منديل حرير !!! النور يوسف

قيامة دولة المتحولون الانسانية !!! أسعد

خِلِّي العيش حرام - عبر الأجيال !!! أشرف السر

آخر 5 مواضيع
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > منتـــــــــدى الحـــــوار

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 31-03-2018, 07:07 AM   #[16]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

جريدة الوطن - الثلاثاء 17 محرم 1430هـ - 13 يناير 2009م

كلام ساكت - أيام النميري «11»
لواء «م» محيى الدين محمد علي
ذكرت سابقاً .. بأن عدد المعتقلين الذين تم التحفظ عليهم .. داخل معسكر ضخم تحت إشراف وإدارة سلاح المدفعية بعطبرة .. كان يتجاوز الثمانمائة معتقل .. معظمهم من موظفي وعمال السكة الحديد .. ومن المعلمين ... وعمال وموظفي المصالح الأخرى .. وقليل من عامة الناس .. وكان لزاماً عليَّ بالتعاون مع أسرة مكتب الأمن والمباحث .. أن أقوم باستجوابهم جميعاً وعمل ملف بكل التفاصيل عن كل معتقل ، ومن ثم تصنيفهم إلى مجموعة أولى .. ثم ثانية .. وأخيرة ثالثة.. وهم الأقل خطورة ... وقد أدينا هذه المهمة .. بكل أخصلاص وتفانٍ ... نبدأ نشاطنا صباحاً .. ويستمر حتى منتصف الليل .. وقد صرعتني الملاريا .. ثلاث مرات .. أثناء هذا العمل الاستثنائي المرهق ... ولكن .. ومع قساوة هذا العمل .. فإنه لم يخلُ البتة .. من لحظات الفرح .. ولحظات الضحك والابتسام .. والمواقف الإنسانية .. فالفرح كان يغشانا جميعاً .. كلما .. صدر كشف من لجنة أمن المديرية .. بإطلاق سراح مجموعة من المعتقلين .. فنحمله على جناح السرعة .. لإدارة المعتقل .. ونحيا تلك اللحظات المؤثرة ..... والرفاق يودعون الرفاق .. ويرتمون في صدور أهلهم وهم يجأرون بالبكاء ودموع الفرح .. ويحتضنون أبناءهم وبناتهم .. ويمشون إلى بيوتهم .. زرافاتٍ ووحدانا .. ولا ينسون أبداً .. أن يخصونا.. بعناق الوداع ... فقد كنا .. لهم أصدقاء .. ناصروهم على محنتهم ولم يظلموهم ..!!
أما الطرائف ولحظات الضحك والابتسام فقد كانت .. هي زادنا .. ودافعنا على العمل.. لأن كل المعتقلين الذين كنا نتعامل معهم صباحاً .. ومساءً ... كانوا من الصفوة المسلحين .. بأفكار اليسار .. وكانوا على درجة من الثقافة والوعي ... ويتميزون بالذكاء ... والسخرية والملحة والطرفة .. وحتى جماعة الميم نون.. فهم على غفلتهم .. أصحاب شخصيات خاصة .. وقدرات وطاقات نادرة .. لا أحسب أن الحزب الشيوعي السوداني .. كان في مقدوره الاستغناء عنها ..!!.. ومن الطرائف التي يحكيها الشيوعيون .. أن .. رفيقاً من جماعة (الميم نون).. لم يكن لديه أي مؤهل تعليمي .. وظل يطالب قيادة الحزب لإرساله في بعثة دراسية .. ويلح على ذلك.. فتم إرساله.. إلى روسيا.. في دورة تدريبية .. حسب قدرته ... ولما عاد إلى السودان .. سألوه عن الشيوعية ومزاياها فقال لهم.. ده موضوع طويل.. لكن باختصار أنحنا هنا في السودان.. واقفين صفوف علشان نلقى لوح ثلج.. لكين في موسكو.. تقوم من نومك تلقى ثلجك راجيك في الشباك.. وما عليك إلا تخرط ساي!!
إن طرائف الرفاق المعتقلين ... التي أضحكونا بها.. أو ضحكوا بها علينا.. لا تحصى ولا تعد.. وبعضها يصعب سرده.. ولكني... أرغب في سرد.. بعض المواقف.. لرجال وجدتهم داخل المعتقل.. أحدهم.. كنت قد تعرفت عليه في جوبا.. والثاني.. عرفته في دنقلا. أما الأخير.. فكان من أبناء.. أرقو وزميل دراسة حتى المرحلة الثانوية .. فلما كنت.. استدعي المعتقلين من معسكر الاعتقال لاستجوابهم وإكمال الإجراءات المطلوبة بشأنهم... شهق الرجل عندما رآني واندفع نحوي يضمني.. ويعانقي، وسرعان ما ربطتُ بين اسمه.. وهيئته وتذكرت.. أيامنا معاً في مدينة جوبا.. فسألته عن سر اعتقاله.. والرجل حسب علمي.. لا علاقة له.. بمايو.. ولا.. بيوليو.. فقال لي.. إن علاقته كانت سيئة جداً بأحد ضباط الشرطة.. فتربص به. ولما تيقين بأنه قد أرسل برقية تهنئة لرجل من الذين عينتهم حركة «19 يوليو».. في منصب حساس ومهم.. استغل الضابط هذا الأمر، وقال باعتقاله.. باعتبار أن البرقية تأييد ودعم للانقلاب الشيوعي.. وأوضح لي الصديق المعتقل.. بأنه أرسل برقية التهنئة بصفة (أخوية).. لأن الرجل كان صديقه. وقد عملا معاً في شبابهما في مجالات أخرى.. وقد سره وأسعده وأثلج صدره.. أن يصل إلى المرتبة العليا التي أختير لها.. وعلشان كد بس أبرقه مهنئاً!!.
وطالبني بالمساعدة لشرح موقفه ورفع الظلم عنه.. وإطلاق سراحه.. وبالفعل رفعت توصية.. إلى لجنة الأمن عبر القنوات طبعاً.. وذكرت بأن برقيته لا تحمل أي بعد سياسي يمكن أن يُحسب عليه.. وقامت اللجنة باستدعائه واستمعت إليه.. وتوقف أحد اعضائها عند جملة (في هذا المنعطف الخطير من تاريخ أمتنا).. وقال له ده شنو؟ فقال المعتقل (دي ثقالة مني ساكت)!!
ضحكت اللجنة.. وأمرت بإطلاق سراحه!!. أما الرجل الذي تعرفت عليه في دنقلا.. فهو نفس الرجل الذي تحدثت عنه من قبل.. صاحب العربة اللاندروفر.. حزب الأمة رمز القوة والذي أكرمنا بخروف وساعدنا على مهمتنا في اعتقال مجموعة من وكلاء الإمام الهادي. وكان لا يعلم بأنه على رأسها.. ولكننا.. اعتقلناه على الورق وأطلقنا سراحه.. وهو لا يعلم برضو.. فأحسنت استقباله وصافحته وأجلسته وأكرمته بكوب شاي.. وسألته عن علاقة وكيل الإمام.. بالشوعية.. فقال لي أنا ما شيوعي.. ولكني أكره النميري من قبال يبقى رئيس.. وهو من أهلنا.. ولما سمعت بالانقلاب.. خرجت بعربتي أهتف ضد النميري .. وقبضوني وأرسلوني إلى عطبرة .. وبعد إكمال الإجراءات أعدته إلى معسكر الاعتقال ، وهو يردد التجي من السماء.. تحملها الواطا..!!
أما زميل الدراسة وابن منطقتي .. فقد كنت أعلم باعتقاله قبل ان أصل إلى عطبرة .. وقد اتصل بي أهله عدة مرات سائلين عن ظروف اعتقاله .. وإمكانية إطلاق سراحه .. فذهبت إليه في المعتقل واستعمت منه حديثاً طريفاً .. فالرجل بالإضافة لمهنته كمحاسب ، فهو خطاط درجة أولى (يسترزق) من فنه .. ووجد فيه الشيوعيون ضالتهم .. فجعلوا كل شعاراتهم ولافتاتهم المكتوبة (حصرياً) على (نصر الدين) .. وكان الرجل إذا خطَّ شعاراً أو لافتة .. مهرها باسمه .. من قبيل الدعاية والإعلان عن فنه ... وحسبت أجهزة الأمن أن مسلكه وإصرارهـ على كتابة اسمه .. مغالاة .. وتطرفاً وتبجحاً بشيوعيته .. ومما زاد الطين بلة وأزم موقفه .. أنه كان يقف في قلب المظاهرات .. ضاحكاً يستمتع بلافتاته الحمراء .. التي غطت الساحة .. واسمه يتراقص في أسفل كل لافتة!!
لم تكن البينات .. ضد .. وكيل الإمام .. وزميل الدراسة .. تمكنني .. من التعجيل بمخاطبة لجنة الأمن لإطلاق سراحهما ، وقد تفهما ذلك .. ولكنني ظللت أزورهما .. بانتظام .. وأقدم لهما المساعدة الممكنة من سجائر وصعوط .. وغيرها .. حتى حل عيد الأضحى المبارك .. فأسرعت بكتابة خطاب لقائد المدفعية موضحاً .. إن إدارة الأمن العام .. تطلب معلومات مهمة جداً عن المعتقلين - وكيل الإمام وزميل الدراسة - وطالبت بأخذهما معي إلى مكاتب الأمن والمباحث .. لإجراء اللازم .. ووافق القائد .. وهو مندهش لإخلاصي في العمل .. قبل صلاة العيد!!.
فاستلمت الرجلين وذهبت للرئاسة (للتمويه) وأنزلت الحرس وجئت بهما إلى منزلي .. حيث .. حضرا معي نحر أضحيتي .. فأكلا منها .. المرارة والشواءات وظلا معي حتى وجبة الغداء .. وأحتسيا من الشربوت المعتق .. ثم اعدتهما إلى معسكر الاعتقال .. قبل غروب الشمس!!
ومن الطرائف ان أحد المعتقلين .. وهو مزارع بسيط .. محدود الفهم . قد تم استغلاله بواسطة بعض الشباب المعادين لمايو .. فدفعوا له بعض المال وطالبوهـ .. أن يطوف بالقرى .. ويذيع على الناس بأن النميري شالوه ... وفعل الرجل .. وكان يردد بأعلى صوت .. أيها المواطنون .. النميري راحت في ستين داهية .. ويضيف الرجل .. أولاد الآبالسة غشوني .. لحد.. ما.. رحت.. أنا ذاتي في ألف داهية!!
لقد ظلت لجنة أمن المديرية.. تحرص كل الحرص على متابعة موقف المعتقلين ومراجعة موقفهم .. والنظر في حالاتهم واطلاق سراح بعضهم .. حتى تقلص عددهم إلى الثلث تقريباً .. فأخرجوا من معسكر الاعتقال .. وتم التحفظ عليهم ... في سجن عطبرة .. والدامر .. وأصبح اتصالنا بهم سهلاً .. وميسراً .. وقد كانت هذه المجموعة المتبقية من المعتقلين من العناصر.. المتشددة .. والتي لا تخفي عداءها للنميري وتأييدها .. لانقلاب هاشم العطا .. وانتماءها .. للحزب الشيوعي .. الجناح الموالي للراحل عبد الخالق محجوب بالتحديد .. وعلى ذلك فقد تجاوزت مدة اعتقالهم .. عاماً كاملاً ... ولما حلت الذكرى الأولى لانقلاب هاشم العطا .. استنفرت قوات الشرطة كلها .. وتحوطت لوقوع أي اضطرابات أمنية .. من قبيل المظاهرات والتخريب وكتابة الشعارت على الجدران ... والمنشورات ..... ولكن شيئاً لم يحدث .. فطابت أنفسنا وشعرنا بالارتياح .. لأن الخطة الأمنية .. قد حققت أهدافها .. ولكن حدث ما لم نكن نتوقعه أو نحسب له حساباً.. إذ استغل الشيوعيون تجاوز ادارة السجن.. وسماحها بدخول الوجبات البلدية.. زي أم رقيقة.. والمفروكات بأنواعها فاستطاعوا أن يدسوا في قاعها مئات النفاخات أو البالونات.. وعند منتصف النهار... نفخوا هذه البالونات.. وعلقوا عليها.. هتافاتهم المعادية للنميري.. والهتاف بحياة الحزب الشيوعي ونضاله.. مكتوبة على أوراق علب السجائر.. والأوراق الأخرى ثم أطلقوها.. لتصعد إلى سماء السجن.. ثم.. تنداح في سماء المدينة مع تيارات الهواء.. لتبلغ كل مكان.. وكان مضحكاً جداً.. أن ينطلق خلفها الرجال.. لقبضها.. وقراءة مضمونها ثم طرشقتها.. وعند سؤالنا للمعتقلين عن هذا.. انكروه جميعاً.. وقالوا.. إنهم لا علم لهم بذلك.. وأن هذه البالونات لم تصعد من السجن أصلاً.. وكان ضباط السجن رجلاً لطيفاً.. فقال لهم طلعت من عندكم ولا ما طلعتش.. تاني مفروكة ما في!!
وبعد هذه الحادثة الطريفة تزايد نشاط الشيوعيين.. وكلما أصبح الصبح طفنا بمدينة عطبرة وشوارعها.. لنجد.. جدرانها وقد ازدحمت بالشعارات المعادية... وأصبح التحري في هذا الأمر.. لنعرف من فعله.. غير مفيد.. فأخذنا نبدأ صباحنا بتوزيع رجالنا وهم يحملون الفرشاة والجير الأبيض.. في جرادل... لطمس معالم الشعارات المعادية المكتوبة على جدران المنازل.. وجلبطتها أو شخبطتها.. وكله على حساب صاحب المنزل المغلوب على أمره.. وليس له في.. (النمير) ولا النفير.!!. وذات يوم دخل السيد الدكتور محي الدين صابر مدينة عطبرة فجراً في سيارة ورأى جماعتنا وهم يطمسون شعاراً يقول.. (لن ترتاح يا سفاح) وكانوا قد بدأوا في عملية الطمس مبتدئين من (الحاء) في نهاية الشعار.. فحسب انهم من الشيوعيين.. وجاء مسرعاً.. والتقى.. مدير الشرطة وقتها العميد.. عصمت معني.. وابتدره قائلاً: موش ممكن اللي بيحصل ده.. الشيوعيون يكتبون على الحيطان في وضح النهار؟! وقام السيد عصمت بشرح الأمر له.. فقهقه.. ضاحكاً.. وقال: صدق اللي قال.. كلام الليل يمحوهـ النهار!!.



