...
رباه... أين ذهبت أيام العيد القديمة السعيدة... عندما كنت طفلا ً صغيرا ً لا يزال يحب الحياة في براْءة الأطفال الساذجة إياها ... عندما كنت أعود من الجامع لأجد أبناء عمومتي وأصدقائي في إنتظاري ... (وليد) صديقي الحميم وتوءمي من أم أخرى... الذي كانت روحانا على نفس الموجة وكل شيء يدل أن صداقتنا هذه لن يقرقها إلا الموت .. (إنتهت أو لنقل بردت هذه الصداقة فور دخولنا مرحلة البلوغ)... (عمر حسن) ود (النشيشيبة) الرائع... الرقيق إلى حد الأنوثة ..الرحيم إلى حد الخنوثة.. الذي كان من طراز الشباب الذين أعدهم أهلهم لعالم لا وجود له.. عالم مفرداته هي (من فضلك – عفوا ً – أستميحك عذرا ً – شكرا ً).. وتكوينه الجسدي – عندما رأيته لآخر مرة – كان مفاربا ً لتكوينه النفسي.. فهو كان بدين نوعا ً .. متراخ..تشعر حين ترى وحهه أنك تنظر إلى وجه بقرة مسترخية راضية بما حولها من عشب...(آخر أخبار سمعتها عنه أنه يعمل كحارس أمني في شركة بشيكاغو)... وهنالك أيضا ً (سامر) الخبيث , الذي له نظرة تجعل اللبن يتغثر في الإناء , وكان حذاؤه ثقيلا ً وقدمه أثقل حتى تذكرك ركلته بركلات البغال (مسجون سياسي حاليا ً)... و هنالك (عزو) و(خالد) و(هشام).. و.. و.. و..
كنت أعود من الجامع بعد الصلاة , وإنتهاء مهمة تجميع العيديات (والتي غالبا ً ما كان عمي كمال يستولي عليها بوضع اليد , لشراء الدخان له ولأصحابه) , لأجد وليد وعمر ينتظراني عند الناصية ... بعد قليل يصل عزو ممسكا ً بيد أخته التوأم عبير الصغيرة المشاكسة.. بعد قليل يظهر سامر ومعه أخته الكبرى فاتن من بعيد.. لا تقول لنا شيئا ً بالطبع لكنها تطلق سراح أخيها المشاكس ليجري لاحقا ً بنا ... يستدير الأولاد مبتعدين ناحية نادي الحي , بينما أتوقف أنا لحظة متظاهرا ً بأن رباط حذائي مفكوك.. الحقيقة أنني أنحني لأفكه وأربطه ثانية إلى ان تظهر (بسمة) – الحب الأول والأخير – قادمة من البيت المجاور.. بشعرها الطويل وعيناها الواسعتين وابتسامتها الجميلة التي تدل على حب بريء للكون..... نظرة عابرة تشعرني أن الكةن بخير والأفلاك بحالتها ثم أستدير لألحق بالأولاد... بينما تتأبط بسمة ذراع فاتن وترحلان مع بقية البنات نحو عالمهما القصي البعيد.. نادي نحو نادي سيدات الحي حيث تجلس صانعات الأحلام معا ً .. بينما نحن هناك في نادينا نضرب بعضنا حتى الموت , ونتمرغ في الرمال , ونتبادل الشتائم طيلة الوقت......
تررررررررررررررن ....
يرتفع صوت الهاتف لينتزعني من رحلة إبحاري في محيطات الذاكرة..... ألو ؟ ....
"العيد مبارك عليك يا أحمد ... السنة الجاية تقضيهو مع عروستك "
أعيد السماعة وأنا أسب جراهام بل بسبب إختلااعه لهذا الجهاز السخيف , ودعيت له بالخراب والعقم معا ً ....
أشعل لفافة تبغ (هي الأولى في هذا اليوم بالمناسبة) ... ألتقط مجموعة الخطابات التي وصلتني منذ أيام ولم أجد الوقت أو المزاج الرائق لقراءتهم ... ولكن نظرا ً لعدم وجود شيء آخر أفعله هنا ... قررت أن أقرأهم...
تلك المجموعة المعتادة من الخطابات التي تهددني بخراب بيتي , أو تلومني على شيء لا أذكر لا أذكر أنني فعلته , أو تطلب أشياء يستحيل أن أفي بها ... ثمة بطاقة معايدة من بسمة الحبيبة تهنئني بقدوم شهر رمضان وتبلغني فيها بسلام وتحايا زوجها..!! ... تنهدت في عمق محاولا ً ألاّ أفكر في الموضوع كثيرا ً .. ثمة خطاب من عمي في مانشستر إنجلترا... خطاب من شخص يهددني بأن يفضحني أمام كل المحافل الدولية لأن عنده الوثائق كلها .. طبعا ً لا أعرف حرفا ً عن الموضع , ومن حقه البشري أن يفضحني لكنني أرجو أولا ً أن يشبع فضولي .. خطاب آخر يقول لي بمودة ولطف :
- "أردشار هورفهاه جورميل أروماه سيزومنانيا ناكوامو شيبا ليسابوس..! "
وأنا أحيي هذا الأسلوب الرصين المتماسك , ودقة الإعراب .. وإن كنت أتمنى ألا ّ أموت قبل أن أعرف اسم هذه اللغة... التي تأكدت من أنها ليست الفارسية ولا الإيرانية ولا الأوردية ولا الفغانية .. ولا ...
ترررررررررررررررررررررررن ....
هذه المرة لم أرد ... فقط ألقيت ما تبقى من الخطابات..و إلتقطت سترتي الجلدية , وخرجت من المنزل إلى الشوارع المبتلة بالأمطار والبشر...
أسير في خطوات بطيئة والسيجارة تتدلى من شفتي ّ .. كالعادة أدندن أغنية (Hotel California) العزيزة ... أحيانا ً أمر على من يلقي علي التحية بقدوم العيد فأرد بإقتضاب شديد أقرب للوقاحة.. بعضهم كان متحمسا ً لدرجة دعوتي لتناول وجبة الإفطار معهم .. فأعتذر بلباقة ..أنتم تعرفون أنني عازف عن أي نوع من العلاقات البشرية , وأن القبر هو المكان الأمثل لأمثالي .... كل ما كنت أبغيه هو الهروب من جيش مكالمات العيد إياها بعض الوقت ثم أعود لغرفتي فأقضى ما تبقى من اليوم في القراءة و الإنترنت و التدخين و القهوة و الإكتئاب والعصبية.. هذه هي فكرة قضاء يوم ممتع مثمر بالنسبة لي...
فجأة يتصاعد صوت الهاتف المحمول الخاص بي , صارخا ً بنغمة نوكيا الشهيرة التي تدفع الكل لتحسس جواله ظنا ً منه أن المكالمة له ...
" كل عام وأنتم بخير يا أحمد... السنة الجاية عريس وجايب دستة أولاد "
أطلقت سبة (بذيئة للأسف) ... و دعيت بالخراب لكل أعضاء مجلس إدارة شركة نوكيا وجيرانهم..
فجأة أجد نفسي واقفا ً أمام تلك القهوة المصرية التي أحب أن أجلس بها أحيانا ً لأدخن الشيشة كالمخبول... وسرني أنني رأيت رامي – وهو صديق مصري – جالسا ً هناك يثرثر في جواله.. أشار لي بأن أجلس معه .. ثم أنهى مكالمته , وقال لي بإبتسامة واسعة :
- " كل سنة وانت طيب يا أحمد.. ربنا كده يجوزك بنت الحلال اللي تعرف تربيك وتوريك الويل اللي إحنا شايفنهو"
منعت نفسي بصعوبة من القفز عليه وتهشيم رأسه على الحائط لأتسلى بعد شرايين مخه التاجية..
رددت عليه :
- " خير ... عاوز مني شنو ؟"
- " كل خير طبعا ً إن شاء الله.. بقولك إيه يا احمد ياخويا.. انا عاوزك كده في خدمة "
ابتلعق ريقي .. متسائلا ً :
- "خير ؟"
أجاب في حماس .. واللعاب يتقافز من شفتيه كالشلال كعادة كل المصريين :
- " واحد صاحبي .. بيتو ساكنو جن يا بامشمنهدس أحمد "
تراجعت للخلف قليلا ً ورحت أفكر في هذه الكلمات ..
- " جن كيف يعني يعني ؟"
- " يعني مسكون بجن جواه يا هندسة .. فيه عفاريت .. شياطين .. جن.. بلاوي سودة و العياذ بالله .."
- " ما الذي يجعلك متأكدا لهذه الدرجة ؟؟"
- " ما يحدث عنده يا هندسة.. الكراسي تتحرك وحدها.. نيران تشتعل فجأة.. هذه الأشياء اللي بحكو عنها في الجرايد.."
مرة أخرى شعرت بحاجة شديد بلإنقضاض عليه وخنقه حتى الموت ...ثم قلت :
- " أنصحك بأن تعرض صاحبك على طبيب نفسي.. الوسواس والتهيئات و الهلاوس تحدثان كأي شيء آخر.."
في إلحاح :
- " فعلت ذلك .. ولكن الدكتور الذي أحضرناه صدق كل ما قلته لك الآن بعد أن ذهب وراى البيت.."
ابتسمت في كياسة :
- " إذن هذا الدكتور النفسي يعاني الهستيريا و التخيلات والهلوسة هو الآخر.. اعرضهما على طبيب نفسي ثان .."
مال نحوي :
- "أرجوك يا هندسة ... الموضوع جدي وليس مزاحا ً ... إنه يري جني وجنية يظهران له يوميا ً .. إنه يقول أن الجن الذكر يطلقف على نفسه جراهام بل .. مخترع التلفون..!"
جراهام بل نفسه ... يامحاسن الصدف...
- " أما الجنية فاسمها ليزا ويقول أنها تشبه هيفاء وهبي خاصة في فيديو كليب (جيب الواوا)..!"
إلتقطت قلما ً ورحت أخط على ورقة وجدتها أمامي مربعات لا معنى لهذا (وإن كان يؤكد خبراء علم النفس أنها تدل على الرغبة في الموت) :
- " يا حبيبي أنا أساسا ً ما بطيق هيفاء وهبي.. أما أليسا فهي OK .. فهي تمنحنك شعور محبب بالأمومة..!"
- " يا أحمد أنا ما بهزرش... اتكلم بجد"
- " مالمطلوب مني بالضبط ؟؟"
- " الذهاب معي بعد صلاة الظهر إلى منزل صديقي هذا لحضور جلسة تحضير أرواح .. "
- " تحضير إيه ؟؟!... إنت مجنون ولا شنو"
رد بسرعة فلكية :
- " يا صديقي كل ما هناك هو أننا نريد شخصا ً ذا عقلية متفتحة حاضرة ليدلي بشهادته للصحف غدا ً ... إننا سنصنع تاريخا ً هنا يا هندسة... خاصة أن صديقي أخضر أشهر محضر أرواح في الشرق الأوسط وهو سوداني زيك , اسمو الشيخ (ضلمة) .. الشهير ب (زكي آخر نفس)..! "
- " زكي آخر شنو ؟؟!"
- " آخر نفس ... ده راجل حجة في الحكايات دي .. وحاصل على شهادات عالمية"
قلت له وقل إنتقلت من مرحلة رسم المربعات إلى رسم قبور صريحة تقف فوق كل منها بومة حادة النظرات :
- " رامي عليك الله سيبني بعيد عن الموضوع ده... أنا بصراحة عندي حساسية شديدة من الجن والأشباح عموما ً "
- "والله ما انا سابك.. حتروح يعني حتروح.... هو انت عندك حاجة تانية تعملها النهاردة ؟"
فكرت في كلامه قليلا ً .... حقا ً لم لا أذهب.. أنا حر اليوم كالنورس ,, ولا مشاغل لدي .. عسى ولعل ألا ّ يكون الموضوع مقلب كبير (وهو ما أتوقعه) ويكون الشيخ ظلام أو ضلمة ده شيخ حقيقي وما من شيوخ (عاوزين هدهد مصاب بالبواسير لكي نفك عقدتك) إياهم.. وقبل أن أرد بكلمة .. تصاعدت رنة إستلام رسالة نصية من هاتفي المحمول , ففتحتها لأقرأ : (العيد مبارك عليك.. السنة الجاية عريس) !!
هتفت على الفور لرامي في غيظ :
- "رامي أنا موافق أمشي معاك.. ما لأني مؤمن بشيخك المضلم داك... لكن لأني عندي كلمتين أقولهم للزفت جراهام بل داك... هيا بنا..!!"
ونهضنا....

