سودانيات .. تواصل ومحبة

سودانيات .. تواصل ومحبة (http://www.sudanyat.org/vb/index.php)
-   منتـــــــــدى الحـــــوار (http://www.sudanyat.org/vb/forumdisplay.php?f=2)
-   -   للخوف رائحة ... القصة القصيرة في ليبيا. (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?t=53309)

imported_عبد الجليل سليمان 07-09-2011 02:32 PM

للخوف رائحة ... القصة القصيرة في ليبيا.
 
للخوف رائحة …
حسن بلاسم

كانت تفوح من الرجل رائحة السمك المدخن وهو يروي لي حكايته. شعرت بأنه صادق ونزيه ، لكن هدوءه كان يبدو لي غير حقيقي. لايحالفنا الحظ كثيرا بلقاء من عنده حكاية ممتعة ومثيرة كحكاية هذا الرجل الأصيل. من الافضل القول ( أصيل ) بدل مجنون. فالأصالة أن تحادث الاخرين رغم كوابيس الرعب والألم. السخرية عن طريق الصمت لغة اصيلة ايضا لكنها أصالة يحفها بعض المخاطر. فالساخر قد يقفز الى منصة الغرور أيضا . بينما تواضع المرعوب الذي يفضي بهواجسه وأسراره ، بكل خفة ويسر، هو نقاء وشفافية. لا اقصد المتباكي او الشاكي. كما أظن أن لمغزى حكاية الرجل صلة بهواجسي من سني الشباب الاولى. و كانت مخيلتي قد قادتني الى دروب التعري في حين أن الرجل كان ضحية للعبة الزمن القائمة على ضرب بعض المؤخرات البشرية كما تضرب الكرات المطاطية. في الحقيقة لم أزمع الزهد و لا الخلاعة في أن أكون عاريا بأستمرار. فأنا تعريت في مخيلتي وأبديت الآراء والأفكار ورسمت صورا فنية وحياتية مثل من يمارس جنسا لذيذا. فكل شئ مسموح به : المص، العض، التلوي، الشم، الانقضاض، التشنج، الرعشات، الذوبان، الحر والربيع، الجلد والصفع، الفحيح والزحف، التكبر والاذلال ، التأوهات والخرمشة ، البلوغ والميوعة ، والاختفاء. وكم من مرة قلت إن الحقيقة هي القِدر الذي يغلي في داخلي. أن أجوع أو أمرض . افتح غطاءه وأتقيأ . كنت أتعرى لأغازل ذهني مثل من يدلل امرأة. أتعرى للمواساة. أو لعلي كنت اخلط بين فكرة الصدق والجرأة. او ربما كنت أتعرى كي تتشتت الذكريات المثقلة بالعداء. علي القول أيضا إني كنت أتعرى من دون شعور بالذنب أو إمتلاك الأمل. أنا أتعرى حرا كي أرفع صليب الحرية . لكنني اليوم أخشى أن يحجب عني هذا النوع من الشعر رغبتي في الهدوء. كلا ، ليست في نيتي السكوت. فأنا أخطط لجرائم متخيلة هدفها التسلية لا غير. هي العاب دموية صغيرة قد تصلح كدروس اضافية لطلاب المدراس الثانوية مع مادة تأريخ الاحاسيس. اعرف ان القرف بدأ يتسلل أليكم من هذه الهلوسات ، فأنتم هنا من اجل سماع حكاية الرجل. اليكم اذا حكايته كما رواها لي، وكل عام وانت بالف خير وسلام ، فاليوم هو عيد الموتى في عدد من البلدان.

كان ذلك في الشتاء الماضي .كنت عائدا من جولاتي الروتينية في وسط المدينة. جولات حرة ، الغرض منها " تلقيط الرزق " مثلما نقول في البلاد. كنت أجمع مايمكن الحصول عليه من بعض البارات المنزوية : حديثا عابر ، كسّا ، بيرة مجانية ، سيجارة ميرهوانا، نقاشا فوضويا عن أمور السياسة ، شجارا مع سكير آخر ، أو ازعاج الآخرين بحجة السكر من أجل التسلية. المهم أن يمر النهار وفيه لمسة أنسانية مهما كانت صغيرة… أنت تعرف .. وفي يوم ظهور الذئب تعرفت على فتاة غريبة … بوم الشؤم … هل تؤمن بالوجوه المشؤمة … هناك وجوه تلتقيها شبيهة برموز الاحلام الليلية. أنت فنان ومخيلتك تسهل لك فهم ما أعنيه .. اليس كذلك .. أنتم الفنانون مزارعو حقول الاحلام. هل يعجبك هذا ؟ نعم ، انا اؤمن بالاحلام أكثر من ايماني بالله. الاحلام تدخل فيك وترحل ثم تعود بثمار جديدة. اما الله فهوصحراء شاسعة لاغير. تخيل أن رساما هنديا في مدينة دلهي يعمل الآن في موضوع ما يتكون أيضا في حلم رجل ينام في مدينة تكساس .. اوكي .. كسها وكس امها .. لكن هل توافقني الرأي بأن جميع الفنون تلتقي بهذه الطريقة. وربما الحب والتعاسة ايضا. إذا كتب مثلا شاعر عن الوحدة في فنلندا ، فستكون قصيدته حلم إنسان نائم في بقعة أخرى من الأرض. ولو كان هناك محرك بحث خاص بالأحلام مثل محرك غوغل ، لعثر جميع الحالمين على أحلامهم في أعمال فنية. يدخل الحالم كلمة او بضع كلمات من حلمه الى محرك بحث الأحلام ، فتظهر الاف النتائج. وكلما حُصِر البحث يصل الى حلمه ويعرف انه ما كان لوحة او قطعة موسيقية او جملة في مسرحية. كما سيعرف في اي بلد كان حلمه. نعم ، أنت تعرف .. ربما الحياة .. اوكي .. كسها وكس امها …. كان للفتاة وجه مدهش- بدا كأن أبرة ماكنة الخياطة الكهربائية قد وخزته لساعات طويلة. عشرات الثقوب الصغيرة المتجاورة إنتشرت على بشرتها. قالت لي انها أسبانية. ثم أخبرتني بعد خمس دقائق ان أمها مصرية وأبوها فنلندي. لا تعرف سوى ثلاث كلمات عربية لها علاقة بالاعضاء الجنسية، وشتيمة ضد الله فيها كلمة خراء. العاهرة ، شربت ثلاثة اقداح بيرة على حسابي وذهبت تنتظر في الزاوية المعتمة. ماذا تنتظر برأيك ؟ أكيد زبا آخر يصرف عليها بسخاء أكبر. خسرت انا في ماكنة القمار 20 يورو . شعرت بالانهاك والجوع. ثم لوحت لصاحبة الوجه المشوؤم بحركة مسرحية ساخرة، وصحت قبل ان أنصرف وكأنني أخاطب جماهيرا غفيرة : تحيا الحياة …

في الطريق الى البيت، لم يفارق ذهني وجه الفتاة. خيل لي انني التقيتها منذ زمن بعيدة في احدى الاسواق الشعبية في البلاد. لا ادري لم تصورتها تجلس ملفوفة بعباءة سوداء و تبيع الفلفل الاخضر والاحمر. انا متأكد من أن ثلاث او اربع علامات شؤم تظافرت في ذلك اليوم للايقاع بي في تلك الورطة. اسمع … لن تصدق ماحدث … كالعادة ، ما أن دخلت شقتي خلعت ملابسي وتعريت تماما . كنت في طريقي الى الحمام ، حين لمحته يعدو صوبي من غرفة الأستقبال. قفزت الى الحمام وأقفلت الباب كنت مثل من شاهد ملاك الموت. كان ذئبا ، والله ذئب … لكنك ستقول ربما يكون كلبا … أول الأمر لم يكن هناك حين نظرت من ثقب المفتاح. كنت أرتجف حقا. عم صمت مرعب لدقائق طويلة. وبعد عدد من مرات النظر من الثقب، تأكدت من أنه ذئب. وصلني لهاثه ،ثم رأيته وهو يشم بنطالي ولباسي الداخلي عند باب الشقة. جلس بعدها و أخذ يرمق بحزن باب الحمام.

ذئب في وسط المدينة وفي بناية سكنية وداخل شقتي انا بالذات ! جلست على مقعد المرحاض وأخذت أفكر : لاأحد غيري يملك مفتاح الشقة ، ثم أني أسكن في الطابق الرابع ، وحتى وان أفترضنا أنه … أوكي … طار … ودخل من الشرفة ، فباب غرفة الاستقبال المطل على الشرفة مقفل دائما. تبولت من دون أن أشعر بتدفق البول . كنت كالمشلول ، عاريا فوق مقعد المرحاض وفي شقتي ذئب. ماهذا العبث ؟

أخذت ألوم نفسي وأشتمها. لم أتعر مثل قحبة كلما دخلت شقتي. لو كان هاتفي النقال معي لإتصلت بالشرطة وأنتهى كل شئ. اي كيس قذارة انا ؟ سكير عاطل عن العمل، أجوب البارات لالتقاط رزقي ، ومِن مَن ؟ من محطمين لايقلون عفونة عني. من أناس سحب العالم الجديد واللامع البساط من تحت اقدامهم. خذ مثلا ، أمرأة بدينة في نهاية الثلاثين من العمر تبحث عن مضاجعة عابرة مع مهاجر لاجئ لم يبق برغي واحد لم يصدأ فيه. نحن الذين من دون مؤخرات مشدودة وشهية . لدينا ثقوب للخراء فقط… كسها وكس امها.. حتى الفتاة التي التقيتها في ذلك اليوم ، صاحبة الوجه المطرز بالثقوب لم تقتنع بدعوتي. أنتقلت الى طاولة أخرى وراحت تنتظر زبالة أفضل. لو قبلت دعوتي للنياكة وعادت معي الى الشقة ، لهربت وأتصلت بالشرطة او الجيران. ربما لأكلها الذئب. اي ذئب ؟ مستحيل، لابد أن هناك خطأ في تسلسل أمور الواقع اوهي هلوسة ، كنت أتكلم بهذا الشكل مع صورتي في المرآة.