ونواصل





التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04-04-2018, 09:24 PM   #[17]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

جريدة الوطن - الثلاثاء 23 محرم 1430هـ - 20 يناير 2009م

كلام ساكت - أيام النميري «12»
لواء «م» محيى الدين محمد علي
الشمالية .. كانت لها حكومة برأسين .. رأس في الدامر .. والأخرى في عطبرة .. وللتوضيح .. فإن الدامر .. والتي وصفها الشاعر فاجاد حين قال :
يا دامر المجذوب .. لا انت قرية
بداوتها تبدو .. ولا انت بندر ..
وده طبعاً.. قبل اربعين سنة ولا أدري ما حل بها الآن.. ولكنها كانت مع ذلك .. مقر .. حكومتها وعلى رأسها المحافظ .. صاحب السلطان والسلطات .. أما عطبرة والتي كان يمقتها البعض ويقولون عنها ـ عطبرة المقبرة ـ فهي بالقطع لم تكن كذلك .. بل كانت جوهانسبرج السودان أو مدينة الحديد والنار ... وكانت مقر سلاح المدفعية .. ورئاستي شرطة .. الشمالية والسكة الحديد .. ومقر رأس الحكومة الثاني المتمثل في هيئة السكة الحديد ومديرها العام وهو صاحب المال والجاه والإمكانات والمقدرات وأحسب أن مدير عام السكة الحديد ـ زمان موش هسع ـ كان قادراً على دعم محافظ الشمالية ليستمر ويبقى .. كما كان قادراً على مناكفته وعدم التعاون معه .. ليسقط أو على الأقل ينقل .. ويحل محله محافظ .. بمواصفات (ديزل).. بل أن مدير عام السكة الحديد .. كان من الأهمية والقوة .. بحيث يغبطه رئيسه .. وكيل وزارة النقل ويتمنى أن لو خفضت .. وظيفته إلى مدير السكة .. والدليل على ذلك أن أكثر من مدير عام .. مغضوب عليه لم يرفت أو يفصل .. ولكن Kicked up أي تم ترفيعه إلى وكيل!!.
هذان الرأسان الحكوميان.. كان لكل واحد منهما جيش من المستخدمين .. فرأس الدامر .. المحافظ .. يتربع على المئات من ضباط المجالس التنفيذين .. والإداريين والزراعيين .. والمهندسين .. والموجهين والمعلمين واضعافهم من الكتبة والباشكتبة والمحاسبين والسعاة .. والعمال .. والسواقين والميكانيكيين والمهنيين بصفة عامة وغيرهم .. والرأس العطبراوي مدير عام السكة الحديد .. يمشي ويجر من ورائه جيشاً عرمرماً .. من المهندسين.. والبرادين والخراطين والمهنيين وسائقي القطارات.. والكماسرة والمفتشين و(العطشجية) والطباخين والجنائنية.. والخفراء.. وعمال البلاط وعمال الدريسة وعمالاً.. بلا حدود.. من حلفا إلى واو ومن الضعين وحتى بورتسودان... حيث تزحف قضبان السكة الحديد.. زحف الرقطاء.. فوق الرمال.. وتنتشر بيوتها.. شبه البيضاوية.. كالقباب في كل مكان.. والتي تقاوم الحر.. والبرد والمطر والكتاحة.. واحسبها تقاوم الزلازل.. ومن لطائفها أن مغنية خواجية.. زارت السودان فأجرت معها إحدى الصحف لقاءً .. فابدت إعجابها بالسودان وأهله الطيبين .. ولكنها تحسرت على ما يجري في بلادنا .. من أمور غير مدروسة وغير منطقية.. ولا معقولة واستشهدت على ذلك بصواريخنا المنصوبة في الارياف والمدن .. والصحراء.. (عينك عينك).. وكان من الواجب اخفاءها في مواقع سرية عسكرية .. حتى لا.. يتم تدميرها بواسطة الاعداء الحاقدين.. وأحسب أن الصحفي قال لها.. دي ما صواريخ.. دي قطاطي السكة الحديد يا سجم الرماد!!.
لقد كانت هذه الجيوش الجرارة من الموظفين العاملين.. التابعين للسكة الحديد.. أو المحافظة.. في تقديري الشخصي.. أكثر من حاجة العمل ولكن ومع هذا الترهل الوظيفي .. والذي كان المسؤولين يغضون الطرف عنه.. حتى تتاح فرصة العمل لأكبر قطاع من الناس (المرضى) بالمقولة الساذجة (إن فاتك الميري.. إتمردغ في ترابه..) إلَّا أن الفساد استشرى بصورة واضحة وسط هذه المجموعات.. وصار كل فرد من الاوفياء المخلصين الذين يقدرون المسؤولية.. ويخافون الله في وطنهم وأهلهم محاط بالعشرات الذين لا يعملون أو يعملون لمصلحتهم .. أو كما قال أحدهم أُمال سموها مصلحة ليه؟!.
لقد كان من ضمن مبررات استيلاء الضباط المايويين على السلطة.. إنتشار الفساد في البر والبحر.. فجاءوا لإستئصال شأفته.. باستحداث جهاز الرقيب العام وتمكينه من العمل والتدخل بالتحقيق والمساءلة والمحسابة.. وتورطوا.. بإرتكاب قرارات التأميم .. (فدرعوا حبل الفساد في رقبتهم).. ثم اضافوا وزارة جديدة .. هي وزارة الخدمة والإصلاح الإداري .. وهي خطوة صائبة في الطريق.. ثم استلوا سيف التطهير الذي تجاوز الأشرار.. بسبب الولاء واطاح بالاطهار.. لأنهم يا عيني لا.. ولاء لهم!!.. وعلى ذكر وزارة الخدمة والإصلاح الإداري فإني لا استطيع أن اتجاوز موقفاً طريفاً حدث.. لوزيرها العالم والخبير عندما جاء إلى عطبرة.. لشأن يخص وزارته.. فلاقى مسيرة كبرى صامتة.. في مقدمتها المحافظ فمشى معهم مجاملة وهو لا يدري وجهة المسيرة أو اهدافها.. وعندما توقفت المسيرة.. تقدم المحافظ.. ليضع باقة من الزهور على قبر الجندي المجهول.. وكان السيد الوزير ساهما شارداً.. لا يهتم بما يدور حوله.. وفجأة.. تحدث حادي المسيرة.. وقال.. الوزير الثائر (فلان) يخاطب جمعكم الكريم وسلمه المايكرفون فقال الوزير: السلام عليكم ورحمة الله.. وظل بعدها صامتاً.. لا يجد ما يقوله.. لأنه موش عارف الحاصل.. واستمر الصمت برهة طويلة حتى انقذ الموقف أحد النقابيين.. فأخذ المايكرفون من يد السيد الوزير.. وقال: بعد هذه الكلمة الضافية .. يخاطبكم السيد المحافظ!!.
نعود ونقول لقد كانت مايو في بداياتها جادة في محاربة الفساد وإصلاح الحال.. وبذلت المؤسسات والمصالح والهيئات.. جهوداً مقدرة.. لتواكب جهود الحكومة.. وخلال هذه الفترة التي اعقبت الإنقلاب الشيوعي.. حتى غادرت عطبرة.. عام 1973م.. فقد شهدت ولمست كغيري من الناس تقارباً شديداً.. حدث بين (الرأسين) الخدمة.. في السكة الحديد.. والمحافظة والدليل على ذلك أنهما طلبا من رئاسة شرطة الشمالية وربما.. أيضاً من شرطة السكة الحديد.. لرفع مالديها.. من معلومات وتقارير.. تعكس أي حالة من حالات التسيب والإهمال والفساد تخدم الإتجاه الإصلاحي الذي يسعيان لتحقيقه.
ولما كانت الشرطة بحكم مسؤولياتها تراقب وترى وتسمع بعيونها وآذانها.. وعون آخرين.. فقد استطاعت.. أن ترفع ملفاً ضخماً مذهلاً بصور شتى للفساد هناك وهنا.. وقد حوى هذا الملف.. كشفاً طويلاً بالمئات من مستخدمي السكة الحديد.. الذين يتقاضون مرتباتهم وينالون علاواتهم.. وترقياتهم.. وهم ينطلقون في انحاء المدينة.. يبيعون ويشترون.. ويعملون كحلاقين.. وجزارين.. ونقاشين وحناطين.. واصحاب مطاعم ومقاهي وستات شاي ولقيمات!! وكان هناك كشف آخر مماثل.. من أتباع المحافظة.. مضافاً إليه.. اسماء العشرات من الموظفين والمعلمين على وجه الخصوص.. الذين اغتربوا ويعملون في دول الخليج وليبيا.. وغيرها ومرتباتهم يتم صرفها بانتظام لأُسرهم عن طريق التواكيل ومسائل أُخرى محزنة كالذي مات ولازال يباشر عمله.. ويحظى بالترقي كمان!!.
لقد كانت السكة الحديد.. في ذلك الوقت دار واسعة.. للمئات من الخفراء والجنائنية المفرغين للعمل في بيوت.. (الكبارات) من قيادات العمل في الهيئة وغيرها.. والمخصصين لرعاية (صواني الحركة) المتعددة.. داخل المواقع والاحياء والساحات التي تشملها امبراطورية السكة الحديد.. وتتمدد فيها قضبانها حتى تدخل البيوت.. وتحمل ساكنيها من القيادات العليا.. حتى لا يتجشموا عند المأموريات مشقة الحضور إلى المحطة.. والله اعلم.. وكان معظم هؤلاء الخفراء والجنائنية.. يسكنون بيوت المصلحة.. ويستفيدون من خدماتها الإجتماعية.. وقد تجاوزوا سن المعاش ودخلوا في ارزل العمر.. فحصرتهم الشرطة.. وأرسلت كشفاً وافياً باسمائهم لمدير عام هيئة السكة الحديد.. فقام على الفور بتسوية معاشات بعضهم على ضوء شهادات الميلاد أو تقدير العمر.. في ملفاتهم.. وإرسل أكثرهم للكشف الطبي.. لتقدير اعمارهم أو تسنينهم إن كانت لهم سنون..!.
وكان يقوم بالكشف الطبي وتقدير العمر طبيب مصري.. يعمل بمستشفى عطبرة.. وكان جاري الذي تجاوز السبعين.. عن عرضه لهذا الطبيب.. فحلق رأسه صلعة على الزيرو.. وصبغ حواجبه وشاربه وذهب للكشف وعاد وهو يردد.. المصري أذاني عديل .. المصري ما قلعني هدومي .. وقال لي: أيه يا عمي قطن الجزيرة ده؟!.. أنا لو عارفو .. بعمل كده .. كان صبغت أي حاجة .. أو على الأقل .. إتصرفت .. لكن معليش الله يأذى الأذانا!!.
لقد كانت صور الفساد التي اشرنا إليها .. هي لقطة من صورة .. ضخمة مريعة.. أحسب أن النقابات كان لها دور فيها.. لأنها أي النقابات.. كانت قوية جداً.. وبالذات نقابات عمال ومستخدمي السكة الحديد.. والتي يكون رئيسها عادة هو البعبع الذي يخيف مدير الهيئة.. وتعمل له الحكومة نفسها ألف حساب.. لأنه قادر بإشارة منه أن يدخل قاعدته في إضراب يعطل حركة النقل في البلاد.. وقوة هذه النقابات.. كانت لا تخدم إلَّا قاعدتها.. وتحسين شروط خدتها.. والدفاع عن مصالحها.. ونصرة أفرادها ظالمين أو مظلومين.. ولا أكاد أذكر موقفاً للنقابات في ذلك الوقت..
قامت فيه بدور وأضح.. يعير ويفضح ويحاسب الفاسدين والمفسدين في صفوفها أو على الأقل عدم التدخل عند محاسبتهم.. كذلك فإن النقابات بصفة عامة.. ونقابات عمال وموظفي هيئة السكة الحديد بالتحديد.. وقتها لم تكن مهنية بحتة.. ولكنها كانت منتمية لشتى الأحزاب السياسية في الساحة السودانية.. وعلى سبيل المثال.. فان النقابي محمد الحسن عبدالله الذي ترأس إتحاد نقابات عمال السكة الحديد.. كان ينتمي للإتحاد الديمقراطي وعدوه التقليدي.. الذي صرعه عدة مرات.. الراحل موسى متى.. كان من الإسلاميين.. والشيخ النقابي والبرلماني الحالي عباس الخضر.. والذي قاد العمل في أشهر واطول إضراب.. أحسب أنه كان من الإنقاذيين قبل مجئ الإنقاذ..!.
لا أود الخوض كثيراً في بحور العمل النقابي وأنا في الأصل شرطي.. كان يمكن أن يعد مارقاً وخائناً.. لو فكر سراً أو جهراً في تكوين (نقابة للشرطة).. ولكني.. أجزم بأنه لو كانت النقابات.. ساعداً وعيناً لمدير عام الهيئة وحملت معه هم تطويرها وإصلاحها وتطهيرها.. لما آلت السكة الحديد إلى ما آلت إليه الآن.. ولما توقف دبيب قضبانها عند واو والضعين قبل نصف قرن... وكأن الشاعر قد عناها.. بالضل الوقف مازاد!!.
لقد بدأت السكة الحديد حريصة على اموالها وممتلكاتها.. فظلت تدمغ اكوابها وصحونها وملاعقها وحتى ازيارها وكيزانها وكل اشيائها بختم SR ونتعامل.. بالإسلوب الأوربي.. في عملها ونومها وقيامها.. وتأكل بالشوكة والسكين وكانت (تشفق وتحن) على مستخدميها.. وتسعى ... لإعانتهم ومساعدتهم.. لأداء مهامهم بسهولة ويسر ودون عناء.. وإهتمت إهتماماً كبيراً برجالها المنتشرين في الصحاري والفيافي.. والمقيمين في (السندات) وهي المناطق التي يتوقف عندها القطار دقائق معدودات ثم يغادرها.. ويتركهم معزولين عن العالم.. لا جار.. ولا مجير ولا مدرسة ولا طبيب.. ولا أنيس إلَّا الراديو الترانسستر.. وقد سعت الإدارة في تخفيف معاناتهم.. بمدهم بالازيار الفاخرة.. والكيزان الأنيقة.. كما دعمتهم بأغنام (تغزرهم).. وتوفر لهم السنحلان واللبن لشاي الصباح والمساء.. ولما تبين للإدارة.. بأن الأغنام موش مبسوطة.. ولا تحتمل حياة العزوبية.. فقد تفتقت عبقرية السكة الحديد.. عن حل عجيب.. وبدلاً من اضافة تيس عمبلوق لأغنام كل (سندة) رأت أن تحتفظ (بتيس مركزي) واحد وهيات له عربة أو (قمرة) خاصة تليق بفخامته.. في كل قطار.. مزودة.. بالماء.. ومالذ وطاب.. من العلف.. على أن يظل في مامورية دائمة.. يزور خلالها اغنام (السندات) ليبدد وحشتها.. ويسكر ليالي الصمت فيها.. ثم يغادرها بعد أداء مهمته إلى سندة أُخرى مودعاً بمثل ما استقبل به .. من ثغاء وعلف.. ولهذا (التيس الحديدي) .. ملف ضخم برئاسة السكة الحديد .. لا يستطيع أحد أن يتمالك نفسه من الضحك.. وهو يطالع ما قيل وما أرسل من برقيات بشأنه.. واخفها.. عجلوا بإرسال التيس.. لأن اغنامنا في حيص بيص .. أو التيس منذ أن جاء غير طبيعي وفي حالة صمت .. نطالب ببقائه حتى فتح الخشم !!.






التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 06-04-2018, 09:08 AM   #[18]
imported_شبارقة
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_شبارقة
 
افتراضي

شكراً أخونا المحسي على هذه المذكرات .. لم أكمل قراءتها بعد ..