(ماذا حدث في جلسة تحضير الأرواح.... إنتظروا الحلقة القادمة)

Garcia 16-11-2006 06:11 PM

الاخ العزيز / احمد امين
مرحب بطلتك بعد طول غياب ... وقصة مشوقة ومثيرة كعادتك ..
يعنى كان اتصلنا عليك يا احمد تانى فى عيد اقول ليك العيد الجاى ..
زى ما انت برااااك :D :D
طبعا افكر الان فى بقية القصة هل صدق كلام رامى ؟؟ ولا كلها
تهيؤات فقط ؟؟ وعلاقة جراهام بل بهيفاء وهبى شنو ؟ ;) :D
و.... الخ ولك التحايا وفى انتظار البقية ..

عكــود 16-11-2006 06:29 PM

العزيز أحمد أمين،

كتابة مشوّقة جدّاً . . تخليك بعد كل سطر تتوقّع ما لا يحمد عقباه، يعني لازم تقراها بنفس واحد وأنت تسأل الله اللطف عشان توصّل الراوي بالسلامة لآخر سطر.
المشكلة حنضطر ننتظر نتيجة لقاءك مع جراهام بل،
فلا تتأخروا علي الشيخ ضلمة . .
دام فضلكم!

بسمله 16-11-2006 08:15 PM

سلام يا احمد
ياخى انا بس سلفرت فى القصه بتاعتك دى يا ولدى انت موهوب شديد
الله يديك العافيه و منتظرين الحلقه القادمه

بسمله 16-11-2006 08:17 PM

عفوا يا صديقى سافرت معليش اصلو سرحت شويه انا و حزنى الى يطفو على السطح لامن اقرا ليك و تانى
الله يديك العافيه

Ishrag Dirar 16-11-2006 08:51 PM

نصيحتك المستفزة لشهوة القراءة الطاغية ..
اتت اكلها
فها انذا رغما عن تحذيراتك اقرأ


اقتباس:

إنتقلت من مرحلة رسم المربعات إلى رسم قبور صريحة تقف فوق كل منها بومة حادة النظرات
كنت دائما احس بان البومة كائن جميل ، ووديع ظلم كثيرا بفضل الخرافة ، انتظر ان ترفع قليلامن الغبن عنه .. ولااظنك فاعلا ..! فكل مؤشرات القصة تشير الي ان الروح السائدة فيها غبن كثير يبدأ بالعيد وينتهي بالنقمة على اجمل الاختراعات .... التلفون .. ننتظرك فلا تغيب .
..
..

أحمد أمين أحمد محمد 17-11-2006 01:47 PM

الأصدقاء Ishrag و garcia و عكود وبسلمة ....
أشكركم بحرارة على أراءكم العذبة التي لا استحق ريعها .... وأنا في اشد الأسف لأنكم لم تأخذوا التحذير بجدية ... الآن ساموت بتأنيب الضمير .... تابعو معي القصة ... ولنا نقاش مطول بعدها ... فقط أخبروني برأييكم من حين لآخر في كل جزء حتى أجد الدافع للإستمرار في الكتابة..
لكم كل الود

أحمد أمين أحمد محمد 17-11-2006 01:49 PM

حدث ذات مرة في العيد
الجزء التاني
(ما زال التحذير السابق قائما ً)


مقدمة :
إن أقسى ما يمكن أن نواجهه في حياتنا هو أن نصطدم بأشياء كنا نظنها من نواميس الكون ثم نكتشف أنها ليست كذلك ..
ما علاقة هذا بقصة اليوم ؟ ... لست متأكدا ً , لكنه قول يوحي بالعمق و بالحكمة .. فمن منا يا سادة لا يحب أن يبدو عميقا ً حكيما ً , ولو للحظات ؟ إن هذا منعش في بركة الغباء والحمق التي نعيش فيها كل يوم حتى الذقون......


-----------------------------------------------------------------------------------------

<< الشيخ الدكتور / زكي عثمان – رئيس مجلس إدارة الجمعية الروحية العالمية / فرع الشرق الأوسط ----- بإذن خاص من جلالة الملك لويس الثالث >>

هكذا كانت تقول اللافتة الموضوعة على باب الشقة التي اتخذها الشيخ أعلاه... دكتور ؟! .. دكتور في ماذا بالضبط ؟؟... ومن هو لويس الثالث هذا بالضبط ؟!!.. ملك أي بلد هو ؟ ..لا أحد يدري بالتاكيد .. ولا أحد يجد الشجاعة في نفسه ليسأل كذلك ..إذ سرعان ما يتهمك أحدهم بالجهل والغباء المطبق....
المهم أننا دخلنا إلى الشقة , والتي كان لها رائحة زيتية خانقة غليظة تكتم على أنفاسك منذ اللحظة الأولى .. طبعا ً هنالك الكثير من الآيات القرآنية المعلقة على الحائط , كأنما ينفى الشيخ زكي عن نفسه تهمة الدجل ... لا يوجد أثاث كثير ... المكان كله مضاء بضوء أزرق غريب يجعلك تشعر بالمغص ....
استقبلنا خادم يبدو أنه هندي , لأنه قال لنا بلغة عربية راقية يحسد عليها :
- " إنتا رفيق في استنا هنا ... أنا في ينادي الشيخ ... هو في حمام ..!"
وقبل أن أهنئه انسحب بسرعة إلى الداخل.... أما رامي فكان يفرك يديه في حماس متوتر.. قلت له :
- "رامي ... لقد غيرت رأيي .... أنا لا أريد أن أكون جزءا ً من هذا السخف .. هيا بنا "
- " نعم ياخويا... هو دخول الحمام زي خروجه...اجنا جينا هنا والحصل حصل.. يللا خليك جدع وخلينا نعيش التجربة الرهيبة دي..."
- "تجربة شنو يا متخلف أنتا... شيخك المحب للظلام ده ما حيطلع إلا واحد من الدجالين الذين نحملهم عندنا إلى أقرب مصة نفسية حيث تتكفل بضعة صدمات كهربية بشفائهم تماما ً"

<<" لكني لست بدجال يا بشمهندس أحمد...!">>
إرتفع هذا الصوت من وراءا , فالتفت لأرى أقبح رجل يمكن أن تراه في حياتك... رجل من النوعية التي حين تمشي في الشوارع تنبح الكلاب ويصرخ الأطفال ويصاب الشيوخ بالسكتة القلبية... طبعا ً كان له لحية بيضاء عملاقة مخضبة بالحناء طبعا ً ....
مد يده التى تحمل ذات الرائحة الخانقة :
- "د.زكي خالد عثمان... مضيفكم لهذا الأمسية ... وهذا داري المتواضعة.. إليها تدخلون بسلام ... ومنها تخرجون كرام.. فقط اتركوا لنا بعضا ً من السعادة والذكريلت العذبة بعد خروجكم منها...!"
صمت أنا في دهشة... ما هذا الكلام الفارغ الذي يقوله... أما رامي فقد انقض على يد الشيخ يلثمها بنهم شديد.. وهذا الأخير يردد (أستغفر الله... أستغفر الله) لكنه لا يسحب يده برغم ذلك... أتى ذلك الخادم الهندي حاملا ً كؤوس غريبة بها سائلا ً غريبا ً أزرق اللون فرفضت الشراب بوقاحة مقصودة , وذلك لسببين : الأول أنا لم أر في حياتي شراب له لون أزرق... الثاني ما أدراني أنه لا يحمل دواء ً يسبب الهلوسة البصرية , فبعض بضعة رشفات أكون باستطاعتي أن أرى شيخنا الجليل يقوم بإخراج فيلا ً أفريقيا ً عملاقا ُ من تحت لسانه... لا يا صحبي .. أنا أذكى من ذلك...
تطلع لي الشيخ زكي بنظرة عميقة قائلا ً :
- "أنت تظن أنني مجرد دجال .. أليس كذلك ؟! "
ابتلعت ريقي , وسلمت أمري لله وقررت أن أقول مالديّ :
- " سيدي ... أنا فعلا ً أظن أنك دجال وتستحق – أنت ورامي وفتاك الهندي أيضا ً – الجلد بالسياط...!! "
تصلب الشيخ فأدركت أنني – لو كان هو شيخ ذو قدرات سحرية فعلا ً – هالك لا محالة.. لابد أنني سأنتهي في نهاية في هيئة ضفدع أو بومة سوداء... الأمر الذي لن يعجبني بالتأكيد ..
لكنه لم يفعل شيئا ً من هذا... فقط وقف بسرعة .. وقال :
- " اتبعاني يا سادة من فضلكما..."
مشينا ورائحه حتى وصلنا إلى غرفة سوداء واسعة .. في منتصفها مائدة طويلة مفروشة بملاءة سوداء وفوقها شموع مشتعلة سوداء...
مالذي أفعله هنا بالضبط ؟؟!!!... إننا ما نزال في صباح أول أيام العيد السعيد... إن كل خلق الله الآن يلهون بالخارج ويستمتعون بوقتهم... وأنا هنا.... إنني إنسان غريب... غريييييييب..!
- " اجلسا من فضلكما..."
فعلنا كما أمرنا بابا الشيخ.... ثم راح هو ومساعده يقومان بإجراءات وأشياء غامضة لم نفهم منها شيئا ً .. إلا ّ أنه توقف فجأة ليقول لي بالذات :
- "بالمناسبة ... نسيت أن أهنئك بالعيد...أتمنى ألا ّ يأتي العيد المقبل إلا ّ وأنت متزوج بفتاة مناسبة ..!! "
تساءلت في سري هل من اللياقة أن أركل مضيفي في مؤخرته أم لا ... أطلقت سبة في الظلام كاتما ً غيظي ....
في النهاية جلس الشيخ في صدر المائدة .. أما مساعده فكان يتحرك في كل مكان كالمسوس... ثمة موسيقى كلاسيكية تك تشغيلها ليكتمل الجو المسموم إياه...
همس زكي بعدة كلمات غامضة ثم رفع رأسه قائلا ً بصوت أعترف أنه جمد الدم في عروقي :
- " الآن ليصمت من عليه أن يصمت.. وليتكلم من عليه أن يتكلم.. إننا الآن في حضرة مولانا الجني شاكورا , زعيم جان الإكليديس... حارس بولبة الأرواح... نطلب السماح لنا بالتحدث مع الروحان الشقيتان التي تسكن في المنزل الملعون الذي قمنا بزيارته منذ يزمين..."
تصاعدت ضجة غريبة من ركن الغرفة...
- "هل حضر السيد المحترم جراهام بل ....؟"
أعلن المساعد – الذي أعتقد أنه يقوم بدور الوسيط – أن السيد المذكور قد حضر بالفعل ... فانطلق زكي يرحب به بحرارة وعبر عن سعادته بهذه الفرصة السعيدة , ثم استأذنه في أن يستفسر عن خلل في تليفون صديق له اسمه عبد العظيم , وكيف حار المهندسون في أمر هذا التليفون , إذ كلما رفع عبد العظيم السماعة فإنه يسمع إذاعة ال BBC , وبعد جهود جبارة ووساطات لا آخر لها مع السنترال والهيئة القومية للهواتف والإتصالات تم إصلاح التليفون وأصبح عبد العظيم يرفع السماعة فيسمع إذاعة صوت العرب..
أعرب المخترع اللعين أعلاه عن أسفه الشديد لهذه الخلل .. وقال إنه كان في سبيله لمعالجة هذه الأخطاء قبل أن توافية المنية... ولكنه ما يزال يأمل في أن يعود للحياة قريبا ً ليوقف ظاهرة الهاتف الإذاعي هذه....
ثم صمت الصوت فجأة .. ليتصاعد هذه المرة صوت أنثوي يقول في غنج :
- " أنا ليزا... بوس الواوا.... نياهههههههاااههااااهاااااا..!"
هنا لم أقو على الإحتمال أكثر ... صرخت :
- " ما هذا السخف .؟؟!!!!"
فجأة رأيت أمامي شيئا ً غريبا ً إلى حد... ذلك الهندي... أكاد أقسم أنني رأيته يتحول.. يتحول إلى إمرأة .... أتخيل ؟! ... لا أعتقد .. إلا وما تفسيرك لهذا الفستان الأحمر الذي لم يكن يرتديه في بداية المقابلة , وأيضا ً ذلك الشعر الطويل الذي نبت له فجأة...
تقدم المسخ نحوي :
- "حمووووودي ... أنا بدي ياك... أنا بموت فيك ... بوس الواواااا...."
نهضت كالملسوع ... قلت بهلع :
- " بسم الله الرحمن الرحيم.. شوف يا.. يا ... ياشيء إنت .... أبعد عني أحسن ليك .."
تقدم نحوي خطوة أخرى ..
- " يا رامي ... يا شيخ... الغوث..."
تلفت حولي ... لا أحد هناك ..أين ذهبوا ومتى إختفوا.. أنا وحيد في غرفة مظلمة مع مسخ هو خليط فريد من هيفاء وهبي و جاهام بل وهندي...! .. طبعا ً بعد أن قمت بحساب الحسبة كان الحل المنطقي الوحيد هو ..... الهروووووووووووووووووووووب..!
وقبل أن تتحول قدماي إلى عجلتان دوراتان كما يحدث للرسوم المتحركة في أفلام ديزني , أضيئت الأنوار , ثم ظهر عشرات من الأشخاص , ميزت منهم رامي وهو يضحك في هيستريا .. والكل صرخ في آن واحد :
- " الكاميرا الخفية... "
كنت ما أزال أرتجف كساقي الضفدعة التي كان (جلفاني) سيطبخها يوما ً , لزوجتة ثم عدل عن ذلك ليخترع الكهرباء المجلفنة....
توقف أحدهم عن الضحك المتواصل ليفسر :
- " متأسفون يا سيد احمد ... ولكن الأمر كله هو مقلب دبره لك صديقك السيد رامي ... ونحن سنقوم ببثه بعد اسبوعين.. طبعا ً بعد ان نقوم بعمل مونتاج لكل عبارات السباب التي خرجت منكم.."
لم أرد وأنا ما أزال أتنفس بصعوبة ... فاقترب مني رامي وهو ما يزال يضحك :
- " هاردلك يا صديقي ... ولكن بجدية ... أخبرني .. ما رايك في هذا المقلب الظريف؟ "
ماردي ؟؟!.... طبعا ً رددت عليه الرد المنطقي الوحيد الممكن....
لكمته على أنفه..!
***********

