ملامح من صراعات العهد العباسي
ملامح من صراعات العهد العباسي
(1)
هذه السلسلة مواصلة لما جاء في السلسلة الأولى و لكن بتناول مختلف ...
تركنا هارون الرشيد بعد أن طلب من القصاب ألا يشحذ سكاكينه و أن يقطّع (الفاسق ابن الفاسق) أخا (خامل) ، و قد قام القصاب بعمله على أكمل وجه حتى أنه عد الأشلاء فكانت أربعة عشر ... لم يعش هارون بعد ذلك طويلا ، مات في نفس العام (193 هـ) في طوس (تقع داخل إيران حاليا) . تولى الأمين الخلافة بعد موت الرشيد و أحس الأمين أن سلطته منقوصة لأن أخاه المأمون كان صاحب السلطة المطلقة على خراسان و حاول بكل السبل انتقاص سلطة المأمون و أخيرا عزله من ولاية العهد و اخذ البيعة لابنه موسى و قد سماه الناطق بالحق . تطورت الأمور حتى اندلعت الحرب بين الأخوين و التي استمرت حوالي أربع سنوات لتنتهي بما يرويه الرواة عن فظائعها و دمويتها . لعل نهاية الأمين تمثل جانبا من تلك الوحشية ، إذ أنه استسلم للقائد هرثمة و لكن طاهر بن الحسين قائد جيوش المأمون لم يرض ألا يستسلم له ، و كان الأمين قد ركب قاربا ليعبر به دجلة فغرق القارب أو أُغرق لكنه سبح للضفة الأخرى ، غير إن جماعة الطاهر بن الحسين أدركوه و ضربه احدهم يقال له قريش الدنداني بالسيف على مفرق رأسه فجعل يقول ويحكم : أنا ابن عم الرسول (ص) أنا ابن هارون ، اخو المأمون ، طبعا لم يستمع له أحد ... ذبحوه من قفاه و ذهبوا برأسه إلى طاهر فنصبها على حائط بستان ونودي : هذا رأس المخلوع محمد ، و جُرّت جثته بحبل ثم بعث طاهر بالرأس و البرد و القضيب و المصلى ، و هو سعف مبطن إلى المأمون ، و اشتد على المأمون قتل أخيه كما روى ابن كثير . كان ذلك عام 198 هـ و هو العام الذي يؤرخ لبداية خلافة المأمون . يمثل عهد المأمون عهد الترجمة و التثاقف و المناقشات و المناظرات . كان المأمون نفسه مثقفا لذا لم يكن منزعجا من ترجمة كتب الفلسفة كما سينزعج الكثيرون فيما بعد . منذ عهد الرشيد و ربما قبله كان المترجمون السريان و العرب المسيحيين و المهتمون يترجمون و يقرأون لكن تلك الأنشطة لم تكن تتم بتوجيه و رعاية رسميين و بإشراف الدولة ، لكنها ستكون كذلك في عهد المأمون . أنشأ المأمون دار الحكمة التي كانت بمثابة جامعة ، و شجع ترجمة مختلف العلوم اليونانية و الفارسية من طب و فلسفة و رياضيات و منطق . نقلت في عهد المأمون إلى العربية كل العلوم و الآداب التي كانت متوفرة من يونانية و فارسية و سريانية ، كأنما عرف المأمون أنه لا تطور إلا بفك أسر العقل . تم في عهده تطوير الاسطرلاب . كان المأمون يحب المناقشات و المناظرات و يُحضر المتناقشين و المتناظرين لمجلسه . سينتشر في عهد المأمون فكر المعتزلة و سيتبناه المأمون . لكن قبل التعرض لما كانت تموج به الحقبة من أفكار نلاحظ أن المأمون عهد أولا بولاية العهد لعلي الرضا (علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ) إمام الشيعة حينها ، و غيّر شعار الدولة العباسية من الأسود إلى الأخضر . تفسيرات تلك الخطوة كثيرة و من وجهات نظر مختلفة خاصة الشيعة . يبدو إن المأمون كان يميل في قرارة نفسه للشيعة و يقال إن مؤدبه في الصغر كان شيعيا فأثّر عليه ، و يروى عنه قوله إنه أقسم أن لو انتصر على الأمين ليولين الأمر لرجل يرضاه الجميع من آل محمد ، لكن حسابات المصالح و السياسة ستجعله يغير رأيه بعد موت الرضا (يجزم الشيعة أن المأمون قتله بالسم للتخلص منه) أو أنه شعر بخطورة تولية العهد للشيعة فتخلص من الرضا . ربما أراد المأمون تهدئة الأوضاع بعد حربه مع الأمين خاصة و أن الشيعة كانوا في تلك الفترة ثائرين و لهم أكثر من جبهة مفتوحة ، و ربما أراد أن يجعل الإمام الرضا تحت الرقابة و جعله يبدو كما لو كان طالب سلطة . سنلاحظ أن مبايعة الإمام الرضا بولاية العهد تمت برضى تام من المعتزلة الذين كانوا يحيطون بالمأمون حينها فقد كان من شهود وثيقة ولاية العهد بشر بن المعتمر و ثمامة بن الأشرس ، ربما لذلك دلالته و التي تصب في كفة أولئك الذين يرون أن هناك علاقة ما تربط المعتزلة بالشيعة أو قل إن هناك تقارب بينهم ... قام المأمون بتزويج علي الرضا من ابنته أم حبيبة . كان عهده بالولاية للرضا في عام 201 هـ و توفي الإمام الرضا 203 هـ ( و دفن مع هارون الرشيد في مقبرة واحدة) لم تستمر ولاية العهد خارج العباسيين إلا عامين ، سيعهد بعد ذلك بولاية العهد لأخيه المعتصم و يعود لشعار العباسيين (السواد) .
إذا كان المأمون قد أفلح في تهدئة الأوضاع مع الشيعة في أول أعوام حكمه فإنه سيلاحظ خطرا آخر عليه من جماعة السنة . ربما لاحظ المأمون تجمع العامة على أئمة أهل السنة ، و فشل أهل السنة في تحجيم خطر العلويين ، فكأن أهل السنة يضيفون هما على هموم المأمون ببروزهم كمركز سلطة . لا ننسى أن المأمون كان مثقفا و فيلسوفا و كان يجد متعة في صحبة أهل الفلسفة و المثقفين و أهل المناظرات و العقل . ربما لهذا كله و لأسباب أخرى عملت في لا وعي المأمون و لأخرى خفية ، اعتنق المأمون مذهب الاعتزال . نلاحظ أن جده الخليفة المهدي حين مطاردته للزنادقة غض النظر عن المعتزلة لأنه رأى فيهم خير معين للرد على حجج الزنادقة و دعاويهم التي لا يفلح السيف وحده في القضاء عليها ، أما الرشيد فقد ضيّق على المعتزلة لأنه كان يكره الجدل . لكن من هم المعتزلة و ما هي أفكارهم و على من كانوا يردون بمبادئهم الخمسة ؟ و من هم أبرز علمائهم و ما هو تأثيرهم على العقل الإسلامي في عصرهم و العصور المستقبلية ؟
|