وبعدها سنقوم بالمناقشة والحوار وبالذات نحنا العشنا فترة مايو بأكملها وبحلوها ومرها



imported_شبارقة غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-04-2018, 08:09 AM   #[19]
بابكر مخير
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية بابكر مخير
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة النور يوسف محمد مشاهدة المشاركة
بسم الله الرحمن الرحيم
سلام يا المحسى ،
سعادة اللواء محى الدين من أجمل الناس وأرقاهم
متعه الله بالصحة فمازلت أتواصل معه
كان واحد من عقد زين عنق الشرطة، بريكة، فيصل بريمة، عشرية و و و و ..
أتذكر الحقت بي دفعتهم..
التحقت بالشرطة بعد حصول على درجة أكاديمية وعملت بوزارة الصحة حتى ال DS في الخدمة المدنية وهي ما يعادل رتبة النقيب وقاتلت كثيرا وبمساعدة شيخي العزيز دكتور حاكم وصديقه من ديوان الخدمة د كبسون وبدعم خاص من جدي صديق مخير حين كان في وزارة الخدمة والذي كان مساعد مدير الشرطة زماااااان وعميد آل مخير من منتسبي الشرطة..
أتذكر لمن نلت شرف الإنضمام لي دفعة تلك الكوكبة لقبونا،،،، كمال أحمد حسن ومعتصم كريم وجاه النبي وأبورفاس "حسن" ومعاوية شرفي وشخصي بي دفعة أولاد مدينة "والمقصودة أمي.. مدينة بابكر بدري".
لأني كنت في رأس المدفع في الحصول على هذه الرتبة...
أفتكر محي الدين كان عمل قانون في جامعة القاهرة ومنها إنتهى في الإدارة القانونية،،،
مش كدآ يا جنابهو..
لهم التحايا والمحبة والشوق،،، دفعة الخالدين وأولاد مدينة



التوقيع:
بابكر مخير غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-04-2018, 02:03 PM   #[20]
اسمر
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

الاخ المحسي سلامات
متابعة لما تكتب .
واصل
تحياتي



اسمر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 16-04-2018, 09:29 PM   #[21]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

كل الحضور لكم التحايا العاطرات بلا حدود



جريدة الوطن - الثلاثاء 30 محرم 1430هـ - 27 يناير 2009م

كلام ساكت - أيــــام النمـــيري (13)
لواء «م» محيى الدين محمد علي
منتهى آمال كل حزب شيوعي .. أن تتحقق .. ديكتاتورية الطبقة العاملة .. في كل ناحية .. ومن ثم .. وبصرخة داوية واحدة .. يا عمال العالم اتحدوا .. تتحول الكرة الأرضية إلى (أنبوبة) غاز لتعمل وفق (المنظم) الشيوعي !!
والحزب الشيوعي السوداني .. مهما اختلفنا حوله .. فهو لم يكن (أي كلام).. بل كان حزباً .. يوقرهـ .. الاتحاد السوفيتي .. ويبني عليه آمالاً عراضاً .. في اكتساح العالم الثالث .. وقد بدأ هذا الحزب نشاطه في السودان .. وفق رؤى .. قياداته المستنيرة ونشاطها الدؤوب .. المدعوم بتصورات وخطط الحزب الكبير الأم .. وخالاته في أوربا .. وآسيا .. وأمريكا اللاتينية .. وكان طبيعياً .. أن .. يولد في بلادنا من (نطفة) مستوردة ويجيء أفضل .. ترتيباً .. وتنظيماً وتنسيقاً .. وأقدر .. نشاطاً .. وحركة ومناورة .. وأكثر .. توهجاً .. وحماساً وبريقاً .. وأن يتخير مدن السودان جميعاً .. ويرى في محطة عطبرة مدينة الحديد والنار والعمال .. محط آماله .. وينزل محملاً بمنشوراته على تلتوارها .. ويقتحم ديارها .. ويعشش في أوكارها .. ويتسقط أخبارها وأسرارها .. ويوسوس في صدور صغارها وكبارها .. و(يُشَيِّع) أفكارها .. ويجوس في ورشها وقطارها .. ليتحكم بالنقابات في مسارها..!!.. وكانت عطبرة بذلك .. مقر أقوى نقابة للعمال في السودان .. أيا كانت قيادتها فإن أصابع الحزب الشيوعي السوداني كانت توقع أهازيجها على أوتارها !! ولولا أننا التزمنا للقارئ الكريم .. في بدايات هذا المسلسل .. أن نكتب .. فقط .. ما يسر الله لنا أن نشاهد .. أو نعيش من المواقف في أيام النيمري .. لاسترسلنا في هذا الحديث .. ولكننا نختصر ونقول .. بأن نشاط الحزب الشيوعي (الدؤوب) وسعيه الجاد .. للتغلغل في مفاصل النقابات .. قد أجج الصراع النقابي .. وجعله أكثر حيوية .. ودفع بالتوجهات السياسية التقليدية الأخرى أن تخوض معاركه .. معتمدة على أغلبيتها .. الميكانيكية الموروثة أصلاً .. وتستطيع أن تفوز .. بقيادة العمل النقابي ورئاسته .. ولكنها في كل الظروف .. كانت (تحت تحت) تنسق مع الشيوعيين وتتيح لهم فرصة المشاركة .. لأن الشيوعيين في هذا المجال .. كملح الطعام أو الفلفل .. ولأن النقابة التي تقوم دون علائق معهم .. لابد .. وأن تتعب وتشقى بهم .. وهم المتمرسون .. على خلق المتاعب .. وعلى ذلك فقد ظلوا بحنكتم .. ونشاطهم السري في قلب الحركة النقابية .. يزجون بعناصرهم داخلها .. ويؤثرون على تحركاتها .. ومواقفها بصورة واضحة .. وكانت لهم طرقهم المتعددة والمتنوعة .. وبعضها لطيف وطريف .. وعلى سبيل المثال .. فإن أحد (المقاهي) في مدينة عطبرة .. وفي موقع استراتيجي منها كان .. مكاناً متفقاً عليه .. يوجد فيه الشيوعيون بانتظام ساعات فراغهم .. يتسامرون .. ويتسلون بلعب الورق .. و(الضمنة) وغيرها ويتفاكرون في شؤونهم .. ويستعرضون نشاطهم .. وأدوارهم !! وكان في هذا المقهى (بيك أب) أو بالعربي فوتغراف .. يشغل .. الأسطوانات الغنائية .. بناءً على طلب الزبائن .. مقابل بعض المال عن كل أسطوانة... وحتى هذه استغلها الشيوعيون.. فكانوا يحضرون فجراً مع فتح المقهى.. ويضعون في يد صاحبه مبلغاً من المال.. ويقولون.. شغل لينا عشرة وردي.. وعشرة محمد الأمين.. وبذا ينتهي اليوم ولا تتاح فرصة.. حتى لعشرة بلدي..!!
كذلك فإن رواد هذا المقهى الاستراتيجي من الشيوعيين.. كانوا دائماً على أهبة الاستعداد للمشاركة.. في أي شغب.. أو تظاهرات.. تجتاج المدينة.. لا يترددون في اعتلاء أكتاف بعضهم بعض ... وتقدم المظاهرة والهتاف دعماً للتي (تعجبهم).. وإفساداً.. للتي لا تروقهم.. ينحرفون بها ويتسببون في فشلها.. واستعداء الشرطة عليها.. وما أن تحل جحافل الخوذات والعصي والبمبان.. حتى ينسحبوا.. بهدوء.. ويعودوا إلى المقهى.. ولعب الورق.. والصياح.. خمسين.. يا كيشة!!
عندما جئت منقولاً إلى عطبرة.. كان النقابي محمد الحسن عبد الله.. هو رئيس نقابة عمال السكة الحديد... والرجل شايقي وبالتالي فهو ختمي.. ومن باب أولى اتحادي.. وكان يتصعد من فرعية نقابة الكماسرة.. حتى المركزية.. ورئاسة النقابة... وعلى ضوء تقارير إدارة الأمن والمباحث.. التي كنت أقوم بتلخيصها غالباً.. فإن الرجل كان متعاوناً مع النظام المايوي.. واستطاع بذلك أن يحقق مكاسب عديدة.. للعمال.. حتى انتهت دورته وأصبح من الملزم إجراء انتخابات جديدة.. لنقابة جديدة... وهي الفرصة التي ينتظرها العمال بفارغ الصبر.. للتغيير والأتيان بوجوه جديدة.. أكثر حماسة لتأتي بالمزيد من المكاسب... والجديد شديد.. كما يقولون... وأطل في المنافسة للثعلب النقابي محمد الحسن... نقابي فولاذي.... من فرعية عمال البلاط.. اسمه موسى مُتَيْ.. وهو جعلي.. إسلامي.. بل أخو مسلم عديل كده.. ويقال.. إن الرئس أزهري.. أو النميري.. لما اطلع على اسمه قرأه موسى مَتَّى.. فعلق على ذلك بقوله.. السكة الحديد.. كلها أقباط!!.. ولما كان الصراع بين الرجلين في ظاهره نقابي.. إلا أن باطنه حزبي مطعم بالشيوعي.. وأن الامتيازات التي ينالها عضو النقابة المركزية من تفرغ كامل عن العمل.. مع صرف جميع استحقاقته بالكامل.. وعليها (بوسة) كما يقول المصريون.. مضافاً إليها ما تغدقه النقابة عليه من حوافز تحيطه بها من مزايا.. وما تنشره عليه.. من إحترام... وقيمة اجتماعية.. في مدينة مثل عطبرة... ووسط هيئة معتبرة كالسكة الحديد... جعل الصراع بين المتنافسين حاداً.. ومريراً.. تكثر فيه التصريحات النارية.. والملاسنات التي تبلغ أحياناً.. حدود كشف المستور... ولا نود.. الحديث عنها.. ولكن.. محمد الحسن عبد الله.. هدد وتوعد.. موسى مني .. بالهزيمة والسقوط على البلاط!!.. فغضب موسى متي.. وأقسم قسماً غليظاً.. بأن يسقط محمد الحسن عبد الله... سقوطاً مذلاً.. يحرمه التفرغ.. والعودة إلى عمله ككمساري تنأى به القطارات شرقاً وغرباً.. وهو يرفل في (بردلوبه) الكماسرة.. وكان له ما أراد.. وأصبح موسى رئيساً لنقابة عمال السكة الحديد.. وهو معروف جداً بصلابته.. وحرصه اللا متناهي على حقوق العمال ومكتسباتهم... وكان لابد.. من أن ترتعد فرائص.. حكومة الشمالية وحكومة السكة الحديد.. وكان لابد من تململ.. النميري في الخرطوم... وانطلق موسى.. في قيادته للنقابة.. وقد (جرَّ ترس القوة).. مدعوماً بقوة العمال وتأييدهم له .. وكان موسى ... لا يجيد المراوغة والتراجع .. فظل مطالباً صامداً لا يتراجع (سنتي).. حتى ساءت علاقة النقابة.. بمايو جداً.. وانتهز أعداء متي.. والثعلب على وجه الخصوص هذه الظروف.. فألَّبوا النميري عليه.. وكان مفاجئاً جداً أن اتصل النميري شخصياً برئيس لجنة أمن المديرية.. المرحوم حسين محمد أحمد شرفي.. وأمرهـ بفتح بلاغ تحت قانون أمن الدولة ضد.. رئيس ومركزية نقابة عمال السكة الحديد واعتقالهم جميعاً.. وقد سمعت السيد شرفي.. يحاور النميري تلفونياً.. ويقول له يا رئيس أدينا فرصة.. مفاوضاتنا معاهم ماشة كويس.. والبلاغات والاعتقالات قد تضر ولا تنفع.. واستمر الحوار طويلاً.. ولكن وكما علمت فإن النميري حسم الأمر وقال.. «أنا قلت أفتحوا بلاغات واقبضوهم .. وموش حتراجع من كلامي..» وقفل الخط!!.
اجتمعت لجنة أمن المديرية لساعات طوال .. وأجرت اتصالات عديدة .. لإبطال (قنبلة النميري) ولكن دون جدوى .. وكان حظي أن أُستدعيت .. عند الغروب من بيتي .. وكلفت كتابةً بفتح البلاغ ضد مركزية النقابة .. واعتقال كل أعضائها والتحري معهم توطئة لمحاكمتهم!!
لقد كلفت إبان عملي بالجنوب.. بالعديد من المأموريات الشاقة واحتمال الموت فيها وارد.. ولكن هذا التكليف كان هو الأقسى في حياتي.. لأن موسى وجماعته كانوا محط تقديري واحترامي.. فجلست على كرسي.. في منتصف رئاسة الشرطة بعطبرة ومن حولي.. عدد من رجال الأمن والمباحث نتفاكر في كيفية تنفيذ هذا الأمر الخطير.. مع أمكانياتنا الشحيحة وقوتنا المحدودة.. التي لا يمكن أن تصمد لثوانٍ معدودات أمام جحافل عمال السكة الحديد.. إن هم.. قاوموا.. البلاغ والاعتقالات... وسألت الله.. أن (يجيب العواقب سليمة)... والتفتُ إلى باب الرئاسة.. ورأيت موسى متي بشحمه ولحمه.. يأتي.. ويصافحني بود.. ويقول.. أنحنا عارفين الحاصل وعارفين ظروف البوليس.. عربية ما عندكم.. علشان كده.. جيناكم برانا في عربية النقابة.. معانا غياراتنا.. وبطاطينا.. وأدويتنا... يلا قوم اتوكل على الله.. وابدأ.. تحرياتك!!
وبدأت الإجراءات... مع موسى مُتَيْ وكنت أستجوبه في مكتب صغير.. فقال لي.. شايف المكتب ده.. سنة كام وخمسين كان حراسة.. وكنت معتقلاً فيه.. يعني إحنا يوم في الحراسة.. ويوم في الرئاسة فما تخسرنا.. وتعمل قضيتنا معاك شخصية... إتحرى معانا زي ما عاوز بس .. عاملنا بالقانون .. ولا تعتدي على حقوقنا.. أو تسيء معاملتنا..!!
طمأنت الرجل .. وأكملت التحقيق معهم على جناح السرعة وتم التحفظ عليهم جميعاً بسجن عطبرة .. لأن المواد المفتوحة ضدهم ... لا تتيح الضمانة ... فظلوا بالسجن مدة تجاوزت العام .. جعلت منهم أصدقاء لي ... وكنت أجد الراحة في وجودي والونسة معهم ... وعلى امتداد شهر رمضان الكريم .. كنت أجيء بفطوري .. وأشاركهم الإفطار وأقاسمهم السحور أحياناً... وعندما تقرر سفري إلى الخرطوم منقولاً.. ذهبت لوداعهم... وكان وداعاً حزيناً.. أدمعت فيه العيون.. وغادرت وتركتهم.. يقاسون مرارة الحبس الظالم.. ومع ذلك يرفضون كل المساومات لإطلاق سراحهم.. حتى أن.. الرائد أبو القاسم محمد إبراهيم.. جاءهم وزارهم داخل السجن.. وحاورهم.. حول بعض الشروط لإطلاق سراحهم .. ولكنهم آثروا عليها البقاء في السجن ... وهذا بالطبع هو موسى متي .. الذي لا يساوم أبداً.. وهو الذي ظل بالسجن لأكثر من عام.. رافضاً كل المحاولات التي بذلت معه.. لتسليم مفاتيح خزانة النقابة وأختامها.. وأموالها.. باعتبارها أمانة وضعها العمال في رقبته.. ولن يفرط فيها!!
لقد فوجئت.. لما جئت عطبرة معزياً في وفاة أحد أقربائي وكان موظفاً بالسكة الحديد وجاءني وفد.. من نقابة عمال السكة الحديد.. يقدم المساهمة لأسرة المرحوم.. مع الموافقة المكتوبة من مدير عام السكة الحديد.. ببقائهم في المنزل الحكومي.. حتى يتدبروا أمرهم... ثم لم يلبثوا أن وجهوا لي دعوة عشاء... بدارهم... وهناك التقاني كل أصدقاء السجن.. ورحبوا بي.. وأكرموني... وقال لي موسى متي ... أها .. أنا ما قلت ليك زمان .. أنحنا يوم في الحراسة .. ويوم في الرئاسة ؟!.



