حكاية على قوز الحكيم
(الى روح صديقى (مامان)
بقلم /عبد المحمود بخيت محجوب
مازلت أذكر ايام نضرة تمر عبر مخيلتى من حين الى اخر، حينما كنت شابا فى القلعة، تمر كغيمة ظليلة فى هاجرة الصيف. وتلك ايام خلت لها رجع صدى يجوب بين كهوف نفسى الموحشة .
كنت ذات مرة اجلس على قوز الحكيم ،تحت جنح الليل الحالك السواد مع الربع .نحكى ونغنى ونطرب .اذكر جيدا ما قاله الشاعر حسن وهو يحكى بصوته الدافئ . وختم نهاية حديثه كاﻻتى:
ﻻح فى اﻻفق البعيد عربة (كومر ) الزراعة التابعة للمشروع ،يلوى العجاح من خلفه ،وبداخله ناظر المشروع والعمدة واحد أفراد الشرطة.راى الجميع الكومر فروا هاربين ، وأطلقوا سيقانهم للريح ، وتركوا ود عبد الغنى طريحا على اﻻرض يلتقط ما تبقى له من انفاس.
ارتفع القمر قليﻻ فى اﻻفق وبدا يطل بين اغصان السيال وشجرة الطندب بالقرب من مجلسنا وﻻ أخفى عليكم مازلت استمع الى أصوات هامسه ووسوسة تصل الى اذنى من بين اغصان شحرة الطندب اليابسة . سرح طرفى فوق اعلي قمم الشجر ورؤوس تﻻل الرمال ...هل يسمع اصدقائى ذلك الصوت والعزيف الذى اسمعه اﻻن ام ﻻ ؟ ﻻ ادرى ..
يا اخوتى ..انتشلنى من لجة هذه اللحظات العجيبة عزف (مامان )على الطنبور وتوقف عن العزف وبدا يحكى عن رحﻻته فى ام درمان وقتذاك كان طالبا بالجامعة وقال بصوته اﻻجش المبحوح : (اقعلنا فى ضحوة نهارات يوليو القائظة نحو حبل اﻻولياء جنوب مدينة الخرطوم. لتلبية دعوة من احد أصدقائنا اﻻعزاء .وعبرنا جسر ام درمان العتيق على النيل اﻻبيض ، وجرت بنا السيارة فى شارع الغابة الميامن لشط النيل اﻻبيض ومررنا مسرعين بشحرة( ماحي بك) وهى مدينة صغيرة تقع فى ضواحى الخرطوم الجنوبية .وبعد برهة قليلة وجدنا انفسنا فى ريف فسيح به مروج خضراء سندسية خضراء تتصل بها القري يمينا وشمالا ، وللعين فى هذا الطريق مسرح انشراح وللنفس براح وانبساط .
ﻻح فى اﻻفق البعيد احد ذري جبل اﻻولياء ...ووصلنا بوابة المدينة بسﻻم . وتلك البوابة الكبيرة محروسة بخفر الشرطة ليل نهار تمر عبرها السيارات والشاحنات الموسوقة بالبضائع والمحاصيل والخضروات . فيما مضى كان يؤخذ مكسا على كل سيارة قادمة من الشمال او الجنوب.
عطفت بنا السيارة من هذه البوابة المذكورة نحو جهة الغرب ،وبانت لنا مئذنة جامع المدينة ،مشرئبة عالية فى الفضاء . ووصلنا الجامع بالقرب منه سوق حفيلة تعج وتغص بخلق كثير من مختلف السحنات والقبائل والبدو والمزارعين وصائدى اﻻسماك.
على قمة الجبل برج حصين للمراقبة يطل على النيل اﻻبيض ناحية الخزان وعلى المدينة من ناحية الشرق.
استقبلنا صديقنا عثمان عبد الباسط عند مدخل استراحة الزوار .وحمدنا الله على سﻻمة الوصول .تبدو اﻻستراحة من اول وهلة ،عتيقة البناء يحفها سور من الحجارة الصماء .بيضاء كالحمامة تطل على الخزان القائم على صفحة النيل اﻻبيض .تحدها من ناحية الشمال حدائق غناء تصدح طيورها فى عز النهار.بداخل اﻻستراحة اربع غرف صالون فخيم وغرفتين نوم وغرفة اخري للطعام وحمام.انيقة اﻻثاث جله مصنوع من خشب اﻻبنوس الدواليب والكراسي والطاوﻻت ...بالصالون أريكة وثيرة وكراسي جلوس وطاولة ناصعة من خشب المهوقنى الصقيل .
من الحهة الغربية باب كبير بثﻻث ضلف بيضاء. جلسنا فى (البرندة) المطلة على النيل خلف الصالون وجيئ بعصير البرتقال والكركدى
والرمان. ثم الشاى والقهوة وبرد الجو وطاب الحكى واﻻنس الرائق ..
احيانا نسرح الطرف فوق سطح الماء، ونرقب فى الميناء الصغيرحركة مراكب الصيد وهى تتأرجح فى الشط يداعبها الموج وهى رواكد .
لمع برق من جهة الشرق ، ثم نشأ نوء عظيم أظلم له اﻻفق الى ان كسا الآفاق كلها .وهبت ريح عاصفة شديدة، صرفت المراكب من الميناء نحو الجزيرة امام الخزان .
سمعت صوت صديقى عثمان وسط فوضى وهيجة الطبيعة وهو يقول(قضت موجة عظيمة على طوفه وتقدمت به بعيدا وافلتت الدفة من يده، وغاص فى البحر الي عمق كبير إﻻ أنه عﻻ فوق اﻻمواج ، ومج الماء من فمه وكان من شجاعته ان وثب على لوح من الخشب وامسك به وجلس عليه فأخذت تتقاذفه اﻻمواج )
تمادي عصوف الريح .واشتدت الظلمة وعمت اﻻفاق ،وتغطت اﻻرض والبحر بالغيوم .واحسست بالخوف يدب فى اوصالى .وقلت لعثمان وﻻ ادرى هل يسمعني ام ﻻ فى تلك الحال.(وفى اليوم التالى اعطته كاليبسو فأسا عصاها من خشب الزيتون واعطته قدوما ،واخذته الى طرف الجزيرة. حيث اﻻشجار العظيمة .قد زوت وجفت منذ زمن طويل .فقطع منها عشرين وشذبها وجعلها صفا ، ثم جاءته اﻻلهة بمثقب فخرق به الجذوع، وضم بعضها بالدسر، ورفع عليها صاريا وزود هذا الطوف بدفة يدار بها.
وابحر فى اليوم الخامس .وقد خلعت عليه كاليبسو، اﻻثواب الفاخرة. واعطته زق عسل وقربة ماء وزادا طيبا فى جراب من الجلد ، ثم سخرت له ريحا رخاء تهب من ورائه ، اقام الليل لم يغمض له جفن يرقب النجوم والثريا والدب اﻻكبر ...وهو ﻻ يفتأ يدور فى مكان واحد)
-قال عثمان بصوت قاطع (انت تقصد من بذلك)
-قلت وصوتى يقاوم عصف الريح(اوزي....)
لم يتركنى اكمل اﻻسم قال انت رحت بعيد ، انا اعنى( ابنعوف )من ديار المحس والدناقلة، وضحكت .. وضحك عثمان وضحك الجمبع .وانقلب ضحكنا الى قرقرة ،تتجاوب مع قرقعة المطر والبرد وقصف الرعود فوق سقف اﻻستراحة فى غفلة من صروف الزمان.
عبد المحمود بخيت محجوب
القرير-القلعة
[email protected]