نظرت من الثقب مرة أخرى. كان رابضا في مكانه. لغاية الصباح بقيت ساعات قلائل. فكرت في أن أحدهم سيقلق على غيابي في النهار القادم . أكيد أنها فكرة مضحكة وغرضي منها مواساة موهومة. فأنا أعيش وحدي منذ سنوات ، ولا أعرف سوى فزاعات البارات المنزوية. وهؤلاء يشبهونني. وحيدون يلتقطون رزقهم . وان لم يحصلوا على شئ، يعودون الى أسرتهم القذرة ليأكلهم الحزن والليل. الوحيدون الذين يمكنهم أن يطرقوا بابي هم جماعة شهود يهوه. وهؤلاء اختفوا منذ مدة. ربما أصابهم اليأس من سخريتي المتواصلة من ربهم. اغرقوني بمجلاتهم. رغم انني كنت استمتع بجملة واحدة من أكداس كتبهم ومجلاتهم. الممتع في تلك المجلة ، هي تلك المحاولة اليائسة للوصل بين كشوفات العلم وقصص الكتاب المقدس. كانت تزورني من شهود

imported_عبد الجليل سليمان 07-09-2011 02:40 PM

السّاعة الحادية عشر بتوقيتِ اللصُوصْ
رضوان أبو شوشه


جَلسَ في مَقهَى الثرَاتْ الشعْبي ..على ناصِيَةِ الطريْقْ الخَرَابْ ..بَيْن َ بُرْجِ السّاعَةِ المُتوَقفة
ومصرف ليبيا المركزي
…طلبَ قهوة وزجَاجَة صَغِيرِة من ماءِ النهْر الصّناعِي
…وتقنفذ على نفسِهِ في كرْسِيهُِ يُفكرُ ّ
…على باشا الجزائري ..الذي أمر بتشييدِ بُرْج السّاعَة
…مصرف ليبيا المركزي..الذي كان بُرْجاً إسمه بُرْجْ المَجْزَرَهْ
…سيفُ البَحْر الطرَابُلسىّ السّاحِرْ..المُدْمَك الآنَ
تحْتَ الإسمنتِ والإسفلتِ والحَجَر والترَابْ مِنْ
سِيْدِى الشّعَابْ إلى سِيْدِى عبد الوهاب
…مَرّتْ سيّارة فخْفخَة ذات دَفع رُبَاعِيّ ،وأثارَتْ الغبَار
…شيْخٌ مديد القامة َيمْسَح الغبار عن عَيْنَيْهِ الجَاحِضََتيْن بطرفِ جَرْدِهِ العتيق، ثمّ تََََنَأنأ بأسَى لعجوز مُحَجّبَة
- الحَمْدُ ِللهْ .. أنا كمّلتْ عُمِْرى
… نَبَسَتْ العَجُوزْ
-يَاوَْيلهُمْ مِنْ رَبّى

…توَقفا فى مُسَاوَمَة طويلة مع بائع مُتجَوّل يَعْرضُ أحْذِيَةْ (سكايْ) مَُصَََنعَة من القمامةِ في الصّينْ…ثمّ توقفا قلِيلا عند بائع عُطور مُقلدَة أمَامَ مدْخَل سُوقْ القزّارَهْ الضّاجْ
…من حفرة بين المصرف المركزي وبرج السّاعة جاءت فرَاشَة مُزَخرَفة بألوَان البَحْر والجَبلْ
…طافتْ حول رأسهِ ثم حَطتْ على كتفِهِ ونبّأته
…الليّلة : فى السّاعةِ الحَاِديَة عَشر..سَيَحْلم لصُوصْ المال العام في ليبيا بيوم الحِسَاب الدّنيَويّ-ما قبْلَ الآخْرَويّ -… ويَرَوْنَ ..في توافقاتِ التزَامُن
بين أحلام اليقظةِ والنوْمِ..مَا لِعَيْن َرأتْ..ومالأذن سَمِعَتْ
ومَا لمْ يخْطرْ على قلبِ بَشرْ
فلا يَعْلمُونَ أقْدَامِهمْ مِنْ رُؤًوسِهمْ ، ولارُؤُوسِهمْ من أقدَامِهمْ
…يُسَاقونَ كالأسْرَى.. يَتدَلدَلونَ .. عَبْرَ بَوّابَةً واسِعَة،
كتِبَ عليها ما كتِبَ على وَرَقةِ االدّيْنَار الليبيْ
(وَلا تأكلوُا أمَْوَالكمْ بيْنكمْ بِالبَاطِلْ )
…الآلافْ وَرَاءَ االآلافْ… يُحَاكمُونَ أمَامَ أرْوَاح الأوْلِياءْ والشهَدَاءْ وعِبَادْ اللهْ الصّالِحِينْ
… ويُتهَمُونَ بأنهُمْ
(…سَبَب الفقر والفسَادِ والهَدَرْ .. في مُجْتمَع مُتخَلف . يعيشُ في القرْن الرّابع عَشرْ…)
..فيُعَضْعِضُونَ على أسنانِهمْ، ويَعَضُّونَ على أياِديْهمْ
…الليْلة ليْلتهُمْ ، يا إلهي ، الليّلة ليْلتهُمْ القاصِمَة ؛ ومَا رَأى أحدٌ قط ليَالِي مِثلها
…رجَعَتْ سيّارَة الفخْفخَة ذات الدّفع الرُّباعي
َطارَتْ الفرَاشَة تتأوّهْ فى الغبَارْْ
…بقيّة القِصّة عِندَاللصُوصْ

imported_عبد الجليل سليمان 07-09-2011 02:43 PM

الموناضة
محمود بنميلود


واحد فقط هو الذي يوزع الورق. الآخرون يراقبونه بتركيز شديد، متفادين بذلك، أية محاولة سخيفة، للغش..لعب " الكارطة" مقابل المال، طبعا حرام. هم يعرفون ذلك، فيلعبون فقط، مقابل " الموناضة " الباردة.
"الحُوسْ " صاحب الدكان، يضع دائما قنينة إضافية في الرف الأكثر برودة في الثلاجة، ويشرئب بعنقه في اتجاه " القاعة "، منتظرا نهاية " الطرح ". الدكان مثل عش، والحوس مثل عنكبوت، واللاعبون في نظره مجرد ذبابات طائشة..
ينتهي الطرح إن عاجلا أم آجلا. وعلى الخاسر دائما أن يفتش في جيوبه طويلا، كأنها مثقوبة، أو أنه نسي ماله كله في البيت، قبل أن يخرج منها ـ بامتعاض ـ الدراهم الكافية لشراء القنينة الأكثر جمالا من ملكة جمال العالم..
بالإضافة إلى الرابحين الذين يتلمظون الآن بصوت مرتفع، إمعانا في السخرية، المتفرجون هم أيضا لديهم الحق الكامل في الشرب من الموناضة حتى آخر قطرة في الكأس، الخاسر وحده لا يحق له أن يشرب، وأكثر من ذلك، هومن يجب أن يملأ لهم الكؤوس حتى تتدفق..
إنهم – على أية حال – ليسوا صغارا. بل رجالا بعقلهم. لديهم بيوت وأسر أحيانا كبيرة. بل حتى من منهم من لديه بيت يتكون من خمسة طوابق كاملة! يسكن هووأسرته في طابق، ويؤجر الطوابق الأخرى كلها للجنود..
كل جندي في غرفة. أحيانا جنديان أو ثلاثة أو حتى كثيبة في نفس الغرفة. لا يهم، ما دامت الدولة "ستخلصهم " في آخر الشهر، " ليخلصوه " هم في أول الشهر، " ليخلص " هو أيضا الماء والضوء ومؤونة البيت بكل مستلزماتها من سكر وشاي ودقيق وزيت وصابون وقنينة عطر "سبع الليل " إلى لا آخره.. و" ليخلص " أيضا الموناضة إن خسر. لكنه ليس معتوها ليخسر بهذه البساطة. فهولا يلعب أبدا إلا بعد تفكير متمعن طويل. رغم أن لعب "الكارطة" يعتمد بالكامل على المصادفة..
طبعا تأجير غرفة لمومس يدخل عليها الرجال دون استئذان، أو لمجموعة من المراهقين ليتعلموا فيها الموبقات السبع، عمل ما أنزل الله به من سلطان. بل هو أكثر من ذلك عمل حرام.

imported_عبد الجليل سليمان 07-09-2011 02:45 PM

كـــــــاردميت
حنان درقاوي

خريف عام 1967


فازت فتاة مليحة تدعى عائشة ومند قرون والنساء في عائلتها يدعين عائشة.

وعائشة هي البنت الاخيرة لاسرة بسيطة من "الكصر" جاءت بعد اربعة اخوة وكانت عليلة حتى انها كانت تنام في الخش ويأتون من حين لاخر للاطلال ان كانت لاتزال حية. وخريف 1967 بلغت خمسة عشرة سنة وكانت فتاة خجولة سبقتها اخت سيرتها سيئة فاحتشمت عائشة وبالغت في الاحتشام وقدمت فروض الطاعة لذكور العائلة وبالغت في الطاعة وتدروشت وبالغت في الدروشة وكان والدها يحبها ويحرسها من اعين الجميع ويعفيها من الذهاب الى الحطب واعمال اخرى شاقة وكاد يقتل فتى ذات يوم بللها بالماء البارد في زمزم.

ضربها ابوها مرة واحدة وكان ذلك بحبل البئر حتى فكتها منه احدى زوجاته السابقات، كان ذلك لان عائشة قصت شعر احدى صديقاتها بزيزوار عثرت عليه في التبن ولايعرف احد في "كصر كاردميت" من اتى بالزيزوار الى التبن. كانت عائشة حلوة وحظوة الشباب وامنية الامهات وكان يمكن ان تتزوج قائدا او باشا وفي عائلتها من امها باشاوات منذ عهد الاستعمار.

في متم يوم الركم حضر الى الكصر معلم بنظارتين اسمه موحى وكان يدرس بطنجة ويتابع دراسته بالمراسلة في السوربون وزميله في العمل رجل اسمه محمد شكري، وهذا المعلم ابن فقير وكان والده تروبادور توفي صغيرا في الاربعين من عمره وصار لموحى اخوة يتامى في عنقه وغادر الدراسة رغم ماكان يتنبئ له به كل اساتدته ففي سن التاسعة عمل محاسبا لعمه بالقباب بالاطلس المتوسط قبل ان يزور عمره ليدخل مدرسة تكوين المعلمين ويصير مدرسا ويحتفظ بطموح الدراسة ويصرف على امه واخوته. وكان حلمه ان يتزوج امراة عصرية تلبس التنورة وتذهب معه الى الشاطئ.

imported_عبد الجليل سليمان 07-09-2011 02:48 PM

حالة إنتظار
عزة كامل المقهور
_________


يفصل المبنى المستطيل عن سوره الأمامي حديقة جدباء تتوسطها نخلة عالية، يفصل جانبيها ممر ضيق طويل يؤدي إلى باب حديدي أخضر. تدل تقسيماتها، وقطع الفسيفساء المتناثرة ، وأثر نافورة نافقة، ورخامات الممر المجوفة على أنها كان لها شأناً ذات يوم.



يمر داخل الحديقة بين الفينة والأخرى نوع آخر من البشر، يتحركون في خيلاء، يختالون بأرواب سوداء وحقائب جلدية، يتحدثون إلى قلة قليلة منهم، حديث المعلم لتلميذه، تعلو أصوات بعضهم، يلوحون بأيديهم في حركات استعراضية، لا يتوقفون عندهم إلا قليلا، ثم يتحركون مجددا جيئة وذهاباً في الحديقة، أو يبتلعهم المبنى المستطيل.