نواصل




التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 17-04-2018, 10:51 PM   #[22]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

جريدة الوطن - الثلاثاء 7 صفر 1430هـ الموافق 3 فبراير 2009م

كلام ساكت - أيـــــام النمــــــيري (14)
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
طرفة سرت بين الناس فى الماضى ولا زالت ، تقول : بأن الرئيس النميرى قد ضاق ذرعاً بعطبرة ، وقال : ’’انا محطة عطبرة دي لو ما سويتها سندة موش حارتاح‘‘ .. ويكاد المرء يصدق هذهـ الطرفة ، لأن عطبرة ظلت على امتداد سنوات النظام المايوى ، مصدر قلق وإزعاج للسلطة ، بسبب نشاط نقاباتها المتعاظم ، ومواقفها المتشددة ، وتهديداتها الدائمة بالإضرابات والاضطرابات ، والتى ربما كانت السبب وراء تأسيس الكتيبة الاستراتيجية فى القوات المسلحة تحسباً لمخاطر توقف حركة النقل الحديدى فى البلاد ، مضافاً الى ذلك إزعاج الحزب الشيوعى الذى تفاقم وتطور بعد سقوط 19 يوليو والذى انهى شهر العسل ، وأوقع الطلاق البائن بينونة كبرى بينه وبين النميرى .
إن القسوة المتناهية التى تعامل بها النميرى مع حركة الانقلاب الشيوعى وسلسلة الاعدامات التى لم تشفع لزملاء الكاكى ولم ترحم أو تقدر تاريخ ومكانة الاخرين من امثال عبدالخالق محجوب والشفيع احمد وجوزيف قرنق . أججت نار البغضاء والكراهية والحقد فى نفوس الشيوعيين .
فحاربوا النميرى بلا هوادة وأقضوا مضجعه ، ولم (تبرد بطونهم) إلا بعد سقوطه ، ودخلت 25 مايو الى ود اللحد لتقبر مع عدوتها 19 يوليو !! .. وعلى هامش هذه الطرفة التى تشبه الحقيقة ، كانت زيارة النميرى الى عطبرة تتكرر ، تارة لتلافى مشكلة وتارة لمناسبة ، وتارات لتفعيل الاتحاد الاشتراكى ، وكانت احدى زياراته بمناسبة الاحتفال بعيد التعليم ، والتى اقيمت فى استاد مدينة عطبرة ، وبدأ الاحتفال بعدد من المناشط الرياضية ، وفوجئ قمندان البوليس ’’السيد عصمت معنى‘‘ بالمايكرفون يذيع مباراة فى جر او شد الحبل بين شرطة الشمالية وسلاح المدفعية ، ولم تكن الشرطة على علم بهذهـ الفقرة ، فطلب منى السيد القمندان أن اتصل بمقدم البرنامج ، لتأجيل الفقرة وأن أتحرك لجلب العدد المطلوب من رجال الشرطة ، لمنافسة الجيش ، فأتفقت على التأجيل ، وعجزت تماماً عن تجميع اي عدد من رجال الشرطة يصلحون لهذه المهة ، فلم اجد حلاً امامى سوى إحضار العدد المطلوب من بين المجندين تحت التدريب ، وكانوا يرتدون السراويل والقمصان البيضاء المعروفة بالطلبة ، ودخل جنود المدفعية يرتدون الفنايل وأحذية ’’البوت‘‘ وقاموا بإستعراض حاز على رضاء الجماهير ، وعندما أدخلت المستجدين الى الاستاد ضج الجميع بالضحك ، وظنوا إن المعركة غير متكافئة ، وهم على حق ، وبدأت عملية شد الحبل بين الطرفين ، وكانت مفاجأة للجميع أن إنتصر المستجدون إنتصاراً ساحقاً ، وذلك بسبب السخرية التى قابلهم بها الجمهور ، فحركت نفوسهم ، وبسبب ’’البوت‘‘ الذى كان يرتديه الجنود ’’فزحلقهم‘‘ ولم يمكنهم من الثبات امام المستجدين الحفاة ، الذين غرسوا اصابعهم فى ارض الاستاد ولم يتزحزحوا عنها !! لقد كان لهذه الحداثة الطريفة اثرها فى اشاعة جو من المرح بين الجماهير وضيوف المقصورة من الوزراء والدستوريين ورموز المجتمع . استمرت فقرات مهرجان الاحتفال بعيد التعليم ، وتعاقب الخطباء والشعراء ، حتى تقدم الدكتور منصور خالد وزير التربية والتعليم وقتها ، واستلم المايكرفون والقى خطاباً رصيناً ، ثم قال : لقد دهشت جداً ، لهذه اللافتات التى تحتفى بعيد العلم ، وما ورد فى الصحف واجهزة الاعلام وغيرها ، مع أن كلمة عيد العلم غير صحيحة مطلقاً ، لأن العلم هو (Sience) من قبيل الفيزياء والكيمياء والاحياء ، ولكن الصحيح هو عيد التعليم أي الـ (Education) وإعتباراً من هذا العيد والاعياد المقبلة من عمر مايو المديد بإذن الله ، فسنحتفل بعيد التعليم ، وصفق الجمهور ، وتقدم النميرى وسط عاصفة من الهتافات و(استولى) على المايكرفون وقال ما قال .. ثم إلتفت الى منصور خالد وقال .. ’’أنا قلت دهـ عيد العلم .. يبقى خلاص عيد العلم .. وموش عايز أي فلسفة فى الموضوع دهـ تانى‘‘ . وهاج الاستاد وماج معلم معلم يا نميرى .. قائد قائد يا نميرى .. حاسم حاسم يا نميرى .. عيد العلم عيد الشعب .. !!
اما زيارة نميرى الى مدينة عطبرة والتى تعيش فى خيالى ، وكأنها حدثت بالامس .. فقد جاءت اثر مذكرة ضافية من قرابة العشرين صفحة ، رفعها أهالى قرى نهر عطبرة ، سردوا فيها كل مشاكلهم ، وعبروا عن مطالبهم وإحتياجاتهم ، ومهرها رئيس لجنة كل قرية بتوقيعه ، عدا رئيس قرية واحدة من منظومة القرى هذهـ رفض التوقيع بعذر إن المذكرة فيها مبالغة وتهويل يجافى الحقيقة .
إنزعج النميرى جداً .. وجاء الى عطبرة مصحوباً بالعديد من المسئوولين ، واقيم فى استقباله لقاء جماهيرى هائل ، جمع سكان كل هذهـ القرى ، عدا القرية التى رفض رئيسها التوقيع .. وبدأت فقرات الاحتفال حتى تقدم مندوب هذهـ اللجان القروية جميعاً ، وبدأ فى إلقاء خطابه الطويل الممل المستنسخ من المذكرة ، التى جاءت بالنميرى وصحبه ، وعندما بلغ الخطيب الفقرة التى تقول : يا سيدى الرئيس : لقد ساء حالنا وساءت احوالنا .. وعشش الفقر فى كل دار ، وعدمت البيوت نفاخ النار ، وصارت اغنامنا يا سيدى الرئيس تأكل الدلاقين !!
تفاجأ الجميع بالرئيس يقفز كالنمر ، وينتزع المايكرفون من أيدى الرجل ، وهو يقول : ’’بالله ده كلام تقولوهـ .. غنم شنو البتأكل الدلاقين !! أظنها الدلاقين فاضت عليكم وجدعتوها .. بعدين أدا الجمل ودهـ الجمال .. أنا عايزكم هسع تجيبوا غنماية قدامى اشوفها بتأكل الدلاقين .. قوام جيبوها أنا عاوز الغنماية دي‘‘ .
وساد الصمت برهة من الزمن وطأطأ الجميع رؤوسهم والنميرى واقف ينظر إليهم بغضب ، ثم قام بعدها بإلقاء المايكرفون فى أيدى الخطيب سيئ الحظ ، وقال له : خد تم كلامك الفاضى دهـ ، وعاد ليجلس فى موقعه غاضباً متوتراً .. وواصل الخطيب سيئ الحظ ، وقد اضطربت نفسه ، وأصطكت قدماهـ ، وأرتجفت يداهـ ، وإرتخت أذناهـ .. حتى صارت النظارة تسقط منهما ، وتهدج صوته ، وصارت بلحة زورهـ تعمل بلا توقف ، وواصل القراءة مضطراً وهو (موش على بعضه) حتى بلغ فقرة اسوأ من سابقتها ، لوكنت أنا فى موقعه لقفزت وتخطيتها أو أنهيت الخطاب الطويل ، ولكن الخطيب المنحوس ، قرأها وقال : وعيناهـ تدور فى محاجرهما .. يا سيدى الرئيس ، لقد كنا نعيش فى رخاء معتمدين على الاشجار والاخشاب التى كان يجئ بها النهر فننتشلها ونصنع منها العناقريب والاثاثات ونبيعها فى المدينة للافران والبيوت والكمائن ، حتى قام خزان خشم القربة وإنقطعت عنا هذه الاخشاب ، إن الخزان قد جاء وبالاً علينا يا .. وقبل أن يكمل .. هجم النميرى عليه .. غاضباً وإنتزع المايكرفون من يديه .. حتى (تترتح) وكاد أن يسقط وقال غاضباً : ’’كلام عجيب وغريب .. خزان خشم القربة جاء وبالاً عليكم !! عشان شوية أخشاب واشجار بجيبها البحر .. زرعتوها إنتوا ؟ .. وألا خلاص إتعودت على الراحات والميتات وأكل الملح .. ملح تانى مافى .. تشتغل تأكل ما تشتغل تموت فطيس .. ‘‘ وأعاد المايكرفون للخطيب .. ليواصل محنته وعاد الى موقعه والشرر يتطاير من عينيه ، وواصل الخطيب المسكين ، وقد ساءت حاله واحواله .. وإنهد حيله ، وصار يتوكأ على اي شئ ، ويكاد يسقط على الارض ، ولو كان قادراً لولى الادبار ، ونفذ بجلدهـ من هذا الموقف الرهيب ، ولكنه واصل .. وقفز الى الصفحة الاخيرة من الخطاب .. وفيها خلاصة الشكوى وقال : .. يا سيدى الرئيس .. هذا حالنا ظاهر بين يديك ، وظروفنا كما عبرنا عنها إليك .. ونحن نعشم فى دعم الحكومة ودعم صناديق الامم المتحدة ، والدول الصديقة .. والسلام عليكم ورحمة الله ..
لم يصدق الرجل أن الخطاب (الكارثة) قد إنتهى فتركه فى موقعه على منصة الخطابة ، وإرتمى على اقرب كرسى ، وأنفاسه تتصاعد وعرقه يتصبب ، وكأنه عائد للتو من معركة حامية الوطيس .
قام النميرى .. وارتجل خطاباً نارياً .. زجر فيها جماهير هذهـ القرى زجرة قاسية .. مكرراً ما قاله عن الغنماية والدلاقين والخزان الذى صار وبالاً .. ’’بعد دهـ كله عاوزنى انا جعفر النميرى أشيل القرعة واشحد ليكم من الامم المتحدة والدول الصديقة .. أنا اشحد ليكم اليسوى والما يسوى .. عشان تأكلوا .. وتملوا كروشكم .. افتحوا خشومكم وأكلوا تأكلوا الهارى .. أهي دي الواطا وهداك البحر .. العايز يعيش يحفر ويحرث ويزرع ويأكل من عرقو والما عايز على كيفه !! وبالمناسبة انا جيت وشاحن معاي وابور زراعى ضخم يحل مشكلتكم كلكم .. لكنكم ما بتستاهلوهـ .. وأنا من هنا دربى على قرية .. ’’...‘‘ التى لم توقع على هذهـ المذكرة الفضيحة‘‘ .. وإنتهي اللقاء الجماهيرى الاسطورى ..
وغادر موكب السيارات ساحة الاحتفال .. ولم يهتف أحد .. ودخلنا القرية التى لم يتوقع أهلها فى ساعة متأخرة .. ليلاً فأستيقظت على اصوات المايكروفونات والاناشيد والهتافات .. وجاء أهلها رجالاً وشيوخاً ونساءاً وأطفالاً وقد طردوا النعاس من أعينهم .. ورحبوا بمقدم الرئيس ، ثم قدموهـ لمخاطبتهم فقال : ’’الاستعمار لما جاء .. داخل البلد دي .. راجل وقف قدامو ما فى غيركم .. والناس البلاقو الاعداء ما بوقعوا على مذكرة هزيلة زي حقت الجماعة .. ناس زيكم لو ماتوا بالجوع ما بقولوا لرئيسهم .. اشحد لينا علشان نأكل .. وهسع أنا جيت شاحن وابور زراعى كبير يكفيكم كلكم لكن علشان كلامهم الموش مزبوط انا قررت ودهـ قرار نهائى الوابور دهـ يكون حقكم براكم .. إستلموهـ حلال عليكم .. وأحرثوا وأزرعوا .. وأنا إن شاء الله حأجى علشان أشوفكم عملتوا شنو ..
وبعدين أنا بحذركم ما تخلوا أي قرية تانية تشارككم فى الوابور دهـ .. ولو اي واحد جاكم يلعب بي ضنبه .. اقطعوهـ ليهو طوالى وانا المسئول‘‘ ..
وغادر قطار النميرى الى الخرطوم وفى معيته الوفد الذى قدم معه .. وهم صامتون ، وأهالى قرى نهر النيل ، وهم حانقون ، وأهل قرية واحدة فقط ينططون .. ويرقصون ، وهكذا كان حال النميرى حيث مشى يجرح ويداوى ..



نواصل ..




التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 17-04-2018, 11:08 PM   #[23]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

جريدة الوطن - الثلاثاء 14 صفر 1430هـ - 10 فبراير 2009م

كلام ساكت - أيـــام النمــيري «15»
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
ربما أني سرحت .. طوال الحلقات الماضية ... في سرد شتى المواقف والمشاهدات ذات الصلة بالأمن ... وتجاهلت .. العديد من الأحداث الجنائية .. التي حدثت خلال أيام النميري تلك .. بالشمالية الكبرى .. ولكني رأيت .. أن أستعرض بعض المواقف المسلية .. منها .. والتي لا يمكن فصلها عن الحالة الأمنية.. والحياة السياسية في تلك الحقبة ..
لقد كانت العلاقات السودانية الليبية المصرية .. في أوجها .. مع بدايات مايو.. حتى أن اسم مصنع اسمنت عطبرة .. تحول إلى ماسبيو .. «مايو - سبتمبر - يوليو) .. وعاش الناس حلم الوحدة الكبرى بين دول الجوار الثلاث.. حتى ضاع الحلم وتبخر برحيل جمال عبد الناصر ... المهم .. أن .. شاباً مصرياً .. استغل هذهـ الحقبة من الانفتاح والتكامل المصري .. السوداني .. الليبي .. فدخل السودان متسللاً.. وسرح في انحائه .. وارتكب سلسلة .. من (الاستهبالات) والاحتيالات التي تثير الضحك .. وكأنه يستمتع بحركاته ويختبر قدراته في الضحك على الدقون .. وكما يقول المصريون .. هات م الآخر ... فان قصة هذا الشاب المصري (الألعبان) بلغتني وأنا .. أباشر عملي بمركز شرطة دنقلا .. عندما جاءني مدير إحدى المدارس الوسطى بمنطقة عبري ... وقال .. بأن شاباً ـ مصري الملامح .. جاءهـ .. زاعماً بأنه سوداني وأن اسمه .. محمد أحمد عبد الواحد ... وأنه قد تم تعيينه مدرساً .. للتربية الوطنية بالوزارة في الخرطوم .. وأنه نقل للعمل في هذهـ المدرسة التي أديرها.. وأن أوراقه وآخر صرفيته .. في طريقها إلينا.. فرحبت به.. وهيأت له مكتباً.. واسكنته مع أحد المعلمين.. وشرع.. في تدريس مادة التربية الوطنية .. بصورة رائعة.. جعل بعض الأساتذة.. يحضرون حصته .. ويستمتعون بها .. ومن ثم انهالت.. على الأستاذ السوداني المصري .. الهدايا والعطايا والهبات.. من الطلاب والمعلمين .. وأهل البلد الطيبين .. وأخذ يستلف .. ويقترض من هذا وذاك مبتدئاً بشخصي أنا مدير المدرسة.. ونزولاً حتى الفراشين ... وظل يماطل في السداد بذريعة أن أوراقه وآخر صرفيته لم تصل .. وقد انقضت حتى الآن بضعة أشهر وما في أي خبر من وزارة التربية والتعليم !!
عاتبت السيد ناظر المدرسة ولمته على غفلته .. وأرسلت معه شرطياً .. لاحضار هذا المدرس المصرداني ... وفي صبيحة اليوم التالي .. جاء به ... بكامل ملامحه ولسانه المصري.. ويرتدي جلابية سودانية.. وطاقية حمراء... فحياني.. بتهذيب بالغ.. وأخذ يمثل دوراً درامياً.. يعجز عنه.. أحمد زكي... وقال.. يا بيه.. أنا وحيد أمي وأبوي... جبرتني الظروف للعمل كمدرس.. الوزارة عينتي.. ونقلتني إلى هذهـ المنطقة النائية.. ولأني وطني مخلص.. نفذت النقل طوالي.. وعلى حسابي كمان.. وأدي آخرتها.. أنا عايش (ستشهر).. بدون ماهية.. لحد ما غرقت في الديون والناس الطيبين.. صابرين عليَّ.. جزاهم الله كل خير.. ولو سمحت يا سعادة البيه.. تساعدني.. أمشي الخرطوم.. لتسوية أموري مع الوزارة.. وأرجع أحصل شغلي في المدرسة.. العيال ما لهمش ذنب!!
أمرت الشرطي بأخذهـ إلى الحراسة.. وفتح بلاغ ضدهـ .. وقلت له محذراً.. أوعك تكذب.. لأننا أتصلنا بالوزارة.. وقالت بإنها لم تعينك مدرساً.. وأنها لم تدخل مادة التربية الوطنية ضمن مناهجها.. وقبل أن يسحبه الشرطي.. قال.. سيادتك أنا حأقول كل حاجة.. بس لو سمحت.. أنا عاوز كباية (مية) وكباية شاي.. أصلو بعيد عنك.. رأسي عاوز ينفجر بالصداع... ثم حكى.. كلاماً.. كالخيال.. وقال.. يا عمي أنا مصري من القاهرة.. وخريج كلية الزراعة زهجت من (الصرمحة) في مصر.. قلت أجي السودان وأجرب حظي.. واستطعت أن اتسلل من حلايب لبورتسودان.. وعشت فيها كويس أوي.. قام واحد عسكري قصدني وراح قابضني.. باعتبار اني مصري وما عنديش أوراق ثبوتية.. وقابلت السيد القاضي وقلت له.. يا بيه أنا سوداني وأبوي شغال في السكة الحديد.. بوادي حلفا.. ولهجتي مصرية بسبب التكامل.. بين بلدنا.. وبين مصر.. فأمر القاضي بارسال برقية.. لناظر محطة السكة الحديد بحلفا ان كان من بين مستخدميها.. أحمد عبد الواحد وكانت الاجابة.. مفاجئة لي قبل القاضي تصدق يا بيه.. قالوا نعم.. ونقل إلى بابنوسة.. وعلى ذلك أمر القاضي بشطب البلاغ واطلاق سراحي.. فتقدمت للسيد القاضي برجاء لاعطائي مكتوباً بهذا المعنى.. حتى لا اتعرض للقبض والتلتلة مرة أخرى.. ووافق القاضي مشكوراً وسلموني الخطاب.. واخذت اترحل من بلد.. لبلد.. أجرب حظي.. ولما طاب لي المقام.. في كسلا الجميلة.. قبضتني الشرطة مرة ثانية.. بتهمة أني أجنبي بدون أوراق ثبوتية.. وعندما قدموني للمحاكمة.. أبرزت خطاب قاضي بورتسودان فشطب البلاغ.. ومنحت خطاباً آخر يؤكد سودانيتي.. وبراءتي... فسافرت إلى مدني.. ومدن كثيرة.. وجئت إلى الخرطوم.. ومنها إلى عطبرة.. وهناك علمت.. أن هناك منزلاً شاغراً من بيوت السكة الحديد.. مخصصاً لأحد المهندسين.. والذي يتوقع حضورهـ بعد شهر.. ولما كنت في غاية (الفلس).. توجهت إلى ذلك المنزل.. وقابلت الخفير المسؤول.. وأوضحت له.. بأني شقيق المهندس (فلان).. عاوز أرتب البيت لحين حضورهـ .. فرحب بي الخفير وفتح لي البيت كله.. وكان بيتاً مريحاً فأقمت فيه عدة أيام .. وكانت الوجبات (على سنجة عشرة) تأتيني من الجيران وذات يوم سمعت طرقاً على الباب.. وظننت ان الجيران قد بعثوا بوجبة الفطور.. فخرجت لأفاجأ.. برجلين من رجال الشرطة يسألاني إن كنت أنا شقيق المهندس (فلان) فقلت لهم... المطلوب.. نايم جوة.. أروح أناديه حالاً.. ودخلت وخرجت من الباب الخلفي وغادرت عطبرة في نفس اليوم بقطار كريمة.. ومن هناك قررت ان أعود إلى مصر عن طريق وادي حلفا.. فداعبته قائلاً.. وكنت حتعمل أيه.. لو قابلك أبوك.. أحمد عبد الواحد؟!.. فضحك.. وقال لي.. يا عم أنا أبوي مات وشبع موت.. وأبوي الثاني نقلوهـ بابنوسة!!.
المهم يا سعادة البيه.. وصلت عبري .. و(ما حيلتيش) حاجة أروح بيها مصر.. ففكرت في العمل كمدرس تربية وطنية.. أحوش من وراها قرشين حلوين وأرجع مصر بس حضرة الناظر.. ما صبرش عليَّ وبوظ كل حاجة.. الله يسامحه بأهـ ..!
ظل هذا المتهم المصري في انتظار المحاكمة شهوراً.. ولم نجد في مدينة دنقلا كلها من يتحمل ضمانته المصدقة.. حتى ظهر أمامي.. مزارع كبير من مزارعي حوض السليم.. وقام بضمانته.. وكنت أحس بأن الرجل فعل ذلك.. (عشماً) في الاستفادة من خبرات المهندس الزراعي المتهم.. في استصلاح أراضيه الزراعية الوافرة.. وخرج المضمون من الحراسة.. وهو يتأبط ذراع ضامنه.. وذهب ليقيم معه في منزله... وبعد مضي ثلاثة أسابيع جاءني الضامن.. يصرخ.. الحقني يا جنابو المصري.. شرد.. طلع قبال أسبوع وما رجع فقمنا بعمل نشرة جنائية فتمكنت الشرطة من اعتقاله على مشارف الحدود المصرية.. وأعادته إلى دنقلا.. وجاء المزارع الضامن.. وهو يصر على استمرار الضمانة.. فرفضت ذلك لقناعتي.. بأنه ينوي الانتقام .. وسألته عن الكيفية التي هرب بها المضمون فقال وهو يضحك .. دهـ ما بني آدم .. دهـ جن مصرم.. تصور الزول ده قعد معانا في أمانة الله.. وكان في كل صباح يذهب.. إلى الحواشات.. ويعود.. بعينات من التربة في (زجاجات المربة) الفارغة.. ويكتب على كل زجاجة أرقام.. لا أعرفها حتى صار عدد العينات خمسين عينة.. ثم أخذني ذات يوم بعيداً عن المنزل وأخرج من جيبه خارطة بخط اليد.. وقال لي.. دي الخارطة البتودي لمحل الكنز.. انا عندي جهاز لفحص التربة.. تمنه.. مليون دولار.. وهو جهاز عجيب.. لو أدخلت (الترابة في خشمه) على طول يوريك المحاصيل التي يمكن أن تنتجها من هذه العينة من التربة.. وان هذا الجهاز.. أنا دفنته في الخلاء.. شرق مدينة عبري.. وعلشان نبدأ العمل ونحصل الشتوي باذن الله.... قوم رجعني الحراسة وخد الخريطة وياك.. وروح هات الجهاز وأعمل حسابك ما حدش يشوفك!!
أحسست ان الرجل صادق.. وطلبت منه ان يذهب لوحده ويأتي به... وسأكون في انتظاره. وبعد تمنع.. سافر المهندس الزراعي إلى عبري وقال.. كلها يومين وأكون عندك.. ولكنه واصل.. وكاد أن يدخل مصر... وعليّ الطلاق يا جنابو.. أنا كنت ناوي أرميه البحر.. علشان يمشي مصر عديل.. لكين إنت عرفتها.. غايتو ربنا ستر!!
وفي ذات الانفتاح والتكامل المصري الليبي السوداني.. حدث في مدينة جنوب عطبرة.. أن أقض مضاجع أهلها.. مجرم يسطو ليلاً على المنازل ويسرقها.. وجأر الناس بالشكوى وتوالت جرائم السطو والكسر المنزلي المتشابهة والمتهم مجهول.. وبذلت الشرطة كل الجهد الممكن.. دون جدوى.. حتى قادت المتهم رجلاه الآثمتان.. فتسور منزل امرأة دلالية موفورة العافية.. تقيم وحدها.. وأراد أن يسرق مقتنياتها الثمينة من غوائش وحلي ذهبية.. ولكنها أحست به.. وهاجمته وأمسكت به بكل قوتها.. وهي تصرخ.. فضربها بفأس حتى شج رأسها شجاً بليغاً فانهارت وسقطت.. وهرب اللص المجرم ولكنه ترك عمامته في يديها.. كأغلى بينة ضده... ولما كانت الشرطة.. لا تملك.. دليلاً آخر يمكن الوصول به إلى المتهم المجهول.. فقد قامت بجمع كل عناصر المدينة من المتعطلين والمتبطلين وأصحاب السوابق.. ومرتادي مجالس الخمر والمخدرات.. وكل المشبوهين.. وأوقفتهم في صف طويل أمام باحة مركز الشرطة.. ثم جئ بالشاهد.. المخلوق العجيب الخطير.. الذي وصل من الخرطوم في عربة مكيفة.. ونزل منها وهو يلهث.. ومعه مدربه.. لقد كان هذا الشاهد الخطير.. كلباً بوليسياً.. جاء لتوه من ألمانيا... عرضت عليه عمامة اللص المجهول.. فشمها.. و(كرف) رائحة الصناح الفائح منها.. فلم يتمالك نفسه وظل يتقافز.. ورفض كليةً.. أن يتجه صوب (المرصوصين) من المشبوهين.. واستطاع أن ينتزع حبله من مدربه.. ويجري في اتجاهـ مغاير.. والناس يجرون من خلفه... ولما تبين.. أنه يتجه إلى عنبر رجال الشرطة (العزابة).. صعق الجميع.. وخارت قوى.. رئيس القسم... ودخل الشاهد الألماني العنبر.. وعندما وصله الناس كان قد أخرج من العنبر.. رجلاً أسود.. عارياً تماماً بعد أن مزق الكلب ملابسه.. وهدأ بعد ذلك ليسلم قيادهـ لمدربه!!
لقد كان هذا الرجل الأسود هو المتهم الحقيقي الذي ارتكب كل هذهـ الجرائم... بعد أن ضبطت كل المسروقات في غرفته التي كان ينام فيها.. وضبط الفأس الذي شج به رأس الدلالية ملوثاً بالدماء... وباستجواب رجال الشرطة من ساكني هذا العنبر أوضحوا بأن الرجل من ليبيا.. جاءهم يبحث عن عمل... فوفروا له السكن والمأكل والمشرب.. مقابل كنس ونظافة العنبر ونقل الماء.. إلى الازيار.. ووعدوهـ بايجاد عمل مناسب له.. سيما والرجل على خلق يحافظ على صلواته!!
نأسف.. للحادثتين تعبيراً عن عهد التكامل السوداني المصري الليبي.. أيام النميري... ولا نستبعد.. أن مصرياً.. فعل شيئاً مماثلاً في ليبيا.. أو أن ليبياً فعل مثل ذلك في مصر.. أو أن سودانياً.. استباح مصر.. وليبيا.. جريمة واحتيالاً.. وتكاملاً.. وآل تكامل.. آل..!!






نواصل




التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 13-05-2018, 07:38 PM   #[24]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

