ظاهرة رجال الدين عبر التاريخ
وظاهرة رجال الدين، ظاهرة وافدة، وغريبة على الاسلام، فليس في الاسلام رجال دين، يتميزون به في مظهرهم، عن بقية المسلمين، بل أن من أول دلائل تقوي الرجل في الاسلام، تواضعه، ومن تواضعه بساطة مظهره، وعدم تميزه. ولقد كان النبي عليه أفضل الصلاة واتم التسليم يكره أن يتميز على أصحابه. فكان الاعرابي يأتي من البادية لمجلس النبي بين أصحابه فلا يميزه للبس خاص، ولا لمكان في المجلس، فيقول: أيّكم محمد؟ فيشار إليه.
وإنما وفدت هذه الظاهرة، المنافية لتعاليم الإسلام، والمناقضة لروحه وتربيته، من حاخامات اليهودية، وكان أول ارهاصاتها في العهد الأول، ظهور طبقة القرّاء التي بدأت تحترف قراءة القرآن وتتفرغ لها، رأتهم السيدة عائشة، أم المؤمنين يسيرون في مسكنة، فقالت “حدثوهم لا يفسدوا علينا ديننا، فقد كان ابن الخطاب أقرأ الناس، وكان إذا مشي أسرع وإذا تكلم أسمع وإذا ضرب أوجع”.
والسبب الأساسي الذي مهد لهذه الظاهرة الغريبة هو انحطاط المسلمين وبعدهم عن معين الدين، الذي بدأ منذ بداية الفتنة الكبري وبانتصار أصحاب معاوية “أصحاب الدنيا” على أصحاب علي “أصحاب الدين”. وأصبح بذلك أمر الدنيا عاليا على أمر الدين، وصارت الخلافة ملكا عضوضا، كما أخبر بذلك النبي. وعلى يدي رجال يزيد بن معاوية قتل الحسين بن علي، وقتل من أبناء علي عدد كبير. ولم يزل أمر الدين منحطا وأمر الدنيا عاليا حتى استيأس أنصار الدين من صلاح أمر الناس، وفرّوا بدينهم للمغاور والكهوف ومن هنا نشأ التصوف الاسلامي، أما ما كان من أمر أصحاب الدنيا فإنهم أخذوا ينظمون حياتهم وفق الشريعة الاسلامية مع كثير من المفارقات حتى إذا اتسعت، وتشعبت، حاجاتهم فيها نشأ الفقه الاسلامي. وأخذ يستنبط ويقيس ويجتهد.
|