الجميع في حالة انتظار، حالة الانتظار هذه غير محددة، والكل أتى باكراً، بعضهم لم ينم ليلته، يفكر… الآخر قطع المسافات ليصل إلى هذا المبنى، والآخر وصل لاهثاً ظاناً أن الوقت نهبه، ليجد الجميع في حالة انتظار… وعادة ما يطول الانتظار… ساعات، إلا أن الحقيقة أنه انتظار قد مضت عليه أشهر تخللتها مواعيد حضور متواترة لذاك المبنى قد تستمر لسنوات.

ما إن تنتهي الجلسة، حتى تبدأ حالة انتظار الجلسة التي تليها، وهكذا دواليك، سلسلة من الانتظارات… حالة مستمرة، بكل القلق، والتوتر، والاستعداد، والتضرع والدعاء، تبلغ ذروتها بين رحاب تلك الحديقة التي يعيشون فيها انتظارا من نوع آخر، أشد وطأة، وأكثر كثافة، تمر الدقائق ببطء شديد، والكل في حالة استعداد، تتعلق الأعين بالباب الحديدي الرئيسي، تقبض الأيادي على الأصابع، تتحرك الأقدام كآلة الحصاد الصدئة جيئة وذهابا، يطأطي لها الزرع دون أن تقطعه.

تسري حركة مفاجئة في الحديقة، وهمهمات هنا وهناك، ترتفع الأعين صوب الباب الحديدي، لتتركز عليها… تنساب منه وهي ترتدي جلبابا أنيقا داكن اللون يلف جسدها المكتز، تنتعل حذاء بكعب عالٍ يدهس الرخام الصلد الأجوف في خطوات واثقة، قسمات وجهها رغم حداثة السن حادة، تزيد من حدتها نظرة صارمة لا تتجه نحو أحد من الواقفين، ذقنها يتجه إلى الأعلى، لتستلقي صفحة وجهها متوجهة نحو السماء، تزم شفتيها وتمطهما من حين لآخر، تحمل في يدها مظروفا أصفر سميكا تخرج من فوهته حواف أوراق، تتعلق به الأعين كلها، تنظر إليه بخوف واسترابة. تتدلى على إحدى جنبيها، حقيبة نسائية تحف الجلباب حيناً، تخبط جسدها حيناً آخر. تتجمد الحركة في الحديقة، ولا تتحرك إلا هي، والأعين التي تتبعها، تسلك طريقاً غير طريق أصحاب الأرواب السوداء، ما إن تفوت الجموع وتجنح نحو اليمين، متجهة إلى القاعة، حتى تتحرك الجموع بهمة ونشاط، تتبعها، تتلاصق الأكتف، وتتسابق الأجساد للدخول. لتسكن الحديقة الجدباء تماماً، إلا من هسهسة عراجين النخل التي لا تمل الانتظار.

تعج صالة الانتظار بهم، يبحث كل منهم عن بقعة يتعلق بها على الحائط، إلا من قلة سارعت واحتلت الكراسي المعدودة المتناثرة…. كرسي أو أثنان فارغان، كلما اقترب منهما أحد بتردد، هم الآخرون بالتنبيه…. " امكسر "!

هكذا تبدأ حالة انتظار أخرى، يتخذ فيه أولئك البشر وضعاً آخر، تمتد فيه رؤوسهم مائلة صوب الباب المغلق للقاعة المؤدية للصالة، تتخذ الأذن موضعاً متقدماً ، الكل ينتظر أن يتحول إلى ملف ورقم وينطق بلفظ لا تخطئه الأذن هو اسمه. تفتح فتاة في مقتبل العمر ترتدي بنطالاً وقميصا طويلا، تغطي رأسها بإيشارب ملون، ضلفة واحدة من حجرة ضيقة هي "القاعة"، لتعود مسرعة إلى مقعدها بجوار "سيدة القاعة" التي تتوسط مكتباً خشبياً، تحول الملفات المتراكمة أمامها بينها وبين المنتظرين، بينما يتسلل صوتها من الحجرة بالكاد يتجاوزعتباتها، تشرئب الأعناق وتضيق الأعين، وتختزل الحواس جميعاً في حاسة السمع، في محاولة مستميتة لالتقاط الإسم، تلتقي النظرات، تظهر على صفحات الوجوه إشارات الاستفهام، تتمتم الشفاه مستفسرة عن الإسم، ولا تهدأ إلا عندما ينهض أحدهم، تتسارع خطواته نحو الحجرة ليلحق به الآخر قبل أن ينطق باسمه، غالباً ما يكون الحضور مزدوجاً، وأحياناً فردياً، وأحايين أخرى دون حضور.

تؤدى الأدوار داخل الحجرة بتكرار وتواتر في مشهد يعاد في كل مرة، تسلم الفتاة الملفات، الواحد تلو الآخر إلى الجالسة خلف المكتب الخشبي، بعضها وردي اللون أملس، والآخر رمادي أو أزرق مهتريء، منها المكتز ومنها الهزيل، نقشت على أغلفتها أرقام وأسماء، تتناوله منها، تمدده على سطح المكتب الخشبي، تنادي الأسماء دون جهد، تفتحه على عجالة، تخرج منه ورقة بيضاء من صفحتين، تمدها للفتاة، التي تشرع في الكتابة. ما إن تتكدس الأجساد أمامها، حتى تبدأ في التأكد من الهوية، ثم تسأل عن الطلبات، تشيح بوجهها عنهم صوب الفتاة، تتمتم لها بكلمات، تسارع الفتاة بعصبية للإمساك بها وتثبيتها على الورق، يتسرب أغلبها خارجه كقطرات صنبور مياه البلدية، تنظر في ورقة صغيرة أمامها، ثم تملي تاريخا ما، وتمد يدها لاستلام الملف الذي يليه.. توميء لهم رأسها بالمغادرة " تفضل، الجلسة الجاية يوم …."، تنهار حالة الانتظار فجأة، لتتجدد.

تظل الأعين في صالة الإنتظار مسمرة على الواقف داخل الحجرة، وهو يحرك قدميه أو أصابعه، تراقب الحركة الروتينية وكأنها تراها للمرة الأولى. تطفح على وجوه الواقفين أمام المكتب الخشبي علامات استفهام وقلق، نظرات زائغة تحاول أن تفهم ما يدور حولها، أو تائهة في استسلام كامل كأن الأمر لا يعنيها، يرون سنوات وشهور وأيام، وساعات الانتظار المكثفة في الحديقة الجدباء، وتلك المتحفزة للسمع في صالة الانتظار وهي تتكسر وتتبعثر داخل الحجرة، تنتهي الأدوار بسرعة، إلا من حالات معدودة غالباً ما يشارك فيها أصحاب الأرواب السوداء.

تتسع صالة الانتظار شيئاً فشيئاً، يخرج الواحد تلو الآخر، يمر الجميع عبر الحديقة الجدباء، ما إن تطأ أقدامهم الشارع، حتى تعود إليهم آدميتهم، يشعرون بأنهم بشر بعد أن كانوا أرقاما متحركة، وملفات ميتة، تسري الدماء في عروقهم، يشعر كل منهم بذاته من خلال الحركة الصاخبة من حوله، تعتدل قاماتهم، تسير بهم أقدامهم أين يشاءون، لتبدأ حالة انتظار جديدة، تصل ذروتها في تلك الحديقة الجدباء.

imported_عبد الجليل سليمان 07-09-2011 02:58 PM




شفة البحر
محمد الأصفر

( 1 )

الشفة العليا تلطم صخر الشاطيء ، والسفلى تجرف قواعده .. يحدث هذا في جمجمة البحر . فالفكان يتحركان مادامت أمامهما شواطيء … وإن اختفت الشواطيء سيفقد البحر شفتيه ، ويمضغ نفسه إلى أن تغرقه مياه الأمطار ، آنذاك تصير الشمس كئيبة .. والقمر أكثر كآبة .. والنجوم ستتباعد باحثة عن بحار أخرى .. زاخرة بالشطآن الوسيعة ..

في درس الأحياء ، سأل التلميذ المعلم : لماذا لا يتحرك الفك العلوي في جمجمة الإنسان رغم تأييد قوانيين الجاذبية له ؟

بعد مقدمة طويلة عن المطرقة والسندان والطزاجة المحصورة بينهما … تلا المعلم الإجابة المدونة في الكتاب المدرسي ، غير أن التلميذ لم يقتنع فأعاد السؤال في الحصة التالية على معلم الفلسفة الذي أجاب : هذه هي الحياة لا تحتمل فكين ، فما بالك متحركين ومتقابلين ومليئين بأنياب المطاحن القاطعة .

( 2 )

قـرب الميناء رمى سنارته في المياه الملوثة بروث السفن ، هذا الروث الذي أفقد الأسماك أبصارها فضلت طريق الخروج الذي يحتاج دائما إلى عينين مفتوحتين ..

ملأ سلته بالأسماك العمياء … وقال في نفسه لاتسألونى لماذا الصيد وفير على ضفاف الموانيء ؟ ثم نزع نظارة سنارته كي لا تراه فكاها ..

بعدها تأمل في يومه وقال للملأ في نفسه : فم اليوم مطبق … شفة النهار ترتفع ..شفة الليل تنخفض .. فيفتر الفجر عن ابتسامة عذبة .. الشمس تحتفي بها فتشرق والعصافير تحتفي بها فتزقزق والبشر أيضا يحتفون بها ، فيحترقون إن تماهوا مع الشمس ويجنون إن تماهوا مع العصافير … والولادة شفة والموت شفة ومابينهما فسيح من المتاهات الطازجة ..

في المساء كان جائعاً باردا .. مضغ قطعة سمك .. حاول بلعها .. توقفت في حلقه .. فنظر من النافذة ليري الشفة العليا تمضغ الصخر والسفلى تجرف قواعده ، انزلقت قطعة السمك .. وارتفعت رائحتها .. زاد قطعة أخرى وأخرى .. حتى شبع .. ثم تجشأ .. واستدار إلى ساعة الجدار ، يعبث بأصابعه في عقاربها محاولا تخليص بضع ثوان من بين فكي الزمان أعاد الكرة باستخدام اصبع مــن ( الروج ) !!



حب بدل فاقد

وصلت ذات مرة إلى شفا هاوية من يأس .. استجمعت شجاعتى وقفزت .. مت بإرادتي .. فلم يقبل موتي .. عدت إلى شفا علو من أمل وارتفعت .. لأجدني إنسانا مضيئا من جديد .. تتقاطر من أسمال كينونتى ومضات مبللة .. أضاءت دروبي بنور معوض لإنسان دقات قلبه حبات غلة سبق طحنها وتم تدارك ذراتها بالجمع قبل أن تخبز أو تعصد طعاما لغير المستحقين .. أنا إنسان بدل فاقد .. لم يرض أحد بموتي أو بحياتي .. علي أن أكون كما وجدت .. أولد وألهث وأموت .. ليس بإرادتي .. البداية إجبار .. والنهاية إجبار .. أنا قطار لا يطرد الراكبين .. ولكن أحيانا يحلو لي أن أتمرغ كحمار !!

