الى عمر كانديك في الأعالي .. !
في الرابع عشر من أبريل في العام 2007 في تمام الواحدة ظهراً، هاتفني ابن عمتك، "مدثر" كنت أنت تقدره وتبجله لأنك تحترم أكابر من تعرفهم أهلك وغيرهم، هاتفني ينعيك اليّ، هكذا بمنتهى التسليم بقضاء الله الذي مضى فيك وأنت في طريقك الى أن تقدم واجب العزاء في صديقك الذي سبقك الى هناك ببضعة ليالٍ لا غير.
لا بد أنك تذكر كيف أنني قرّعتك حين تعرضتما سوياً لحادث حركة في طريق مدني الخرطوم، تذكر كيف كنتُ جاداً وقاسياً معك حين استنكرت عليك كيف أنك تغادر الخرطوم الى مدني هكذا على قارعة الطريق، فتصعد مع من لا تعرفه، وأنا الآن أذكر، كيف قابلت لهجتي القاسية، بابتسامتك الوضيئة وأنت تتألم من كتفك عقب أيامٍ خلين من ذاك الحادث الذي شاركك فيه صديقك الذي ذهبت تبكيه.
وتمضي بك الأيام وبنا، تمضي فتتخذ موقعك في حياة الناس الذين عشت بينهم، وتودعني في مطار الخرطوم قبل عامين من رحيلك المر، أذكر أنا الآن كيف أننا جلسنا نستبقى من الوقت الذي انسرب سريعاً وكيف ضحكنا ملء أعماقنا، وأنت تعتدل في جلستك تارةً وتنظرني تاراتٍ عديدة فأكاد أبكي فلابد أنك تعي كيف أنك كنتُ ابني وليس شقيقي، ثم ينعيك "مدثر" في وضح النهار. هكذا بعباراتٍ متحشرجة، حاول هو أن يبدو ثابتاً لكنها محاولات الفاشلين، بكى ذاك الرجل الشديد القسمات، بكى في أذني، لكني ما بكيت، انعقد الدمع والعبرة كانت تسد حلقي ومسامعي، وقفت حاملاً هاتفي. وألفيتني في بيتي بين المعزين، كنتُ أنا آخر من حدثوه بعد أن هيأوا ما هيأوا من لوازم الفجيعة.
كانت مفارقة عجيبة، أن أطلب من أصحاب العمل أن يقوموا بتحضير جوازي قبل يومين من ذاك الاتصال المر، لا لشئ لم أك مصغياً يوماً لغير دمي القديم، كما يقول الفيتوري- ثم ماهي إلا يومُ وليلة كيف كنتُ فيهما لا أدري، أتحدث الى من حولي بثبات، ثم ما أن أخلو بك وبنفسي، حتى يغشاني الأنين، أنيناً مراً حنظلاً، أذكر عندها، كيف أنك كنتُ صغيراً بين يدي "بت العتيق" وكنتُ أنا وقتها ابن عشر سنين أو تزيد قليلاً، فاتبعك من هاتيك المهود حتى أشعر بصدرك وأنت تحتويني حين أتاك الخبر بقبولك في جامعة الخرطوم، لا بد أن تذكر كيف أنني بكيت، فبكى من شهد معنا عصر ذاك اليوم، كنت أنت حلمي الذي حلمت.
وأنا أهم بدخول البيت الذي نشأنا فيه، وجدتُ أخوتك كلهم وقوفاً في حزنٍ مهيب، بعضهم لم يسمح لي بأن أرى عينيه أخذني هكذا واحتواني ليضع راسه على كتفي فيستريح من عناء النظرة الباكية الحارقة، حدثوني، وأنا في الطريق كيف أن "بت العتيق" صابرة ومحتسبة، وكيف أنها لم تبكِك سوى مرة واحدة ،حين ألقت عليك نظرة الوداع وأنت مسجىً بأربطة المستشفى، هناك في ذات المكان الذي شهد حادثك أنت وصديقك الذي ذهبت تبكيه، تكرر ذات المشهد، هو سبقك بالموت بذات السبب فقط، وأنت آثرت الموت بذات السبب وذات المكان، فيا لذواتنا أجمعين.
أذكر أنا كيف أنك حدثتني ولآخر مرة، أن أهتم بمنزلي حذر المطر، ولا زلتُ أتبين نبرة الحزن الذي كساك وقتها، حزناً لم أعهده فيك، ولم أقف عنده، كنتُ مشغولاً عن فكرة الموت والرحيل هكذا في غمضة عين، كنتُ أعتقد مخطئاً أننا لن نفترق، فأنت تعلم كيف أني أحبك وسأظل.
الى عليين
التعديل الأخير تم بواسطة طارق صديق كانديك ; 11-04-2013 الساعة 10:07 PM.
|