سودانيات .. تواصل ومحبة

سودانيات .. تواصل ومحبة (http://www.sudanyat.org/vb/index.php)
-   منتـــــــــدى الحـــــوار (http://www.sudanyat.org/vb/forumdisplay.php?f=2)
-   -   ملامح من صراعات العهد العباسي (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?t=61933)

زين العابدين حسن 09-04-2020 01:09 PM

ملامح من صراعات العهد العباسي
 
ملامح من صراعات العهد العباسي
(1)
هذه السلسلة مواصلة لما جاء في السلسلة الأولى و لكن بتناول مختلف ...
تركنا هارون الرشيد بعد أن طلب من القصاب ألا يشحذ سكاكينه و أن يقطّع (الفاسق ابن الفاسق) أخا (خامل) ، و قد قام القصاب بعمله على أكمل وجه حتى أنه عد الأشلاء فكانت أربعة عشر ... لم يعش هارون بعد ذلك طويلا ، مات في نفس العام (193 هـ) في طوس (تقع داخل إيران حاليا) . تولى الأمين الخلافة بعد موت الرشيد و أحس الأمين أن سلطته منقوصة لأن أخاه المأمون كان صاحب السلطة المطلقة على خراسان و حاول بكل السبل انتقاص سلطة المأمون و أخيرا عزله من ولاية العهد و اخذ البيعة لابنه موسى و قد سماه الناطق بالحق . تطورت الأمور حتى اندلعت الحرب بين الأخوين و التي استمرت حوالي أربع سنوات لتنتهي بما يرويه الرواة عن فظائعها و دمويتها . لعل نهاية الأمين تمثل جانبا من تلك الوحشية ، إذ أنه استسلم للقائد هرثمة و لكن طاهر بن الحسين قائد جيوش المأمون لم يرض ألا يستسلم له ، و كان الأمين قد ركب قاربا ليعبر به دجلة فغرق القارب أو أُغرق لكنه سبح للضفة الأخرى ، غير إن جماعة الطاهر بن الحسين أدركوه و ضربه احدهم يقال له قريش الدنداني بالسيف على مفرق رأسه فجعل يقول ويحكم : أنا ابن عم الرسول (ص) أنا ابن هارون ، اخو المأمون ، طبعا لم يستمع له أحد ... ذبحوه من قفاه و ذهبوا برأسه إلى طاهر فنصبها على حائط بستان ونودي : هذا رأس المخلوع محمد ، و جُرّت جثته بحبل ثم بعث طاهر بالرأس و البرد و القضيب و المصلى ، و هو سعف مبطن إلى المأمون ، و اشتد على المأمون قتل أخيه كما روى ابن كثير . كان ذلك عام 198 هـ و هو العام الذي يؤرخ لبداية خلافة المأمون . يمثل عهد المأمون عهد الترجمة و التثاقف و المناقشات و المناظرات . كان المأمون نفسه مثقفا لذا لم يكن منزعجا من ترجمة كتب الفلسفة كما سينزعج الكثيرون فيما بعد . منذ عهد الرشيد و ربما قبله كان المترجمون السريان و العرب المسيحيين و المهتمون يترجمون و يقرأون لكن تلك الأنشطة لم تكن تتم بتوجيه و رعاية رسميين و بإشراف الدولة ، لكنها ستكون كذلك في عهد المأمون . أنشأ المأمون دار الحكمة التي كانت بمثابة جامعة ، و شجع ترجمة مختلف العلوم اليونانية و الفارسية من طب و فلسفة و رياضيات و منطق . نقلت في عهد المأمون إلى العربية كل العلوم و الآداب التي كانت متوفرة من يونانية و فارسية و سريانية ، كأنما عرف المأمون أنه لا تطور إلا بفك أسر العقل . تم في عهده تطوير الاسطرلاب . كان المأمون يحب المناقشات و المناظرات و يُحضر المتناقشين و المتناظرين لمجلسه . سينتشر في عهد المأمون فكر المعتزلة و سيتبناه المأمون . لكن قبل التعرض لما كانت تموج به الحقبة من أفكار نلاحظ أن المأمون عهد أولا بولاية العهد لعلي الرضا (علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ) إمام الشيعة حينها ، و غيّر شعار الدولة العباسية من الأسود إلى الأخضر . تفسيرات تلك الخطوة كثيرة و من وجهات نظر مختلفة خاصة الشيعة . يبدو إن المأمون كان يميل في قرارة نفسه للشيعة و يقال إن مؤدبه في الصغر كان شيعيا فأثّر عليه ، و يروى عنه قوله إنه أقسم أن لو انتصر على الأمين ليولين الأمر لرجل يرضاه الجميع من آل محمد ، لكن حسابات المصالح و السياسة ستجعله يغير رأيه بعد موت الرضا (يجزم الشيعة أن المأمون قتله بالسم للتخلص منه) أو أنه شعر بخطورة تولية العهد للشيعة فتخلص من الرضا . ربما أراد المأمون تهدئة الأوضاع بعد حربه مع الأمين خاصة و أن الشيعة كانوا في تلك الفترة ثائرين و لهم أكثر من جبهة مفتوحة ، و ربما أراد أن يجعل الإمام الرضا تحت الرقابة و جعله يبدو كما لو كان طالب سلطة . سنلاحظ أن مبايعة الإمام الرضا بولاية العهد تمت برضى تام من المعتزلة الذين كانوا يحيطون بالمأمون حينها فقد كان من شهود وثيقة ولاية العهد بشر بن المعتمر و ثمامة بن الأشرس ، ربما لذلك دلالته و التي تصب في كفة أولئك الذين يرون أن هناك علاقة ما تربط المعتزلة بالشيعة أو قل إن هناك تقارب بينهم ... قام المأمون بتزويج علي الرضا من ابنته أم حبيبة . كان عهده بالولاية للرضا في عام 201 هـ و توفي الإمام الرضا 203 هـ ( و دفن مع هارون الرشيد في مقبرة واحدة) لم تستمر ولاية العهد خارج العباسيين إلا عامين ، سيعهد بعد ذلك بولاية العهد لأخيه المعتصم و يعود لشعار العباسيين (السواد) .
إذا كان المأمون قد أفلح في تهدئة الأوضاع مع الشيعة في أول أعوام حكمه فإنه سيلاحظ خطرا آخر عليه من جماعة السنة . ربما لاحظ المأمون تجمع العامة على أئمة أهل السنة ، و فشل أهل السنة في تحجيم خطر العلويين ، فكأن أهل السنة يضيفون هما على هموم المأمون ببروزهم كمركز سلطة . لا ننسى أن المأمون كان مثقفا و فيلسوفا و كان يجد متعة في صحبة أهل الفلسفة و المثقفين و أهل المناظرات و العقل . ربما لهذا كله و لأسباب أخرى عملت في لا وعي المأمون و لأخرى خفية ، اعتنق المأمون مذهب الاعتزال . نلاحظ أن جده الخليفة المهدي حين مطاردته للزنادقة غض النظر عن المعتزلة لأنه رأى فيهم خير معين للرد على حجج الزنادقة و دعاويهم التي لا يفلح السيف وحده في القضاء عليها ، أما الرشيد فقد ضيّق على المعتزلة لأنه كان يكره الجدل . لكن من هم المعتزلة و ما هي أفكارهم و على من كانوا يردون بمبادئهم الخمسة ؟ و من هم أبرز علمائهم و ما هو تأثيرهم على العقل الإسلامي في عصرهم و العصور المستقبلية ؟

بابكر مخير 09-04-2020 01:30 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة زين العابدين حسن (المشاركة 550887)
ملامح من صراعات العهد العباسي
(1)
هذه السلسلة مواصلة لما جاء في السلسلة الأولى و لكن بتناول مختلف ...