من على كاهلي انهمرت وريقات المشاكل … تألمت من وخز اللامبالاة … ساحت على الأرض .. وفي الأرض !.. تكثفت .. وطارت باحثة عن كائن علوي مصمغ بالتشاؤم لتفكه وتولد دافئة راوية لجفاف التفاؤلات اللامحظوظة ..

كاهلي خفيف .. رهيف .. طحينى ضبابي .. هلامي .. يبحث عن هموم ليتماسك ، الشوائب ضرورية لصدق اللمعان .. اللامبالاة تشبثت بالهم الضروري .. إذن .. سأحب .. سأحب أي أنثي مملوءة بالكذب .. وصدقها بالنسبة لى أن تعترف أنها كاذبة ... سرعان ما وجدنا بعضنا .. وتمتنت العلاقة .. صارت أمتن من حبل ميناء … كلانا كاذب .. معترف بكذبه .. إذن كلانا صادق ساخر من صدقه .. لابد من تدعيم الكذب بشوائب من الصدق الصريح .. وفق ناموس التماسك واللمعان ... قلت لها .. قالت لي .. أحبك ..

نطقنا الكلمة في نفس الآن .. في المرة الثانية نطقنا بطريقة أوّهت الصدى وجعلته يلاحق شهيق الاستماع ، وفي الثالثة نضب منه الزفير ، وفي الرابعة صدقنا وافترقنا متعطشين لحب بدل فاقد ..!!



بصيرة

( 1 )

الساحة مقسمة إلى حلقات ، تحيط بها العربات التى تبيع عصير البرتقال والتمر والمحمصات . الحلقات مكتظة ببشر يسترزقون ، بالرقص بالسحر بالغناء ، حواة الثعابين والأفاعي وفقهاء البخت والنصيب ودراويش يطلبون ويطّبلون ويرطمون أصابعهم الملبسة بالمعدن ببعض مع لف رؤوسهم التى تكسوها الطرابيش فترى ( الشنوارة ) تدور وتدور ، وباعة الماء بلباسهم الأحمر يقرعون أجراسهم ويسقـون العطاشى ، وعربات الحصانين وسيارات الأجرة تتقيأ السائحين ..

كل العربات البائعة تفتح إلى الخارج فالذين داخل الساحة لا يشترون !!

( 2 )

أصعد مطعما فوق السطح ، اتغذي الكسكسي وأنظر إلى تحت ! فأراهم يرقصون ويغنون والعربات المتلاصقة المرقمة تبيع للمارة ، والسواح يشترون من الخارج ، وداخل الساحة تلتهم مشاعرهم المرفهات الشعبية ولايدفعون إلا بعد استجداء ذليل ..

وعندما يحل المساء يخرج الحواة والراقصون والفقهاء وتفترش الساحة المطاعم المؤقتة وتفتح العربات أبوابها إلى الداخل . . البيض الملون ، الحريرة ولحم الرأس والسمك والقواقع والحلزون والكباب.. . والسواح يلتهمون الزاد على أصداء أنغام النهار الذي مضى بدقائقه النحيلة الجائعة ..

( 3 )

فى ساحة جامع الفنا (1) فتحت حلقة وصرت حاويا أتاجر في الكلم بنوعيه ، والوعود والدعوات المباركة ، أقرأ الكف والفناجين والطواسي والطناجر وحتى البراريد ، ولكنى فشلت أن أقرأ الغرابيل والأقماع والكساكيس فبكيت حتى أغمي علي وعندما صحوت اقفلت حلقتى ب ( خوطة حوطة واللى يقربها أمه مخبوطة ) وذهبت إلى سيدي بالعباس هناك التقيت فقيهاً أعمى شكوت له عنتي في قراءة الخروم والمثقوبات ..فضحك بهستيرية مخيفة لم يتوقف حتى دسست في يده خمسين درهما عندها همس في أذنى : اقرأ الطوالع ببصيرتك العمياء !!.

( 4 )

في الصباح عدت إلى حلقتى وبدأت عملي ، كانت أول زبونة فتاة مغربية ترتدي برنساً منكفئا إلى الوراء ، قلت لها : لماذ تتركين المغاربة وتأتين إلى الأجانب ؟

قالت لى : لاكرامة لنبي في أرضه .. قلت لها : أنا عربي والمغرب أرضي .. فابتعدت جرياً وبرنسها يدفع ظهرها قائلة: لا أتكلم في السياسة ياوخي ..

أسندت خدي على كتفي أستمع لتوترات جسدي وأتطلع إلى البقعتين اللتين خلفتهما أمصال ولقاحات الستينات على أعلى ذراعي !

جاءت زبونة ثانية سألتها نفس السؤال أجابت : زامر الحي لا يطرب .!..

قلت لها : انا زامر عربي زيتوني النزعة!!

ابتسمت ولم تهرب ، قرأت لها كفها المنقوش بالحناء وكفها الآخر ، وتطورت قراءاتي فقرأت لها باطن قدميها ، أعطتني عشرة دراهم نصف درهم لكل أصبع .. زبون آخر مد خمسة وآخر عشرين وسائح ياباني خمسين وفي نهاية اليوم وجدت حصيلة لا بأس بها ، تكرر الأمر.. فاشتريت مظلة وصندوقاً أجلس عليه وكرسيين ، وازدهرت حلقتى وتمطت قراءاتى لتصل إلى البطون والسرر والحلمات والظهور ، كنت ألبس نظارة سميكة.. . حتى أتبين مسامات الجلد من خلال الزغب الذي يحرقنى ..!، اخترعت مرهما لإزالة الزغب وفتحت موقعاً على الإنترنيت ومكتبا في إحدي عمارات شارع مولاي محمد الخامس وفرعاً للحالات المستعجلة في فندق عشر نجوم ، صرت أقرأ للخاصة بالمواعيد وقروشت ودرهمت ودولرت ، شغّلت حتى سكرتيرات ومترجمين ولكن رغم كل هذا الثراء لم أترك حلقتى سبب شهرتي في ساحة جامع الفنا .. ففي كل صباح أتدثر باسمالي البالية وألوث وجهي بدقيق ( الفارينا ) ونخالة الشعير وأتقرفص على صندوقي العتيق منتظراً الأرزاق مثل كل الحواة والمشعوذين في هذا العالم الهاروتي الماروتي .

( 5 )

وذهب الصيف والخريف وهلّ الشتاء .. فجاءني الفقيه الأعمي الذي أعطاني سر القراءة بالبصيرة العمياء ، رحبت به أيّما ترحيب ، شبكت له كرسيين لكبر عجيزته! ، طلبت له براد شاي منعنع وطبق حلوى شباكية وتمراً وفطيرة مسمنة بالعسل وزيت الزيتون و(حارة ) بيض مسلوق وسيجارتين من الكيف المخدر! ، توقفت عن العمل رغم قدوم بعض الزبائن الأسخياء ، قلت في نفسي ربما محتاج ، فدسست في يده ورقة 500 درهم .. ابتسم لى شاكرا ثم خلع نظارته السوداء وتطلع إلى شمس الصباح ، ابتسم أكثر دون ضحك ، تأملنى في شره ، صار يغوص ببصره إلى عمق أعماقي ، لم أقابل عينيه خشية سلبي عن طريق التنويم المغناطيسي!!

ابتسمت معه ونظرت معه حيث نقل طرفه إلى أشعة الشمس وهى تتسلل من سحاب ( اوريكا )(2) المثلوج ، رشف من الشاي ، رشفت من الشاي ..

قال لي: قل مبروك .. قلت : مبروك مبروك هل تزوجت ؟!

قال : لا ياصديقي .. ولكن أجريت جراحة في المستشفي أعادت لي النور فجئتك متبرئاً من نصيحتى السابقة …!
_______________________

هوامش :

(1) ساحة الفنا : ساحة تاريخية من معالم مدينة مراكش .

(2) اوريكا : جبال تكسو قممها الثلوج على مشارف مراكش ومنتجع سياحى .

imported_عبد الجليل سليمان 07-09-2011 03:03 PM

قصص قصيرة ... آمال فرج العيادى
__________________


تحــــــــــلل

التقيتها صدفة ، نظراتها تبرق بحزن ، تحملق بعينيها البادية كريشة فقدت السيطرة على ملامح مكان ما ، تقف محدقة دونما اكتراث بذاك النورس الوحيد ، رغم التفاف النوارس من حوله إلاّ أنه يصدح مناجياً الغيوم المتهادية في عنان السماء ..

آوه .. ماذا بشأن تلك الحسناء مرهفة الحس ، متى تفيق لتعلم أَنَّ قطارها لم يسلك سكة تريدها .. ؟

كيف لها أَنْ تقتنع أنه لن يقوى على الوصول في هذا الزمن الموحل ، فجسده وقع صريعاً بين جرثومة الصدأ وفيروس التآكل ، المسكينة لا تعرف أنها دخلت عالماً صامتاً مليئاً بالنكد واستقرت في جُبِّ مدينة خرساء .

تقف على إسفلت جاف هو نتاج قلوب محترقة بالأسى ، مدينة " ديوجين " ، انعدمت .. بل انكتمت كل الأصوات .

والصادع الآن هو أرشيف انتظار صامد يبعث صدى أنَّات تنكسر وتلتئم سريعاً ..
الاغتراب نقمة حلت بها .. لعنة لحقتها .

- هل ندعها وشأنها ؟ لا أدري ماذا أفعل ؟

إنها لا تعبأ بشيء سوى الامتثال لرغباتها المجنونة في انتظار ذاك المنطلق المهدد بالانسلاخ عن قضبانه المائلة والمنحدرة .


هفيف النبـــــض

انصهرت شمعة النهار في بوتقة الليل ، في زمن تبلد فيه الاستغراب وتطايرت فيه سموم خداعة تكتم أنفاس الحياة ، ترى كيف تعبر سائر المخلوقات عن ألمها ؟!
بالدموع أم بالصراخ ؟!

أودُّ تطقّس مشاعر العصافير مثلاً !

لنفترض أنها قلقة .. حائرة !

هل ستجري أمورها على سجيتها ؟

أشعر أَنَّ دموعها مزيجاً من أملاح السمفونيات الصاخبة .

أجوب غابات جُعبتي ، اتـفقد ثمار أفكاري ، أجدها عششت بحضن مُزهر ، شمسه خصبه ، ربيعه أزلي ينهك أفواه الديدان .

- أين نحن ؟ ما الذي حدث ؟

كأننا لتونا التقينا .. افترقنا .. التقينا .. افترقنا .. ودواليك ..

كأننا بندول مشنوق في شروق وغروب أبدي .

هناك ثمة إرادة .. تبعثر كل حبوب القوى ، فوق أنوف الجبال القاحلة ، هل ستشمنا الجبال الزاعمة .. إنها لن تركع .

وجدنا أنفسنا دون أَنْ ندري منجذبين لأنين ناي .

أنين كرماد القلوب لزهرة الماضى .

عفوية الحياة تمحق عبثية الأحلام .

