و ما دمنا في سيرة الصوفية اسمحوا لي أن اتحدث عن أحد أكابر التصوف الذين ندر أن نجد عنهم معلومات:
دعنا نتحدث عن الإمام الشيخ العارف نجم الدين الكبرى، والرجل هذا للأسف على فضله و علمه قلة من يعرفونه و يذكرون محاسنة، لولا لطف الله سبحانه ثم هذا الرجل لقتل المغول معظم المسلمين، لولاه ربما تحول الاسلام إلى ديانة اتباعها محدودين جداً مثل الصابئة أو أقل منهم. و قد أشرت إليه من قبل في بوست "ماذا يحدث في الفاتيكان" و دعنا نشير إليه في بوست الأخ خالد هذا.
هو أحد علماء أهل السنه والجماعة و علم من أعلام التصوف من أهل خوارزم، و بالمنسابة أهل خوارزم عموم علمائهم سواء متصوفة أو غير متصوفه كانوا من أعلم و اتقى المسلمين قاطبة .
تعريف به:
قال عنه ابن نقطة: «هو شافعي، إمام في السنّة»، ووصفه الامام الذهبي في أعلام النبلاء بأنّه: «الشيخ الإمام العلامة القدوة المحدّث الشهيد شيخ خراسان».
اتفق كل من أرَّخ له على أنَّه : الإمام الزَّاهد القدوة المحدِّث الشَّهيد ، صانع الأولياء ، أبو الجنَّاب أحمد بن عمر بن محمد. سمي بالمحدث الشهيد لاشتغاله بالحديث والشهيد لأنه إستشد على يد المغول و قصة إستشاهدة التي أضحت من أعظم قصص الشجاعة والشهادة في تاريخ الاسلام هي مقصدنا هنا.
أيضاً من القابة "صانع الأولياء" لكثرة من تخرج على يديه من الصالحين. أما لقبة الأشهر "الكبرى" ذكر ابن العماد الحنبلي في كتابه " شذرات الذهب " أنَّ الشيخ نجم الدين كان يسبق أقرانه في صغره إلى فهم المشكلات والغوامض، فلقبوه ب " الطامة الكبرى " ثم كثر استعماله ، فحذفوا " الطامة " ، و أبقوا " الكبرى " تشير إليه.
هجمة هولاكو والأبطال المنسيين:
عندما هجم هولاكو الهالك على بلاد المسلمين، جزء كبير من هزيمة المسلمين النكراء كان خوفهم و إرتعادهم من بطش المغول، والمعروف في الحرب أن المبادرة نصف النصر، لم يعمل المسلمين بذلك إلا عندما توجه هولاكو لمصر.
لم يبادر قائد من قادة المسلمين للقاء المغول مع أنهم علموا بمقدمهم مسبقاً، لذلك سقطت بلاد المسلمين لقمة سائغة للمغول...وصل الخوف بالمسلمين أنه يحكى أن بعد إنتهاء معركة عاد الناس لمعسكراتهم، فوجد مغولي رجلاً مسلم، أتى ليجهز عليه فلم يجد شيئاً يقتله به، امره المغولي بالانتظار و عندما لم يجد شيئاً أجهز على المسلم بحجر والرجل مستسلماً.
من أوائل المناطق التي مر عليها هولاكو و جيشه كانت المنطقة التي منها الكبرى في خوارزم....عندما علم الناس بمجيء المغول هرعوا إلى شيخم الكبرى يستفتوه أمرهم، أمرهم الشيخ الجليل بأن يخلوا المنطقة و يتركوه وحيداً فيها هو و قله من الرجال، ثقل ذلك الطلب على أحد تلامذته فرجى شيخة أن ينتظر معه المغول لكن الكبرى رفض ذلك رفضاً باتاً و أمر تلميذه أن يذهب لبلده بعينها و أن ينشر الاسلام فيها و يواصل ما بدأه الكبرى.
خرج الشهيد نجم الدين الكبرى لمواجة جيوش المغول، والحقيقة لم يذكر لنا التاريخ أن هناك من خرج لمواجهة المغول غير إثنان نجم الدين الكبرى و قطز الذي قاد جيشه و خرج لملاقاتهم، و قطز أيضاً خوارزمي بالمنسابة.