ههههههه
زينكو الحبيب
قلتا تغير المسمى عشان ما يلحقك بي جآي..
يابا دآ سيك سيك ومعلق فيك...
هناك مسميات كتيرة صعب الإختيار منها لكني بشبهو بي ؟؟
ديك العدة..
ذي الترابي (الله يرحمهو، ما برضك واجبة) ما بيدخل يدهو في شئ وإلا يمحقهو...
المهم برضك شكرا على المواصلة في "صفحات مطوية .. صفحات مظلمة .. صفحات دموية" بعد دمك إنحرق بي هناك :cool::cool::cool:

زين العابدين حسن 09-04-2020 02:42 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بابكر مخير (المشاركة 550888)
ههههههه
زينكو الحبيب
قلتا تغير المسمى عشان ما يلحقك بي جآي..
يابا دآ سيك سيك ومعلق فيك...
هناك مسميات كتيرة صعب الإختيار منها لكني بشبهو بي ؟؟
ديك العدة..
ذي الترابي (الله يرحمهو، ما برضك واجبة) ما بيدخل يدهو في شئ وإلا يمحقهو...
المهم برضك شكرا على المواصلة في "صفحات مطوية .. صفحات مظلمة .. صفحات دموية" بعد دمك إنحرق بي هناك :cool::cool::cool:

[Unload]حبيبنا بابكر .. الله يملا جوفك عافية (اهلنا الشايقية يقولوا(عافي) ...
لولا هذه الكورونا اللعينة كنت مبرمج زيارة لصديق في ابو ظبي ، جات الكورونا بوظت البرنامج .. ان شاء الله عند زوال الغمه نكون بي هناك .. الله يهدي سر الجماعة ..
[/
Unload]
[SIZE=[/SIZE]

زين العابدين حسن 10-04-2020 01:30 PM

(2)
ترجع جذور المعتزلة للقدرية إلى اتباع معبد الجهني (صحابي توفي سنة 80 هجرية و تقول المصادر أنه أول من تكلم بالقدر و المقصود بالقدر الكلام عن حرية الإرادة الإنسانية ، طبعا لا بد أن يجد القدامى له مضلّ من النصارى أو من المجوس و لا يمكن أن يتصوروا آليات تطور الفكر الداخلية ... قتله الحجاج بعد أن عذبه) أخذ عن معبد غيلان الدمشقي (قتله هشام بن عبد الملك بعد أن قطع أطرافه و صلبه على باب دمشق) و هناك الجعد بن درهم الذي بالغ في التنزيه للذات الإلهية حتى أنكر معاني راسخة في العقلية السائدة حينها ، و هو أيضا من القائلين بحرية الإرادة الإنسانية ، ذبحه خالد القسري والي هشام بن عبد الملك حينذاك بيديه بعد أن صلى بالناس صلاة عيد الأضحى مخاطبا لهم (أيها الناس ضحوا يقبل الله ضحاياكم أما أنا فمضح بالجعد بن درهم) و تقول المصادر إن الجعد هو أول من قال بخلق القرآن .... الجعد و غيلان و قبلهم معبد الجهني و من تبعهم كانوا يستبطنون العداء لبني أمية ، مقولاتهم في شأن الحرية الإنسانية تمثل ردا غير مباشر على دعاوى بني أمية في أن ما يجري على أيديهم لا يد لهم فيه إنما هو مسطور في لوح القدر ، و هو قول يقصدون به إخفاء مصدر الظلم بالجبرية إذ كانوا يقولون عمن يقتلونه (قتله الله) و من ينتهبون ماله (محق الله ماله) و هكذا ... و لعلنا نذكر استتابة الجمهوريين و عبارة "الذي قتله الله بسجن كوبر" ...) و المقصود الأستاذ محمود محمد طه . يلتقي المعتزلة مع القدريين في القول بحرية إرادة الإنسان في الاختيار ، و إلا فلا معنى لمثوبة المحسن و لا لعقوبة المسيء إذا كان المحسن أو المسيء يفعل ما يفعل مرغما بقَدَر من الخالق . لكن كما لاحظ البغدادي في (الفرق بين الفرق) و ابن قتيبة في (كتاب المعارف) و حتى ابن رشد في (الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة) ، لاحظوا أن المعتزلة لا ينكرون علم الله الأزلي كما يفعل القدريون . لا يعني هذا أن كل القدرين أنكروا علم الله الأزلي فمنهم من لم ينكر ذلك . كثيرون يرون أن المعتزلة نتاج تطور الفكر الذي بدأ نضوجه في نهايات العهد الأموي كامتداد لعلم الكلام و الذي نشأ نتيجة لبحث العقل في الرد على المذاهب المنحرفة خاصة تلك التي استصحبها الداخلون في الإسلام من الأمم الأخرى ، كأنما كان من أهدافهم تثبيت الداخلين الجدد في الدين ببسط الحجج أمامهم للرد على المناوئين . مبادئ المعتزلة خمسة و هي : التوحيد ، العدل ، الوعد و الوعيد ، المنزلة بين منزلتين ، الأمر بالمعروف و النهي على المنكر . و لتفهم هذه المبادئ يلزم أن نعرف أنها نشأت و تطورت في معترك النقاشات الدائرة مع الفرق الأخرى . فأول ما قابلنا من فكر المعتزلة هي قضية المنزلة بين منزلتين و التي اعتزل بسببها واصل بن عطاء شيخه الحسن البصري ليشرحها في حلقة منفصلة . كان المرجئة يرون أن الإيمان اعتقاد قلبي ، لا تضر معه معصية مثلما لا تنفع مع الكفر طاعة ، لذا فمرتكب الكبيرة يرجأ حكمه ليوم القيامة و بذلك توقفوا عن إبداء الرأي فيما يستحقه . المرجئة تستند على الآية (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ... و يقال أول من قال بالإرجاء الحسن بن محمد بن الحنفية و هو قول ندم عليه فيما بعد لكنه شاع في كل الأركان . و هناك المرجئة الجهمية الذين ينسبون للجهم بن صفوان و هم القائلون بأن الإيمان هو المعرفة بالله فقط وأنه لا يتبعض (بمعنى لا يزيد و لا ينقص فأما إيمان أو لا إيمان) ، و أن الجنة والنار تفنيان وتبيدان ويفنى أهلهما ، ولا خلود لأحد فيهما (نسب ابن طيفور للمأمون قوله : " الإرجاء دين الملوك" ربما كان ذلك في أول