الشارع المبتل مرة أخرى.... أمشي ويداي في جيبي سترتي .... كنت قد توقفت عن سب رامي وكل السبعين مصري منذ ربع ساعة فحسب..
تنهدت في ضيق شديد... لهذا السبب بالتحديد أنا لا أؤمن بوجود الصداقة... ذلك الغبي.. لو كل هؤلاء الأشخاص الذين كانوا بقربنا لفتكت به وأكلت كبده...
أشعلت لفافة تبغ – صديقتي الوحيدة العزيزة – وأنا أسير باتجاه اللامكان.. كنت ق وصلت لمنطقة عبور مشاة .. فانتظرت الإشارة الخضراء وأنا أنفث الدخان كالتنين ... أضاءت الإشارة الخضراء.. توقفت لحظة كي أحكم معطفي حول جسدي .. على الجبهة الأخرى من الطريق لمحت إمرأة عجوز شمطاء تهم بالمرور وهي تحمل حقيبة تسوق وقد بدا عليها الهم والشرود .. كانت غرقة – ككل العجائز – في محيط أفكارها .. ولكنها على الأقل تعرف أن الإشارة تسمح بالمرور , والشارع لم يكن مزدحما ً على كل حال..
هنا يا سادة يا كرام – كما يحدث في نفس الرسوم المتحركة – برزت من لا مكان سيارة مندفعة زلزت أرض الشارع زلزة , ووضعت السيدة العجوز قدمها , حين عرفت على الفور ما سيحدث....
رفعت كفي صارخا ً :
- "ا حترسييييييييييييييييييييييييييي !"
لكن السيارة كانت أسرع من الصوت ...أسرع من صرختي ..وسرعان ما طارت العجوز في الهواء ... واندفعت السيارة مبتعدة بالطبع.. وكانت لوحتها الخلفية أكثر إزدحاما ً بالأرقام من أن أتذكره...
وجريت عابرا ً الطريق إلى كومة الثياب التي كانت إمرأة يوما ً ...وطار عقلي شعاعا ً .. ثمة لمسة درامية مخيفة في الموت المفاجيء... هو بالتأكيد يختلف كثيرا ً عن الموت البطىء الذي يستغرق شهورا ً أو أياما ً , مع الكثير من الأنين والسعال والوصايا... لمسة درامية تبرر هذه الرجفة في ساقي ّ وضربات قلبي المضطربة ... حتي سيجارتي العزيزة سقطت من شفتي دون أن أدري...
ركعت جوارها , زكانت فاقدة الرشد – طبعا ً – لكنها لم تمت – ثمة كمسور لا بأس بها في عدة مواضع , ونزف داخلي في الغالب , لكنها كانت تتنفس...
ووقف بعض المارة يرمقون المشهد بفضول هو للامبالاة أقرب , بإعتبار أن من حق أي إنسان أن يموت في الشارع , وكأن التدخل قلة ذوق وافتقار إلى التهذيب...
صحت فيهم أن يطلب أحدهم الإسعاف بحق السماء .. وظهر رجل شرطة عابس من مكان ما .. وسألني أسئلة تقليدية بلهاء عن السيارة .. أوصافها.. إلخ...
أخيرا ً جاءت الإسعاف , وعرفت أنه ليس من حقي الركوب مع العجوز , لأنه لا مكان لي ... هكذا – مدفوعا ً بروح الشهامة السودانية – عرفت منهم اسم المشفى ثك ركبت أول سيارة أجرة قابلتها ولحقت بالمصابة هناك....
*************
في المستشفى كان الأمر مسليا ً بحق... فلقد إكتشفوا أن العجوز فقدت الكثير من الدماء وتحتاج إلى نقل دم عاجل ... وعندما بحثوا عمن يحمل نفس فصيلة دمها بين الحاضرين لم يجدوا إلا ّ من.... أحسنتم .. العبد لله ولا أحد سواه ... فأخذوا مني دما ً يوازي ما سال في معركة حطين من دماء وأعطوه لها ...
في النهاية , جلست والضمادة على ساعدي أنتظر ... العجوز لا تزال فاقدة الرشد ... وأنا لا يوجد لدي شيء آخر أفعله .. فلم لا أنتظر... طبعا ً رن هاتفي سبع مرات وفي كل مرة نفس التحية بالعيد والدعاء لي بالزوجة المباركة...
وبعد ساعتين من الإنتظار فجأة رأيت أمامي رجل شرطة بالزي لبرسمي :
- " هل أنت السيد الذي أحضر المرأة العجوز المصابة في حادث وسط المدينة ..؟"
- " نعم هو أنا.."
- " جيد ... أنت مقبوض عليك !"
إتسعت عيناي في دهشة :
- " ماذا ... مقبوض علي ّ .. لم ؟ "
أجاب بنفس اللهجة البوليسية الموحية بالخطورة :
- " لصدمك إياها "
- " ولكني لم أفعل .. أنا فقط أحضرتها إلى هنا .. ناهيك عن حقيقة أنني لا أملك سيارة .. بل إنني جئت هنا بواسطة سيارة أجرة "
- "ياللأعذار الواهية التي لا تتغير... لقد إعتدنا هذا الأكاذيب فلم نعد نصدقها"
- "ولكني صادق"

- "يا سيدي الفاضل .. القاعدة الأولى في أي حادث كهذا , أن من يحضر الضحية هو في الغالب الجاني نفسه , وسيقول أنه فقط وجدها على الطريق لكي يهرب بفعلته !"

- " وماذا عن الشهامة ؟"

- "انقرضت.. كل شخص لا بد أن يهتم بنفسه فقط.."

- "أفهم من كلامك أنه إذا وجدت ضحية تسبح في دمائها على الأرض فعليّ أن أدير ظهري ولا أتدخل ؟؟!!!!!"

- "أنت تتحدث بلساني أيها الشاب ... والآن هيا بنا إلى القسم .. أنت موقوف بأمر القانون"
وهكذا أيها السيدات والسادة , وجدت نفسي أول أيام عيد الفطر المبارك - أعاده الله علينا وعليكم بالخير – محبوسا ً بتهمة الشروع في قتل عجوز لطيفة ..!

(البقية في الحلقة القادمة بإذن الله)

بسمله 17-11-2006 07:38 PM

سلام يا احمد
هى براها الشهامه الى انقرضت ؟ ما اى حاجه انقرضت معاها

تحياتى و منتظرين الباقى

Garcia 17-11-2006 08:00 PM

وياله من موقف لا تحدث عليه يااحمد , قلت لى طلعت كاميرا خفية :D :D
لكن اجزم انك كنت تود لو كان الامر حقيقة حتى تشفى فضولك للولوج
لهذا العالم ونحن ايضا تمنينا ذلك ...
لكن بمجرد ما وصلت لقراءة هذه الفقرة :
اقتباس:

- "بالمناسبة ... نسيت أن أهنئك بالعيد...أتمنى ألا ّ يأتي العيد المقبل إلا ّ وأنت متزوج بفتاة مناسبة ..!! "
عرفت ان صديقك رامى له علاقة بالامر وهو من قال له هذه المعلومات عنك ..
موقفك شهم وجميل تجاه العجوز وبعد ان تكمل بقية قصتك سأحكى ليك ..
عن موقف حقيقى مشابه لموقفك هذا .. والفرق ان الضحية هنا كان قد فارق
الحياة مباشرة ..

Ishrag Dirar 17-11-2006 09:05 PM

صديقنا القاص امين ..

اقتباس:

مشينا ورائحه حتى وصلنا إلى غرفة سوداء واسعة .. في منتصفها مائدة طويلة مفروشة بملاءة سوداء وفوقها شموع مشتعلة سوداء...
مالذي أفعله هنا بالضبط ؟؟!!!... إننا ما نزال في صباح أول أيام العيد السعيد... إن كل خلق الله الآن يلهون بالخارج ويستمتعون بوقتهم... وأنا هنا.... إنني إنسان غريب... غريييييييب..!
- " اجلسا من فضلكما..."
فعلنا كما أمرنا بابا الشيخ.... ثم راح هو ومساعده يقومان بإجراءات وأشياء غامضة لم نفهم منها شيئا ً .. إلا ّ أنه توقف فجأة ليقول لي بالذات :
- "بالمناسبة ... نسيت أن أهنئك بالعيد...أتمنى ألا ّ يأتي العيد المقبل إلا ّ وأنت متزوج بفتاة مناسبة ..!! "
تساءلت في سري هل من اللياقة أن أركل مضيفي في مؤخرته أم لا ... أطلقت سبة في الظلام كاتما ً غيظي ....
في النهاية جلس الشيخ في صدر المائدة .. أما مساعده فكان يتحرك في كل مكان كالمسوس... ثمة موسيقى كلاسيكية تك تشغيلها ليكتمل الجو المسموم إياه..
.


قرأت هذا لك ..

وكنت قد قرأت قبلها "ذاكرة شرير" لمنصور الصويم ..
وجدته يغوص كثيرا في وصف الاجواء المحيطة بالشيخ وحواريه
كل طقوس الدجل التي كان يتبعها لينال من فريسته
كل الغموض والسحر اللذان يحيطان بعالم لا ندري عنه غير ما نسمعه ..
يرسم شخصياته باتقان فنان يملك كل الالوان ليجعلنا نرى الشخوص كما يريد

نصيحتي ان تقرأه ..
ثم
همسة صغيرة
ارجو ان تهتم قليلا باتقان الكتابة اعني املائيا ، حتى لا تفسد علينا متعة المتابعة

أرايت ، هانذا اقراك مرة ثانية رغم تحذيراتك ..!

لي عودة

.
.
.

mamkouna 18-11-2006 06:39 AM

أحمد يا زول يا خريفي..
كنت عاوزة أقول ليك كل سنة و إنت طيب و السنة الجاية مع بت الحلال لكن بصراحة ما بقدر على ركل المؤخرات في البرد ده!!! :p

في البداية أحيي صديقك اللذيذ (( رامي )) لأنو حسٌ إنك ح تموت من الكآبة فقام بتدبير مقلب من النوع أبو كديس و ورٌطنا معاهو كلنا - امبارح جاني أب كبٌاس و صدقت مقولتك بأن قراءة هذا العمل مُضرة بالصحة العقلية وثؤثر بشدة على الإتزان النفسي لقارئه. كان ما أخاف الكضب جاني كمان جراهام بل و ماركوني!!!
تحياتي كذلك ل زكى آخر نفس...يلحقنا و ينجدنا..بركاتك!
(( مافي طريقة يقلبني سلاف فواخرجي أو بالعدم سمية الخشاب))؟؟!! :rolleyes: :o :cool: :eek:


اقتباس:

إلتقطت قلما ً ورحت أخط على ورقة وجدتها أمامي مربعات لا معنى لهذا (وإن كان يؤكد خبراء علم النفس أنها تدل على الرغبة في الموت) :

أنا بالمناسبة برضو من ذوي المربعات...و خبراء النفس الإستشرتهم قالوا كلام غير كلامك ده..
ح أوريك قالوا شنو بعد ما نعرف نهاية العجوز المسكينة و الكراكون في الشارع!