لا نملك سوى أَنْ نتـفاعل مع ذاك النواح ، كما لو كنا أفاعٍ مسالمة ، ماذا لو وجهنا الناي صوب خُرم يضحك في طبقة الأوزون ، ترى ما تقول العصافير بهذا الخصوص ؟

ترى ما نقول نحن بهذا الخصوص ؟

نعرف أننا نحيا على أرض بركانية كثيرة الثقوب .لكن مزاج البراكين مبهم . لا زر له حتى يداس صباحاً كي يحيي أعلاماً لا تهف ولا ترفرف .



نفـــض مجنــون

قطرات الأمل تبخرها الحرقة ، ابتسامة الأطفال تزيح الاسترة المعتمة تدفع بالبخار المتسرب للرحاب الواسعة .

هل ستتصاعد قطرات الأمل لتتكاثف في الفضاء مكونة أمالاً ماطرة ؟
تضع رأسها على وسادة من عوسج الهموم ، مُطرزة بالمرارة ، فارزة خيوطها الواهية من فم حزين ، قدماها تطأ على جميرات منطادية ، ترمي بها في بحيرة الألم المشتعل ..

لا شيئاً جديداً ترى . الأشخاص ذاتهم .. الأشياء ذاتها ، السماء هي السماء ، المكان هو المكان .. الأرض حرباء ! حرباء غارقة في قوس قزح !!

مسكين .. مسكين قوس الشتاء .. ظامئ دائماً للشروق ليرى ويطلب النجدة.
لنفرض أَنَّ الزمان ذاته الزمان ، كيف سيكون الحدث ؟
هل ستتلاشى الملوحة ؟
أم طوفان اليقضة سيغرق في ظلام السُبات ! ؟
ماذا عن لهيب المنطاد ؟
هل سيرفع أم سيضيء ؟
كم نحن ثقلاء على السماء .
انفضني حبيبي لأصير ريشة ،
وأطير دون مَنِّ النار !

imported_عبد الجليل سليمان 07-09-2011 03:15 PM

قيد أنملة
مريم الأحرش
________

(تحية)

تحية بطعم الشهد، أهديك..

أتحالف هذه المرة مع الصمت، علني أفلح!.. لن أضيف شيئا حتى لا تضيع مني.

الوفية والمخلصة على الدوام.

(قصة)

يبدو أن التعب أهلكها. نظرت إلى الساعة:

- إنها الواحدة صباحاً.

قررت أن تنام، وتدفن فرحتها. لبست طرحة الجراح.

(نـبأ)

حمل البريد إليه رسائلها المتتابعة والمرفقة بالورود، في انتظار الرد.

يبس وجه الورد، وحجب الصمت ضجيج المشاعر، وارتحل الحنين.. ولم يأت شيء!

(أنـيـق)

نام.

حلم استيقظ.. قلب أثوابه الرثة على جسده. أومأ بشفتيه.

- ههْ.. ملابس أنيقة.

وعاد للنوم

(الرحيل)

همست في أذن الوردة بأسرار غريبة، تفهم مفادها.

تنهدت الوردة، وأعلنت الرحيل إليه.

(حـب)

ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفية، قرأ فيها أنها تحبه.. بصمت.

(مطاردة)

أطلق خطاه للريح. ركض طويلا. تقطعت أنفاسه، كما تقطع نعله فقذف به بعيدا.

أهلكه التعب فآثر أن يستريح وينام. توسد ذراعه.

مرة أخرى، وجد نفسه يفر وبيده قطعة شيكولاته، باحثاًً عن مكان لا تراه فيه العيون.. جلس.. نزع عنها الغطاء.. تشبث بها، بدأ بامتصاصها كطفل رضيع يتعلق بثدي أمه، يخشى أن يفقده.. تلذذ بها.

فجأة.. استيقظ. وجد نفسه يمص إصبعه. فرك عينيه:

- "كم هو حلم جميل !! "

(ويظل الجرح أعمق - 1

حبس أنفاسه المتلاحقة، وهو ينظر في الفراغ، وسياط القدر تجلد ثنايا الذاكرة.

سكنت صورتها كل مكان يلوذ به هارباً منها وإليها.. كيف وهي الآن في أحضان غيره.. كيف وهي الآن.. تسربلت الأشجان قاع الذات ونيران الذاكرة تأبى الخمود والانطفاء، عله ينسى جراح الأيام.



(ويظل الجرح أعمق - 2

تسربلت الأشجان قاع الذات، ونيران الذاكرة تأبى الخمود والانطفاء، عله ينسى جراح الأيام.

سكنت صورتها كل مكان يلوذ به هارباً منها وإليها.. كيف وهي الآن في أحضان غيره.. كيف وهي الآن.. حبس أنفاسه المتلاحقة، وهو ينظر في الفراغ، وسياط القدر تجلد ثنايا الذاكرة.

(نداء خفي)

راودتها فكرة الخروج من البيت، لبست معطفها، عدلت غطاء رأسها دون أن تنظر في المرآة.

دلفت إلى الشارع غير عابئة بالكلمات التي يتلفظ بها بعض المتسكعين، ولا بسرعة السيارات في الطريق.. أرادت أن ترمي همومها وأوجاعها وكل ما يقلقها في قارعة الطريق، دون اكتراث.

فجأة سمعت صوت من يلهث وراءها ويناديها:

- ماما.. ماما..

خفق قلبها للمفاجأة الطفولية الرائعة تداعب شيئاً خفياً بداخلها..

- ماما.. ماما.. شد معطفها.. ماما..ما..

التفتت إليه، طأطأ رأسه، بعد أن هش لمرآها:

- ظننتك أمي..

نظرت إليه بحنو، مسحت شعره.. ومضت.

imported_عبد الجليل سليمان 07-09-2011 03:21 PM

خلـهـــزات
أمال العيادي
_________________



على آرائك مزعفرة تستلقي حكايا قرنفلية، ترتدى منامات منسوجة من شغف قلبي، وسائدها زاخة بالنبضات.. حكايا متشاجية تواقة للنعاس.. حلم عشق الصحوة، دوي رصاصات. أفواه مشرعة.. شفاه يقتحمها الهذيان.. ثنايا خاوية.. محارات الترويج انطبقت على خاماتها.

- غريب!!.. من سمح للنجدة بالتنجيد دون علمنا!؟

ألسنة يأسرها اللا توازن.. تعاطت سفيف الخدر من أقواس الفندق البلدي.. بعد أول نشقة أطاحت ألسنته بحراس الكلام.. أمواج التدبر مائجة في بين أجواف النفايات.

قضيت يومي أتتبع السحب الراكضة صوب البحر.. أتأمل قدرتها على معايشة ربو المصانع وسعال كاتمات الأصوات الزافرة.. استدرت يمينا وشمالا. فوهات الضجيج خمدت حممها.. صدق حدسي.. هاهم يفرون.

- كيف أكبحهم عن هسترتهم تلك؟

- استفحلت الهسترة.. استحال وقفها الآن!!

- ربما لاحت لهم نوارس مكممة، أو صقورا تفقأ أعينها في زمن بليد!

وحش المستنقع احتسى أنخاب العفن وعاد منتشيا ينبش ما تبقى من عشب وليد.. رقاب متهدجة ومحاور نظر تنزلق صوب فاجعة وشيكة.. هواتفهم معطلة وعربات الإسعاف ستصل بعد أزلٍ كبيس.. اليوم خميس.. مستشفى الجلاء مكتظ.. كسور مركبة.. جراح غائرة.

- كم برميل نفط سننفق لو خصصنا معاشا شهريا لكل مومس وطنية؟

التبس عليّ الأمر.. حملقت في السماء. سحابتي تنتعل حذاء ملمع ببياض رمادي.. سقط بصري على طفل حاف.. قبّلته مسدية نصوحتي.

- شن دخلك؟

الإحساس ذاته يستوقفني.. طفل يسعل هذه المرة، أسعفته بقبضتي على ظهره فسرت فيه رعشة طريّة..

- أنّل: التبغ؟

- . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

- حافي القدمين أدهشني، وجدته أمامي يعيز عليهم.

- فرصتكم الكل نيام... ن ي ا م.

- دعونا نحوم.

- بين الليل والنهار.

- بين الأرض والسماء.

- بين متاهات البين.

السراويل تفسدها المغاسل فتتقاطر مزقا على الحبال تحت أي طقس.. الرعد ليس وحده الفزّاع.. مباراة العبث دائرة على قدم وساق.. ثنايا أسمال المتسكعين.. تنتفخ بالقناني المتأهبة.

- سنجلس في أي مكان.. النجدة مش فاضية.. أعراسها ما لها حد.. وأخرى أعيادها.

- مش (الكلمة كلمتي).

- وتشاكست الملامات.

- دعونا نبحث عن زاوية سوق لم تطلها نيران العجز.

- عتبة مصرف نجت من الاختلاس.

- جدار مدرسي سلم من الأثلام.

- أو حتى شبه مطعم خلى من زفائر العطن وخضر الصوبات.

الوقت أصيل.. الشمس هبطت حرارتها.. الفوضى لم تعد حكرا على الألسنة.. التقمتها الأبواب وواجهات الأسوار الكابية الخرساء..

- أيتولى لسان القمر منصب الشمس ذات حين؟

- أيخشى السكارى ذاك البعيد بكرابيجه الكثر؟

- كل ثمل يتجرع خلسة ماسحا بطرف الكم.

المواطئ تحتهم تفاقم تسبخها.. عضلاتهم تحولت لندفات قطن خشن.. بينما السماء تمطرهم رذاذا من فراشات الزعفران وسط عبق أنسام تفوح برائحة حناء تمازجها بترحاب نكهات قرنفل حار.. حبوب تناثرت من الجيوب.. وقطرة عيون تمردت فتدبقت دافئة من الكوّات الضيقة.

- مهلا. مهلا

- العُبّاث يجأرون. (يسحلونتنجستن) المصابيح.

- أعين الضوء. الضوء. أما سإمتم فقأها؟

- نريد جولة أكثر إثارة‍

- التبلد قسم ظهرنا مذ بكى عبد الله الصغير‍

هرج ومرج اعترى الزمرة الدائخة. استماتت قلوبهم! تحت عمود مائل تحولقوا همّ اثنان بتحويل اسنانهم الى (كور بلياردو).

- أين سنلعب ؟

- على وجه القمر

- الكور أين سنسقطها؟

- سنفقأ. سنفقأ

- أين العصا. الدور لي؟

اشتعلت حماستهم. هتف أجهرهم..

- نحن زفّار الظلام.

- (منور).

اتجهوا للبحر.. النوارس غدت مهووسة بالتحويم.. مستنقع العفن تحضض.. المواسير تحتضر أما صهاريج التصاريف فغاصة بالكبابيد والأجنّة المتفسخة موؤدة الحلم..

- عرقك يتأجج لا تحرجنا بطلب المزيد.

- . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

هشّموا زجاجة وأخرى.. وأخرى... تباعدت. اعتليت ربوة.. (منارة خريبيش) تومض لاتساع

البحر.. رياح تدفع سحابة النعل.. تغمس المحمولات في لظى الشفق. أمواج تغمر الطريق بثـفنها ورذاذها المملح.. فتحت عيني.. فتحت عيني. في فجر الحلم أبصرت بأناملي المحناة..


imported_عبد الجليل سليمان 07-09-2011 03:24 PM

معطف الأسئلة

إنتصار بوراوي

_______________
صورة بعيدة لطفلة مسجونة بين أيادي الأطفال تحاول إزاحة الأيادي المتشابكة.. ترفع يديها بقوة نحوهم ولكن اليدان ترتدان مهزومتان أمام قوة الأيادي المتشابكة..??
تسمع ببعضها والمحيطة بها صوتها الطفولي يصيح: أخرج من هنا.
فتجيب مجموعة الأطفال رافعة أياديها المتشابكة في وجهها: باب حديد
كل الطرق جربت مر الزمن. ونفس السؤال يتردد في الأجواء والإجابة لا تتغير.. والوسائل لفتح الباب الحديدي.. ولكنه لم يزد سوى إصراراً على مناعته ولم تعد الأصوات التي تجيبها طفولية صغيرة.. غدت أكثر خشونة وأكثر قوة فيما صوتها.. أصبح أكثر ارتجافاً وضعفا، السؤال بداية المعرفة وبداية لما لا يجب معرفته

كانت لا ترتوي من الإجابات الجاهزة وتصر على البحث عن إجابة خاصة..?.. ولكنها بها أشياءها المبعثرة المتشكلة في صيرورة أيامها تشاركها أسئلتها العقيمة.. ويتأرجح سؤال الفقد في أيامها وتلهث باحثة عن جواب دون جدوى، كان أي امتلاء طارئ في أيامها يثير في نفسها ارتقاب للفقد.. اقترحت إجابة ذكية لسؤال الفقد

زينته في صفحاتها البيضاء وجعلته أليف الروح الدائمة وعلقته كوسام فوق خارطة قلبها.

وتتدحرج الأسئلة لتسكن في قاع الروح التي تتأرجح ولا تدرى أيهما يسكن الآخر.. الماضي بتفاصيله الدقيقة هو الذي يسكنها أم هي التي تسكنه.. تتساقط الوجوه تتلاشى وكأنها لم تكن ولا تترك خلفها سوى غصة في الحلق.. تتساقط الوجوه والزمن لا وجود له الزمن كذبة أخترعها البشر ليضعوا فوق مشجبها أخطائهم.. روحها هو الذي يشكل زمنها ?يهز وفشلهم ما يبرق.. الزمن خدعة لن تكبلها وتشدها لنقطة لا محل لها ولكن الآخرين لا يدركون ذلك.. أغمضوا أعينهم عن رؤية الحقيقة واستتروا بسياج الوهم الذي اختاروه بمحض إرادتهم.

هي هناك وحيدة وليست وحيدة رفيقة ذاكرة لا تصدأ وقلب طرى وباب الحديد مقفل.. فيما أسئلتها كانت تلهث خلف أجوبة لم تجدها مطلقا فكيف لها أن تبتكر ساحة للصمت فيما الأسئلة لعنة المعرفة الأبدية للوصول إلى يقين مؤجل.. يقين يتكتل كل ما حولها لهدمه ويضل سؤالها يتكرر: اخرج من هنا؟

عند كل منعطف عند كل انحناءة تبحث عنه في وجوه الآخرين وترسم صورة للآخر الإجابة وتطوى السنين وكأن الأخر لاوجود له محض صورة للمطلق الذي أعطيها.

لن يتحقق.. كل الوجوه تتساقط أمام بهاء الصورة التي ترسمها، الأخر لاوجود له إلا في خيالها الجامح تصادفها الحقيقة بلحمها ودمها فترفضها لتنسج بطلها من وحي الحلم الذي لم ولن يتحقق ويتردد السؤال عالياً: أخرج من هنا؟

- باب حديد

imported_عبد الجليل سليمان 07-09-2011 03:26 PM


الفضاء والحركة

الشريف حسن بوغزيل
__________________



جلس صوب السماء عينيه، سكب جفنيه بالأفق وأول سحابة ملونة، أدلق القماش وحدود الفضاء، وبدأ يرسم بعد أن أغمض عينيه.. أسدل من هناك حيث الأخدود الفاصل بين البارحة وتاريخ حياته لوناً برتقالياً عله يلقاها، وضع أساس بيته عند حافة الموعد اليومي حيث بزوغ نجمه المطل على سرداب المسرة وجاره الثرثار، رفع السياج ولون جيد حبيبته التي بدأت ملامحها تظهر مع النبض ورائحة اللون المتبقي من الهيام وأعقاب السجائر.

أشعل الفانوس، تغيرت الظلال، امتزج اللون مع الفلسفة وهواجس النساء، زحف الضوء البطيء تحرك الألم، وانتقل الجار إلى حارة أخرى و(انتظر ليجف أساس البداية).

[ 2 ]

شق طريقاً في البعيد، تخطى الصخرة الغيمة التي شكلها التكوين وشعر بالراحة عند انزلاق الشعاع حيث الصخرة الغيمة، حيث الأرض والسماء، حيث تنعم حبيبته في ذات الزمان.

انساب الدم في الشريان والحرارة بالقلب. سال واللون نطقت الحبيبة!!، حرك الفرشاة بنعومة على الوجنتين كي لا تخدش. كي لا تظهر الفرشاة فعل الزمان.. كي لا يترك حد اللون تجاعيد العمر المرفوضة.

عندها تجلت صورتها وهي تشعل (السيجار) من حلمة النهد وتقشع الضبـاب البـارد عن بشرة الكون الطرية وتقذف الرمال بوجوه المهربين والمتطرفين عرقيا ً.

[ 3 ]

رسم خطاً يوازي خطاً ومحطة لقطارات العودة تلك التي نبيعها الخلسة والجرار وتبيع رسائل الحب المعطرة وصور الحسناوات، لتعود ببراحها للذين ضيعتهم القصيدة نصفين امرأة عاشقة ورجل فقد الذاكرة وطفلين.

تحرك اللون صوب الظل، فتحول القطار إلى عربة وبائع متجول يصرخ بملء فمه (زهاري)، ويبيع من تحت الرف الكلمات والأقلام والأسهم المسمومة.

تعب الرأس، واللون يتحـرك رغمـاً فـي منعطفات تائهة تحاول أن تلتمس التردد كمعزوفة تبحث في الوديان عن أصدائها.. تعب الرأس، وزاد الدوار الذي يشبه رائحة الأحبار ولوحات الزنك وما تبقى من حليب وألوان لإظهار الصحيفة.

[ 4 ]

انحنى قليلاً بالكرسي، وضع الفرشاة على خارطته المشبوهة، وضعها عند الورقة المائلة وأسراب الفناجين التي فقدت التذوق التي تاهت بين رائحة القهوة، ورائحة تلك الفناجين التي ما عادت تسمع لأسباب طرأت بعد التكوين، وقبل هجر العرفان للمرسم والكوخ المجاور الذي يرتاده الصحفيون الذين يقسمون بأن الصحافة ليست مهنتهم إنما هي تهمة لفقتها الأحلام المشاكسة بمقهى.

[ 5 ]

رسـم قلعـة، فيلاً، حصاناً وسياجاً لحديقة وحمل ما تبقى من تموينه اليومي، تيقن للجندي الثالث المتأخر بأنه يحيك مؤامرة.. وضع تحت قدمه لغماً أو منجنيقاً كي يستمر.. أوصلـه بالحـد الفاصل للتعاقب اليومي. وعمق اللوحة ورجل الحصان، ثم نام !!

قفز الحصان، تحرك السلك. انفجر اللغم.. تناثر غبار المنجنيق تمزقت اللوحة، شوه الأفق.. عاد من سرياليته الرتيبة أدرك الكرسي الذي يجلس عليه وموسيقى الصالة، صفق الجمهور وفتح الستار عن صخرة مكـومـة وطفل وأغنية ترددت من زمـن انسيـاب المـاء وتكوين الصخـر فـي يـد الصبـي (وطني الكبير أراك تصرخ في الصباح وفي المساء).

imported_عبد الجليل سليمان 07-09-2011 03:28 PM


آلهة الاعـتذار
الصديق بودوارة
_______________


دائماً كان يجد الأعذار اللائقة.. السابقة التجهيز..

أعذار مقنعة تفي بالغرض وتجعل أشد منتقديه يطرقون برؤوسهم خجلاً من تسرعهم واتهاماتهم الباطلة بعد ذلك كان يبتسم.. ومن أعماقه.. وبلا أدنى صوت يوجه كلمات شكر حارة إليهم.. يرفع عينيه إلى الأعلى صوب تلك السحابة البيضاء بلون القطن.. المتروية قليلاً في ركن السماء الأيسر المختبئة بعض الشيء خلف زرقة الأفق البعيد.. ويتمتم بقلبه والامتنان يغمره:

- شكراً آلهة الأعذار.. ألف شكر!!

.. شياطين بحجم نواة التمر.. عثر على أحدهم يوماً مرمياً على قارعة الطريق ينتظر موتاً على يد أحدهم.. على وجه التحديد.. على قدم أحدهم.. تفحص الكائن المتناهي في الصغر.. استعان بحدة بصره ليستبين ملامحه وقسمات وجهه.. وبهدوئه المعتاد وضع الجسم الضئيل في جيبه ومضى.

لم يكن الأمر صعباً فرائحة البصل كانت فعالة حتى مع الشيطان القزم.. استيقظ.. وبصوت لا يتناسب مع حجمه تحدث بطلاقة مذهلة:

- أنت منقذي.. الآن سأذهب ولكن لن أنسى الجميل.. سأبحث مع أصدقائي كيف نكافئك.. أترى تلك السحابة.. تلك على اليسار.. نقطن هناك.. وداعاً.

منذ ذلك الحين انهالت الأعذار.. صارت طلاقة لسانه مرهونة فقط باختلاق الأعذار.. حجج مذهلة تعجب من سمع وتسر من رأى.. صار خبيراً بابتداعها.. طارت شهرته حتى عمت الآفاق.. آفاقه هو.. قصده الأصدقاء يبحثون عن أعذار تخصهم.. كان يستمع إلى الذنب.. إلى الخطأ.. ثم ينظر مرة واحدة إلى تلك السحابة وعندما يتراءى له الشيطان الصغير.. يهبط العذر على أم رأسه.. ينزلق من لسانه إلى قلوب الناس دون وسيط فيقعون في حب أعذاره.. ويغفرون له زلاته مهما عظمت.

زوجته كانت تغفر له هفواته.. وأصدقاؤه نسيانه لمواعيده.. ورؤساؤه إهماله لواجباته.. حتى أعداؤه كانوا يغفرون ازدراءه لهم.

حتى هذه اللحظات لا زال يختلق الأعذار..