عهده أيام جولان الفكر بين المذاهب) . كان الخوارج الأزارقة يرون أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار (و هم اتباع نافع بن أزرق الذي كان يرى ردة كل من لا يرى رأيه ، أو لا يكفّر الحكام ، و يرى مقاتلته لعدم تكفيره للحكام ، فكان يقتل الناس حتى في المساجد.... كما حدث في زمننا إذ قتل الخليفي و صحبه المصلين في المسجد يوم الجمعة!) . جاءت مقولة المعتزلة بالمنزلة بين منزلتين ردا على المرجئة و الخوارج . أما التوحيد فيقول المعتزلة فيه هو : نفي الشبيه والمماثل لله (ليس كمثله شيء) ثم استنتجوا من ذلك أمور منها : استحالة رؤية الله تعالى لأن ذلك يستدعي (الجسمية) كما نفوا عنه تعالى صفات أخرى يثبتها مخالفيهم ، منها صفة الكلام ... أما العدل فيلزم منه حسب رأيهم إن الله لا يخلق أفعال العباد و إلا سيكون من غير العدل حسابهم على أفعال لم يختاروها بمحض إرادتهم ، أي أن الإنسان لا يكون مسؤولاً عن أفعاله ، خيرها وشرها ، إلا إذا كان حراً ، بينما يقول خصومهم : "لا يجب على الله شيء ، إن يُثيبنا فبمحض الفضل ، وإن يعذبنا فبمحض العدل" أي أن الله لا يُسأل عما يفعل ، أما عباده فيُسألون . أما الوعد و الوعيد فيكون بمجازاة المُحسن على إحسانه و المُسيء على إساءته ، ولا يغفر لمرتكب الكبيرة إلاّ أن يتوب ، و قد أنكر المعتزلة الشفاعة لتعارضها حسب تصورهم مع الوعد و الوعيد . أما الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر فقد رأوا أن ذلك واجب على كل المسلمين لنشر دعوة الإسلام ... رأينا أن المعتزلة بقولهم : المنزلة بين منزلتين يردون على المرجئة و الخوارج ، و أيضا الوعد و الوعيد كان ردا من المعتزلة على المرجئة بأن الله منفذ وعده و وعيده . كذلك كانوا يردون بمقولتهم عن التوحيد على المجسمة و المشبهة ، أما مبدأ العدل عندهم فهو للرد على الجهمية الذين كانوا يرون إن الإنسان لا خيار له فيما يفعله فقد سُطّرت أفعاله و أقواله في لوح القدر و إن نسبة أفعاله إليه هي من باب المجاز ليس إلا . لكن أهم فكرة ارتبطت باسم المعتزلة هي القول بخلق القرآن ، أسباب القول بخلق القرآن تطور منطقي للقول بخلق الأفعال ، أي بعدم أزليتها (كتبت في بحث عن الصوفية قول المتصوفة القائلين بوحدة الوجود و رأيت أن جذور المذهب في الفكر الإنساني تعود للفيلسوف اليوناني هيراقليطس ، و إن لهذا المذهب جذور في الهندوسية و عرف في فارس قديماً و تقوم تلك الفكرة على اعتبار الوجود وحدة واحدة وأن العالم موجودٌ بنفس وجود الله ، لا بإيجاده ، أي أن كل ما نراه أو نحسه إن هو إلا مظهر لجوهر واحد هو الوجود الإلهي ، و إن العالم لم يوجد من العدم إنما هو تجلي من تجليات الذات ، و ستتطور الفكرة لتقول : إن كل ما هو موجود إنما هو موجود من الأزل للسرمد ، فلا تجوز في حق الإله البداءة ، إي أن يبدو له شيئاً جديداً لم يكن في علمه فيخلقه ، أي أن كل شيء كان منذ الأزل في علم الله في الملكوت ثم خرج بالإرادة لعالم الملك ثم برز لعالم الوجود عالم القدرة ، ثم إن ما نراه أو نحسبه متعدد من الأشياء إنما هو في الأصل واحد و ألا موجود غير الأحدية المجردة ... هذا النوع من الفكر سيكون له فيما بعد صولات و جولات ، الفكر السني يرى أن هذه العقيدة كفر.. و سيتبنى الفلاسفة (الفارابي ، ابن سينا ....الخ) نظرية الفيض الافلوطينية (نسبة لافلوطين و ليس افلاطون) . من الأسباب الأخرى التي دعت المعتزلة للقول بخلق القرآن ، الرد على الأسئلة التي كان يطرحها المسيحيون على العقل الإسلامي : هل كل ما ظهر في زمن ما إلى حيز الوجود مخلوق ؟ لأنهم يقولون بأزلية المسيح رغم ظهوره في حيز الزمان ، و بالتالي هل القرآن مخلوق ؟ بدأت الإجابة تلوح للبعض منذ الجعد بن درهم ، بأن كل ما يظهر في زمان ما ، هو مخلوق و بالتالي فالمسيح مخلوق و القرآن مخلوق . هنالك مسألة أخرى مهمة اختلف فيها المعتزلة مع أهل السنة من أشاعرة و ماتريدية و حنابلة و هي صفات الذات الإلهية . رغم أنهم جميعا بما فيهم المعتزلة يتفقون على تنزيه الذات الإلهية و اتصافها بالكمال المطلق إلا أن المعتزلة اعتبروا إن القول بقدم صفات المعاني و أزليتها يدخل التعدد و الكثرة على الذات لذا يجر إلى الشرك . أهل السنة يتفقون على اتصاف الذات بالصفات السبعة : الحياة ، العلم ، القدرة ، الإرادة ، السمع ، البصر ، الكلام . قام المعتزلة بتأويل صفات المعاني : القدرة ، الإرادة ، السمع ...الخ على أنها أسماء للذات و ليس وصفا لها فقالوا في تفسير الآية : (و كلم الله موسى تكليما) إن الله تعالى خلق الكلام في الشجرة كما يخلق الأشياء لذا فإن الكلام مخلوق و ظهر في برهة زمانية محددة مثل كل المخلوقات .
بقي علينا تناول شيئين : علماء المعتزلة و تأثيرهم على العقل العربي الإسلامي ، و محاولة الإجابة على السؤال : لماذا اختار المأمون مذهب الاعتزال و تبعه أخوه المعتصم ثم الواثق ، و لماذا تخلى المتوكل عن مذهب الاعتزال ؟ و من هم ضحايا الاعتزال و القول بخلق القرآن ؟