أحمد أمين أحمد محمد 18-11-2006 04:15 PM

Garcia العزيز :
هذه حياتي وأنا إعتدنها بكل هذه المقالب والمصائب التي أجد نفسي فيها ... رامي قطعت علاقتي معه إلى الأبد بسبب حكاية أخرى سأقصها عليكم فيما بعد... أما بخصوص تجارب تحضير الأرواح فأنا فعلا ً قد مررت بعدة تجارب (تجربتين للدقة) مع علم ماوراء الطبيعة المخيف.. تستحق أن أفرد لها بوستا ً منفصلا ً في المستقبل.... بخصوص العجوز - وهي بريطانية بالمناسبة - فهي ماتزال حية حتى لحظة كتابة هذه السطور وما تزال تبعث لي بسلة من الشيكولاتة في كل عيد كريستماس... حسن.. أنا أعتقد أنا هذا ثمن عادل مقايل كل أبحر الدماء التي إمتصتها مني كمصاص دماء جائع.. ولا إنتا رأيك شنو...

Ishraq الغالية :

أنا أكبر عشاق أدب الرعب (أموت في هوى ستيفن كنج والعبقري إدجار آلان بو) ... ولي تجارب محدودة في هذا الصدد (كما قلت أعلاه) .... أما بخصوص الأخطاء الإملائية , فأنا آسف جدا ً , وأعدك أن أدقق أكثر .. وأن أحسن خطي كذلك ...!

بالمناسبة : ما يزال التحذير قائما ً والقصة ما تزال في بداياتها..!


mamkuna الحبيبة :
أنت بالذات أول من فكرت فيه عندما قمت بكتابة هذا التحذير ... كل المتفائلين الحالمين أمثالك - مع الإعتذار الشديد - لا يجب أن يقرؤوا هذا الكلام الفارغ المليء بالمقالب والإحبطاطات ... لكن مرحب بيك يافردة .. أنا تعرفين كم أحب طلتك الجميلة..
حسك عينك ياوهم تعيدي علي وتقولي لي السنة الجاية عريس.... صديقيني , الركل في المؤخرات لن يكون أكبر همك ساعتها.. سأدمرك تماما ً ..!

أصدقائي ...
أرجوكم واصلوا في زيارتي لكي لا أظن أنني مجرد قاص آخر ممل.. ساعتها - بالتأكيد - سأتوقف فورا ً ... فأنا لا أكره شيئا ً في حياتي مثل الملل والمملين..
لكم الود..
[/size]

أحمد أمين أحمد محمد 18-11-2006 04:37 PM

غدا ً إنشاء الله سأقوم بإنزال الجزء الثالث , والذي أتمنى أن يحوز إعجابكم يا أصحاب, فانتظروني....


رمية في الخارج كده :
آخر فيديو كليب لهيفاء وهبي اسمو شنو ؟؟!!!

بسمله 29-11-2006 12:28 PM

يا خوانا الزول دا مشى وين ؟

Garcia 29-11-2006 02:11 PM

اقتباس:

يا خوانا الزول دا مشى وين ؟
بسملة سلامات ... كويس رفعتى البوست ذكرتينا ليهو ,
وتصدقى انا قايلو اكملها :D :D
لو ماظهر كم يوم كدة حا اتصل عليهو عشان يتمها ,
بس قولى يارب مزاجو اكون رايق :p

بسمله 29-11-2006 07:22 PM

جارسيا الظريف انا كلو ويم بجى بتاوق بى هنا برضو بكون مؤمله انو يكون خلصا لقيتو فتح لينا
قول ليهو قالت ليك بسمله تعال خلصا يا استاذ و لا السنه الجايه فى بيتك :(

أحمد أمين أحمد محمد 03-12-2006 01:21 PM

أشكركم جميعا ً
 
الأصدقاء الأعزاء والأعزاء جدا ً ...
أعتذر بشدة عن غيابي الطويل والغير مقصود أبدا ً عن منتديات سودانيات دوت نت الحبيبة... ولكن كما يقولون , حكم الشديد القوي...
في الحقيقة أنا الآن في الخرطوم في واحدة من زياراتي الكونية النادرة للوطن الحبيب .. والسبب هو أن الوالد يمر بوعكة صحية بسيطة... نسال الله السلامة لكل المرضى في كل مكان... بس دعواتكم معانا...
بالنسبة لما تبقى من القصة , فالجزأين الثالث والرابع (وهما كل ما تبقى من القصة) في طور الإعداد... فقط فور أن يتماثل الوالد للشفاء , ستجدوني وسطكم فجأة كالكابوس , لأمطركم بالمزيد من إبداعات لساني السليط ... فأنا تماما ً كالموت يارفاق.. لا مفر مني...

ردود خاصة :
Garcia الحبيب : شكرا ً لتطنيشك للعبد لله طيلة المدة السابقة.. وأنا الذي كنت أنتظر هاتفك كل يوم بوصفك الأب الروحي لي.... أنت في ورطة حقيقية معي لو أردت رأيي
(I'm only joking man)

mamkuna العزيزة : أنا آسف جدا ً .. ولكنك تعرفين مدى تقديري لك , وأيضاً مدى طول لساني الذي لا حل له – كما قلنا – إلا ّ القطع من لغاليغو.. أرجوكي أن تغفري لي..

بسملة الحميمة: أشكرك بحرارة... أنت تعرفين لماذا..!

Garcia 03-12-2006 04:03 PM

العزيز / احمد
ربنا يكتب سلامة الوالد ويعطيه الصحة والعافية ان شاء الله ...
مقصر معاك لكن فى البال طوالى وارسل لى رقمك بالسودان ..
ودم بخير وعافية .....

د.سيد عبدالقادر قنات 03-12-2006 04:52 PM

سلام أستاذ أحمد امين

الصحة وعاجل الشفاء للوالد

نتابع من خلف الكواليس

والتعليق بعد النهاية

يديكم العافية

mamkouna 04-12-2006 11:51 AM


أحمد ود أمين..
سلامتو عمنا أمين..ربنا يواليهو بالعافية.
كان رسلت لينا نمرة تلفونك و عنوانك ما بنقصر معاك أو مع عم أمين...
كان دعوات..كان زهور..كان حلاوة.. ..كان (( SMS )) أو..
كان ((مِس كول )).!!. :p

أحمد أمين أحمد محمد 10-12-2006 11:58 AM

الكلمات تعجز عن الشكر....!
 
الأصدقاء الأعزاء (جدا ً)
لكم جزيل الشكر على مشاعركم الصادقة والدافئة ... كم هو رائع إهتمامكم الصادق بي وبصحة الوالد.. وهو بخير الآن بحمد الله وبشكره....
رقم هاتفي هنا في السودان هو : 0915062747
مرحب بيكم في أي وقت....
بالمناسبة أنا في ورطة حقيقية هنا... ففور تحسن صحة الوالد أصبح حديث الساعة هو (البحث عن عروسة للعبد لله).. أغيثوني يا رفاق... كل الأهل والأقارب والجيران , بالإضافة لكل امرأة لها بنت في عمر الزواج وتدرس بجامعة الخرطوم , يعسكرون هذه الأيام في صالون بيتنا آملين أن يقوم شهريار العظيم - أنا بالطبع - بإختيار سعيدة الحظ (تعيسة الحظ لو عرفوا الحقيقة)....
ملايين من المواقف والأحداث حدثت لي تستحق السرد لكن للأسف لابد من أعود لأبي بالمشفى وإلا ّ وصمت بعقوق الوالدين ليوم الدين...
صدقوني... اشتقت لكم كثيرا ً ...

Garcia 10-12-2006 02:54 PM

اقتباس:

بالمناسبة أنا في ورطة حقيقية هنا... ففور تحسن صحة الوالد أصبح حديث الساعة هو (البحث عن عروسة للعبد لله).. أغيثوني يا رفاق... كل الأهل والأقارب والجيران , بالإضافة لكل امرأة لها بنت في عمر الزواج وتدرس بجامعة الخرطوم , يعسكرون هذه الأيام في صالون بيتنا آملين أن يقوم شهريار العظيم - أنا بالطبع - بإختيار سعيدة الحظ (تعيسة الحظ لو عرفوا الحقيقة)....
ونشوف فيك يوم يا احمد امين :D :D
قلت لى واضعين ليك قائمة من الحسان ;) وشكلك متدبس ومافى زوغة ليك يابطل ...
ويا شماتت قارسيا وممكونة وبيان فيك :D :D :D :D
ودة اليوم الدايرنو ليك يا احمد مبروك عليك :D :D :D
حا اتصل عليك قريب وسلامى للوالد واسرتك الكريمة ..

أحمد أمين أحمد محمد 09-02-2007 04:22 PM

part three
 
(( للمرة المليون أقسم لك يا سيدي الضابط أنني لم أصدم تلك السيدة ...!!))