أحياناً لاستعماله الشخصي.. وأحياناً يبيعها مخفضة للطلبة عندما يتغيبون عن امتحاناتهم وللموظفين المتأخرين عن أوقات دوامهم الرسمي.. وبالعملة الصعبة لرجال الأعمال.

مؤخراً اشترى زوجة رائعة الحسن ومنزلاً من طابقين. والفضل يعود دائماً لتلك السحابة أو لقاطنيها.. لا فرق.. المهم أن الأمور بخير طالما إن في السماء سحباً بلون القطن.. وفي الدنيا شياطين بحجم نواة التمر.
__________________

البيضاء 24/12/1998


imported_عبد الجليل سليمان 07-09-2011 03:31 PM


وأصبحت شاعراً يا جنان
تركية عبدالحـفيظ
_______________


كنت مستغرقاً في مراجعة بعض مواد الصحيفة التي أرأس تحريرها، حينما صرخت زوجتي:

- ضربوا العراااااااق.

نزلت من مكتبي مسرعاً حتى كدت أسقط من أعلى الدرج، كان "شاكر حامد" مراسل قناة (أبو ظبي) يصرخ:

- ها هي المضادات الأرضية تطلق صواريخها، و....

أنتفض قلبي وأنا أرى بغداد تشتعل، صفارات الإنذار يرتفع عواؤها المخيف، القنابل تتساقط، والانفجارات تتوالى، وأصوات سيارات الإسعاف والمطافي تختلط مع صرخات "شاكر حامد".

غيرت القناة إلى قناة الجزيرة، وجدت مراسلها أيضاً في حالة هلع، أخذت أضغط على (الريموت كنترول) بحثاً عن حاكمٍ عربي يقول لا.. فلم أجد.. في الفضائية المصرية فيلم كوميدي لإسماعيل ياسين عرض ولم يتوقف، بينما أشقر "يوري مرقدي" يصرخ في إذاعة عربية: عربياً أنا.. فاخشيني.. ويل إذا... عدت لـ(أبو ظبي) لأتابع أخبار القصف، انقبض صدري وأنا أرى الصواريخ تدك العراق، عراق دجلة والفرات، ناظم الغزالي والجواهري، البياتي والسياب، وجنــان.. آه يا حبّة القلب، كلما أسمع صراخ عراقية في إحدى نشرات الأخبار –التي أصبحت لا أتحرك من أمامها لي نهار- أقول لعلها "جنان".

أكثر من مرة أبدأ في ضغط أزرار الهاتف طلباً لمهاتفتك، وفي كل مرة أتراجع، لعله الخوف من ألا أجدك، وحينما قصفت محطة الاتصالات ندمت على ضياع فرصة الاتصال، وليلة قصف وزارة الإعلام نزلت دموعي غزيرة، أخرجت صورك التي صادرتها زوجتي فترة من الزمن، وأخذت أتأملها، ذكرتني بأوقات جميلة، عشتها بقربك أيام مهرجان المربد الشعري، كنت رقيقة كمياه دجلة وصافية كسمائها، تسكعت معك في شوارع بغداد شارعاً شارعاً، زرنا متاحفها ومكتباتها وأسواقها الشعبية، أنام وآخر صوت أسمعه عبر هاتف غرفتي بفندق فلسطين هو صوتك، تقترحين علي جولة الغد وأصحو على نغم صوتك: صباح الخير عيني.

عيني.. قلبي.. روحي.. كلمات لم أعتدها في بلادي من أي زميلة أو صديقة، فهي بحكم المحرمات، ولا تقال إلا سراً.. فهل رأيتِ العرق الذي أخذت أمسحه ويأبى أن يتوقف يوم تعارفنا، وأسمعتني هذه الكلمات التي لا تفارق لسانك العذب!!؟

واكتشفت بعد ذلك أن موظفة الاستقبال في الفندق تقولها وسائق التاكسي وأهل بغداد كلهم يقولونها، وعرفت لم الجواهري ومظفر النواب والسياب ونازك الملائكة وسعدي يوسف شعراء!؟.

سألتني مرة:

- أتقرض الشعر؟

قلت لكِ:

- للأسف.. لا

استغربت ولم تصدقي وقلتِ:

- هدوءك ورقتك، وكلامك الحلو، ولست بشاعر؟

اليوم يا جنان صرت شاعراً.. وللأسف، فالعرب لا يملكون إلا الشعر.

ابتسامتك في الصورة التي جمعتنا معاً جالسين في بهو الفندق لم أر أجمل منها، عيناك الرائعتان تلاقت في لحظة واحدة مع عيني، فشدتاني بمغناطيس غريب، لم أستطع معه رفعهما باتجاه المصور، فما كان منه إلا أن فضح انبهاري بك، كان ثوبك قصيراً يكشف عن سافين مرمريتين، تستند إحداهما إلى جانب الأخرى، أما حذاؤك فأثار سنين الحصار بادية عليه، ولا يزال بغبار الطرق التي عبرناها معاً.

زوجتي وهي تمارس عملها الروتيني في كل عودة لي من السفر، وقعت عيناها على هذه الصورة فقامت القائمة، غذ أشعلت نيران غيرتها من دون الصور، فصورهن كثيرة، هذه شاعرة، وهذه قاصة، وهذه مخرجة، وهذه إعلامية، وهذه زوجة فلان، وهذه أخت فلان.. فقالت:

- ومن هذه؟

صحفية أجرت معي لقاء..

- ما أسمها؟

- جنان

عندما نطقت باسمك ارتعش لساني ولعلها شعرت بتوتري

- يا عيني!!

وشتان شتان ما بين عيني التي تقولينها وعيني تهكم الزوجة الغيور، وانهالت علي أسئلة تحقيقها:

- لماذا تضع عينيك في عينيها!؟

- لماذا لديك معها أكثر من صورة!؟

- ولماذا...؟

ولها كل الحق في هجومها، فجمالك فجرها، خافت أن تكوني قد احتللت مكانها في القلب، ولكن أين لها أن تعلم أن روحك قد امتلكتني، فبقيت أياماً مأخوذاً بسحرك، وتعابيرك: عيني، قلبي.. أسمعها قريبة فالتفت يمنة ويسرة فلا أجد شيئاً!

وعاودت زوجتي تحقيقها مجدداً لأني دائم الحديث عنك بقصد أحياناً، بدون قصد أحياناً أخرى، كأن أناديها: جنان.

حاولت التستر عن مناداتي لها بجنان هو إثارة لغيرتها فقط (هو أنا ناقص!؟)

قلت لها إنك إنسانة مثقفة وراقية، ولا يوجد بيننا إلا الاحترام، وعرضت عليها أن تتعرف عليك وتحديتها بأنها ستعجب بك مثلي تماماً، فكان اتصالنا بك ليلتها، وليلة مغول العصر يمطرونكم بوابل من القنابل والصواريخ، كانت تبكي بشدة وتقول:

- زعمة وين جنان!!!؟

في نفس الوقت كان قلبي يعتصره هذا السؤال

imported_عبد الجليل سليمان 07-09-2011 03:34 PM



ثلاث قصص
حسن أبوسيف
_________________

(كوكبنا مائل المحور)

يجلس مستمعاً للحوار الدائر بين أطفاله الثلاث.. حول أحلام مستقبلهم !!!

حتى فاجأه سؤالهم له ... - أبي أي الأفضل في المستقبل .. الطبيب أو .. الشرطي .. أوالفنان ..؟! صمت الأطفال في انتظار الإجابة ..!!

السؤال جعله يغيب بنفسه محدثا: مادام كوكبناً مائل المحور ...

وحياتي نتيجة خطأ لمقدمات صحيحة !!!

فأنت يا طبيب المستقبل ... سوف ترى الإنسان (شيء)

ولا تعرف عنه غير الثمن !!

فهذه فلسفة الكوكب المائل المحور !!!

وأنت الآخر ستكون شرطي ...

سوف تُجيد بمهارة العبث بالحرية !!!

وتشدُك كآبة ظل المحور إلى التكدس في طابور الملاحقة !!!!

غريبة هي رغبتك تريد أن تكون فنانا !!!

هل هي رغبة جيل ينفض عن جسده غبار حطام الماضي أما إنه تقليد آخر .........

أنا .. أصطف في بيت الله بجانبي اللصوص نخر جميعاً ساجدين أطلب للمسلمين المغفرة والسماح فلقد وصلت في التسامح إلى درجة التطرف !!!!

صوت أحد الأطفال : - أبي .. أبي .. أبي ... أي الأفضل ......

ينظر له تعلو محياه ابتسامة لا يوجد فرق مادام كوكبناَ مائل المحور !!!

(وشوشات المحار)

الذاكرة مثقلة بالأمكنة !! ومازال الإحساس مشدوه بعادات الطفولة. كثيراً ما كتبت أسمها على الرمال.. ووشوشت المحار.. كي تسمعني أخبارها.! كان البحر كل يوم يرمي بأهواله فيمحوا أسمها!! كنت من أجل أن يبقى .. أُ عيد كتابته كل يوم !!

منذ زمن و أنا أعصر ثدي القدر.. علّه يأتي بهمسةٍ منحتها للفضاء لكن دون ...

مازلت أذكر تلك الليلة كان البحر غاضباً بعد هدوء !

دخل أبي وهمس لأمي عن قاربٍ قد غرق !!

سقط الكلام مرّاٌ في جوفي !!

لأنها صعدت ذلك القارب مع أبيها فلم تعد ..

في الصباح كان الشاطئ ممتلاء ببقايا القارب .

آه ... من هذه الذاكرة المظلمة ، ومن هذه الأحاسيس .

آه ... أن تأتي الخيانة من الأقدام ، وتجرجرك دون أن تدري الى هنا ...!

فقط لكي تكتب أسمها ...

آه ... ما عدت أقوى على الانحناء بعد هذا العمر .

15 . 5 . 003

(حب العصافير)

رقص أمامها .. نفش ريشه كي تراه !! أخيراً ابتسمت .. بداية للحياة .. أقترب منها دس منقاره في ريشها بكل لطف وهمس : - هل نبني عشنا ؟ !!! - نعم .. هيا .. نجمع القش .. ورق الشجر .. كل شيء من أجل العش !!

* - عصفورتي .. لم أجد شيئاً هنا ينفع للبناء !! ماذا سنفعل ؟! - يا عصفوري .. - سوف نبحث ... وإن لم نجد سنبنيه من ريش أجسادنا !! فالحياة لابد أن تستمر .... - نعم يا عصفورتي سوف أبحث انتظريني...