كلام ساكت

لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
أيـــــــــــــــام النمــيري (16)
مع اطلالة فجر 25 مايو 1969.. أذاع النميري بيانه الأول منقلباً على النظام الديمقراطي حسب زعم أهله... وإستمر قابضاً على صولجان السلطة.. مسنوداً بقوى الجيش والأمن تارة.. وبالجماهير.. تارات وبدول الجوار.. تارات أخرى.. حتى أكلت السنون منسأته.. واضعفت قوائم كرسيه.. فسقط.. في صبيحة 6 أبريل عام 1985م..
إن السنوات التي قضاها النميري في الحكم تعدل سنوات تلميذ صغير.. تنقل من الإبتدائية إلى الثانوية.. ثم الجامعة.. وتخرج منها.. يحمل درجة البكالريوس... ولكن النميري.. دخل مدرسة الحكم الإبتدائية عام 69.. وظل (يُرَبّت) في الصف الأول... حتى تم فصله منها عام 1985... لأنه لم يجتهد ويبذل ما في وسعه... ليضيف إلى شخصيته العسكرية الفذة.. مظهراً وجوهراً.. بعض (محسنات) الزعامة والقيادة.. فظل يطفو على بحور السياسة.. كمن يتزلج على الماء.. ويأبي أن يبتل بأمواجها.. أو يغوص في أعماقها.. ويسبر أغوارها.. أو حتى يسبح فيها.. مع أو عكس التيار.. وذلك لا يستقيم أو يجوز في حق.. رئيس.. يحكم.. أكبر قطر في قلب أفريقيا والعالم العربي.. كذلك فان النميري ظل على إمتداد السنوات.. التي عاصرها البعض أطفالاً.. حتى صاروا رجالاً.. يحملون الشهادات الجامعية.. عاجزاً عن إتقان فن البيان والخطابة.. الضروري كالهواء والماء.. لكل سياسي طامح في الزعامة والقيادة.. وأحسب أن البيان الأول لثورته.. كان هو الذي لم يأت بأفصح منه..!!.
لقد.. القى النميري عبر هذه السنين من حكمه الذي تجاوز الخمسة آلاف يوماً.. خطابات بالآلاف.. مكتوبة ومرتجلة.. ومع ذلك.. فإن أركان نظامه المايوي ورموزه.. كانوا يرتعدون.. كلما أرتجل كلمة.. أو خطاباً أو أدار مؤتمراً صحفياً على الهواء مباشرة.. مثل ذلك المؤتمر الذي وقف فيه المذيع أيوب صديق... ليسأل باسم هيئة الإذاعة البريطانية.. فهاج النميري وقال له: هيئة الاذاعة البريطانية.. بتاعت أيه.. انت موش معانا هنا في التلفزيون.. انت فاكرني موش عارفك ولا أيه؟!.. وحاول من حوله أن يوضح الأمر.. ولكن دون جدوى!!.. أو ذلك المؤتمر الذي حاول فيه أن يترجم إلى اللغة الإنجليزية حرفياً.. المثل الذي يقول «ضربني بكى وسبقني اشتكى».. وما ينسبه إليه البعض.. بأن مراسلاً صحفياً.. انجليزياً.. سأله.. إن كان الشعب السوداني راضٍ عن بعض قراراته.. فقال..
No body can say kani mani ما تباع ذلك من شمارات.. بأن الصحفي ظل يبحث عن (كأني ماني) في كل القواميس ولم يجدها.. والحديث عن مؤتمرات النميري وتصريحاته وخطبه الهوائية حديث يطول.. ولعل هذا الضعف الواضح في مادتي الخطابة والسياسة.. كان هو السبب الرئيسي.. الذي قَصَّر أجل حكمه.. وليس أدلّ على ذلك.. من لقائه على الهواء.. في برنامجه بين الشعب والقائد.. والذي قال فيه ما قال.. ضارباً بنصائح الخبير الإعلامي.. البرفيسور علي شمو عرض الحائط.. فأشعل بذلك نار الثورة الشعبية التي التهمت مايو.. وتهاوى عرشها..
إذن كيف حكم النميري السودان.. وقد جردناه.. من جلباب السياسة.. وعمامة الخطابة؟! لقد ذكرنا.. أن النميري.. كان رجلاً عسكرياً فذا.. ظاهراً وجوهراً.. وله بطولاته في ميادين القتال.. التي يحفظها له سجله العسكري... كما يحفظ له العالم وكافة الشعب العربي... موقفه الرجولي.. الذي إستطاع به أن ينقذ ياسر عرفات من براثن الموت.. يضاف إلى ذلك بأن النميري.. كان يصغي ويستمع إلى الرجال الخبراء الذين كانوا يحيطون به ويحاورهم.. وإذا بلغ درجة من القناعة بأي أمر.. فإنه لا يتردد في إتخاذ القرار الشجاع والإصرار عليه حتى يصبح حقيقة على أرض الواقع..
بهذه الخاصية العسكرية الفذة.. والقدرة على إتخاذ.. القرار.. حكم النميري ستة عشر عاماً أنجز فيها الكثير.. وجاط.. وخرمج الكثير.. فالنميري.. الذي لم يعرف عنه أي إنتماء لأي حزب.. سوى الإنتماء للوطن.. قاد إنقلاباً هجيناً من الشيوعيين والقوميين العرب وعناصر أُخرى بين هؤلاء.. وأولئك... وعمل بنصائحهم فأمم الصحف.. وكل المؤسسات وتواصل مع دول المعسكر الشرقي.. وإعترف بالمانيا الشرقية... وقطع أشواطاً في التكامل بين ليبيا.. ومصر.. وعندما إنقلب عليه الشيوعيون.. إنقلب عليهم ولم يراع فيهم إلَّا ولا ذمة.. حتى قال شيوعي عجوز.. إن عبدالخالق محجوب.. قرأ ماركس ولينين ولكنه لم يتدبر قول لينين (على الحزب الشيوعي أن لا يصادم أي حركة ثورية... لأنها هي القادرة على تحطيم الحزب وسحقه).. وهذا ما حدث بالضبط.. فقد صادم الحزب حركة مايو الثورية.. (فغطَّست) حجره ولم (يُقَلِّع) ويظهر على السطح... إلَّا في مؤتمره العام الخامس.. بعد كام وأربعين عاماً... متزامناً.. مع أفراح أمريكا.. بعريسها الجديد أوباما.. وبالله شوف!!.
كذلك فان النميري.. الذي إنقلب على الأحزاب الكبرى في البلاد.. هو النميري ذات نفسه الذي حقق مع هذه الأحزاب مصالحة وطنية.. (قرقرت بيته من الداخل) وهو ذات النميري.. الذي بدأ أحمراً.. ثم صاراً أصفراً.. وإنتهى أخضراً.. في أيدي الحركة الإسلامية.. وقد سمعت بأذني (هاتين).. الدكتور حسن الترابي يتحدث في ندوة بنيالا.. وكان وقتها مستشاراً للنميري ومشرفاً سياسياً على دارفور.. لما سأله.. أحد المواطنين.. عن قناعاته بالنميري.. فقال: نحن أصحاب فكرة.. وعاوزين نطبقها.. والنميري.. مع كل مسالبه.. وعيوبه هو من نستطيع أقناعه.. بإتخاذ القرار.. وأضاف ضاحكاً: ومن أجل أهدافنا.. لا نتعاون مع الشيطان.. ولكن مع النميري!!.
لقد نجح الإسلاميون في إحتواء النميري وتطبيق قوانين سبتمبر والمحاكم الناجزة والتي يحسب البعض بأنها.. التجربة التي كانت متسرعة.. وجاءت خصماً على الشريعة الإسلامية السمحاء... وعندما غادر.. النميري.. إلى أمريكا.. كانت السجون تعج بالإسلاميين.. ولو أنه.. عاد بعدها.. لوقعت.. مجزرة أخرى.. ولكن الله قدر.. ولطف!!.
لقد استطاع النميري استناداً إلى شخصيته العسكرية القوية.. المتماسكة وشجاعته المتناهية المتفق عليها.. أن يتخذ أقسى وأصعب القرارات.. التي توالت كركلات الجزاء.. في كرة القدم.. فأحرز بعضها الهدف.. وكاد بعضها أن يحرز الهدف ولكنه دَقَّ في العراضة.. وفشل بعضها وقَلشَ.. وطلع آوت!! ومن أهم هذه القرارات التي احرزت الهدف كان قرار.. الحكم الإقيمي للجنوب ومن القرارات التي طلعت آوت.. كان قرار تقسيم الإقليم إلى ولايات ثلاث.. ولعل قرر تطبيق قوانين سبتبمر.. كان هو الذي دَقَّ في العراضة!!.
إن هذه الصفحات.. لا تكفي.. لإستعراض قرارات النميري صالحها وطالحها.. ولكن قراراً عظيماً وحيداً أتخذه النميري.. لا يكاد الناس يذكرونه.. أو يحسون بأهميته أو يقدرونه حق قدره.. بل ويسقطونه إذا ما عَدَّدوا أنجازاته.. ولا يحسبونه حتى ضمن.. إخفاقاته... والقرار التاريخي الذي إتخذه النميري على ضوء دراسات مضنية متأنية حصيفة.. قام بها خبراء وطنيون على رأسهم.. المرحوم الفريق أول شرطة علي يس.. الأب المؤسس للعمل المروي في السودان.. كان قراراً عظيماً.. وإستباقاً.. إستشرف.. المستقبل.. وما سيطرأ على البلاد من تقدم.. وطفرة.. إنشائية عمرانية كبرى.. تستوجب إتخاذ مثل هذا القرار.. بأعجل ما يمكن.. لأن كل يوم يمر.. سيلقي على كاهل البلاد تكلفة باهظة جديدة.
إن القرار العظيم الذي اتخذه النميري وكان بمثابة الضوء الأخضر.. الذي أباح.. ومكن اللجنة القومية.. برئاسة المهندس.. البروفسير أحمد عبدالرحمن العاقب... أن تعمل وتحقق.. تحويل حركة المرور من اليسار إلى اليمين.. في يوم الجمعة المبارك.. الموافق 19/8/1973.. ليفاجأ الناس يوم السبت.. بأن كل شيء.. قد تعدل على الطريق العام!!.
ولمقابلة هذا الحدث التاريخي الفريد.. والاعداد والاستعداد له.. في مدينة عطبرة.. فقد.. قام السيد.. العميد عصمت معني... بإيجاد مكاتب أحسب انها كانت تتبع لوزارة الزراعة وتمت صيانتها وتجهيزها... لتكون مقراً لإدارة قسم المرور.. وكلفت برئاسة هذا القسم.. والقيام باعباء الترخيص والضبط المروري.. ومن الطريف اللطيف.. أن أول من دخل مكتبي.. كان رجلاً.. ناحلاً دقيق الجسم صارم القسمات... وضع أمامي أوراقاً.. وقال بحزم: عاوزين نرخص التراكتور ده.. تجديد ترخيص يعني!!. فقلت له: وأين هو التراكتور.. فقال لي: في الدمازين!!.. أندهشت جداً لهذا الطلب العجيب.. وطلبت من الرجل أن يجلس.. حتى اتفرغ للحديث معه... ولكن تلفوناً من المرحوم الحكمدار أحمد سعد.. أنقذ الموقف.. وقال لي: عارف القاعد جنبك ده مين.. ده اللواء أحمد عبدالوهاب.. نائب عبود ووزير الداخلية يوماً ما... ده راجل صعب.. شوف طَلَبهُ.. وخليه يروح!!.
ولم أتردد.. في سحب أوراق السيد اللواء الركن والكتابة عليها.. بالتصديق.. واستدعاء أحد الرجال.. لإكمال الإجراء.. فوراً.. وقد كان.. وغادر الرجل المكان بانحناءة لطيفة تعبر عن الشكر والإمتنان.. وكفانا الله.. شر غدر.. الزمان!!.
لقد كانت امكانات.. شرطة الشمالية متواضعة جداً.. ولكنها مع ذلك.. فقد دعمت قسم المرور الجديد.. بعربة كومر نص عمر.. وجيب ويلز قديم وبضعة مواتر.. كما أنها نقلت مجموعة من رجال الشرطة.. لدعم القسم واستيعاب قانون ولوائح المرور.. والتدرب.. على عملية.. ضبط الحركة.. على الشارع العام توطئة.. لاستقبال اليوم التاريخي 19/8/73 وتعديل مسار.. حركة المرور.. من اليسار إلى اليمين واعانة المشاة.. وراكبي الدرجات وسائقي العربات والسيارات.. لإتباع قواعد المرور الجديدة.. وعلامات المرور الدولية.. والعلامات الأرضية.. التي ستظهر على طول الشوارع.. والتقاطعات بصورة أشمل لأول مرة... وبدأت أول ما بدأت.. بتدريس رجال الشرطة.. مواد قانون ولوائح المرور... ثم.. عرضت عليهم علامات المرور الدولية والأرضية.. وشرحت معانيها.. وهي كما نعلم.. لغة عالمية... وقمت.. بالعشرات من المحاضرات والندوات في مختلف المدارس والأندية.. وأحسب أنني نجحت.. في تهيأة.. قطاع عظيم من الطلاب والعمال.. وغيره.. للحدث العظيم.. وابتكرت أسلوباً طريفاً لتدريب رجال الشرطة وتعميق فكرة السير على يمين الشارع في عقولهم فأخترت ميداناً واسعاً ورسمت.. فيه (بالطوب الأحمر) شكل تقاطع شارعين رئيسين.. وصينة حركة أو دوار.. وأوقفت رجال الشرطة.. على يمين كل شارع تماماً كما تقف العربات... وهم في حالة خطوات تنظيم.. عوضاً عن الماكينات المدورة... وعند اطلاق صافرة مني.. يبدأ الجميع في التحرك.. مع الإلتزام بقاعدتين هما.. التزام اليمين.. ومراعاة أولوية.. المرور.. للعربة أو بالأحرى للشرطي القادم من جهة اليسار..!!.
لقد كان هذا التمرين ممتعاً لرجال الشرطة والمتفرجين من المدنيين الذين راقت لهم الفكرة.. فصاروا يتدربون عليها من تلقاء أنفسهم.. بدراجاتهم.. أو كداري.!! وعندما إقترب اليوم المضروب.. كنا في قسم المرور وبالتعاون مع جهات هندسية.. في المجالس.. والسكة الحديد.. قد أكملنا (تأثيث) كل الشواع بعلامات المرور الدولية.. وحجبناها بالجولات.. حتى لا يتعامل أو يتقيد بها شركاء الطريق.. وحتى الأسهم الأرضية كانت جميعها.. بلا رؤوس.. ولا تشير لأي اتجاه... ومع ساعات الفجر الأولى من يوم 19/8/73... زودنا كل سهم برأسه.. ونزعنا القناع عن وجه كل علامة دولية... ومع خيوط الشمس الأولى.. جاء المئات بعرباتهم وسياراتهم.. وفي مقدمتهم.. قيادات العمل.. العسكري.. والمدني.. والسكة الحديد.. ونقابات.. البصات والتاكسي وجيش من الدراجات.. يجوبون المدنية.. من أقصاها.. إلى أقصاها.. وهم متفائلون وقد أصبح الحلم حقيقة.. وصار السودان من أهل اليمين.. مارقاً على دول الكمونويلث.. ومن بين الذين كانوا يجوبون المدينة رجل.. من أصحاب الطرائف والقفشات يقود دراجته الرالي.. ويحمل قدامه.. (عتوداً).. فأستوقفه.. رجل من رجال شرطة المرور.. وقال له بحزم: انت رادف ليه يا زول؟!. فمضى في حاله ولم يتوقف ورد على الشرطي: يا جنابو راجع قانونك.. ده أقلَّ من سطاشر سنة..!!.

 
 
نواصل ...




التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 13-05-2018, 07:41 PM   #[25]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

اقتباس:
وقال لي : عارف القاعد جنبك ده مين.. دهـ اللواء أحمد عبدالوهاب.. نائب عبود ووزير الداخلية يوماً ما ... ده راجل صعب .. شوف طَلَبهُ .. وخليه يروح !!.






التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 13-05-2018, 07:46 PM   #[26]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

من أصحاب الطرائف والقفشات يقود دراجته الرالي.. ويحمل قدامه.. (عتوداً).. فأستوقفه..
اقتباس:
رجل من رجال شرطة المرور.. وقال له بحزم: انت رادف ليه يا زول؟!. فمضى في حاله ولم يتوقف ورد على الشرطي : يا جنابو راجع قانونك .. دهـ أقلَّ من سطاشر سنة..!!.