رسم ضابط الشرطة في ذلك القسم أعتى علامات الخطورة على وجهه القاسي وهو يسئلني بتهكم بوليس بحت :
- "إذن من فعلها إن لم تكن أنت ... ؟"
أجبته في عصبية :
- " لا أعرف .. كل ما أعرفه هو أنه ليس أنا "
- " لا يوجد مشتبه به آخر غيرك يا أستاذ "
- " لكني لم أفعلها .. ثم أنني لا أملك سيارة أساسا ً .. وكنت أسير وحيدا ً عندما حدث ما حدث .. إذن كيف أكون أنا الجاني ؟ "
تظاهر الضابط بالتفكير لأن هناك من كذب عليه وقال له أنه يبدو وسيما ً عندما ينتابه الهم والتفكير العميق :
- " كل ما أعرفه هو أن الجاني يعود دائما ً إلى مسرح الجريمة .. وقد لا يغادره أساسا ً .. هذا ما علمونا إياه في كلية الشرطة "
ثم مال نحوي :
- " هل تقترح سعادتك أنه كانوا واهمون ؟"
أجبته في كياسة :
- "لا لا سمح الله .. أنا أقترح أنهم حمقى فقط..!"
ماذا كان رده ... طبعا ً هو الرد الوحيد المنطقي المتوقع :
- "هكذا ؟!... طيب ... خذه إلى الزنزانة يا عسكري حتى ينظر في أمره الإسبوع القادم عندما يمثل أمام مجلس النيابة العامة"
صحت فيه :
- "لماذا لا تسألون السيدة الأجنبية نفسها .. أكيد ستأكد كلامي "
أجاب الضابط وهو ينظر إلى أوراق أمامه :
- "ما تزال السيدة في غيبوبة .. وطالمنا هي كذلك ستظل حضرتك ضيف لدينا حتى تفيق أو يتوفاها الله... "
صحت بصوت أعلى والعسكري المتحمس إياه يجرني جرا ً :
- "ولكن هذا ظلم .. أقوم بعمل خير ويكون هذا جزائي.."
أجابني في ضجر :
- " في المرة القادمة افعل كل ما يفعله أي إنسان يحترم نفسه عندما يرى حادث سيارة أمامه .. واصل طريقك ولا تتدخل حتى ولو كان والدك هو الضحية..!"
- "ولكن هذا ظلم .. ظلم .."
طبعا ً لم يجبني , وانهمك في مزيد من التفكير والوسامة , وذلك العسكري – الذي له وجه كئيب مقبض ينذر بالسوء - يجرني من يدي كالطفل في غلظة إلى الزنزانة...
***********************
(" مساء الخير على الجميع ...")
كان هذا أول ما قلته عندما أغلق الجندي باب الزنزانة .. طبعا ً كنت أوجه الكلام إلى مجموعة من أجمل وأروع المجرمين والسفاحين يمكن أن تجتمع في مكان واحد ..
كيف كانت تبدو الزنزانة ؟ ... إن الزنازن تبدو متشابهة في أي مكان في العالم .. نفس الغرفة المظلمة الضيقة الرطبة .. نفس الأرائك الخشبية المتهالكة .. طبعا ً لا بد من جردل البول الممتلئ إلى آخره إياها .. والظلام الدسم الثقيل إياه في كل مكان ..والروائح العفنة العطنة المميزة للأطراف المتحللة للموتى.. كل تلك المفردات التي تدخل البهجة على روحك وتنعشها إلى درجة تجعلك تتمنى الموت على أن تراها أمامك ...
المهم أنني قلت العبارة أعلاها في لهجة أردت أن تكون ودودة على قدر الإمكان ولكنها خرجت بصوت مرتجف متحشرج أدخل الرعب على قلبي أنا شخصيا ً ..
("مساء الخير على الجميع")
ولكن لم يبدو أحدهم على استعداد لتصديق هذا المعلومة .. إذ تصاعد صوت ما يقول :
- "مساء ماذا ... إنتا جاي توزع اللبن..؟!"
وقبل أن أبحث عن صاحب هذه العبارة لأناقشه بكل دبلوماسية دولية عن مبدأ التحية السليمة المهذبة , وعن حقيقة أن الوقت فعلا ً كان مساء , برز لي من قلب الظلام عملاق (4 × 4) متر , عاري الصدر , يمتلك أروع من العضلات المبتلة بالعرق رأيتها في حياتي ... لم أرى رأسه بطبعة الحال خاصة وأن رأسي أنا شخصيا ً كان في مستوى حزام بنطاله...
طبعا ً سقط قلبي ما بين قدمي .. وتوقف عن النبض تماما ً عندما تحدث معي الحزام (أكرر أنا لم أر الرأس) :
- "ظلموني و باين في عيونهم ..!"
بصوت خنقه الرعب قلت أنا :
- "م .. م م م .. ماذا ؟؟!!"
كرر الثور كلامه في صوت أشبه بصيحات ديناصور التي – ركس اثناء موسم التزاوج:
- "ظلموني وباين في عيونهم م م م ....!"
أنا رجل ميت إذن ... ميت لا محالة ... إن هذا الأخ الظريف يريد إفتعال مشاجرة لا شك.. والنتيجة : مرحوم في مشرحة دبي يحمل إسم أحمد أمين أحمد ..
- "و و و .. و ..والله العظيم أنا لا أفهم شيئا ً .."
زمجر الديناصور :
- "ظلموني وباين في عيونهم .. هذه هي كلمة السر .. ألست أنت من طرف الدكتور موسكو.. تاجر الهيروين المبجل ؟؟"
أجبته برعب وساقي ّ ترتجفان في شدة , تماما ً كساقي الضفدعة التي كان (جلفاني) سيطبخها يوما ً لزوجته ثم عدل عن ذلك ليخترع الكهرباء المجلفنة :
- "لا .. أقسم بالله أنني لست من طرف البروفيسير موسكو .. بل – وأقسم مرة أخرى – أنني لم أزر روسيا أبدا ً من قبل , وأنا على إستعداد لو أردت سعادتكم ألا ّ أزورها حتى ألقى ربي..!!"
إنحنى العملاق مترين ونصف المتر حتى يصير رأسه في مستوى رأسي :
-"إذن من أنت بحق الشيطان ؟"
-" أنا ... أنا ... أأ... مم .... !"
صرخ في وجهي ناثرا ً لعابه على جسدي كله :
-"أجب على سؤالي أيها الأصفر "

أصفر ؟!! .. ياللون بشرتي الخمري المزعج .. الكل يرونه خطأ .. في أمريكا كانوا ينادونني بالأبيض العنصري .. وفي ألمانيا نادوني بالزنجي المتخلف.. أما في السودان فكانو يلقبوني بالحلبي الوهم.. أما هنا في (دبي) فيبدو والله أعلم أنني اصفر..!

- " أ.. م تيفههه .. نل ت بح نتا بي .. كك ط ى ء ئ.. خ.. ص سسس.. "
كان هذا هو ردي كما قرأتموه أعلاه ... فلقد أنساني الرعب الطريقة الصحيح لنطق الحروف الأبجدية .. ناهيك عن أنني نسيت إسمي أساسا ً .. من أنا يا أخوان ؟؟!
المهم أنه حدجني بنظرة جمدت الدم – أو ما تبقى منه – في عروقي .. ثم قال وهو يتطلع إلى الأرض:
- "جميل جدا ً حذاءك"
قلت له على الفور, دون أن ألقي بالا ً للذي أقوله :
-"إنه ماركة GUCCI .. "
-" اخلعه..!"
-"م م .. ماذا ؟"
-"هل ستعود إلى هرائك هذا مرة أخرى .. قلت لك اخلعه من قدميك"
-"حالا ً يا سيدي .."
وفي ثلاث ثوان وربع جزء من الثانية كان الحذاء مع الشرّاب في يده..
-" قميصك ..."
-"ما به ؟"
- " انزعه !"
-" حالا ً "
ثانيتين ونصف وكان يرتديه هو ..
-" بنطلونك "
اتسعت عيناي في رعب :
-"و و .. وو .. ولكن"
-" انزعه حالا ً يا كلب"
ست ثوان وسبع أجزاء من الثانية وكان يحمله تحت إبطه..
وصرت أنا في – إحم إحم- ملابسي ال – إحم إحم – الداخلية..بالطبع كان كل من في الزنزانة يتطلعون إلي بنظرة غير مريحة أبدا ً .. ولكن الأمر لم ينته بعد..
- "سروالك الداخلي..!"
صحت في رعب وأنا أتراجع بظهري إلى الخلف :
-"هذا لن يكون ... لن أخلع هذه القطعة بالذات "
-"هذا ليس طلبا ً يا كلب.. هذا أمر.. "
اصطدم ظهري بباب الزنزانة وقد انتهى حيز التراجع إلى الخلف , مما سمح لي أن أرى وجهه الكالح القبيح أخيرا ً , ونظرتة التي تخثر اللبن في جراره:
- "هذا لن يكون ... إن أردت أن تقتلي فافعل .. ولكنني لن أسمح لكم ب .. ب.. بفعل ذلك الأمر الذي تريدون فعله "
طبعا ً رمى كل الذي يحمله , ثم إتخذ وقفة قتالية ممتازة تليق بمدرب جودو .. وقبل أن يقفز علي ّ ليفتك بي , فتح باب الزنزانة .. طبعا ً سقطت على ظهري للخلف بفعل القصور الذاتي لأرى بالمقلوب من فوقي وجه العسكري الكئيب إياه ..
- "ما الذي يحدث هنا يا أوغاد"
قالها طبعا ً الجندي .. لا رد .. أما أنا فقد تعلقت في بنطاله أرتجف كدجاجة تحت المطر.. مد يده يساعدني على الوقوف , وهو يسألني :
- "مالذي حدث بالضبط.. من فعل بك هذا"
تطلعت إلى ذلك الديناصور - الذي لازلت مصرا ً أنه كان أحد الديناصورات التي ظهرت في فيلم ( حديقة العصر الجوراسي Jurassic Park ) لستيفن سبيلبرج – فوجدته يحدجني بنظرة تتوعدني بالويل :
- "ل .. لا شيء .. لا أحد .. فقط شعرت ب . ب . بالحر ّ قليلا ً "
نظر لي بريبه قائلا ً :
-"هل أنت متأكد ؟"
-"أنا في لشد التأكيد"
لم يبدو عليه التصديق طبعا ً .. ولكنه قال :
-" على كل حال أتيت لأطلق صراحك ... فهناك من أتى ودفع مبلغ الكفالة من أجلك .. أنت حر إلى أن يتم استدعائك مرة أخرى.. إنها تلك الأجنبية التي إتصلت أنت بها عندما أحضرناك إلى هنا.. لقد حضرت – مع محاميها – وتم دفع مبلغ الكفالة .. هيا سر أمامي "
كدت أنقض على يده لأشبعها تقبيلا ً وأنا غير مصدق أنني لن أعود لذلك الجحيم مرة أخرى ..
وبدون أدني قدر من الحرج , وفي رد فعل طبيعي .. ماذا فعلت أنا بعدها ..
انفجرت باكيا ً كطفل تركته أمه وحيدا ً بالدار ..
**************************
طبعا ً أن أقول لك عن مقدار الإحراج الذي إعتراني , والخجل الذي شعرت (ليديا) – صديقتي الأمريكية العزيزة – به وأنا أخرج إليها ملفوفا ً ببطانية (ميري) .. فذلك الوغد رفض أن يعيد إلي ّ ملابسي , ولم يبدو أن أحدا ً من رجال الشرطة على إستعداد للموت شهيدا ً من أجل إقناعه بالعدول عن رأييه..
المهم أنني صعدت إلى سيارتها الصغيرة الدافئة , وطلبت منها في ضراعة طلبين , الأول هو ألا ّ تسألني أية سؤال يتعلق بما حدث لي بالداخل , والثاني هو أن تشتري لي بعض الثياب من أول متجر تراه...

وبعد خمسة وأربعين دقيقة كنت واقفا ً أمام سيارتها – بكامل ثيابي - أنظر إليها بامتنان لا حدود له ..
- " لا أدري حقيقة كيف أشكرك.."
لوحت بيدها الرقيقة , بمعنى (لا عليك) أو (لا داعي للشكر) ثم قالت بابتسامة خبيثة :
- "لطالما نصحتك بالإقلاع عن عادة قتل الناس في الطرقات"
أجبتها في كياسة :
- "العادات القديمة تموت بصعوبة كما تعلمين"
ضحكت في رقة , ثم قالت :
- "لا زلت مصرة أن أعرف مالذي حدث إليك هناك "
أشعلت لفافة تبغ , وقلت لها مبعدا ً عيناي من وجهها :
-" لا شيء يذكر .. فقط أوشكت أن أفقد أعز ّ ما أملك ..!"
-" تفقد ماذا ؟؟!! "
لوحت بيدي في الهواء :
- "لا عليك يا ليديا .. لا عليك ..."
وساد الصمت بيننا ...
هنا أصارح القاريء بسر صغير أعرف أنه لن يتسرب ..
أنا أهيم حبا ً بها .. لماذا لا أصارحها ؟ .. الأسباب كثيرة لا تحصى .. أهمها أنني لا أريد أن أخسرها .. ولماذا أخسرها ؟ .. لأنها – كما أعتقد – تميل لي لأنها وجدت في ّ صديقا ً وفيا ً .. لأنني الوحيد الذي لم يغمض عينيه في هيام ويخبرها في وله كم هي جميلة فاتنة..
كما أنني لا أعتقد أنها تبادلني المشاعر .. وإن أخبرتها أنا عن مكنونات قلبي المتعب لخسرتها إلى الأبد .. إن النساء الجميلات يجدن مشاعر الرجال الذين لا تميل إليهم شيئا ً مقززا لزجا ً كالذباب .. مشاعرهم تحيل حياتها جحيما ً .. وأنا أحب ليديا لهذا لن أحيل حياتها جميلا ً ...
- "لم أنت صامت هكذا .. فيم تفكر ؟"
انتزعتني من شلال أفكاري الهائج بعبارتها هذه , فقلت في كآبة :
- "لا شيء .. كنت أفكر فقط "
سألتني في عجب :
-"أأنت دائما ً مكتئب السجنة هكذا أم هي عادة ذميمة أخرى فقط"
أجبتها في تعاسة :
- "إنه الحماس كما تعلمين"
أشارت لي أن أصعد معها إلى السيارة , ثم سالتني وهي تربط حزام الأمان :
- "إلى أين تريدني أن أوصلك .. أثمة مكان محدد تريد الذهاب إليه ؟"
تطلعت في صمت إلى الشوارع التي ما تزال مبتلة بفعل الأمطار التي توقفت منذ فترة , لأكتشف أنني – فعلا ً - لا أدري إلى أين أريد الذهاب ...
ويبدو أنها شعرت – بغريزة الأنثى التي لا تخطىء – بالذي يعتمل في داخلي , فلقد قالت لي في حنان :
- "ما رأيك أن أعزمك على الغداء في داري .. فلقد كنت أطبخ لنفسي وجبة الغداء عندما إتصلت أنت بي لأخرجك من هذه الورطة .. كما أنني ابتعت DVD فيلم Mission Impossible 3 , وانا أعرف أنك مدمن أفلام الأكشن البلهاء هذه .. فما رأيك"
الحقيقة أن حنانها قد أثر بي حقا ً .. إننا دوما ً أطفالهن ّ .. مهما كبرنا نحن أو صغرن هن ّ .. قد نكون نحن الرجال الأقوى أو الأكثر حكمة أو مالا ً , ولكن وحدهن ّ النساء من يعرفن ّ كيف يزيلن إحباطنا وخوفنا ورعبنا من الظلام والحياة ..
قلت لها في حرج :
- "لا .. شكرا ً "
تطلعت إلي ّ بعينيها الزرقاوتين اللتين تخلبان لبي دائما ً :
- " لم يا أحمق .. أنا حرة اليوم وغير مرتبطة بأي شيء.. وأنت ليس لديك شيء إلا أحزانك التي لا تنتهي والتي لا يعلم مصدرها إلا ّ الله .. فما يمنعك من قبول دعوتي إذن؟"
صمت ولم أجب..
أن أدخل بيتها وعالمها الخاص .. هذا حلم .. حلم لا أجرؤ حتى على التفكير به .. ولا في أكثر أحلامي جنونا ً أو جموحا ً ..
صمت ولم أجب ..
ماذا يمنعني ؟ .. يمنعني حاجز عملاق من التهيب والخوف .. يمنعني حاجز ديني قوي سببه أنها تعيش وحدها .. يمنعني أنني أحشى أن أفقد السيطرة على نفسي فانفجر باكيا ً بين ذراعيها كالأطفال راجيا ً إياها أن تضمني إلى صدرها ليوم الحشر..
أسباب كثيرة تمنعني في الحقيقة .. أشياء كثيرة تنقصني لإتخاذ مثل هذا القرار الحساس أهمها موافقة أهلي وأهلها , وموافقتها هي نفسها !
أجبتها بعد صمت :
- "مرة أخرى إن شاء الله .. كما أنني أريد البقاء وحيدا ً مع نفسي لبعض الوقت .. إن المرء لا يدخل السجن كل يوم كما تعرفين.."
وقبل أن أعطي لها فرصة الرد , فتحت باب السيارة , وودعتها بكلمات سريعة مبهمة لم أفهم أنا نفسي نصفها .. وسرت مبتعدا ً عنها ..
بعد فترة شعرت بسيارتها تمر مسرعة بجانبي , مبتعدة عن مرمى بصري .. أتمنى أن تغفر لي يوما ً إهانتي غير المبررة هذه لها..
وشرعت أسير .. أسير .. أسير بلا هدى.. توقفت عند جامع لأؤدي صلاة العصر , ثم واصلت سيري الحثيث نحو اللا – عنوان ...
قابلاني شابان هنديان مسلمان , يعملان في نفس شركتي , هنئآني بالعيد السعيد – السعيد لهم طبعا ً - وتمنياي لي ألا ّ يأتي العام القادم إلا وأنا متزوج ولي ذرية صالحة .. طبعا ً كانت النتيجة أنني صرخت في وجهيهما كالمجنون وقذفتهما ببضع حصي وجدتها على الطريق فانطلقا يجريان في رعب , وأدركت أنهما لن يتوقفا عن الجري حتى يبلغان (نيو دلهي ) أو (كلكتا) على أقل تقدير..
وواصلت سيري الصامت الذي يختلط هدوءه مع دخان شجائري العذب..
وأسير..
واسير ..
واسير...
وفجأة سمعت صرير سيارة تتوقف بجانبي , وصوت حاد متحمس يقول:
- " أخيرا ً وجدتك أيها التعس ... ! "
مصيبة جديدة على الأرجح ... هكذا قلت لنفسي وان ألتفت لمصدر الصوت .. ولم أكن وقتها كم كنت محقا ً في كلامي هذا...