زين العابدين حسن 11-04-2020 11:26 AM

(3)
أهم علماء المعتزلة في عهد المأمون : لتكن البداية بالنظّام ، إبراهيم بن سيار النظام (185 ــ 221 هـ) ليس لأنه الأقدم فهو تلميذ أبي الهذيل العلاف و ابن أخته ، لكن لأنه كان يمكن لفكر النظام أن يؤثر على العقل الإسلامي بصورة لا تضاهى لو جرت الأحداث بصورة مختلفة (تعبير العقل الإسلامي أو العربي تعبير اصطلاحي منهجي غير صحيح على إطلاقه ، أستخدمه لغرض متابعة ملابسات نوعية التفكير في تلك العصور و حاليا ، و إلا فالعقل كوني ، لا يختص بمكان أو قومية أو دين) . هذا العبقري ذو العمر القصير (ست و ثلاثون عاما) ذو الثقافة الموسوعية و الأفكار العلمية الجريئة التي للأسف لم تجد حظها من الاهتمام و الدراسة حينذاك . أكثر ما يلفت الانتباه في فكر النظام هو منهجه العلمي القائم على الشك و التجربة ، نُقل عنه قوله : (ولم يك يقين قط حتى صار فيه شك) و وقف مع العقل و حارب التطير و التشاؤم و الخرافة بصورة عامة . للأسف أعدم خصوم النظّام كتبه فلم تصلنا أغلب آرائه إلا من خلال انتقادات خصومه الذين أوردوا آراءه للرد عليها ، طبعا لا يخلو إيرادهم لها من التشويه . مما يأخذونه عليه أنه لا يؤمن بالإجماع و القياس (مثل ابن حزم فيما بعد) ، كما أن له رأي في صحة رواية الأحاديث لا يرضي أهل الحديث ، و كان ينكر حد الرجم مثله مثل المعتزلة المتقدمين الذين ينكرون خبر الواحد عن القرآن . كان يرى للعقل قيمة لا يحط من قدرها شيء و يعتبر نفسه مدافعا عن التوحيد ضد الفرق التي تريد تشويهه أو الزنادقة الذين يريدون هدمه . لكن أهم ما يلفت النظر هو آراؤه العلمية ، فنقرأ عن أفكاره المتناثرة في كثير من الكتب عن الماهية و الجزء الذي لا ينقسم و قانون الطفرة و غيرها ، مما يذكر بعقلانية الفلسفة اليونانية التي طمرها التعصب الديني ... الكلام يطول عن النظام . ننتقل لشيخ النظام : أبو الهذيل العلاف (135 ــ 235 هـ) . كان أبو الهذيل العلاف من المعتزلة الأوائل الذين طوروا نظرية خلق القرآن و المبادئ الخمسة للمعتزلة ، و كانت له حجج عقلية قوية ، يقال إنها كانت ذات أثر كبير على المأمون فقد كانت تُعقد المناظرات في مجلسه ، مما جعل البعض يعتبر أن العلاف أستاذ المأمون في الاعتزال . يرسم له أهل السنة صورة منكرة قبيحة و يعتبرون أقواله عن الجنة و النار و نهايتهما و صفات الله كفر و إلحاد . نأتي لتلميذ النظّام : الجاحظ (159 ــ 255 هـ) ، بالطبع الجاحظ أشهر من أن يُعرّف ، و أيضا ليس النظام هو شيخه الوحيد ، فللجاحظ شيوخ كثر في مختلف ضروب المعرفة التي نبغ فيها ، لكن النظام و أبا هذيل من شيوخه في علم الكلام . دافع الجاحظ عن مقولة خلق القرآن و هو مثله مثل غيره من رجالات المعتزلة مذموم و ضال و صاحب بدعة عند أهل السنة . من رجال المعتزلة في عهد المأمون : بشر بن المعتمر(توفي عام 210 هـ) و منهم ثمامة بن الأشرس (توفي قبل أربعة سنوات من وفاة المأمون) و بشر بن غياث المريسي (138 ــ 218 هـ) الذي يوافق المعتزلة في القول بخلق القرآن و لكنه يكفّر من يقول بخلق الأفعال ، و بشر بن غياث المريسي من أكثر المكروهين عند أهل السنة الحنابلة بالذات ربما لأنه متهم بأنه أكثر من قدّم للمأمون الأدلة على خلق القرآن و ربما أكثرهم إقناعا له بتلك الأدلة ... غير أن ذلك ظن لا تؤيده الأدلة . أختتم الكلام عن شخصيات المعتزلة بشخصيتين : أحمد بن أبي دؤاد و يحيى بن أكثم ، أما أحمد بن أبي دؤاد (دؤاد و ليس داؤود) فنتناوله لدوره المنسوب إليه في المحنة . نعلم أن المحنة مقصود بها امتحان العلماء و الفقهاء في القول بخلق القرآن ، و كان ذلك الخطأ القاتل الذي وقع فيه المأمون في آخر سنوات حكمه (218 هـ) قبل وفاته في العام نفسه . لكن المحنة الحقيقية صاحبت عهد المعتصم و ابنه الواثق . بدأت علاقة ابن دؤاد بالمعتزلة كما يُروى في بواكير شبابه بصحبته لهياج بن العلاء السُلمي صاحب واصل بن عطاء فاعتنق مذهب الاعتزال و يوصف بأنه كان فاضلا كريما متجردا لمذهب الاعتزال . عرّف المأمون به يحيى بن أكثم فطلب منه المأمون المواظبة على الحضور لمجلسه و ذلك غالبا لما أثاره في نفسه من إعجاب ، ثم أوصى المأمون أخاه المعتصم أن يستمع لمشورته . لا نجد أي دليل يبين أن لابن دؤاد أي دور في المحنة قبل أن يوليه المعتصم منصب قاضي القضاة ، عندها سيقوم بدوره المهني في امتحان الفقهاء في القول بخلق القرآن . ظل في هذا المنصب طوال عهد المعتصم و الواثق و ست سنوات من عهد المتوكل (تولى المتوكل الخلافة سنة 232 هـ و أبطل القول بخلق القرآن سنة 234 هـ و عزل أحمد بن دؤاد سنة 238 هـ ) .أما الشخصية الثانية فهو يحيى بن أكثم . تثير شخصية يحيى بن أكثم بعض الغرابة ، إذ أن أهل السنة يصفونه بأنه سني خال من البدعة (يقصدون بالبدعة هنا عقيدة المعتزلة) لكن الروايات التاريخية عنه تجمع على أنه كان ذا نفوذ كبير على المأمون حتى يقال إنه من أثنى المأمون من لعن معاوية بن أبي سفيان على المنابر (ربما انتقاما من الأمويين للعنهم علي بن أبي طالب على المنابر كل عهدهم عدا فترة الخليفة عمر بن عبد العزيز) ، نلاحظ أن المأمون جاهر بالقول بخلق القرآن و تفضيل علي بن أبي طالب على جميع الناس بعد رسول الله (ص) في العام 212 هـ ، ثم تراجع عن ذلك ثم عاد للقول بخلق القرآن و فرض هذا المعتقد على الجميع في آخر أعوام خلافته عام 218 هـ . تولى يحيى بن أكثم القضاء في عهد المأمون و عزله المعتصم ليولي أحمد بن دؤاد لكن أعاده المتوكل لمنصب القضاء عام 238 هـ بدلا من أحمد بن دؤاد . نعرف أن أهل السنة يشيدون بالمتوكل و يعرفونه بأنه من رفع المحنة ، الجدير بالذكر أن المتوكل كان شافعي المذهب و أنه حين رفع المحنة لم ينكل بالمعتزلة ، بل إن قاضيهم أحمد بن دؤاد ظل قاضيا في عهده لمدة ست سنوات (صادر أمواله بعد ذلك) مما يدل على أن القرار كان سياسيا في المقام الأول ، لملاحظة المتوكل أن الأمور بدأت تميل بقوة لمصلحة أهل السنة . يتهم الشيعة المتوكل باتهامات كثيرة لأنه أمر بهدم ضريح السيد الحسين بن على بن أبي طالب . اتخذ المتوكل سياسة المهادنة لكنه كان أحيانا قاسيا كما روى ابن خلكان : (أنه بعث إلى نائبه بمصر ، فحلق لحية قاضي القضاة محمد بن أبي الليث ، وضربه ، وطوَّف به على حمار في رمضان ، وسُجن ، وكان ظلوما جهميا ، ثم ولي القضاء الحارث بن مسكين ، فكان يضربه كل حين عشرين سوطا ليؤدي ما وجب عليه ، فإنا لله) . كان المتوكل أول خليفة عباسي يتم قتله بيد جنده فقد تآمر على قتله ابنه المنتصر لأنه شعر بأن أبيه ينوي عزله ليولي أخاه ، فقتله جماعة من الأتراك المتآمرين معه . تقول الرواية عن مقتله : حكى المسعودي ... وحدث البحتري قال : اجتمعنا في مجلس المتوكل ...فلقد رأيت من المتوكل في ليلته عجبا ، رأيته يذم الكبر ... ثم جلس ، وعمل فيه النبيذ ، وغُنِّيَ صوتا أعجبه ، فبكى ، فتطيرت من بكائه . فإنا في ذلك إذْ بَعَثَتْ له (قبيحةُ) [ قبيحة أم ولديه أبو عبد الله المعتز ، وإسماعيل] خِلعةً استعملها دراعة حمراء من خَزٍّ ومِطْرف خَزٍّ ، فلبسهما ، ثم تحرك في المطرف ، فانشق ، فلفه ، وقال : اذهبوا به ليكون كفني . فقلت : إنا لله ، انقضت والله المدة . وسكر المتوكل سكرا شديدا . ومضى من الليل إذ أقبل(باغر) في عشرة متلثمين تبرق أسيافهم ، فهجموا علينا ، وقصدوا المتوكل ، وصعد باغر وآخر إلى السرير ، فصاح الفتح : ويلكم مولاكم . وتهارب الغلمان والجلساء والندماء ، وبقي الفتح ، فما رأيت أحدا أقوى نفسا منه ، بقي يمانعهم ، فسمعت صيحة المتوكل إذ ضربه باغر بالسيف المذكور على عاتقه ، فقده إلى خاصرته ، وبَعَجَ آخرُ الفتح بسيفه ، فأخرجه من ظهره ، وهو صابر لا يزول ، ثم طرح نفسه على المتوكل ، فماتا ، فلُفَّا في بِساط ، ثم دفنا معا) .
قال المسعودي : ونقل في مقتله غير ذلك . قال : وقد أنفق المتوكل فيما قيل على الجوسق والجعفري والهاروني أكثر من مائتي ألف ألف درهم . ويقال : إنه كان له أربعة آلاف سُرِّيَّة وطئ الجميع . وقتل وفي بيت المال أربعة آلاف ألف دينار ، وسبعة آلاف ألف درهم ...) للمتوكل تاريخ يستحق أن يُقرأ ....سأحاول أن أجيب على السؤال الذي طرحته من قبل : لماذا اختار المأمون مذهب الاعتزال ؟ و سأتناول بإيجاز فترتي المعتصم و الواثق بعدها سأحاول تناول المعتزلة و فكرهم و أثرهم و لماذا اندثرت أفكارهم رغم تأثيرها لأكثر من قرن من الزمان ، و سأحاول أن أتخيل لو أن بعض أفكارهم بقيت حية في التاريخ رغم أن التمني على التاريخ ضرب من الأوهام ...

imported_عبدالله الشقليني 11-04-2020 02:30 PM

[rams]https://www.youtube.com/watch?v=wLBCAo9i50c&t=1212s[/rams]

زين العابدين حسن 11-04-2020 07:47 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبدالله الشقليني (المشاركة 550963)
[rams]https://www.youtube.com/watch?v=wLBCAo9i50c&t=1212s[/rams]

شكرا استاذنا الاديب الشقليني على الاضاءات المفيدة التي ترفد بها البوست .. تقبل تحياتي .