اتاريهو ناس الحركة من يومهم دهـ حالهم



التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 25-05-2018, 08:55 PM   #[27]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

كلام ساكت أيــــــام النمــــيري (17)
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
زيارات النميري .. إلى الشمالية وعطبرة كانت عديدة .. وكانت في معظمها زيارات عادية خالية من المواقف الممتعة التي يتطلبها السرد .. في هذا المسلسل .. غير أن هناك بعض الأحداث المتفرقة والتي سأتعرض لها - درءاً للتكرار - وكأنها قد حدثت ضمن إحدى زياراته .. لأن الحدث يهمني هنا أكثر من الزيارة نفسها .. ولأني أكتب من قاع الذاكرة .. بدون مفكرة أو مذكرة... ولما كنت قد سلمت موقعي في المباحث والأمن لزميلي وصديقي.. المثقف المهذب الملازم أول حسين عثمان صلاح - صاحب الاسم المقلوب - كما يداعبه أصدقاؤهـ .. تحركت لموقعي الجديد بقسم المرور.. وباشرت عملي فيه .. وذات صباح.. كنت في مطار عطبرة .. النائي عن قلب المدينة .. وقد حَطت طائرة الرئيس النميري .. وصحبه .. وكان عليّ كضابط للمرور.. أن أكون قائداً للتشريفة .. في مقدمة الموكب .. أقودهـ من باحة المطار البعيد جداً حتى موقع الاحتفال داخل المدينة .. وحسب الحال وقتها.. كنت أقف بعربة جيب ويلز صفراء فاقع لونها لا تسر الناظرين.. في انتظار إشارة التحرك.. ولما جاءت الإشارة.. كانت الفضيحة.. و«حرَنتْ» العربة وأبت أن تستجيب.. لتوسلات (الاستارتر).. ولم يجد الموكب بداً.. من مواصلة مسيرته.. متخطياً حضرتنا.. ضابط التشريفة.. وعربته (المكارهـ).. وبعد أن أصبحت ساحة المطار قاعاً صفصفاً ولم يبق في المكان.. إلا الغبار العالق الذي خلفته إطارات.. سيارات.. موكب الرئيس - ثابت العربة إلى رشدها.. و(الجماعة نزلوا منها).. فدوَّت ماكينتها.. ودخلت المدينة.. وبلغت مكان الاحتفال.. وهناك أحاط بي الزملاء يتندرون.. ويضحكون.. واشتد أوار الضحك.. عندما سألني القومندان.. وقال لي عربيتك مالها.. فقلت له.. أظنها شيوعية!!
وفي المساء أقامت هيئة السكة الحديد إفطاراً رمضانياً فخماً.. للرئيس وصحبه وأعيان المدينة.. وجلس الحضور حول المائدة الطويلة.. الزاخرة بما لذ وطالب من الطعام والدجاج المحمر... الذي كان يزين المائدة.. في خط مستقيم.. وحول المكان.. العشرات من رجال الشرطة الصائمين.. الذين يحلمون بتمرة بلح.. وكوب ماء بارد.. وعندما أذن المؤذن.. نهض النميري.. وأخذ تمرة و(جرح) بها صيامه واحتسى كوب ماء.. ثم تأمل المائدة الرهيبة وقال.. ده فطور شنو.. فطور ما فيهو قراصة.. ده يسموه فطور؟! ثم تحرك نحو المصلى.. لأداء صلاة المغرب وتحرك معه الجميع (فاطرون وصائمون) واختفى العشرات.. من القادة وانطلقوا بسياراتهم الفارهة إلى بيوتهم.. وبعد الصلاة التي تعمد الأمام أن يطيلها.. تحرك الجميع نحو المائدة الطويلة الفخمة.. ولما جلسوا.. كانت هناك.. عشرات الصحون.. الملأى بالقراريص.. والمعطونة بالويكة.. وشتى أنواع المفروكات.. وضحك النميري حتى بانت نواجزه.. وأخذ يتناول من الكابيدة.. بالويكة.. ويشيد بطعمها.. وتحول الجميع عن الدجاج المكرفس والشواءات نحو القراريص... وانتهزت الفرصة وقمت بحمل كم هائل من الدجاج واللحم والبيض.. والعصائر.. وذهبت بها إلى رجال الشرطة وبعض رجال الجيش والأمن.. الذين جلسوا بعيداً على استحياء... في انتظار الفرج... وبدؤوا يأكلون في سعادة.. وحاولت مداعبتهم قائلاً.. أجيب ليكم قراريص.. فقالوا بصوت واحد.. عليك الله.. ما تجيبها.. القراريص راجيانا في السحور!!
انتهت زيارة الرئيس إلى عطبرة.. وغادر بالطائرة التي جاء بها... وعادت عشرات العربات والسيارات التي كانت في وداعه إلى مقارها في المدينة... وكنت.. أسير بعربة المرور المنهكة.. وأمامي.. عربة كومر تيبر.. درج رجال الشرطة على تسميتها (بقميص النوم) ولا أدري إن كانت التسمية مدحاً أو ذماً.. وعندما اقتربنا من المدينة.. كان في طريقها الخط الحديدي وقطار.. يقترب بسرعة... وسائق (التيبر).. منغمس في الحديث مع من يقاسمه المقعد الأمامي.. ولم ينتبه البتة للقطار العابر.. وتفاجأت بان (التيبر) صعد على القضيب.. وفي لمح البصر.. صدمه القطار.. فخرج عن القضيب واستدار في الهواء دورة أو دورتين.. ثم انقلب على جنبه.. وأنا أحملق في دهشة.. لا أصدق بأن ما وقع أمامي.. حادث حركة حقيقي.. وليس خيالاً... وكان على متن (التيبر).. ثلة من ضباط الشرطة.. من رتبة النجمة أو النجمتين ومعظمهم أبناء دفعة واحدة.. ونجوا جميعاً من موت محقق.. إلا أن بعضهم.. أصابته خدوش ورضوض.. كالملازم ونستون سايمون الذي تقاعد على رتبة اللواء.. والملازم فضل الله محمد فضل الله الذي كسرت يده.. وتم علاجه ولكنه غادر موقعه في الشرطة مبكراً.. وأصيب آخرون إصابات مختلفة.. وكان من بينهم الملازم بشير حسن عبد القادر الذي تقاعد على رتبة العميد.. ومن الطرائف.. أن أحد الضباط الذين تعرضوا لهذا الحادث.. فقد أسنانه الأمامية.. فاضطر لاستبدالها بأسنان صناعية (طقم).. وكان عندما يخلد إلى النوم.. يخلع هذا (الطقم).. ويضعه على تربيزة جوار سريره.. وكان كلب (ميس الضباط) جرواً صغيراً.. غريراً.. مستجداً.. فظن وبعض الظن إثم.. أن الطقم لحم يجاور العظم فاقترب منه أمام شهود.. وخطفه وجرى به... ودقش الخلا.. ولا أحد يدري أين ذهب.. أو فعل به.. وعاد سعيداً يتلمظ.. ويلحس فمه.. ولكنه ذهب مبكياً على (جروتيه) رمياً بالرصاص!!
وددت.. لو أكتب.. بلا انقطاع من الشمالية ودنقلا موطن أجدادي ومسقط رأسي.. وأرقو التي دفنت بها (سُرتي). وأن أسترسل في الحديث... عن عطبرة مدينة الحديدة والنار.. والتي قضيت بها أحلى الأيام وربطتني بأهلها أعمق الصلات والصداقات.. والتي مازالت حية ومتينة وقوية حتى الآن... ولكن كشف التنقلات.. (فرَّاق الحبايب).. وبعد أن ترفعت إلى رتبة النقيب.. تقرر تغيير موقعي.. ونقلي إلى شرطة مديرية الخرطوم... فودعت الأحبة.. وغادرت مع زوجتي وطفلتي.. في عربة نوم.. أكرمتني بها السكة الحديد وانطلق القطار.. ويا خرطوم جاك زول.. وكان حظي الجميل.. أن أستاجر منزلاً في حلفاية الملوك.. يقارب الفدان في مساحته.. وأن تكون.. صاحبة هذا الدار السيدة.. (الموسيقار) أسماء حمزة بشير والتي امتدت علاقتي الأسرية بها حتى اليوم، وتوطدت أكثر بعد انتمائي لمنتدى الحلفايا الثقافي.. كيف لا.. وكانت هي أم المنتدى الرؤوم.. وكانت كما قال الشاعر عتيق.. زيارتك.. (أسما) غاياتنا و(همزة) وصل بيناتنا.. وأضاف لها شعراء المنتدى.. و(بشير).. الخير في غنواتنا..!!
قابلت مدير إدارة المرور.. فوجهني بالتحرك إلى الخرطوم بحري رئيساً لقسم المرور فيها... ولما أحس في عيوني سؤالاً عن عربة رئيس القسم.. قال لي.. في طريقك (أغشى) النقل الميكانيكي.. واستلم العربة المخصصة للعمل معك.. فرحت فرحاً.. شديداً.. ودخلت مباني النقل فأخذوا بيدي وفي ركن قصي من الورش.. وجدت كومة من الحديد (المشلع) فقالوا لي دي عربيتك!! حزنت جداً وعلمت.. أنها الصدمة التي يتعمدها (العسكريون) لإحباط صغار الضباط.. وقتل الأحلام الوردية في نفوسهم.. حتى يلزموا الجابرة!! لم أضيع وقتاً وانخرطت في العمل.. مع الميكانيكية والكهربجية والسمكرجية.. وأغدقت عليهم السجائر البنسون والروثمان.. وأخذت أفك وأربط.. وأعينهم على العمل.. حتى خرجت العربة الهيلمان 67.. فانطلقت بها إلى الحلفاية.. لتفرح أم العيال.. ويا فرحة ما تمت.. وقبل أن أصل إلى هناك.. وفي منتصف شارع الطيار الكدرو.. أخذت العربة تلف وتدور حول نفسها.. وكأنها ترغب في رؤية (خطراتها).. ولم تعد عجلة القيادة.. تؤدي دورها التحكمي وصارت.. العربات المندفعة عن يميني وشمالي تتحاشى الاصطدام بالعربة التي تحولت إلى مروحة.. وأخيراً توقفت وخرجت منها وأنا لا أصدق بأني حي أزرق.. وتطوع أحد الميكانيكية.. وفتش العربة.. وقال لي.. صامولة الدركسون مافي.. يظهر عليها ما كانت (مقرطة) فطارت غايتو الله شافك.. وشاف العباد!!
أكملت إجراءات التسليم والتسلم بيني وبين المقدم أحمد هارون عبد المجيد.. والذي يرى البعض أنه خلق ليكون ضابط مرور.. وأحسست من الوهلة الأولى.. أن رجال شرطة القسم (موش مبسوطين).. وغير سعداء بمقدمي.. ظناً منهم بأني أسوأ خلف لخير سلف... وعبروا عن ذلك بانضباط شديد.. ورفضوا تجديد عقود خدمتهم.. فلم أكترث لذلك.. وواصلت العمل في أداء واجبي وتركت الملفات على مكتبي قرابة شهر.. ولما أقبلت عليها.. للبت فيها.. اكتشفت أن الرغبات قد عدلت جميعاً.. وكفى الله المؤمنين القتال... وصار رجال هذا القسم.. هم الأحب إلى نفسي .. أتسنط أخبارهم ويسألون عني .. حتى اليوم وقد غير الزمن ملامحنا ومواقعنا .. وعجز تماماً عن تغيير دواخلنا .
كنت كرئيس لقسم مرور الخرطوم بحري .. أقلب الملفات والمستندات.. واقرأ كل صغيرة وكبيرة.. للاستفادة من خبرات أحمد هارون .. والرجل مدرسة مرورية قائمة بذاتها.. وتوقفت عند خطابات عديدة كان يرسلها للرئاسة عندما كان في موقعي.. يطالب فيها بقرار.. يمنع مرور الشاحنات والبصات الكبيرة.. والعربات الثقيلة من قبيل المجروسات والقلابات.. من دخول كبري النيل الأزرق العتيق.. وتحويلها جميعاً لكبري القوات المسلحة.. بحيث.. يبقى النيل الأزرق خالصاً للسيارات والعربات الصغيرة.. ولكن طلبه كان يقابل بالرفض وعدم الموافقة... فسألت أحد صف الضباط الظرفاء... عن مغزى هذه الخطابات.. فقال.. جنابو أحمد كان على حق نسبة لتعدد الحوادث الشنيعة بسبب هذه العربات الكبيرة .. مر إتنين قلابات اتلاقوا.. واحد ماشي والتاني جاي.. صناديقهم شبكوا مع بعض.. الصناديق وقعوا في نص الكبري.. والقلابات طلعوا (ميطي) بدون صناديق.. والحركة وقفت في الكبري يومين... وفي مرة من المرات احتك بصان كبيران من قبيلة الفورد.. وكان أحد الركاب يطل برأسه.. فانقطعت وسقطت على الأسفلت.. وظلت تنطط زي الكورة.. وتكورك.. الله ينعل البصات.. والبركب باص تاني!!
المهم في الأمر.. فقد قمت بجمع خطابات المقدم أحمد (الكان بوديها) مضافاً إليها خطاباتي.. وأرسلتها لعنايته.. وكان وقته مديراً لإدارة المرور بالإنابة.. فاتصل بي على الفور.. وقال لي.. بكرة الساعة ستة صباحاً ترجاني في مدخل الكبري من جهة بحري.. ومعاك صنف من رجال المرور.. وعندما جئنا وجدناهـ هناك.. يصرف الحركة بنفسه... ويغير اتجاه.. كل العربات المعنية في اتجاه كبري القوات المسلحة.. وانسابت الحركة انسياباً ووجه رجال المرور.. أن يفعلوا كما فعل وعدت معه إلى المكتب حيث داهمنا جيش جرار من المعترضين.. أصحاب المصالح.. ورؤساء النقابات.. وحتى بعض قادة الجيش والشرطة.. الذين تقع وحداتهم على مقربة من كبري النيل الأزرق... فاستمع إليهم وقال لهم.. أنا معاكم.. لكين الرئيس النميري استدعاني في القصر وقال لي أعمل كده.. أقول لا.. قال الجميع.. طبعاً لا... وانصرفوا.. وانسابت الحركة.. بدون.. ثقالة العربات الثقيلة على كبري النيل الأزرق.. وحتى اليوم.. وسألته ذات يوم عن سر قرار النميري في هذا الشأن.. وما دفعه إليه.. فأشعل سيجارته التي لا تفارقه حتى الآن.. وقال.. يا حلبي إنت مجنون.. النميري فاضي للأمور دي... الكلام ده من رأسي أنا.. كضبة بيضا.. يعني!!
قلت له.. دي كضبة من العيار الثقيل وسيجعلها الله في ميزان حسناتك يا شيخ الحلب أجمعين!!