- تم الجزء الثالث بحمد الله ويليه الجزء الرابع -

أحمد أمين أحمد محمد 10-02-2007 03:40 PM

الجزء الرابع
 


الجزء الرابع


<< " معذرة ... هل تتحدث معي أنا ..؟">>
كان هذا ردي لذلك الشخص المتحمس الذي توقفت سيارته أمامي بالضبط .. في الحقيقة لم يكن واحدا ً, بل كانا شابين في أواخر العشرينات من عمرهما يبدو عليهما الخبال نوعا ً .. ولم أكن قد رأيتهما في حياتي من قبل ...
- " نعم أتحدث معك أنت .. ألست سعيد محمد ملكاني ؟"
ياللنهار الذي لا يبدو أن له نهاية ..! .. ما الذي تشكو منه ملامحي بالضبط .. مرة يظنني أحد المجرمين تاجر مخدرات يحمل اسم شيء ما موسكو.. وهذا الأخ الظريف يظنني أحمل اسم سعيد ملكاني ... ربما لو واصلت المشي قليلا ً لوجدت من يظنني كوندليزا رايس ..؟!
- "كلا للأسف .. أنا أحمد .. ينفع ؟"
تلفت حوله بشكل غريب وهو يعاود السؤال :
- "هل أنت متأكد أنك لست هو ؟"
- "إن لم أكن متاكدا ً من اسمي , فأنا في ورطة حقيقية لو أردت رأيي"
اقترب الآخر مني في صمت , في حين عاود الأول السؤال في إلحاح سخيف وهو يواصل التلفت :
- "ولكن .. ياللشيطان .. إنك تشبهه تماما ً كانما أنتما توؤمين أو أخوان شقيقان على أقل تقدير .. ربما كا....................."
هنا قطع عبارته ليستل – هو وزميله في وقت واحد – مدية جميلة الشكل من جيبه , ليشهرها في وجهي متوعدا ً العبد بالله بخراب بيته لو نطقت بكلمة ...
لثوان ظل المشهد كما هو من غير أي كلام .. قبل أن أكسر أنا حاجز الصمت :
- "ما هذا بالضبط..؟!!"
لوح بمديته في وجهي :
- "أفرغ كل ما بجيبك من نقود .. الآن يا من لست سعيد ملكاني ..!"
نهب مسلح ..! ... هذا ما كان ينقصني , نهب مسلح ... إن الوقت ما يظال عصرا ً , ولكن أنا أتعرض لنهب مسلح ..!
نقل الآخر مديدته بين يديه بحركة توحي بالحنكة والإحتراف في استخدام المطاوي وهو يقول بصوت يشبه صوت بقرة مصابة بسرطان الحنجرة :
- "إننا لن ننتظرك طويلا ً يا هذا .."
مددت يدي في صمت لأخرج كل ما في جيوبي من نقود .. ولم تكن كثيرة جدا ً , بل كانت تزيد أو تنقص عن مئتي دولار ..
- "أهذا كل ما تملك يا هذا ؟"
هززت رأسي في صمت أن نعم...
- "ياسلام ..هل تظننا أطفالا ً يا هذا..أين محفظة نقودك ؟"
- "أنا لا أحمل حافظة نقود.."
- "ولم ؟!"
- "لأنني لا أملك جيبا ً خلفيا ً ببنطالي ..!"
أطلع ضحكة سمجة كضحكات الضباع الماجنة إياها :
- "ظرييييف ..! .. يبدو أنك ستنتهي في المشرحة اليوم يا أستاذ عادل إمام.. هيا أعطنا ساعتك وجوالك لو سمحت .."
أعطيته – بحماس شديد في الحقيقة – جوالي , فلقد سرني كثيرا ً أن أتخلص من هذا الشيء المزعج أخيرا ً .. وتخيلت في شماته مدى الإزعاج الذي سيتعرض له هذا اللص مع كل مكالمات (عيد سعيد .. السنة الجاية عريس) إياها..
أما الساعة .. فلنا عندها وقفة ..
- "لن أعطيك ساعتي .. فاقد أعطاني إياها والدي.."
- "وأنا مالي ومال أبوك .. قلت لك أعطني الساعة الآن .."
هذه هي النهاية إذن .. لأنني أفضل أن أموت على أن اتنازل عنها..
- "لقد أعطيتك بالفعل كل مالدي من نقود ... كما أن جوالي ليس بالرخيص .. صدقني هذا يكفي ويزيد.."
- "من أنت لتملي علينا الأوامر ... نفذ ما نأمرك به حالا ً وإلا ّ..."
- "وإلا ّ ماذا ؟!"
ابتسم ابتسامة صفراء :
- "لنقل أن العيد القادم لن يكون سعيدا ً بالنسبة إليك .. إن الأموات لا يحتفلون بالأعياد كما تعلم ... ولكن إن سمعت كلامنا – كطفل مطيع – فربما لن ياتي العيد القادم عليك إلاّ وأنت عريس , و......"
وكانت هذه هي القشة التي قصمت ظهر البعير ...أنا يمكنني أن أتحمل هذه العبارة من الأهل والأقارب والأصدقاء , ولكن من قطاع طرق ... لا وألف لا ..
وقبل أن أدعه يكمل عبارته البغيضة هذه , كنت قد ركلته في معدته بركلة جعلت الهواء يخرج من أذنيه .. ثم كورت قبضتي ودفنتها في أنف الآخر .. ودفعته ليصطدم بباب السيارة ويسقط أرضا ً , والمدية تفلت مي يده بعيدا ً..
أم الأول فقد اعتدل ممسكا ً بمطواته ..صارخا ً :
-"سأقتلك يابن الكل........."
ولم أدعه يكمل كلامه بالطبع.. ففي ثانية كنت أرتمي فوقه غير مبال بسلاحه , وأوسعه لكما ً وركلا ً وخمشا ً وعضا ً ...
أعرف أنني لا أقوى على خنق دجاجة ... ولماذا أخنقها ؟ ... لكنني قادر حتما ً على قتل ذئب عندما أجن .. فقط علي ّ أن أنزع عن روحي أغلال الإنسانية وقيود التحضر , وعندها : أنا قاتل..
أنا أمارس دور الحليم كل أطوار حياتي .. ولكن عندما أستفز ّ .. فالويل ..!
بوم .. هذه لكمة لأنك تجرات وأهنت لأبي ...
بوم .. هذه لكمة لأنك حاولت سرقتي ..
بوم .. وهذه اللكمة لأنك قلت لي إن شاء الله السنة الجاية عريس..
بوم بوم (أشد).. أما هذه اللكمة فلأن بسمة تزوجت شخصا ً آخر غيري ..
بوم بوم بوم .. وهذه لأن ليديا لا تشعر بي ..
بوم .. أما هذه لأنني أكره جاري الإيران محمد خان لأنه يترك قمامته أمام بابي..
بوم بوم .. هذه لأن محمد عوض سرق شطيرتي – ساندويتشي – من حقيبتي عندما كنا في الروضة..
هنا توقفت ... توقفت عندما رأيت الدم يغطي يديّ ووجه اللص الذي صار أشبه باللحم المفروم , ووجهي أنا أيضا ً مغطى بالدماء .. توقفت عندما رأيت نظرة الرعب المرتسمة على وجه مهاجمي الذي صار الآن ضحيتي ...
رباه ...
أدركت فجأة في رعب أنني كنت على وشك أن أقتل إنسانا ً ... كدت أن أصير فعلا ً قاتلا ً .. أعمى الغضب عيوني للحظة , فكدت أن أعبر الخط الرهيف الفاصل بين الإنسانية والوحشية..
لهذا يكون القتلة بيننا دوما ً ولكن لا نعرفهم أو نميزهم ... إنهم نحن .. ولكنهم فقط عبروا الخط ..
لعن الله الغضب ... لعن الله الشيطان .. لعن الله الحمق ...
خفضت يدي الدامية في صمت , ثم نهضت ببطء .. حاول الآخر الذي استعاد توازنه أن يهجم علي ّ بدوره لكنه توقف في خوف عندما رأى النظرة المترسمة على وجهي , والتي اختلط فيها التوحش والغضب مع الألم والمرارة ...
التفت إلى الأول الذي مايزال يئن من الألم .. وقلت له بخفوت في صوت أجش :
- "خذ النقود التي أخذتها مني واذهب إلى أقرب مستشفى وعالج نفسك .. واسدي لنفسك معروفا ً أنت وصاحبك المعتوه هذا وتوقفا عن السرقة .. قبل أن تنتهيا أنتما في نفس منضدة التشريح التي يذهب إليها ضحيتكما.."
ودرت على عقبي ...
وواصلت سيري بصمت ..
بصمت له ألف معنى ..
وله دوي كصوت الرعود ..!
***********************
لا أعتقد أن بإمكان أحد الآن أن يتصور كل تلك البراكين التي كانت تتفجر واحدا ً تلو الآخر داخل صدري ...
إن المرؤ يعطي أهمية زائدة لنفسه , فقط لأنه هو .. نعيش أغلب فترات حياتنا ونحن نتفاخر بكوننا لا نقتل أو نسرق أو نقرب المعاصي أو نغش او ... أو .. أو .. أو ..
ثم – وفي أول امتحان – نسقط أمام الإغراء أو الدوافع مهما كانت , ونفعل كل ما كنا نظنه مستحيلا ً أن نفعله ...
وعندها .. تتغير نظرتنا لأنفسنا وللكون بأكمله ... شيء ما نفقده بداخلنا بعد أن نعبر ذاك الخط ..
أهو احترامنا لأنفسنا ؟ .. أهو ثقتنا بقوّة إرادتنا ؟ ..أهي براءتنا الفطرية.. أهي إنسانيتنا نفسها ؟؟.. لا أدري .. لا أحد يدري ...المهم أننا نفقد ذلك الشيء ...
البعض يبحث عنه عله يعيد لنفسه بعض إنسانيته وإيمانه بالكون ... البعض الاخر (وهم الأغلبية) يعتقدون أنهم قد أحرقوا كل سفنهم وأنه لا طريق للعودة .. ويبقون في الطرف الآخر ...
(خير الخطائين التوابون) كما يؤكد ديننا .. ولكن .. كيف نقنع أرواحنا الثائرة بهذه الحقيقة البسيطة العذبة ... كيف نروض ذلك الحصان البري الهائج الذي أفلت من خلف جدران التعقل والتهذيب إلى الخارج حيث الغابات البرية المليئة بالتمرد والهمجية والضياح..
كنت – لحظتها – تائها ً ...
تائها في مستنقعات نفسي .. حيث ضباب الحيرة وتماسيح الشك..
والرغبة في الفرار ..
**********************
<<" أحمد ... مالذي أصابك ... هل أنت بخير ؟؟!!!">>