زين العابدين حسن 12-04-2020 10:23 AM

(4)
أبدأ بمحاولة الإجابة على السؤال : لماذا اختار المأمون مذهب الاعتزال ؟ لا أحد يملك إجابة كاملة ، لكن يمكن مقاربة الإجابة بالنظر لظروف العصر العامة ثم ظروف المأمون الخاصة و قراءتها مع ما أورده المؤرخون من روايات و ردم الفجوات باستنتاجات و اجتهادات . وجد المأمون نفسه ابن أم ولد ، لم تكن الفروقات كبيرة ، إذ النسبة للأب هي الأهم ، فوالده هارون الرشيد ابن أم ولد (الخيزران) ، لكن سيظهر الفرق عندما يدخل في منافسة مع ابن حرة ، و الحرة هنا تعني عربية تحديدا و ليست من الموالي . حدثت المنافسة في تولية العهد ، رغم أن المأمون هو الأكبر (بستة شهور) و مشهود له برجحان العقل و المقدرات القيادية ، و رغم أن أخاه الأمين كان شخصية ميالة للهو حتى أنه في آخر أيامه حينما انفض من حوله مؤيدوه ، لجأ للهو و الطرب كتعويض عن خيبة الآمال و ربما للهروب من المحنة التي تقترب منه (هذا لا يعني أن الأمين كان جاهلا ، كلا بل كان هو الآخر مثقفا و ملما بعلوم عصره) ، رغم كل ذلك قرر هارون الرشيد العهد بالأمر للأمين ، و انتظر المأمون ثمان سنوات ليعقد له والده ولاية العهد بعد الأمين . لم أقف على مؤرخ طرح السؤال الذي لا بد أن يطوف بذهن المتأمل الفاحص للأحداث : كيف كانت مشاعر المأمون تجاه هذا الحدث ؟ بماذا شعر ــ و هو الأكبر و الأعقل و ربما الأجدر ــ حين رأى تفضيل والده و حاشيته للأمين عليه ؟(هناك قصة عن سؤال والده له بحضور زبيدة عن رأيه في توليه ولاية العهد فأجاب "أخي الأمين أحق مني" لن اتعرض لتحليلها هنا .) كان العهد يمور بالأفكار و الخلافات ، كان المعتزلة يرون ضرورة الإمامة و لكن لا يشترطون أن يكون الإمام (الخليفة) من قريش ، إنما يرون الأحق بها هو الأرجح عقلا و القائم بأمور الدين و غيره ، و هي شروط تسمو على العرق في جوهرها و تقترب من شروط المساواة و العدالة الإنسانية ، ربما مس هذا وترا في نفس المأمون (قام المأمون بأمر لا نجد له نظيرا في فترات التاريخ الإسلامي ، إذ إنه عندما توغل في أراضي الدولة البيزنطية محاربا ، فتح حصن قرة و أمر بهدمه (215 هـ) ، و كان المسلمون قد سبوا سبيا كثيرا من الروم فاشتراه المأمون كما رُوي بستة و خمسين ألف دينار و وهبهم الحرية بل و أعطى كل واحد منهم دينارا ... نعرف أن الدينار كان ذا قيمة كبيرة آنذاك ، ففي عهد الرسول (ص) كان الدينار مساويا لأربع جرامات و ربع من الذهب الخالص) . ولى هارون الرشيد المأمون خراسان و عاش المأمون في بيئة ثقافية ذات قدم راسخ في المدنيّة . كان الأمين كأبيه هارون لا يحب الجدل و التبحر في العقلانيات و طارد المعتزلة و ضيّق على فكرهم ، فكأنما كان المعتزلة من خصومه الفكريين ، ربما قرب ذلك المعتزلة من نفس المأمون و فتح قلبه للاستماع لهم . من المؤكد أن المأمون كان على اطلاع واسع و ثقافة غنية ، يدل على ذلك تشجيعه الكبير للترجمة و المناقشات و المناظرات التي كان يدعو لها في مجلسه ، و في عهده تمت ترجمة كتب كثيرة من الفلسفة اليونانية ، ربما كان ذلك ممهدا لتقبل الفكر العقلاني المستند للدين فاقترب بذلك من المعتزلة . يبدو أن هناك أسباب دينية فكرية أخرى دفعت المأمون لتبني فكر الاعتزال ، فتوليته ولاية العهد للإمام علي الرضا بعد أقل من ثلاث سنوات من حكمه ترجح أقوال من يقولون أنه تأثر بأستاذه ذو الميول الشيعية ، و كانت هناك علاقات بين المعتزلة و الشيعة المعتدلين ، فقد كان معروفا أن هناك صداقة ربطت بين واصل بن عطاء و محمد بن الحنفية ، كما أن زيد بن علي (إمام الزيدية) تتلمذ على واصل بن عطاء ، فربما اقترب من المعتزلة للقرابة الفكرية بينهم و بين جماعة من الشيعة . لكن تكمن الأسباب الأهم في رأيي في الظروف السياسية ، فقد واجه المأمون في أول سني حكمه ثورات في مختلف أرجاء دولته ، فتقرب من السنة بعد أن كان قد تقرب من الشيعة بتوليته العهد للإمام علي الرضا لاحتواء الثورات العلوية التي امتدت طوال العهد العباسي ، و ربما بدا له أن المعتزلة أكثر مقدرة على هزيمة المعارضين فكريا . لكن يبدو أنه لاحظ أن التفاف العامة حول أئمة السنة مثل الإمام أحمد بن حنبل ، يجعل أولئك الأئمة كما لو كانوا سلطة داخل سلطة ، فمال للمعتزلة لإحداث توازن في مواجهتهم . غير أنه من الواضح أن المأمون حسم خياراته بتبني منهج المعتزلة في آخر سنوات حكمه و تعصب له بشدة في سنته الأخيرة و يبدو الأمر كما لو أنه عن قناعة ذاتية نابعة من داخل المأمون ــ رغم أننا نعرف أنه لا يوجد أمر ذاتي خالص فالموضوعي (العالم الخارجي) ينعكس رغما عن الذات بداخلها فيلوّن الفكر بما يبدو أنه خيار شخصي خالص ــ
كانت خلافة المعتصم و ابنه الواثق امتدادا لخيار المأمون الاعتزالي ، و بذا فقد وقعا مع المأمون في التناقض الفكري و الأخلاقي ، باتخاذ دعوة المعتزلة للحرية الإنسانية وسيلة لسلب الحرية و إرغام الآخرين على تبني معتقدهم بالقهر و الإرهاب . لاحظنا أن المحنة بدأت في آخر سنة من حكم المأمون فقد أمر بامتحان القضاة و الفقهاء في خلق القرآن ، و ذكر الطبري أن المأمون قد امتحن جماعة و هو في الرقة ، منهم محمد بن سعد كاتب الواقدي (صاحب الطبقات) فأقروا بخلق القرآن ، و قام نائبه على بغداد اسحق بن إبراهيم اتباعا لأوامره بامتحان جماعة من الفقهاء فأقروا و لكن بعضهم و منهم الإمام أحمد بن حنبل رفضوا القول بخلق القرآن ، فأرسل المأمون لواليه أن يستتيبهم و من لا يقر بخلق القرآن تضرب عنقه ، فأقروا باستثناء أربعة و لكن تحت التعذيب أقر منهم اثنان بخلق القرآن و تبقى الإمام أحمد بن حنبل و محمد بن نوح ثابتين على رأيهما بأن القرآن غير مخلوق ، فشدا في الحديد و أرسلا للمأمون ليرى رأيه فيهم ، و في طريقهم لطرطوس حيث المأمون جاء الخبر بوفاته فأعيدا إلى بغداد . يشعر المرء بحزن للمأمون ذي العقل الراجح الموسوعي ، كيف تحول من مثقف مفتوح الذهن يقبل في مجلسه المختلفين ، لمتعصب ضيق الأفق ، كان تعصبه و ضيق افقه في القسر على القول بخلق القرآن أهم سبب في انطفاء شعلة العقل و التسامح التي بدأت تلوح وقتها . تولى المعتصم الخلافة بعد المأمون و لم يكن في مثل ثقافة و علم المأمون ، من المؤكد انه كان شجاعا و قائدا مقداما (هو ممدوح أبي تمام في بائيته الشهيرة : السيف أصدق إنباء من الكتب) و هو مجيب تلك المستنجدة به : وا معتصماه ، و هو من قضى على بابك الخرمي بعد أن استمرت ثورته لأكثر من عشرين عاما . امتحن المعتصم الإمام أحمد بن حنبل و ناظره علماء المعتزلة ثلاثة أيام و ضُرب 38 سوطا حتى سال دمه و أشار بعضهم بقتله لكن الثورة التي اشتعلت أجبرت المعتصم على إخلاء سبيله . عانى الكثيرون من أهل السنة أكثر مما عانى الإمام أحمد بن حنبل في عهد المعتصم و الواثق منهم نعيم بن حماد الذي مات مسجونا تحت التعذيب و فاجعة قتل أحمد بن نصر الخزاعي في عهد الواثق ، الذي يقال إنه اتخذ مسألة خلق القرآن ستارا للانتقام منه لأنه كما يقول الرواة كان يصفه بالخنزير الكافر ... توفي الواثق 232 هـ و انتقلت الخلافة لأخيه المتوكل . بقي أن نشير أن ذلك العصر شهد ولادة و ظهور علماء أجلاء ، ففي عام 194 هـ في خلافة الأمين ولد الإمام البخاري و بعده باثنتي عشرة سنة (206 هـ) ولد الإمام مسلم ، و في عام 213 هـ ولد ابن قتيبة و في عام 224 هـ ولد الإمام محمد بن جرير الطبري ... كثيرون ولدوا في تلك الفترة و تركوا آثارا مهمة في التاريخ الإسلامي ، كأنما ذلك يؤسس للقول إنهم كانوا المقدمة لصياغة العقل الإسلامي في القرن الرابع الهجري بحالته الراهنة ، فقبلهم لم تكن النقاشات تستشهد بمسند أحمد بن حنبل و لا بالصحيحين ...

imported_أبو جعفر 12-04-2020 12:37 PM


السلام عليكم زين العابدين

قبل فترة تحدث أحدهم في قروب للواتساب عن عدم أخلاقية القرآن الكريم الشيء الذي انعكس على أخلاق أتباعه ... والأمثلة عبر التاريخ الإسلامي لا تعد ولا تحصى ... ولعل داعش هي نقطة من بحر القسوة الذي شاب التاريخ الإسلامي من بعد الخلافة الراشدة.

وقمت بالرجوع للآيات التي تحرض المسلمين على الجهاد قتالاً في سبيل الله سبحانه وتعالى ودخول الجنة ... فوجدتها حاسمة صارمة وتحتاج إلى مرجعية تضبط مسارها قال تعالى:

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (65)} سورة الأنفال.

وقال تعالى: { فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4)} سورة محمد.

