للخوف رائحة ... القصة القصيرة في ليبيا.
للخوف رائحة …
حسن بلاسم
كانت تفوح من الرجل رائحة السمك المدخن وهو يروي لي حكايته. شعرت بأنه صادق ونزيه ، لكن هدوءه كان يبدو لي غير حقيقي. لايحالفنا الحظ كثيرا بلقاء من عنده حكاية ممتعة ومثيرة كحكاية هذا الرجل الأصيل. من الافضل القول ( أصيل ) بدل مجنون. فالأصالة أن تحادث الاخرين رغم كوابيس الرعب والألم. السخرية عن طريق الصمت لغة اصيلة ايضا لكنها أصالة يحفها بعض المخاطر. فالساخر قد يقفز الى منصة الغرور أيضا . بينما تواضع المرعوب الذي يفضي بهواجسه وأسراره ، بكل خفة ويسر، هو نقاء وشفافية. لا اقصد المتباكي او الشاكي. كما أظن أن لمغزى حكاية الرجل صلة بهواجسي من سني الشباب الاولى. و كانت مخيلتي قد قادتني الى دروب التعري في حين أن الرجل كان ضحية للعبة الزمن القائمة على ضرب بعض المؤخرات البشرية كما تضرب الكرات المطاطية. في الحقيقة لم أزمع الزهد و لا الخلاعة في أن أكون عاريا بأستمرار. فأنا تعريت في مخيلتي وأبديت الآراء والأفكار ورسمت صورا فنية وحياتية مثل من يمارس جنسا لذيذا. فكل شئ مسموح به : المص، العض، التلوي، الشم، الانقضاض، التشنج، الرعشات، الذوبان، الحر والربيع، الجلد والصفع، الفحيح والزحف، التكبر والاذلال ، التأوهات والخرمشة ، البلوغ والميوعة ، والاختفاء. وكم من مرة قلت إن الحقيقة هي القِدر الذي يغلي في داخلي. أن أجوع أو أمرض . افتح غطاءه وأتقيأ . كنت أتعرى لأغازل ذهني مثل من يدلل امرأة. أتعرى للمواساة. أو لعلي كنت اخلط بين فكرة الصدق والجرأة. او ربما كنت أتعرى كي تتشتت الذكريات المثقلة بالعداء. علي القول أيضا إني كنت أتعرى من دون شعور بالذنب أو إمتلاك الأمل. أنا أتعرى حرا كي أرفع صليب الحرية . لكنني اليوم أخشى أن يحجب عني هذا النوع من الشعر رغبتي في الهدوء. كلا ، ليست في نيتي السكوت. فأنا أخطط لجرائم متخيلة هدفها التسلية لا غير. هي العاب دموية صغيرة قد تصلح كدروس اضافية لطلاب المدراس الثانوية مع مادة تأريخ الاحاسيس. اعرف ان القرف بدأ يتسلل أليكم من هذه الهلوسات ، فأنتم هنا من اجل سماع حكاية الرجل. اليكم اذا حكايته كما رواها لي، وكل عام وانت بالف خير وسلام ، فاليوم هو عيد الموتى في عدد من البلدان.
كان ذلك في الشتاء الماضي .كنت عائدا من جولاتي الروتينية في وسط المدينة. جولات حرة ، الغرض منها " تلقيط الرزق " مثلما نقول في البلاد. كنت أجمع مايمكن الحصول عليه من بعض البارات المنزوية : حديثا عابر ، كسّا ، بيرة مجانية ، سيجارة ميرهوانا، نقاشا فوضويا عن أمور السياسة ، شجارا مع سكير آخر ، أو ازعاج الآخرين بحجة السكر من أجل التسلية. المهم أن يمر النهار وفيه لمسة أنسانية مهما كانت صغيرة… أنت تعرف .. وفي يوم ظهور الذئب تعرفت على فتاة غريبة … بوم الشؤم … هل تؤمن بالوجوه المشؤمة … هناك وجوه تلتقيها شبيهة برموز الاحلام الليلية. أنت فنان ومخيلتك تسهل لك فهم ما أعنيه .. اليس كذلك .. أنتم الفنانون مزارعو حقول الاحلام. هل يعجبك هذا ؟ نعم ، انا اؤمن بالاحلام أكثر من ايماني بالله. الاحلام تدخل فيك وترحل ثم تعود بثمار جديدة. اما الله فهوصحراء شاسعة لاغير. تخيل أن رساما هنديا في مدينة دلهي يعمل الآن في موضوع ما يتكون أيضا في حلم رجل ينام في مدينة تكساس .. اوكي .. كسها وكس امها .. لكن هل توافقني الرأي بأن جميع الفنون تلتقي بهذه الطريقة. وربما الحب والتعاسة ايضا. إذا كتب مثلا شاعر عن الوحدة في فنلندا ، فستكون قصيدته حلم إنسان نائم في بقعة أخرى من الأرض. ولو كان هناك محرك بحث خاص بالأحلام مثل محرك غوغل ، لعثر جميع الحالمين على أحلامهم في أعمال فنية. يدخل الحالم كلمة او بضع كلمات من حلمه الى محرك بحث الأحلام ، فتظهر الاف النتائج. وكلما حُصِر البحث يصل الى حلمه ويعرف انه ما كان لوحة او قطعة موسيقية او جملة في مسرحية. كما سيعرف في اي بلد كان حلمه. نعم ، أنت تعرف .. ربما الحياة .. اوكي .. كسها وكس امها …. كان للفتاة وجه مدهش- بدا كأن أبرة ماكنة الخياطة الكهربائية قد وخزته لساعات طويلة. عشرات الثقوب الصغيرة المتجاورة إنتشرت على بشرتها. قالت لي انها أسبانية. ثم أخبرتني بعد خمس دقائق ان أمها مصرية وأبوها فنلندي. لا تعرف سوى ثلاث كلمات عربية لها علاقة بالاعضاء الجنسية، وشتيمة ضد الله فيها كلمة خراء. العاهرة ، شربت ثلاثة اقداح بيرة على حسابي وذهبت تنتظر في الزاوية المعتمة. ماذا تنتظر برأيك ؟ أكيد زبا آخر يصرف عليها بسخاء أكبر. خسرت انا في ماكنة القمار 20 يورو . شعرت بالانهاك والجوع. ثم لوحت لصاحبة الوجه المشوؤم بحركة مسرحية ساخرة، وصحت قبل ان أنصرف وكأنني أخاطب جماهيرا غفيرة : تحيا الحياة …
في الطريق الى البيت، لم يفارق ذهني وجه الفتاة. خيل لي انني التقيتها منذ زمن بعيدة في احدى الاسواق الشعبية في البلاد. لا ادري لم تصورتها تجلس ملفوفة بعباءة سوداء و تبيع الفلفل الاخضر والاحمر. انا متأكد من أن ثلاث او اربع علامات شؤم تظافرت في ذلك اليوم للايقاع بي في تلك الورطة. اسمع … لن تصدق ماحدث … كالعادة ، ما أن دخلت شقتي خلعت ملابسي وتعريت تماما . كنت في طريقي الى الحمام ، حين لمحته يعدو صوبي من غرفة الأستقبال. قفزت الى الحمام وأقفلت الباب كنت مثل من شاهد ملاك الموت. كان ذئبا ، والله ذئب … لكنك ستقول ربما يكون كلبا … أول الأمر لم يكن هناك حين نظرت من ثقب المفتاح. كنت أرتجف حقا. عم صمت مرعب لدقائق طويلة. وبعد عدد من مرات النظر من الثقب، تأكدت من أنه ذئب. وصلني لهاثه ،ثم رأيته وهو يشم بنطالي ولباسي الداخلي عند باب الشقة. جلس بعدها و أخذ يرمق بحزن باب الحمام.
ذئب في وسط المدينة وفي بناية سكنية وداخل شقتي انا بالذات ! جلست على مقعد المرحاض وأخذت أفكر : لاأحد غيري يملك مفتاح الشقة ، ثم أني أسكن في الطابق الرابع ، وحتى وان أفترضنا أنه … أوكي … طار … ودخل من الشرفة ، فباب غرفة الاستقبال المطل على الشرفة مقفل دائما. تبولت من دون أن أشعر بتدفق البول . كنت كالمشلول ، عاريا فوق مقعد المرحاض وفي شقتي ذئب. ماهذا العبث ؟
أخذت ألوم نفسي وأشتمها. لم أتعر مثل قحبة كلما دخلت شقتي. لو كان هاتفي النقال معي لإتصلت بالشرطة وأنتهى كل شئ. اي كيس قذارة انا ؟ سكير عاطل عن العمل، أجوب البارات لالتقاط رزقي ، ومِن مَن ؟ من محطمين لايقلون عفونة عني. من أناس سحب العالم الجديد واللامع البساط من تحت اقدامهم. خذ مثلا ، أمرأة بدينة في نهاية الثلاثين من العمر تبحث عن مضاجعة عابرة مع مهاجر لاجئ لم يبق برغي واحد لم يصدأ فيه. نحن الذين من دون مؤخرات مشدودة وشهية . لدينا ثقوب للخراء فقط… كسها وكس امها.. حتى الفتاة التي التقيتها في ذلك اليوم ، صاحبة الوجه المطرز بالثقوب لم تقتنع بدعوتي. أنتقلت الى طاولة أخرى وراحت تنتظر زبالة أفضل. لو قبلت دعوتي للنياكة وعادت معي الى الشقة ، لهربت وأتصلت بالشرطة او الجيران. ربما لأكلها الذئب. اي ذئب ؟ مستحيل، لابد أن هناك خطأ في تسلسل أمور الواقع اوهي هلوسة ، كنت أتكلم بهذا الشكل مع صورتي في المرآة.
نظرت من الثقب مرة أخرى. كان رابضا في مكانه. لغاية الصباح بقيت ساعات قلائل. فكرت في أن أحدهم سيقلق على غيابي في النهار القادم . أكيد أنها فكرة مضحكة وغرضي منها مواساة موهومة. فأنا أعيش وحدي منذ سنوات ، ولا أعرف سوى فزاعات البارات المنزوية. وهؤلاء يشبهونني. وحيدون يلتقطون رزقهم . وان لم يحصلوا على شئ، يعودون الى أسرتهم القذرة ليأكلهم الحزن والليل. الوحيدون الذين يمكنهم أن يطرقوا بابي هم جماعة شهود يهوه. وهؤلاء اختفوا منذ مدة. ربما أصابهم اليأس من سخريتي المتواصلة من ربهم. اغرقوني بمجلاتهم. رغم انني كنت استمتع بجملة واحدة من أكداس كتبهم ومجلاتهم. الممتع في تلك المجلة ، هي تلك المحاولة اليائسة للوصل بين كشوفات العلم وقصص الكتاب المقدس. كانت تزورني من شهود
|