كانت هذه هي صيحة الدهشة التي أطلقتها ليديا وهي تراني أقف أمام باب شقتها , أشبة بشبح أنهكته السنين...
حقا ً لا أدري مالذي جعلني أذهب لبيتها بعد أن رفضت أنا – بوقاحة – دعوتها ..صدقا ً لا أدري .. فقط كنت أسير وأسير وأسير , لأجدني فجأة أضغط زر الجرس... وتفتح هي الباب..
طبعا ً أثار منظري (المبهدل) خوفها بشدة ... ولهذا قالت العبارة سالفة الذكر..
فتحت فمي لأجيب.. ولكن .. لا يوجد حرف واحد يخرج من بين شفتي ّ المتشققتين .. ثمة غصة عميقة أليمة تخنقني في حلقي , وتمنعي الكلام ..
- "رباه ... مالذي أصابك يا صغيري ... لقد آذوك حقا ً .. ادخل .. ادخل .."
ثم جذبتني من ذراعي كطفل صغير , إالى داخل بيتها .. وعالمها ..
أول ما شعرت به هو أن حذائي يغوص في بساطها أو موكيتها الوردي الإيراني السميك ...
أدرت عيناي في المكان .. شقة صعيرة دافئة هي .. عطرة الرائحة .. رائحتها هي نفسها .. كل ركن يحمل توقيع ليديا .. كأنما خلق هذا المكان فقط ليكون لها ..

- "رباه .. رباه .. أنت مغطى بالدماء .. مالذي حدث لك .."

أريكة بيضاء واسعة ... جهاز تلفزيون عملاق مع مسرح سينمائي منزلي Home Theatre لماركة شهيرة...المطبخ أراه في آخر الصالة .. كل شيء موضوع في مكانة في ترتيب و نظام مستفز ّ ..

- "أجبني يا أحمق , وكف عن إثارة ذعري .. مالذي حدث لك ؟؟!!"

غرفة النوم على اليمين .. فراش وثير وااااسع , مغطى بملاءات وردية ذات نقوش بديعة الجمال.. الجدران مضاءة بانوار زرقاء غامضة مجهولة المصدر تجعلك تشك أن الجدران ذاتها هي التي تشع بهذا الضوء الساحر..

- "أحمد ... أجبني حالا ً.."

بعينين مبتلتان بالدموع .. التفت إليها ...اقترب منها قائلا ً بصعوبة وكل حرف يقتلني قتلا ً أثناء خروجه من حلقي :
- "ليديا .. أريد أن أطلب منك طلبا ً بسيطا ً.."
ربتت على كتفي بأمومة محببة :
- "اطلب يا أحمد.. اطلب يا صغيري .. لك ما تريد.."
سالت دمعة من عيني , قائلا ً في رجاء شديد :
- " أرجوك ضميني إلى صدرك ... أريد أن أبكي .. أرجوك أريد أن ابكي على كتف أحد .. ارجوك ... "
تطلعت إلي بصمت وقد اغرورقت عيناها بالدموع هي الأخرى ... ثم اقتربت مني ببطء .. وشعرت بيدها تدفع رأسي ليستريح على كتفها ...
وانفتحت شلالات دموعي وأنا أبكي كما لمن أبك من قبل في حياتي ..
كنت أبكي بحرقة .. أبكي بشدة..
أبكي بألم...!


- انتهى الجزء الرابع بحمد الله ويليه الخامس -

أحمد أمين أحمد محمد 10-02-2007 04:06 PM

[font=Simplified Arabic][size=5]أغلب أحداث هذه القصة استوحيتها من هذه الأغنية الرومانسية ... وكنت أزمع أن أقوم بتعليقها هنا مع الجزء الأخير للرواية.. ولكن الإغراء شديد أن أنشرها الآن ...
اعتبروها موسيقى تصويرية
تحياتي



http://www.youtube.com/watch?v=dW15HNS12Lg

أحمد أمين أحمد محمد 11-02-2007 09:20 PM

شكرا ً .....