إن هذه الآيات بدون مرجعية سياسية تقودها إلى هدفها الصحيح هي سلاح بيد المرضى النفسيين الذن وصفهم القرآن الكريم بـ

{ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12)} سورة البقرة.

والمهم الآن هل هذه الدعوة القوية للقتال والموجهة لقتال فئات يمكن بسهولة تصنيفها دينياً ... هي بيد كل من إدعى الإسلام أم وضع لها القرآن الكريم منهجاً بمثل صرامتها وقوتها؟.

أعجل نظر يجد أن القرآن الكريم حسم مسألة المرجعية وخلافة الرسول لحاكمية شورى المسلمين عبر الزمن الشيء الذي ينفي إسلامية أي طغيان من معاوية وإلى آخر حاكم طاغية يطأ أعناق المسلمين ... أهـ أنتهى فقد جعلت لهؤالاء جهنم مرصاداً ومآباً.




imported_أبو جعفر 12-04-2020 07:19 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة زين العابدين حسن (المشاركة 551002)
(4)
كانت خلافة المعتصم و ابنه الواثق امتدادا لخيار المأمون الاعتزالي ، ...


بحسب رأيي المعتزلة هم القرآنيين في ذلك الزمان ... وقد تم التضييق عليهم من قبل أتباع دين المقاومة القرشية للإسلام والذي أسسه معاوية بن أبي سفيان حتى يتفادى ثورة المسلمين عليه استناداً لصفات المؤمنين في الآيات: {وأمرهم شورى بينهم} و{والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون}.

وحتى ندرك مدى تأثير هذا التيار نجد أن المأمون بعد أن رأي أن يجعلها لخيار المسلمين وولى العهد أحد أحفاد علي ... تراجع ولكنه لم يجعلها لأبنه العباس وإنما ذهب بها إلى المعتصم ... علماً بأن كل من ولي الملك سعى لأن تكون لولده وآخرهم الملك حسين في الأردن الذي عزل أخيه وولى ولده ... وقام ولده بعزل أخيه حمزة توطئة لتولي ولده.

وكذلك نجد أن المتوكل وهو أسوأ من رسخ للدين القرشي الجاهلي قد رضخ لأحمد بن حنبل وقام بقتل أحمد بن نصر الخزاعي بعد أن قال له في مسألة خلق القرآن مالك والعلم إنما أنت نطفة خمار في رحم قينة ... كما حكى بالخشين في مقاله: (خلق القرآن زوبعة في فنجان)...

" إن في مقدوري أن أتفهّم الجهل، لكنّني لا أستطيع القبول بتمجيده. وأقل من ذلك القبول بحقّه في السّيادة "
يونغ تشانغ





زين العابدين حسن 13-04-2020 10:45 AM

الاخ المحترم ابو جعفر ، تحية طيبة .. اجتهاداتك و رؤيتك محل احترام و لكن محل خلاف . اعتقد ان رؤية المعتزلة تختلف عن رؤية القرآنيين تماما فهم لم ينكروا السنة جملة ، إنما أنكروا أشياء محددة (على اختلاف بينهم) ، فقد كانوا يردون حديث الآحاد بصورة عامة و كانوا لا يقبلون الحديث الذي يتعارض مع العقل حسبما يرونه و ذلك لتعارضه مع العنى القرآني كما توصلوا له .. لكنهم كانوا يقبلون باغلب الأحاديث .. صحيح انه في زمنهم المبكر (بدايات القرن الثالث) لم تكن رؤية من يسمون بأهل السنة قد نضجت و لم يكن تصورهم قد اكتمل ليملكوا الحجج الكافية لتكفير الخصوم ، لكن المتأخرين منهم واجهوا ذلك و بدأ تأثيرهم يقل حتى تلاشى ، ليس تاثيرهم فقط بل كل تفكير لا يتوافق مع تلك الرؤية السنية حتى العقلانية منها . لا ننسى انه على الجانب الآخر وجد الشيعة مفكريهم الذين سيعبرون عن اشواقهم الدينية و السياسية . تقبل تحيتي .