رابط



التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 27-07-2018, 06:02 AM   #[28]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي


جريدة الوطن - الثلاثاء - 6 ربيع الاول 1430هـ - 3 مارس 2009م

كلام ساكت - أيــــــام النمــــيري (18)

لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
أكتب الآن .. وأهل السودان يعيشون بدايات العام 2009م .. وتعود بي الذاكرة إلى أيام النميري في السبعينيات .. وأجري في دواخلي مقارنة لحالات الانضباط .. وتقدير المسؤوليات .. زمان .. وهسع .. وألقى الفرق شاسع .. كما كان يغني المرحوم خلف الله حمد .. وأسعى لو أسعفتني الذاكرة في سرد بعض هذه الحالات .. التي تبدو عادية جداً .. ولكنها ذات مغزى عظيم .. فأنا .. مثلاً (خرطومي قِشرة) درست في وادي سيدنا المدرسة.. الكائنة على هامش شمال أم درمان .. وظللت سجيناً بكلية الشرطة حتى تخرجت .. فيها .. وأرسلت بقذيفة إلى الاستوائية .. ثم قذيفة عكسية إلى الشمالية . وفي العام 1974م .. جعلتني التنقلات .. رئيساً لشرطة مرور الخرطوم بحري .. فأحسست بالخجل لكوني ضابط المرور .. المحدود المعرفة بشوارع العاصمة المثلثة وأحيائها وأنديتها ومعالمها .. وشتى مواقعها المهمة .. بل وبيوت رموزها .. وقياداتها .. نجومها .. ومناطقها المختلفة .. ولكني طمأنت نفسي .. بالقول حنتعلم من الأيام .. وتجرأت .. وقدت عربة القسم .. في كل أنحاء العاصمة .. وكنت أجد صعوبة في بلوغ أهدافي .. وكثيراً ما ألف وأدور .. في حلقة مفرغة .. و(أُجَلِّي) الشوارع .. وأكاد أن أرتكب حادثاً مرورياً .. وأنجو من الموت أحياناً وأحس بأن شركاء الطريق حولي .. يعبسون في وجهي وينظرون إليّ في ضيق وامتعاض .. وأكاد أسمع نظراتهم تقول .. وده حالتك ضابط حركة .. كمان !!
ويا عيون الناس أشهدي .. على لخمتي وترددي .. وعلى بكاي وتنهدي .. فقررت .. وحزمت أمري أن أقود العربة .. كل يوم .. بعد منتصف الليل .. أتأمل الطرقات .. وعلامات المرور .. والجسور ومعالم المدينة .. وأقرأ اللافتات .. على أبواب وزاراتها .. ومؤسساتها .. وكل الإعلانات والدعايات .. وداومت على هذا التمرين المروري وأحسست بأني (إبتديت أفهم) .. وأشعر بالفخر .. وأنا أتحدث .. عن المرر محدداً الطرقات والشوارع بمسمياتها .. ومفصلاً الوزارات والمؤسسات .. بمواقعها (المزبوطة) .. بل وأدمنت هذه الجولة يومياً .. لأن العاصمة المثلثة بعد منتصف الليل .. تتعرى وتخلع كل ما يحجب جمالها وروعتها ومفاتنها .. من أستار الحديد .. الهائم على الأرض .. في شكل لواري .. وبصات وتاكسيات وسيارات .. وأرتال من البشر تجري في كل اتجاه تلُفُّها .. الكتاحة والعجاج المضمخ بالدخان المتصاعد من كل عادم .. وتنعبث منها الأصوات والصيحات المزعجة المتداخلة مع .. أزيز الماكينات .. والكلكسات .. فتضيق الصدور .. وتعمى الأبصار ولا تكاد تبصر .. شيئاً في المدينة .. سوى الأسفلت !!
وذات ليلة .. أوقفت العربة .. في موقع مدينة الحجاج الحالي .. ووقفت على حافة الطريق .. محاولاً تثبيت صورة للموقع في خيالي .. فمرت بي عربة المرور الليلي .. ونزل منها (المساعد شرطة) جعفر الهادي وسألني إن كنت في حاجة إلى مساعدة .. فقلت لا .. وشكرته على اهتمامه .. ثم عدت إلى داري .. وعندما جئت لمباشرة عملي صباحاً وجدت أمراً بتحركي فوراً لمقابلة .. (الليث الأبيض) .. فيصل محمد خليل .. عليه رحمة الله وكان وقتها مسؤولاً .. عن شرطة (منطقة) الخرطوم .. أي أنه لم يكن مسؤولاً عن المرور وكان الرجل ضابطاً مميزاً وعلى درجة عالية من الانضباط .. يمقت التسيب .. وقلَّ ما يفلت من يديه .. مخطئ .. فنفذت الأمر فوراً ودخلت مكتبه وأنا أتوجس خيفةً .. فلم يمهلني .. وقال لي .. أمبارح الساعة الواحدة صباحاً .. سايق عربية الحكومة .. وواقف (تتصرمح) جنب مطار الخرطوم ليه .. وليه رفضت المساعدة من المرور الليلي ؟! فشرحت له .. الموقف بهدوء .. فضحك وقال .. خارجت رقبتك .. لكن لو عايز تعمل حاجة زي دي تاني .. سجل قيد في دفتر الأحوال !! حمدت الله أن جات سليمة .. ورجعت إلى مكتبي .. ولم أستمتع مرة أخرى بالخرطوم في الليل .. إلا مع شرحبيل !! ومن عجب .. أنه في نفس هذا اليوم .. المهبب .. اضطررت .. لزيارة القسم الشرقي (سابقاً) .. وكان مقره .. موقع الشرطة العسكرية الحالي .. وكان الموقف أمام هذا القسم مرتفعاً ومتدحرجاً في اتجاه شارع الأسفلت .. وبعد أن أوقفت عربتي .. وتحركت لدخول القسم أحسست أن العربة (تتدردق) من تلقائها نحو شارع الزلط .. وتشاء الصدف .. أن تتعالى أصوات (السايرينات) معلنة قدوم موكب الرئيس النميري .. من المطار .. في اتجاه القيادة العامة .. بعد أن ودع ضيفاً من ضيوف البلاد .. أحسب أنه كان بوكاسا .. أو عيدي أمين .. وكان الموكب ينطلق بسرعة جنونية .. وقد أكد لي عدد من ضباط التشريفة .. وقتها ومنهم ضابط شرطة المرور السابق صلاح أبو زيد .. المدعي العام الحالي بوزارة العدل .. أن النميري كان كثيراً ما يخاطبهم عن طريق .. الأجهزة المركبة في عربات القصر .. ويحثهم على .. المزيد من السرعة .. المهم لم تكن أمامي فرصة .. لمنع عربتي من الاندفاع نحو شارع الأسفلت والاصطدام بأي عربة من عربات الموكب المنطلق .. سوى الإمساك بتصادمها بكل قوة .. وهي تنازع للإفلات مني .. وظللت مشدوداً .. صامداً حتى مضى الموكب له .. وكنت طوال هذه الدقائق .. أسمع (طقَّات) في ظهري .. وعند (الطقَّة) الثالثة تركت العربة .. فتدحرجت وتوقفت في منتصف الشارع .. فحمدت الله على ذلك وقابلت طبيباً مختصاً .. بما حدث لي .. فقال إنها (الموزة) التي تُمكن الذراع من الحركة .. وأن كل (طقَّة) فيها .. تعني (فرتقة) لغة من لفائفها .. ولو أن إمساكي بالعربة استمر لمدة أطول لحدثت .. طقطقات كثيرة .. وتفرتقت (الموزة) كلها وفقدت وظيفتها تماماً .. وأصبح الذراع مدلدلاً ساكت !!
وبهذا ظللت على مدى أكثر من ثلاثين عاماً أعاني الأمرين بسبب الفليتة أو (الملخة المايوية) .. التي لا علاج لها .. سوى الدلك .. والذي ملَّته حرمنا المصون .. وقد فكرت مرة أن أرفع مظلمة للنميري بما حدث لي بسبب موكبه عسى أن يكرمني .. بنوط من الأنواط .. أو ترقية استثنائية أو حتى (ظرف) تقيل .. ولكن أحد أصدقائي حبطني وحذرني من فعل ذلك .. لأن (الشمارات) ستكثر في هذا الموضوع .. لأجد نفسي يوماً ما .. متهماً بالشروع في اغتيال الرئيس .. وصحبه الكرام !!
ومن ضمن المواقف .. التي تعبر عن حرص المسؤولين على المال العام .. وتَحركهم الجاد والمسؤول لوضع الأمور في نصابها .. فإن دفعتي .. النقيب عمر ميرغني عشرية (لواء م) كان ضيفاً عليّ في منزلي المستأجر بالأملاك .. واستمرت (الونسة) حتى منتصف الليل .. ولما كان ضيفي .. بدون سيارة .. أخذته معي بسيارة (هلكانة) بنمرها الحكومية .. لتوصيله إلى مسكنه وقتها في أبي روف .. وفي الطريق شعرنا .. بأن عربة تتبعنا .. تتوقف إذا توقفنا وتسير إذا سرنا .. وأيقنا .. بأنها تقصدنا .. فدخلنا كبري شمبات فدخلته معنا .. وفي نهاية الكبرى اتجهنا .. لشاع النيل .. فتبعتنا وعندما توقفنا .. أمام المنزل .. توقفت العربة على مقربة منا .. ونادانا من بداخلها .. وكانت العربة فارهة .. تدل على أن (شاغلها) زول مهم فذهبنا إليه .. وأقتربنا منه .. فلم يشتم فينا رائحة الخمر .. وأراد أن يستوثق من ذلك أكثر .. فقال .. أنا منو ؟! فقلت له .. أنت وزير النقل .. اللواء مصطفى عثمان .. الشهير بمصطفى جيش .. ضحك الرجل .. وقال جايين من وين ؟! فعرفته بنفسي وزميلي عمر عشرية .. وشرحت له الحاصل .. فانصرف الرجل وعدت إلى بيتي .. وظللنا نتوقع (قنبلة) .. موش زي قنبلة طه سليمان .. ولكن الرجل لم يفعل شيئاً ضدنا . بحكم مسؤولياته وقتها عن العربات الحكومية ..
لقد كان حول النميري العديد من الرجال الذين .. يقدون المسدودة .. حتى اتسع الخرق على الراتق .. وكان ما كان .. ولكن وللتاريخ .. فقد كان حوله من الأوفياء الذين يسدون المقدودة .. ويحملون الوطن في حدقات العيون .. ومن بين هؤلاء الأوفياء كان السيد مهدي مصطفى الهادي .. محافظ مديرية الخرطوم .. الشهير .. الذي يعدل والي الولاية الآن .. وكان محافظاً ميدانياً .. له عنقريب هبابي .. يرتاح عليه .. قرب مكتبه بعد ساعات العمل الرسمية .. يصرف أعباءه في حالة انقطاع التيار الكهربائي .. اجتمع مرة بضباط المرور .. وفهم منهم .. أن رخص القيادة .. وترخيص العربات .. يتم بواسطة الضباط الإداريين .. وأن إدارة شرطة المرور .. هي الأحق بهذه المسؤولية . فأصدر قراراً بهذا المعنى فوراً وتم تحويل مسؤولية الترخيص والرخص برمتها لشرطة المرور .. في نفس اليوم .. وفي لقاء آخر معه أبدى ضباط المرور .. رغبتهم في شراء عربات .. من البكاسي التايوتا .. التي بدأت في الانتشار موضحين أنها تصلح .. لكل الأغراض .. فسأل عن قيمة أربعة منها .. وكانت حوالي أربعة آلاف جنيه من فئة الجنيه أبو عمة .. فما كان من الرجل .. إلا وأن استل دفتر الشيكات من بدلته .. ووقع شيكاً بالمبلغ المطلوب .. وتم شراء البكاسي .. وأرسلت للنقل الميكانيكي .. لضمها ألى أسطول العربات الحكومية .. وتزويدها بالنمر الحكومية .. ولكن مدير النقل الميكانيكي .. هاج وماج وقال .. هذه العربات لا تتطابق مع مواصفات العربات الحكومية .. وأن النقل .. لا يملك قطع غيار لها .. وأن مهندسي النقل الميكانيكي .. لا يفهمون في إصلاحها وصيانتها .. ولكن السيد المحافظ. .. اتصل به .. تلفونياً .. وقال له .. ضم هذه البكاسي لأسطول العربات الحكومية .. وامنحها النمر المطلوبة .. أو سلم مسؤولية العمل .. لمن هو دونك .. وتعال قابلني !!
وهكذا دخلت أول أربعة بكاسي في أعمال المرور .. وكان لها دور .. وأي دور في تصريف أعباء المرور .! ومن المواقف التي لا أنساها أبداً .. أن السيد المحافظ مهدي مصطفى .. عقد اجتماعاً موسعاً مع قيادات العمل التنفيذي في المديرية .. بالإضافة لبعض القيادات الشعبية .. وذلك لمناقشة أمر البصات التي تأتي إلى الخرطوم .. من أطراف المديرية .. كالسروراب وأبو دليق .. وود رملي .. وغيرها حتى لا تدخل وسط الخرطوم وتم استدعائي .. لكتابة وقائع الاجتماع .. فجلست غير بعيد وظللت أسجل كل ما يقال .. وكل المداخلات .. وبعد ساعتين من الحوار أجمع الحضور على عدد من القرارات .. كان يمليها السيد المحافظ .. وأقوم بتدوينها .. وأنا غير راضٍ عنها .. وقد لمح السيد المحافظ ذلك .. من تعبيرات وجهي وبعض (النقنقات) .. فطلب مني الوقوف .. وقال لي .. أنا شايفك ما راضي عن هذه القرارات .. السبب شنو ؟!
فاستجمعت قواي .. وعيون القادة المجتمعين تكاد تخترقني .. فتلعثمت وترددت ولكنه ظل يحثني على الكلام .. ففجرت حديثاً خطيراً وكلاماً (كُباراً) وقلت يا سيدي المحافظ .. إن مايو ترفع شعار الانفتاح على الريف .. وهذه القرارات لو تم تنفيذها .. ستعزل الريف وتقفل العاصمة في وجهه .. لأن هذه البصات القادمة من أقاصي الأطراف تحمل ركاباً بعينهم .. ومعهم أمتعتهم وخرافهم ودجاجهم وعيوشهم .. وتظل في انتظارهم لتعود بهم بحاجياتهم ومشترواتهم ودقيقهم وأشيائهم .. وإن مثل هذه البصات .. لا يمكن مقارنتها بمثيلاتها .. التي تتحرك داخل المدينة وتعمل في اليوم (عشرين فردة)!!
أمرني الرجل بالجلوس .. وهمهم الجميع في انتظار نهاية بطل .. ولكن السيد مهدي قال .. لقد نبهنا هذا الضابط الصغير لحقائق لا أدري كيف غابت عنا .. وعلى ذلك يُرجأ العمل بهذه القرارات وينفض الاجتماع .. لتقوم لجنة يتم تشكيلها بدراسة هذا الأمر .. على الطبيعة .. ورفع التوصيات المناسبة .!!
واختم بالحدث عن المسؤول الأول .. النميري وذلك .. عندما اتصل النوبتجي بقسم مرور بحري .. حوالي الساعة السادسة صباحاً وقال منزعجاً .. ألبس تعال يا جنابو .. النميري حايم في بحري .. فلبست وخرجت .. وعلمت أن النميري في حديقة البلدية .. قلت اللهم اجعله خيرا .. وذهبت إلى هناك .. ورأيت بعيني رأسي النميري .. وهو يخطط الأرض بقدميه .. يمشي .. ومن ورائه رتل من المهندسين .. يكتبون ما يقول .. يحددون .. المواقع التي وطأتها قدماه .. يمشون إذا مشى ويقفون إذا وقف .. ويرهفون السمع لكل تعليق أو كلمة تصدر منه .. ولم ألتقط .. فوق ما رأيت إلاّ جملة وحدة .. قالها عدة مرات .. أنا عاوز الواقف هنا يشوف .. المجلس الوطني في أم درمان .. وقاعة الصداقة في الخرطوم .. وكذلك .. ألفي أم درمان ولا الخرطوم يشوف هنا .. ثم انصرف فسألت .. مهندساً كنت أعرفه عن الحاصل .. فقال لي .. تصور الراجل ده عاوز يعمل فندق هنا .. ويلغي البلدية .. طيب خمايسنا نقضيها وين .. والبَفَوِّر اللساتك ده منو ؟! وأشار بيده نحو ترابيز الحديقة والتي كانت مصممة على شكل إطارات أو عجلات سيارات!!




نقلا عن جريدة الوطن



التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 27-07-2018, 09:53 AM   #[29]
بابكر مخير
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية بابكر مخير
 
افتراضي

elmhasi
الشئ الأحمراني دى كتابته سمحة تب وذاكرة ما شاء الله ما بتنضب
وإتا ذوقك رفيع وإختيارك يبهر اللُب...



التوقيع:
بابكر مخير غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-08-2018, 09:05 PM   #[30]
elmhasi
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بابكر مخير مشاهدة المشاركة
elmhasi
الشئ الأحمراني دى كتابته سمحة تب وذاكرة ما شاء الله ما بتنضب
وإتا ذوقك رفيع وإختيارك يبهر اللُب...





سلام الحبيب
بابكر

الحلبي ده زول وناس ونسة .......












.



التوقيع:
اقتباس:
متعتي في الحياة أن أقول الحقيقة
جورج برنارد شو
elmhasi غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

تعليقات الفيسبوك


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 01:05 PM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.