أحمد أمين أحمد محمد 17-02-2007 03:15 PM

الجزء الخامس والأخير

<< " هل تشعر بأنك أفضل حالا ً الآن ..؟ ">>

قالتها لي ليديا برقتها المتناهية ، التي تجعل قلبي يذوب كقالب ذبد ألقي به في مقلاة مشتعلة ...
هززت رأسي في صمت أي نعم ..
- " أتريد قدحا ً آخر من القهوة ؟ "
هزة أخرى صامتة أن لا ...
وغلفنا الصمت ... كنا نتطلع إلى توم كروز على الشاشة وهو يمزق أعداءه بلا رحمة ، وبات من الواضح تماما ً – بعد بضعة طلقات – أنه قد قام بقتل كل من بالفيلم بالإضافة إلى المخرج والمنتج ، والدور الآن على المؤلف أو المصور غالبا ً ..
كنت صامتا ً كالقبر ، فلا زلت أِشعر بالخجل من كم الدموع الذي ذرفته أمامها .. لا بد أنها تظن أنني مجرد طفل كبير آخر ، يهرع ليبكي على كتف (ماما) كلما اصطدم مع الحياة ...
لماذا يؤمن الناس أن البكاء عيب للرجال البالغين ؟ ... إن البكاء ينظف قروح الروح ويخفف من تل أطنان تراكمات صدمات الدهر الجاثمة – كالكابوس - فوق صدورنا ..
إن التركيبة الكميائية للدموع هي نفسها التركيبة الخاصة بالعرق .. لماذا نسمح إذن للرجل بأن يعرق كالخرتيت المرهق ، ولا نسمح له بالبكاء..؟!
لن أفهم البشر أبدا ً ...
- "هل أنت متأكد من أنك لا تريد شيئا ً ..؟"
كنت مستلقيا ً كالجثة الهامدة على أريكتها الواسعة أمام التلفاز .. بينما هي جالسة بقربي على الأرض وعلى وجهها اهتمام وحنان حقيقي ... ثمة غطاء قماشي عطر الرائحة موضوع فوقي ... متى حدث كل هذا .. لا أدري...
- " أنا بخير يا ليديا .. صدقيني أنا بخير .. اهدئي قليلا ً"
كل هذا كأنه حلم ... أحقا ً أنا معها هنا في عالمها الخاص..؟ .. أشياء كثيرة أردت قولها لها لكنها تبخرت .. عواطف كبيض في كيس ورقي رخيص الثمن .. هشم بعضة بعضا ً .. فلم يبقى من عواطفي إلا ّ مزيج غريب لم أفهم ما هو..
المزيد من الصمت المدمر للأعصاب..
تتطلع إلي ّ بعينيها الزرقاوتين الفاتنتين قائلة :
- " فيم تفكر..؟"
قلت في شجاعة نادرة وأنا أنظر لها بجانب عيني :
- " أفكر في أنه لا يفصلني عن السعادة سوى إثنين وثلاثين سنتميترا ً ..! "
مدت يدها وقاست المسافة الفاصلة بيننا .. وغمغمت في خبث :
- " بل أربعين سنتميترا ً ..إن حساباتك خاطئة دوما ً .. أنت معتوه بالنسبة لما يتعلق بالأرقام .. أواثق أنت من كونك مهندسا ً ؟!"
هكذا فهمت هي دعابتي وردت عليها بهذه السرعة الكونية ..
يا ملاكي ..
لن أحتمل أن أخسرك .. لن أحتمل ..
صمت طويل هذا المرة ...
قلبى يخفق بعنف ... روحي الآن باتت شفافة واضحة لكل أعمى ... أعماقي ككتاب مفتوح أمام عينيها ... كل ذلك الكلام الذي كتمته لدهور بأعماقي على وشك الخروج .. سأخبرها الآن.. أنا على وشك أن أقول كل ما بأحشائي ..
ولابد من أنها قد فهمت .. حتما ً فهمت .. فلقد إرتفع صوت تنفسها ، وصدرها يعلو ويهبط في توتر ...
- " لا تفعل يا أحمد .. لا تفعل بالله عليك ... لا تفعل ما أظنك على وشك أن تفعله "
تهرب بعيناها بعيدا ً ...
- " ولماذا لا أفعل ... لم لا أقول ما أريد قوله ؟"
تطلعت إلى أظافر قدميها قائلة في خفوت :
- " هناك أشياء إن قيلت يصبح التراجع عنها بعدها مستحيلا ً .. وبدلا ً من أن تكسب شيئا ً من وراء قولها , تجد نفسك قد خسرت كل ما كان لك.. "
الرسالة واضحة كالشمس .. إنه الرفض ولا شيء غيره ...
صمت من جديد .. صمت له طعم المرارة والهزيمة هذه المرة ...
وتمضي الساعات متوترة ... الرابعة صباحا ً ..
متى ينتهي هذا اليوم المقيت ؟..
هل ينتهي في السادسة بتوقيت (لندن) أم بتوقيت (مالاجاش) أو بتوقيت (نيام نيام)..
سمعنا صوت حهاز صنع القهوة الآلي يرن .. فاستأذنتها أن أقوم أنا بإحضارها من المطبخ .. فلقد صرت أحفظ كل ركن من دارها .. فوافقت في إرياحية..
سألت نفسي وأن أصب القهوة بأقداح نظيفة ، هل من قلة التهذيب أن أستأّذنها في الرحيل الآن ، أم أن العكس هو الصحيح ، وأنه .............
هنا ساد الظلام الشقة ...
وسمعت ليديا تصرخ في رعب ...
****************
كان لهب الوقد تحت إناء الطبخ الذي كانت ليديا تقوم بغلي بعض البيض فيه كافيا ً كي أرى ما حولي ..
مددت يدي إلى شمعة زيتية عطرة وجدتها بقربي ، على رخامة المطبخ ، وأشعلتها ، ثم سحبت سكينا ً عملاقا ً ، وهرعت إلى الصالة لأرى ....
على الضوء الشاحب المتراقص الواعد بالظلال رأيتها ... كانت واقفة على الأريكة وقد أحاطت وجهها بمرفقيها في خوف .. نظرة هلع في عينيها وهي تنظر لي ..
هل رأيتم من قبل إلتماع ضوء الشمعة في عينين زرقاوتين ؟ إنه مرعب !
قلت لها مطمئنا ً :
- " لا بأس .. لا بأس.. إن هذه الأمور قد ثحدث.. ليتك عشت في السودان .. إن عدم إنقطاع التيار الكهربائي هناك هو المثير للقلق ، و ..... "
ثم فطنت أنها ليست خائفة فحسب ..بل هي خائفة مني كذلك ! عيناها لا تفارقان السكينة في يدي.. يبدو أنها استنتجت شيئا ً ما ...
- " لا ... لا تقتلني ! "
نظرت إلى السكينة في غباء ... وغمغمت :
- " مالذي دهاك يا ليديا بالضبط ؟ ... آآه .. أنت تظنين أن رفضك لمشاعري قد جرحني في الصميم لدرجة قتلك .. أليس كذلك ؟! "
- " أأ .. أنت قطعت التيار الكهربي ! "
قلت لها في أسى ، وأنا أقترب منها لأضع السكينة على الأريكة جوارها :
- " حسن .. مادامت ثقتك في ّ منعدمة لهذه الدرجة فاسمحي لي أن أقول لك أنك حمقاء ..ولن يجدي أي إعتذار منك لتبرير موقفك .. وأنا الذي كنت أحسب أن ما بيننا أقوى من البارانويا والهيستريا النسائية .. لكني كنت مخطئا ً كما يبدو .. "
والتقضت سترتي من على الأرض , وأدرت ظهري لها في إشمئزاز متجها ً نحو باب الشقة :
- " حسن .. هذا هو كل شيء..خذي السكينة وتولي الدفاع عن حياتك المهددة بالخطر من قبلي واطعنيني في ظهري.. لا يهم ..هذه هي النهاية بالنسبة لي .. "
ككان هذا كافيا ً بالطبع ....
سمعت صوتها المرتجف يناديني :
- " أحمد ! ... عد ، لا تذهب..! "
أسير متظاهرا ً بعدم الإهتمام..
- " أحمد أنا آسفة .. عد .. أنأ بحاجة إلى حمايتك.. لا ترحل أرجوك .. "
أفتح الباب في برود توئدة لأن أغلقه بعد خروجي في قسوة ...
- " أحمد ! .. عليك اللعنة ... قلت لك إني آسفة .. آسفة ... لا تذهب أرجوك .. "
ولكني كنت قد رحلت ......
********************
الشوارع الباردة المبتلة من جديد ...
ولكن الظلام – بطبيعة الحال – قد صار أخف وطئة ... والجوامح تستعد لإستقبال المصلين لصلاة الفجر...
أسير وقد إضفت لإكتئاب الذي أحمله منذ بداية اليوم (أم هو أمس الآن ؟!) جرح جديد في القلب .... رباااااه ما أطوله من يوم .. ولايزال هنالك للعيد بقية ...
إلى أين أذهب الآن ؟؟!!.. إلى شقتي الضيقة الكئيبة الرطبة ؟ .. أم أجلس على أحد تلك المقاهي الساهرة التي لا تنام ، لأدخن السجائر وأشرب القهوة حتى أصاب بالقرحة وأموت وأترتاح ...
التقطت هاتفي المحمول من جيبي (كنت قد استعدته من قاطع الطريق رقيق الحاشية إياه ) ثم طلبت رقم صديقي السوداني عادل ، الذي كنت أعرفه منذ أيام الخرطوم الساحرة ...
بعد سبع رنات ، سمعت صوته الخشن الناعس يتساءل في رقة من (البهيمة) الذي يتصل في مثل هذه الساعة ، فقلت له مباشرة :
- " إنه أنا أيها الأحمق .. ومن سواي.. "
- " ولكنك لم تقل كلمة .. فكيف أعرف أنك هو من..... "
قاطعته في حزم :
- " لا يهم .. لا يهم.. ما رأيك أن نجلس معا ً في أحد المقاهي ونتحدث .. "
سمعته (يبرطم) بكلمات لم أسمعها ، ولكنني قادر على تخمين محتواها ، ثم قال :
- " لا حول ولا قوة إلا ّ بالله .. هل تدري كم الساعة ... هل جننت .. ثم أنني متزوج يا معتوه .. وزوجتي ستقتلني حتما ً لو رأتني أخرج من البيت في مثل هذه الساعة "
أشعلت سيجارة هي الأولي منذ كرنفال الدموع إياه :
- " لا يهمني كيف ستفعلها ... المهم هو أن أجدك أمامي بعد عشر دقائق فقط ! "
(برطم) مرة أخرى بعبارات تلعن (سنسفيل) جدودي واحدا ً واحدا ً ، ولكني أوقفته قبل أن يصل لسيدنا آدم :
- " عادل .. أجوك .. أنا فعلا ً بحاجة لم أتحدث معه .. "
تغيرت لهجته من السخط إلى الإهتمام :
- " هل أنت بخير يا أحمد ... مالذي حدث لك يا صديقي .. "
حكيت له في سرعة واقتضاب مجمل ما مررت به في هذا اليوم العصيب .. وكانت ردود أفعاله ما بين الضحك وعدم التصديق ...
ثم قال بعد أن فرغت من حكايتي :
- " يا لحياة العذاب هذه ! .. إن هذه المصائب لا تحدث إلا لك أنت بالذات يا صديقي.."
ثم قال لي في حكمة :
- " هل تعرف ما هو الحل الوحيد لمشكلتك هذه ؟ "
- " ما هو يا لقمان"
- " أن تجد فتاة لك .. الحل هو أن تتزوج يا أحمد ! "
قالها دالا ً على حكمة عميقة وفهم غير عادي للعالم ...
- "يا سلام ! .. بهذه البساطة ؟!!"
- " وفيم الصعوبة يا فتى ؟"
زفرت في ضيق ، وأنا أرد عليه :
-" عادل .. أنا (هاملت Hamlet) السوداني .. البطل بلا بطولة .. أقول وأقول أشياء ً كثيرة لكني لا أملك الجراءة أن أفعل شيئا ً واحدا ً منها ... ثم من هذه البطلة التي تستحمل رجلا ً يقضي نصف يومه في العمل والنصف الثاني في القراءة .. والنصف الثالث (لو كان هناك نصف آخر) في التدخين والإكتئاب ؟!! "
- " صدقني هي موجودة ... أنت الذي لا تريد أن تبحث عنها .."
ثم أضاف بلهجة أبوية :
- " هل تريد أن تعرف ما هي مشكلتك بالضبط ؟ "
- "ماهو يا عارف – كل - شيء"
أجاب متجاهلا ً سيل إهاناتـي غير المبررة :
- "مشكلتك أنك مغرور ..."
- "نعم ؟!!"
- " نعم أنت مغرور .. تظن أنك أكثر ذكاء ً من كل بقية الكون .. لهذا أنت لا تطيق جنس الحريم ولا الجنس البشري عموما ً "
سامحك الله يا عادل .. فأنت لم تر بسمة , ولا ليديا ...ولكن ثمة شيء يقول لي أنه هنالك جانب من الصواب في كلامه ...
لكني صرخت فيه بعناد طفولي :
- "هووووووووي .. ما تاخدني في الكلام عشان أنسى ... يللا تعال لي هنا في قهوة بر دبي .."
- "قلت لك لا أستطيع .. ستقتلني ليلى بالتأكيد.."
وأنا – بالذات – أعرف أن زوجته ليلى (من بنات كوستي) قادرة على ذلك .. إن عادل (مع كل كلامه لي بضرورة الزواج والبحث عن قاتلة .. أأ أقصد شريكة) أكبر دليل حي على قسوة الزواج .. كانت في حياة عادل حسن مأساتان :
الأولى : خوفه من أن ترفض مدام ليلى الزواج منه , والمأساة الثانية هي أن مدام ليلى لم ترفض الزواج منه..!.. ففي بيت عادل رأيت الحب الحقيقي (حب منذ أيام الجامعة) وكيف يكون جميلا ً ورائعا ً وهو ينبض بالحياة... ثم رأيت الحب وكيف يسقط صريعا ً بخناجر العشاق أنفسهم بعد أن شعروا بالملل منه...في بيت عادل هذا عاصرت حياة القبلة الرومانسية إياها...كيف تولد على يد الحبيبة عند التعارف ... ثم تنتقل إلى شفتيها أيام الغرام... ثم تنتقل إلى جبينها بعد شهر العسل, ثم – بعد ذلك – تنتقل إلى رحمة الله..
في بيت عادل رأيت الحب يبدأ همسا ً ... ثم تتطور بمرور الوقت ليصبح صياحا ً ثوريا ً .. هي تتهمه بالبخل و(العين الطايرة أو الزائغة) – تهمة حواء لآدم من فجر التاريخ – وهو متضايق بشدة بسبب غيرتها الشديدة و شدة تسلطها وسيطرتها على حياتهما معا ً ... فالحق يقال أنها لم تكن تسمح لعمنا عادل المسكين بأن يدس أنفه في أي شأن من شئون الحياة المشتركة... الشيء الوحيد الذي كانت تسمح له بأن يدس أنفه فيه هو منديله...!
نصحه الكثيرين بأن يطلقها , والبعض الآخر بأن يخنقها , ولكنه لم يبدو متحمسا ً للحلين..
- " لا أهتم... جد حلا ً .. فقط تعال "
لكنه لم يرد ، بل قال بصوت مضطرب :
- " جيبنا سيرة القط ... دا أنا يا ليلى ..الصحّاك شنو.. لا لا .. أنا بتكلم مع أحمد صاحبي .. لا لا والله ما مع السكرتيرة اللبنانية ... والله ده أحمد ... "
ثم قال لي :
- " اله يخرب بيت أهلك .. أسمع أمسك اتكلم معاها عشان تقتنع.. عليك الله .. أحسن تقوم تجي بكرة تشيل لأهلي الفاتحة يا فردة "
ثم سمعت صوتا ً أشبه بهزيم الرعد وزلزلة القنابل يقول في مودة :
- "منو ؟؟!"
في لهجة راقية أقول :
- "مساء الخير يا مدام ليلى .. أنا أحمد"
- "مساء ال (زفت) يا سيد أحمد .. وداير شنو"
- " لا مافي حاجة .. بس حبيت أتونس مع عادل شوية .. "
- " ودي مواعيد تتونسو فيها مع الخلق ؟!!"
- " إنتي كلامك صح .. أنا غلطان "
- "دانيا جنبك ؟؟!"
في حيرة :
- " دانيا منو يا مدام ؟؟!!! "
- " دانيا سكرتيرة الزفت عادل .. البت اللبنانية الصايعة المايعة ديك"
أقسمت – في رعب - أغلظ الإيمان أنني لا أعرف أية دانيا أو حتى أي فتاة لبنانية في هذا البلد..
ويبدو أن قلبها قد رق ّ لخوفي ، فقد قالت في لهجة أقل حدة :
- "كويس .. أمسك عادل ... تاني مرة اشتري ليك ساعة قبل ما تتصل بالناس كده"
- " أعدك بقبر جدتي "
سمعت جلبة أخرى وأصوات غريبةجدا ً تشبه صلقات الرصاص .. قبل أن أسمع صوت عادل المختنق المرتجف :
- "عاجبك كده يا تافه؟؟!!"
اعتذرت له في حرارة :
- "أنا حقا ً آسف لم ... لم أقصد أن يحدث أيا ً من هذا ... بالمناسبة ، صوت زوجتك ينبئني أنها مصابة باللحمية !"
- " مرحى ! "
ثم أغلق السماعة في وجهي بوقاحة...
لا بأس ...
هذا صديق آخر لن اراه بعد اليوم على الأرجح...
مشيت – في ضوء الفجر الشاحب الخجل – متنهدا ً في كآبة .. إلى أين أذهب الآن..
أنا إنسان وحيد ... وحيييييييييييييد ....
فجأة رن هاتفي المحمول .. ووجدت اسم عادل على الشاشة ... أتراها يستغيث بي من بطش زوجته مدام (ليلى فرانكشتين) يا ترى ..
- "ألو .. يسعدني أنك ما تزال بيننا ، وعلى قيد الحياة .."
-"إنه وضع مؤقت غالبا ً .. يمكنك أن تذهب لتعزية أهلي غدا ص بقلب مطمئن .."
ثم أردف بجدية :
- " المهم أنني اتصلت لكي أقول لك شيئا ً مهما ً فاتني أن أقوله لك قبل أن يتم مقاطعتنا"
توقفت عن السير قائلا ً بإهتمام :
- "ماهو ؟"
اجاب الوغد :
- "نسيت أن أهنأك بقدوم العيد ... كل سنة وأنت طيب يا ابوحميد .. السنة الجاية عريس وفارز عيشتك و عندك ........ أحمد !! ... لماذا تصرخ هكذا ؟!!! .. لماذا تبكي بحرقة .. هل قلت لك شيئا ً خطأ .. أجبني ..!!"

تمت بحمد الله

أحمد أمين أحمد محمد 17-02-2007 03:25 PM

http://sudaniyat.net/vb/images/uploa...7105e572c2.jpg

أحمد أمين أحمد محمد 20-02-2007 06:21 PM

إحم إحم
نحن هنا
لا زلت بانتظار التعليقات


الساعة الآن 07:25 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.