زين العابدين حسن 13-04-2020 02:51 PM

(5)
سنلاقي بعد المتوكل عصرا سياسيا مضربا اضطرابا شديدا ، بدأ الأمر منذ المتوكل و قد كان المتوكل يظهر للعامة بصورة المنافح عن السنة ، لكنه كان يغرق في ملذاته داخل قصوره ، و قد أثنى عليه أهل السنة ثناء عطرا ، نقرأ في كتاب العلل للإمام أحمد بن حنبل : "استقدم المتوكل المحدثين إلى سامراء وأجزل عطاياهم وأكرمهم ، وأمرهم أن يحدثوا بأحاديث الصفات والرؤية ، وتوفر دعاء الخلق للمتوكل ، وبالغوا في الثناء عليه ، والتعظيم له ، حتى قال قائلهم: الخلفاء ثلاثة : أبوبكر الصديق في قتل أهل الردة ، وعمر بن عبد العزيز في رد المظالم ، والمتوكل في إحياء السنة وإماتة التجهم" . وقال ابن تميم التميمي في المحن/271: (ونفى كل بدعة ، وانجلى عن الناس ما كانوا فيه من الذل وضيق المجالس، فصرف الله ذلك كله به ، فكان يبعث إلى الآفاق فيؤتى إليه بالفقهاء والمحدثين ، فخرَّج كل واحد منهم ثلاثين حديثاً في تثبيت القدر ، وثلاثين حديثاً في الرؤية ، وغير ذلك من السنن ، فتعلمها الناس حتى كثرت السنن وفشَت ونمَت ، و [انهزمت] البدعة وذلَّت). و عندما تقرأ للشيعة تجدهم يسخرون من القول : (فخرَّج كل واحد منهم بثلاثين حديثاً في تثبيت القدر ، وثلاثين حديثاً في الرؤية) بقولهم : هي تبرئة بني أمية (القدر) و أحاديث التجسيم(الرؤية)... في الحقيقة كتاب (المحن) لابن تميم التميمي من الكتب التي تؤرخ لتلك الفترة فقد عاش قريبا من الأحداث زمنيا (251 ــ 333 هـ) رغم بعده الجغرافي(القيروان) و كتابه يؤرخ للمحن التي ألمّت بالعالم الإسلامي . لكن من جهة أخرى كما أسلفنا قول المسعودي الذي نقرأ للسيوطي مثله في (تاريخ الخلفاء/377) : "وكان منهمكاً في اللذات والشـراب ، وكان له أربعة آلاف سرية ، و وطأ الجميع " ... ونقرأ لابن كثير في البداية و النهاية (10/343) : "....شرب ليلةً مع المتوكل ، فعربد عليه المتوكل فهمَّ إيتاخ بقتله ، فلما كان الصباح اعتذر المتوكل إليه وقال له: أنت أبي وأنت ربيتني ، ودسَّ اليه من يشير إليه بأن يستأذن للحج.. " و نقرأ في نهاية الأرب في فنون الأدب للنويري [ترقيم النت (2/60)] http://islamport.com/w/adb/Web/533/560.htm : "وقال علي بن الجهم : كانت محبوبةُ لعبد الله بن طاهر ، أهداها إلى المتوكل في جملة أربع مائة جارية ، وكانت بارعة الحسن والظَّرف والأدب ، مغنيةً محسنةً ، فحظيت عند المتوكل حتى كان يجلسها خلف الستارة وراء ظهره ، إذا جلس للشرب ، فيدخل رأسه إليها فيراها ويحدثها في كل ساعة ." سأتجاوز عن اتهامات الشيعة الشنيعة للمتوكل و لا أوافقهم على رواياتهم عن تخنثه .... يمكن القول إن الخلافة العباسية استمرت أكثر من خمسمائة عام( 132 ــ 656 هـ /750 ــ 1258 م) و حكمها سبعة و ثلاثون خليفة (الثامن و الثلاثون حكم ليوم واحد) ، شهدت حروبا و ثورات و فظائع و مظالم ، فقبل خلافة المتوكل قتل خليفتان (الهادي و الأمين) أما منذ خلافة المتوكل فقد قتل المتوكل و قتل الخلفاء الأربعة التالين له مباشرة (المتوكل الخليفة العباسي العاشر قتل عام 247 بمؤامرة ابنه المنتصر مع الاتراك ، المنتصر بالله الخليفة الحادي عشر قاتل أبيه ، حكم عام 247 قتل في نفس العام 247 ، المستعين بالله الخليفة الثاني عشر حكم عام 248 قتل 252 هـ ، المعتز بالله حكم عام 252 قتل 255 هـ ، المهتدي بالله حكم عام 255 قتل عام 256 )، ثم قتل أربعة متفرقين ( الخليفة الثامن عشر المقتدر بالله استخلف 295 و قتل 320 ، الخليفة التاسع والعشرون المسترشد بالله حكم عام 512 و قتل 529 ، الخليفة الثلاثون الراشد بالله حكم عام 529 و قتل عام 530 ، آخر الخلفاء العباسيين في بغداد هو الخليفة السابع والثلاثون المستعصم بالله قتله هولاكو عام 656) و مات أحدهم في السجن بعد خلعه (المتقي لله خُلع 333 و بقي في السجن حتى مات سنة 357 ) و أثنان سملت أعينهم و خُلعوا (القاهر بالله 322 ، المستكفي بالله 334 ) فتكون الجملة أربعة عشر خليفة قتلوا أو خلعوا ، أحد عشر مقتولين و واحد مات مسجونا و اثنان سملت أعينهم . (كل التواريخ هجرية) . كل واحد من الخلفاء المقتولين أو من سُملت عيناه له قصة غريبة و لا يتسع المجال لسرد تلك القصص .
عانت الدولة العباسية من ثورات عديدة في مختلف أنحائها ، كأن لم يبق مكان لم تقم فيه ثورة و كأن لم يمر عام لم تقم فيه ثورة ، لكن المراكز شهدت استقرارا نسبيا . كنا قد تعرضنا لثورات حدثت في الدولة العباسية الأولى (أيام فتوة الدولة حتى المتوكل) ، تلى تلك الفترة ثورات نذكر منها ثورة الزنج ثم ثورة القرامطة . ثورة الزنج اشتعلت في عهد الخليفة العباسي الرابع عشر المهتدي بالله الذي تولى 255 و قتل 256 هـ و استمرت أكثر من أربعة عشر عاما . كان الزنج البؤساء يستيقظون مع الفجر ، أو قل الأصح أنهم يوقظوهم ، و يقومون بنظافة الأرض من الأملاح و تسويتها و تهيئتها ليقوموا بزراعتها للسادة الأشراف ، يا لسوء حظهم الذي بدأ مع اصطيادهم كالحيوانات من أفريقيا و سيقوا كالدواب ، مات منهم من مات و من بقي حيا بيع في سوق النخاسة التي يُعرضون فيها شبه عرايا رجالا و نساء ، النساء للخدمة و الخدمة المنزلية و توابعها من حاجات السادة ، و الرجال لأمثال هذا العمل الشاق . الزنوج (مجلوبين من زنجبار ــ أرض الزنج) و منهم الأحباش و النوبيون ، كانت أصداء ثورات أسلافهم في العهد الأموي حاضرة في تلافيف الأدمغة بانتصاراتها و انكساراتها و انتقاماتها الوحشية ، تخيفهم روايات الانتقام و التعذيب ، و ينسيهم الخوف الواقع القاسي و العمل الشاق و الظلم المرير و الحياة بلا أمل ... من البديهي أنهم سيسخطون ، لكنهم لم يكونوا وحدهم الساخطين كان معهم الفقراء من أهل المنطقة الذين يمثلون عمالة رخيصة ، كان السادة غرباء ، جاءوا من أماكن أخرى ، منهم أشراف العرب و دهاقنة الفرس ... كان ثوارنا يسمعون بالعتق و الكفارة ... يسمعون فقط لكنهم يصبحون و يمسون على فرقعة السياط و قطع الرؤوس ، و عندما يفكر منهم من يفكر بالحرية يلهب السأدة ظهره بالسياط ، ثم يزجرونه مستخدمين آلية القهر الأخرى : تكبيل الفكر لإقناع العبد أنه يجب أن يظل عبدا ... سيقول له السادة : اسمع يا هذا ، ألم تقرأ الحديث الذي رواه شيخنا مسلم ، هذا الذي يعيش بيننا : ( أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم .) بل ألم تقرأ ما رواه أبو إمامة الباهلي : (ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم : العبد الآبق حتى يرجع ، و امرأة باتت و زوجها عليها ساخط ، و إمام قوم و هم له كارهون) .. حتى أنتِ يا جارية ألم تسمعي بما رواه شيخنا مسلم و شيخنا البخاري و هم بيننا هنا في حديث ميمونة بنت الحارث : (وعن ميمونة بنت الحارث : أنها أعتقت وليدة لها ولم تستأذن النبي (ص) ، فلما كان يومها الذي يدور عليها فيه ، قالت : أشعرت يا رسول الله أني أعتقت وليدتي ؟ قال : أو فعلت ؟ قالت : نعم ، قال : أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك) ، فإهدائك يا جارية لذوي القربى أعظم للأجر من عتقك ... لكن سيأتيهم من يقول لهم بتأويل تطرب له أرواحهم ، سيقول لهم : إن الدين أعطى الحرية لكل من أسلم فلا عبودية لمسلم و أنتم مسلمون ، اقرأوا :-" إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حق". سيصدقونه مغمضي الأعين ، سيرون أن تأويله هو الصحيح و أن أولئك يتلاعبون بالنصوص لتأبيد عبوديتهم ليستمتعوا بالأموال و الجواري و يتخموا بطونهم...
عاصر تلك الأحداث في سنوات عمره الأخيرة الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجاج صاحب الصحيح (صحيح مسلم) [(206 ــ 261هـ)] و توفى بعد الثورة بسنة واحدة الإمام البخاري(194ـ 256هـ) ، أما مؤرخنا الطبري فهو أحسن من يكتب عنها من وجهة نظر السلطة لأنه عاشها من الألف إلى الياء (الطبري 224 ــ 310هـ) ...

imported_أبو جعفر 14-04-2020 12:18 AM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة زين العابدين حسن (المشاركة 551036)
الاخ المحترم ابو جعفر ، تحية طيبة .. اجتهاداتك و رؤيتك محل احترام و لكن محل خلاف . اعتقد ان رؤية المعتزلة تختلف عن رؤية القرآنيين تماما فهم لم ينكروا السنة جملة ، إنما أنكروا أشياء محددة (على اختلاف بينهم) ، فقد كانوا يردون حديث الآحاد بصورة عامة و كانوا لا يقبلون الحديث الذي يتعارض مع العقل حسبما يرونه و ذلك لتعارضه مع العنى القرآني كما توصلوا له .. لكنهم كانوا يقبلون باغلب الأحاديث .. صحيح انه في زمنهم المبكر (بدايات القرن الثالث) لم تكن رؤية من يسمون بأهل السنة قد نضجت و لم يكن تصورهم قد اكتمل ليملكوا الحجج الكافية لتكفير الخصوم ، لكن المتأخرين منهم واجهوا ذلك و بدأ تأثيرهم يقل حتى تلاشى ، ليس تاثيرهم فقط بل كل تفكير لا يتوافق مع تلك الرؤية السنية حتى العقلانية منها . لا ننسى انه على الجانب الآخر وجد الشيعة مفكريهم الذين سيعبرون عن اشواقهم الدينية و السياسية . تقبل تحيتي .


تحياتي

وصدقني القرآني الحق لا يرفض إلا ما يخالف تعاليم القرآن الكريم حتى ولو كان من كلام العامة فضلاً عن الرواية عن الرسول الكريم ... قال تعالى: { الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (18)} سورة الزمر.

وضع ستين ألف خط تحت جملة: {يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} ولاحظ أن مفردة القول معرفة بالألف واللام ... أي كل القول، وبلا صفة أو مصدر معين للقول.




زين العابدين حسن 14-04-2020 01:49 PM

[QUOTE=أبو جعفر;551046][SIZE="5"][COLOR="Navy"]
تحياتي

وصدقني القرآني الحق لا يرفض إلا ما يخالف تعاليم القرآن الكريم حتى ولو كان من كلام العامة فضلاً عن الرواية عن الرسول الكريم ... قال تعالى: { الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (18)} سورة الزمر.

وضع ستين ألف خط تحت جملة: {يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} ولاحظ أن مفردة القول معرفة بالألف واللام ... أي كل القول، وبلا صفة أو مصدر معين للقول.

تحية أبو جعفر ... حقا اتباع أحسن القول أفضل ما يقوم به الإنسان .