* عاد .. نظرت إليه .. - لماذا تعلو محياك هذه الملامح ؟! ألم تجد .. ؟! لا يهمك .. ضع منقارك ودفئ جسدي واقتلع ريشي !!! المهم أنك معي .. يا عصفوري !!! نظر لها : - يا عصفورتي لقد وجدت عشاً !!! - كيف ..؟! ومتى ..؟! - مع أنثى صقر !!!! اتسعت عينها : - كيف .. سوف تأكلك ... - لا يهم .. فالأكل جزء من استمرار الحياة !!! يا عصفورتي حاولي أن تبحثي عن الصقر !! وحرك جناحيه وطار !!!

imported_عبد الجليل سليمان 07-09-2011 03:38 PM

العــذاب
خليفة الفاخري
________________


كان رجلاً هرماً.. ولقد ظل يقطن ذلك الدكان العتيق بمفرده عدة سنوات.. ورغم وجهه المشوه الذي نهش السرطان نصفه الأيمن.. وكتفيه المتهدلين تحت عناء التعب الطويل.. وقامته القصيرة.. ويديه النحيلتين المغرقتين بالغضون والعروق المتخمة.. ورائحة التآكل الكريهة المنبعثة من خلال اللثام الذي يغطي معظم وجهه.. رغم كل ذلك، فقد احبه جميع الصغار في الشارع، وأنشأوا ينتظرون هداياه الصغيرة كل يوم.. وكفه الحنون الذي لا يأتلي يمسد سعر رؤوسهم.. وحكاياته اللذيذة.

كان يدعى (سي عمر)*.. وكان يتسوق لكل الجيران. إذ كثيراً ما تراه حاملاً سلة للخضار واللحم وأشياء أخرى لهذا البيت أو ذاك، وكانوا يرسلون إليه -نظير ذلك- وجبة الغداء في دكانه، ثم انقطعوا عن هذا تماماً حين تعالت تلك الرائحة على نحو يجعل الأنف يتكور منزلقاً قليلاً إلى أعلى، واكتفوا بإعطائه بضعة قروش بين حين وآخر.

كان يشتري كثيراً من قطع الحلوى، ويقوم بتوزيعها على الصغار الذين يكونون حوله، كالعادة حلقة مزدحمة صاخبة، ثم يجلس على عتبة ما ويحكي لهم عن الحطاب الذي أراد ان يتزوج بنت السلطان.

ويرجع الصبية إلى بيوتهم ممتلئين امتناناً، فيما تزغرد عيونهم بإشراقة العالم العجيب الفاتن الذي حدثهم عنه، وما إن يسال أحدهم أمه عن السبب الذي أكل وجه (سي عمر) حتى تخبره باهتمام بالغ:

- كان يضرب أمه.. يصفعها، لأنه لا يريد أن يسمع كلامها، وعندما كبر انتقم الله منه بهذه الطريقة، هل تفهم؟

وتغتم أعماق الطفل فجأة.. ويذرع الحزن عينيه، ثم ينتفض قائلاً:

- هذا غير صحيح.. إنه رجل طيب!

ويردد الطفل في ذات نفسه:

- إنه رجل طيب!

ويشده صوت أمه من أذنه مرة ثانية:

- الذي لا يطيع أمه يفعل به الله هكذا.. أتسمع؟

ويرتعش بفزع، ثم ينساب بصره إلى أفق بعيد وتلتهم حكاية الحطاب كل تفكيره حتى ينسى الله.. وأمه أيضاً!



كانت لدى (سي عمر) قطة بيضاء.

قطة بيضاء، ذات فراء نظيف ناعم.. وكان يهتم بها على نحو ودود.. كان يحبها كثيراً، ويدعوها (أميرة)!

ولقد قال الصبية أن في وسعها اصطياد فئران السماء، أنت تعرف أن ذلك غير ممكن، لكنهم يرددون هذا بإيمان مطلق، يقولون لك بعيون مشدوهة أنها تتربص فوق عتبة الدكان كل ليلة.. وما أن يعبر أحد الخفافيش عينيها البراقتين، حتى تثب تجاهه على الفور، وتقتنصه بمخالبها البللورية والآلاقة.. وتأكله!

ويقولون أيضاً أن (سي عمر) ينفق طول الليل بعدئذ في تنظيف فرائها، ومشطه!

وذات ليلة، حاول أحد الأولاد أن يستطلع هذا بنفسه، لقد تسرب من بيته، واقترب بخطى حذرة من باب الدكان المنفرج قليلاً.. وإذ تطلع عبر الفرجة الضيقة، رأى القمر الهائل المحمر، المحفور في زجه الرجال. كان يتوهج في وجه مواشير الضوء التي يرسلها المصباح، وكان (سي عمر) ممسكاً بريشة بين إصبعيه، يغمسها في زيت الكافور، ثم يلعق بها ذلك القاع الملتهب!

كانت القطة متكورة في أقصى الزاوية، مسترسلة في نومٍ غامر، وكانت الرائحة النتنة تملأ المكان.. وكان الصبي يبكي في صمت خلف الباب، ولقد قال لصغار في اليوم التالي أن وجه (سي عمر) يشبه (دلاعة)** حمراء مجوفة!

وحين أسر له أحد الصغار بذلك الخبر، نظر إليه بعينه الوديعة، ثم أغمضها بطيبة مفرطة التسامح، وربت على رأسه برفق!



(سي عمر) رجل طيب..

إنه يحب قطته البيضاء الناعمة الفراء، والصغار.. كما يحب أن يغلق قلبه على آلامه وأحزانه.. ووحدته، فيما ظل الرجال في شارعنا ينفرون منه دائماً، ويشيحون بوجوههم عنه في تقزز حين يمر من أمامهم، لكي لا تلج أنوفهم خيوط رائحته!

ولقد مر بجانبهم ذلك النهار خاملاً علبة السردين إلى أميرته، بينما كانوا متجمعين أمام دكان البقال يتحدثون بانفعال صاخب عن تلك العاهرة التي تسكن عند تعرج الشارع.

كان صوت (سي صالح) عالياً جداً..

- أقول لكم الحق، عن هذا الشارع سيصبح وكراً للرذيلة إذا لم نطرد منه تلك المراة، اوذ بالله.

ووافق الخباز الزنجي على كلامه في الحال، على حين بدت عيناه نصف مغلقتين من أثر النبيذ:

- مضبوط.. مضبوط.

ولكن (الأستاذ) رد عليه قائلاً:

- أسكت أنت.. إنك تقول هذا الكلام لأنك لم تتحصل منها على شيء تلك الليلة.

وصاح الخباز:

- هذا كذب.. كذب مفتضح.

وشعر البقال بالقهر في الحين، وغربلته انتفاضة قصيرة ثم انفجر قائلاً:

- دعونا من هذا الآن.. نحن لا نريد أن نتعارك.

والتفت إليه الخباز بتكابر.. وقال:

- أنا لا يصرخ في وجهي أحد.. إنني سأنفض عني من يفعل ذلك مثلما أنفض الطبق بالعصا.. تماما!.

وسكت الجميع برهة، ثم قال (سي صالح):

- دعونا نكتب غداً طلباً، نوقع عليه جميعاً نطالب فيه بطردها من الشارع.. ما رايكم.. آه.

وفتح عينيه إلى أخرهما.. بينما سأله (الأستاذ):

- وأين ستذهب؟

- إلى جهنم.. نحن لا يهمنا هذا!

كذلك أجابه (سي صالح) بغضب مترفع.. وغذ مر عليهم (سي عمر) حينذاك، لم يلتفت إليهم على الإطلاق، بل سار مطرق الرأس، صامتاً كأنما لا يعينه أي شيء أبدا.



إن أحداً لا يعرف خبايا الشارع كما يعرفها هو على وجه الضبط.. كما ليس ثمة من يستطيع أن يغلق قلبه على أحزانه كمن يقبض بحدة على حفنة من المسامير الدقيقة مثله!.. كان رجلاً شجاعاً.. وكان يقول دائماً للذين يسألونه بتبرم عن حاله كلمتين هادئتين:

- الحمد لله.

كان الجو قائظاً تلك الليلة.. إلى حد تشعر فيه إنك تتنفس قطرات من العرق ليس غير، وقد بدا الدكان مثل تنور، فيما التصقت القطة بالجدار الرطب، وشرع (سي عمر) يسيل الزيت بريشته في جوف رأسه الأرجواني.

ومر صرصار لامع بجانبه، ثم توقف عند العلبة الصغيرة المشبعة برائحة الكافور، وتطلع إليه الرجال بفضول وتساءل:

- أنا لا أدري لم خلق الله للصراصير أجنحة!

ثم نقر بأصابعه على الحصير حتى ذهب الصرصار صوب الجدار الآخر، وعندئذ سمع همساً ملحاً قادماً من الخارج:

- سليمة.. سليمة.. إنهم سيطردونك غداً، افتحي لي وسوف لن أدعهم يفعلون ذلك، أتسمعين؟.. افتحي..

وألقى (سي عمر) ريشته الندية في العلبة وزحف ببطء إلى فرجة الباب، وانطلقت من عينيه نظرة ساهمة إلى بيت العاهرة، وبات في وسعه أن يرى (سي صالح) منحنياً على ثقب الباب.

كان يرتعد هناك..

وقد أخذ يهتف إليها بكلماته دافئة بادئ الأمر.. وإذ لم تفتح له، لعنها بفظاعة، وذهب ملتفعاً برداء الظلام.

- سترين غداً.. سترين.

كذلك كان يتوعد!

ورجع (سي عمر) إلى مكانه، وتناول القطة بيديه معاً، ووضعها على ركبتيه، مربتاً على فرائها الجميل، متسائلاً ذات نفسه:

- أنا لا ادري لم خلق الله للصراصير أجنحته؟!

ثم أحس على نحو مفاجئ بشيء حاد يحفر رأسه حتى يكاد أن يثقبه.. وأغلق عينه في وجه الألم طويلاً، واضعاً راحتيه على مؤخرة رأسه المخفض.. وقال لنفسه:

- ها هو المرض المسعور قد بدأ يعقر دماغي!

وتأوه بحدة حتى قفزت القطة إلى الزاوية.. ثم بكى بعين واحدة.

وجاء (الأستاذ) إلى بيت (سليمة) متودداً.. لكنها لم تفتح له، وأعقبه البقال أيضاً.. ثم تعالت آخر الليل نداءات الخباز الذي لاح أنه سكران جداً، غير ان (سي عمر) لم يتسرب إلى أذنيه صوت.

كان العذاب قد أكل بقية قلبه.

ولقد زوبعت أمام عينه الأشياء لحظتين، ثم لم يعد قادراً على الرؤية إطلاقاً.

وإذ تصاعد الدخان من المصباح المحتضر.. وماءت الأميرة بتوسل، شعر (سي عمر) لآخر مرة بشيء موحش يغمر أعماقه مثل عواء الذئاب عبر الأودية.. ومات!

كان الليل موغلاً في السواد.. وكانت القطة التائهة تذرع المدينة!
___________
12 أكتوبر 1968
______________

* سي عمر: سي، لاحقة تسبق الأسماء بمعنى (سيد أو السيد) وهي تستخدم كثيراً في اللهجة المحلية (الليبية) خلال الأحاديث.

** الدلاعة أو الدلاع: هو البطيخ باللهجة الليبية.


الساعة الآن 05:10 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.