لنترك ابن العماد يروي لنا قصة استشهاد الشيخ نجم الدين يقول : (استشهد الشيخ ـ رضي الله عنه ـ بخُوارزم في فتنة التتار ، وذلك أنَّ سلطانها قال للشيخ ، و أصحابه ، و كانوا نحو ستين : ارتحلوا إلى بلادكم فإنَّه قد خرجت نار من المشرق تحرق إلى قرب المغرب ، و هي فتنة عظيمة ما وقع في هذه الأمة مثلها . فقال بعظهم للشيخ نجم الدين : لو دعوت برفعها ! فقال : هذا قضاء محكم لا ينفع فيه الدعاء . فقالوا له :أتخرج معنا ؟ قال : ارحلوا أنتم فإنِّي سأُقتل ها هنا . و لما دخل الكفار البلد ، نادى الشيخ و أصحابه الباقون " الصلاة جامعة " ، ثم قال : قوموا نتقاتل في سبيل الله ، فدخل بيته ، و لبس خرقة شيخه ، وحمل على العدو ، فرماهم بالحجارة ، و رموه بالنبل و جعل يدور، و يرقص حتى أصابه سهم في صدره فنزعه و رمى به نحو السماء و فار الدم و هو يقول : إنْ أردت فاقتلني بالوصال أو بالفراق)
يحكى أنه مات متشبثاً بشعره مغولي بيد من حديد إضطر المغولي قص شعره بسبب تلك الحادثة، و هذه إهانة كبيرة للمغول يفضلون عليها الموت و بالمنسابة سبب حرب جنكيز خان على المسلمين أن أحد قادة المسلمين الأغبياء قص شعر رسل جنكيز خان له فاستعر غضب جنكيز لتلك الاهانة.
بعد هذا الموقف الرهيب من الكبرى تخيلوا ماذا حدث ؟
ذالك التلميذ الذي وكلة الكبرى بنشر الاسلام حتى لا ينعدم في بلاد خوارزم، ذهب و أسلم على يده مغول كثر منهم بركة خان (إسم على مسمى) إبن عم هولاكو و قائد أكبر قبيلة مغوليه على الاطلاق و هي القبيلة الذهبية.
طبعاً التاريخ لا يذكر لنا أسباب هزيمة المغول الحقيقية، التاريخ يقول أن خروج قطز و شجاعته كانت السبب! لكن هذا كلام غير منطقي، فعلاً قطز وقف وقفة لا تنسى يقال أنه حين سمع بمقدمهم حمل سيفه و أخذ يطوف الشوارع و هو يبكي و يكبر فأدخل في الناس حماس رهيب للمواجهة و هذا صحيح.
لكن السبب الرئيسي لهزيمة المغول كان أن بركة خان الذي أسلم على يد تلميذ الكبرى قطع الامداد على إبن عمه هولاكو و تحالف مع المسلمين تحديداً مع الظاهر بيبرس لقتال إبن عمه و فعلاً كانت تلك نهاية هولاكو و هجمات المغول، و بعدها أصبح معظم المغول مسلمين.
والحقيقة أن موقف الكبرى هذا لم يحفظ فقط المسلمين بل حفظ العالم بأسره من تلك الطامة التي كانت ستلحق به إذ أن هدف المغول لم يكن أرض المسلمين فقط بل العالم قاطبة.
لقد أراد الشيخ نجم الدين أن يعلمنا كيف نموت ميتة ً مجيدةً ، أراد أن يضرب للمسلمين مثلاً في عدم الخوف من الموت ، وفي الاقتحام الذي آخره الشهادة ، وما رقصه لحظة استشهاده إلاَّ فرحة روحية بالخروج من أسر الخوف ، بل هو معنى الفناء في الله تعالى على ما أشار إليه مولانا جلال الدين الرومي من بعده حين قال : ( لا يفنى في الله من لم يعرف قوة الرقص )
أفضل من أرخ للكبرى هو مؤرخ ألماني لا أذكر إسمه الآن لكن من أفضل الكتب عنه كتبه الاستاذ يوسف زيدان الكتاب في الوصلة تحت:
http://www.scribd.com/doc/66242237/%...A8%D8%B1%D9%89
رحم الله نجم الدين الكبرى، و تلميذه الفاضل ذاك و بركة خان الرجل البركة و قطز.
تحياتي