زين العابدين حسن 14-04-2020 01:51 PM

(6)
عام 248هـ قُتل الخليفة العباسي الحادي عشر المنتصر بالله (قاتل أبيه المتوكل) و المتوكل يّعد آخر الخلفاء العباسيين الأقوياء (المتوكل بالله 232 ــ 247هـ) . لم يمض عام على تولي المنتصر بالله الخلافة حتى قُتل .. كان هناك رجل في بغداد من المؤيدين للخليفة المقتول ، سينعته خصومه فيما بعد بأسوأ النعوت و ينكرون نسبه ، و سيسمونه بـ(الخبيث) لأنه أذاق السادة من كأس مذاقها مر ، كأس السبي ... لك أن تستهجن ما مارسه و ما كانوا يمارسونه ... كان اسمه كما يدعي أنصاره هو علي بن محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، و كما نرى أنه ينسب نفسه للدوحة النبوية ، و لأنه كان من المؤيدين للخليفة المقتول أدخله الثوار السجن مع أمثاله ... تتساءل عن خطره و لماذا أودع السجن فلا تجد إجابة شافية ، يصفه المؤرخون بأنه كان يعلّم الخط و النحو و (النجوم) أي علم الفلك . يبدو أنه قد حدث تمرد ببغداد و حدثت فوضى أتاحت للمسجونين الهرب و فيهم بالطبع علي بن محمد . في ذلك الوقت عبر كرسي الخلافة كل من المستعين بالله (أربع سنوات) ثم المعتز بالله (ثلاث سنوات ) و تلاه المهتدي بالله (لمدة سنة واحدة) و هذا المهتدي بالله هو الذي حدثت في عهده الثورة العارمة أو ما اصطلح المؤرخون على تسميتها بثورة الزنج ....
قاد الزنج علي بن محمد بن أحمد بن عيسى . وجد (الخبيث) أعدادا مهولة من الأنصار ، أولئك الزنج البائسون الذين يعملون بلا راحة ، تحت الهجير و في قر الزمهرير ، أعمالا لا يقدر عليها إلا مجبور مقهور ،السوط في ظهره و السيف يبرق أمام عينيه و يرى العاصيين من بني جلدته أدمت أجسادهم السياط أو تدحرجت رؤوسهم بيد الجلاد بلا رحمة ، لذلك كانوا متحفزين للانضمام لكل من يعدهم بتخليصهم من نير الظلم و الاضطهاد ، و لأن العلماء في ذلك الزمان و حتى زماننا هذا (و في أزمان كثر) لا يرون الظلم و لا القهر و الاستعباد و لا الظروف اللاإنسانية التي يعيشها سواد الناس ، لكنهم يرون ثوب الجارية و خلخال المرأة و هل هو من الزينة التي يجب سترها أم يجوز إظهارها ؟ و هل تجوز الصلاة غير المفروضة للعبد عندما يكون سيده محتاجا لخدمته ، و هل حجّه له أم لسيده حتى بعد استئذانه ، و هل يجوز الخروج على الإمام؟ و هل تصح صلاة من يحمل قربة فساء؟ وهل و هل ... لكن أسئلة من نوع : ما هذه الظروف البائسة التي يعيشها هؤلاء ؟ لماذا هي أدنى من تلك التي يجب على الإنسان السوي أن يوفرها لدابته ؟ لماذا يكد و يكدح العبيد و الفقراء و لا يجدون حتى الطعام الكافي لسد رمقهم ؟ و لماذا يستمتع المتبطلون الذين لا يعملون بكل خيرات الدنيا من أموال و طعام و جواري ؟ لماذا أكثر الناس دعوة للدين هم أكثر الناس تملكا و استمتاعا بنعيم الدنيا ؟... كان العلماء مشغولين بتبرير أخطاء السادة و إرضائهم ، خاصة و أن أغلب السادة هم أحفاد من جاءوهم من مراكز القداسة و حازوا الأموال و السؤدد . عرف (الخبيث) كيف يخاطب أولئك الذين يتوقون لنسائم الحرية ... قال لهم : أنتم أحرار لأنكم مؤمنون.. ما كانوا في حاجة لعلوم التفسير و الفقه ، فقد استيقنوا أنهم مؤمنون و الله اشتراهم فليس لمخلوق الحق في استعبادهم و بيعهم و شرائهم ، و هم لا يعرفون غير الإسلام دينا. لم يستنكر عالم واحد ما جرى لهم من مذابح و لا قال لهم زيد من الناس أنكم بني آدميين لكم حقوق إنسانية و ها قد جاء من يقول لهم : (لا تمييز بين الناس .. الإمارة حق لكل الناس ، ليست حكرا على قريش ..) لذا نعته خصومه بأنه جاهر بمبدأ الخوارج . لكن الأخطر أنه قال لهم : أولئك الظالمين من جيش الخلافة و من والاهم مشركون ، أموالهم و نساؤهم حل لكم ، ستكونون أنتم السادة و هم العبيد ، و كان ذلك مقتل ثورة الزنج ... مقتل ثورة الزنج كان في تبنيها للأوضاع السائدة بصورة مقلوبة ، أي أن يتحول العبيد لسادة و يتحول السادة لعبيد ، كان هذا محكوما بأفقهم التاريخي الذي لم يصل بعد للمطالبة بالحرية لكل الناس ، رغم أن هناك من توصل لذلك في أزمان سابقة قبل أكثر من ألف عام و في أماكن مختلفة . شوق العبيد الزنج للحرية و رغبتهم في الانتقام و طمعهم في ثروات السادة و أن يتمتعوا بالخيرات المادية و الجواري من السبايا من سادتهم الكفار ، كل ذلك سيعمي بصيرتهم عن رؤية أن ذلك سيوقظ عنف السادة و قواهم الكثيرة العدد و المدربة جيدا و الأكثر حنكة و خبرة . حدثت أحداث سرت أخبارها في كل أنحاء الدولة ، ففي حروبهم استرق عبيد الأمس سادتهم السابقين و سبوا نساءهم و اتخذوهن جواري مما ملكت أيمانهم ، و نهبوا الأموال باعتبارها غنائم ، فأموال المشركين تحل كغنيمة ... نقرأ للمسعودي في مروج الذهب أن هاشمية اشتكت لقائد الثوار علي بن محمد ظلم سيدها الزنجي فقال لها : " هو مولاك أولى بك من غيره . " و نقرأ للطبري في(تاريخ الأمم والملوك) أن أحد قادة الزنج و يسمى صندل كان حسب أوامر قائده (يكشف وجوه الحرائر ويقلبهن تقليب الاٍماء ، فاٍن امتنعت منهن اٍمرأة ضرب وجهها ودفعها اٍلى بعض علوج الزنج يبيعها بأوكس الأثمان (... سبق و أن قلنا : إن روايات الطبري و المسعودي و ابن الأثير و غيرهم من المؤرخين المتقدمين (و حتى كثير من المعاصرين) ترى أنه من الطبيعي أن أن يتم وصف السود بصفات قبيحة و الحط من قيمتهم الإنسانية و وضعهم في مرتبة الحيوانات ، رغم أنهم التزموا في أحكامهم بالشريعة على الأقل من حيث المظهر من حيث تطبيق العقوبات الشرعية لكن يبدو أنهم لم يستوعبوا مكر التاريخ ، فحتى بالشريعة الإسلامية لا يجوز لهم ما يجوز لسادتهم من الأشراف اليعاربة من سبي و استرقاق . شارك الزنج في الثورة كثير من العرب الفقراء الذين سلبت أرضهم و اقطعت لغيرهم ، و بعض المغامرين من غير الزنج . تقدر المصادر التاريخية أعداد الرقيق الزنجي الثائر بأعداد كبيرة ، فبعض الروايات تقدر أعداد المحاربين من الزنج بأكثر من مائة ألف ، نقرأ في بعض المصادر أن المهلبي قائد الزنوج استولى على البصرة ، وذبح ثلاثمائة ألف من أهلها وسبى الزنوج آلافاً من النساء واسترقوا آلافاً من الأطفال البيض بعضهم من بني هاشم أنفسهم ... كانت ثورة وحشية مدمرة يُقدر ضحاياها بأكثر من نصف مليون ، لا شك أن الظلم المتراكم يُذهب التسامح و يثمر وحشية مدمرة و لعل المثل (العدل أساس الملك) مثل صادق لأبعد حدود الصدق . انتهت الثورة عام 270 هـ بمجازر انتقامية قام بها السأدة ضد الزنوج قتلا و تعذيبا ، من المؤكد أنها لا تشغل فكر مؤرخي ذلك الزمن و لا تؤرق ضمائرهم فلا يتكلمون عنها إلا عرضا . ربما كانت تلك المذابح السبب الأهم في تواضع أعداد الزنوج الحالية في تلك الربوع فالتقديرات التاريخية توحي بأن أعدادهم كانت كبيرة جدا ، فقد كانت أغلب الحواضر في الدولة الأموية و العباسية أسواق لبيع و شراء الرقيق عامة و منهم الزنوج الذين كانوا يجلبون لتسخيرهم في الأعمال الشاقة . ستعقب ثورة الزنج ثورة أخرى هي ثورة القرامطة التي ارتكبت هي الأخرى من الفظائع ما يشيب لهوله الولدان .


الساعة الآن 03:41 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.