كلام ساكت أيــــــام النمــــيري (17)
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
زيارات النميري .. إلى الشمالية وعطبرة كانت عديدة .. وكانت في معظمها زيارات عادية خالية من المواقف الممتعة التي يتطلبها السرد .. في هذا المسلسل .. غير أن هناك بعض الأحداث المتفرقة والتي سأتعرض لها - درءاً للتكرار - وكأنها قد حدثت ضمن إحدى زياراته .. لأن الحدث يهمني هنا أكثر من الزيارة نفسها .. ولأني أكتب من قاع الذاكرة .. بدون مفكرة أو مذكرة... ولما كنت قد سلمت موقعي في المباحث والأمن لزميلي وصديقي.. المثقف المهذب الملازم أول حسين عثمان صلاح - صاحب الاسم المقلوب - كما يداعبه أصدقاؤهـ .. تحركت لموقعي الجديد بقسم المرور.. وباشرت عملي فيه .. وذات صباح.. كنت في مطار عطبرة .. النائي عن قلب المدينة .. وقد حَطت طائرة الرئيس النميري .. وصحبه .. وكان عليّ كضابط للمرور.. أن أكون قائداً للتشريفة .. في مقدمة الموكب .. أقودهـ من باحة المطار البعيد جداً حتى موقع الاحتفال داخل المدينة .. وحسب الحال وقتها.. كنت أقف بعربة جيب ويلز صفراء فاقع لونها لا تسر الناظرين.. في انتظار إشارة التحرك.. ولما جاءت الإشارة.. كانت الفضيحة.. و«حرَنتْ» العربة وأبت أن تستجيب.. لتوسلات (الاستارتر).. ولم يجد الموكب بداً.. من مواصلة مسيرته.. متخطياً حضرتنا.. ضابط التشريفة.. وعربته (المكارهـ).. وبعد أن أصبحت ساحة المطار قاعاً صفصفاً ولم يبق في المكان.. إلا الغبار العالق الذي خلفته إطارات.. سيارات.. موكب الرئيس - ثابت العربة إلى رشدها.. و(الجماعة نزلوا منها).. فدوَّت ماكينتها.. ودخلت المدينة.. وبلغت مكان الاحتفال.. وهناك أحاط بي الزملاء يتندرون.. ويضحكون.. واشتد أوار الضحك.. عندما سألني القومندان.. وقال لي عربيتك مالها.. فقلت له.. أظنها شيوعية!!
وفي المساء أقامت هيئة السكة الحديد إفطاراً رمضانياً فخماً.. للرئيس وصحبه وأعيان المدينة.. وجلس الحضور حول المائدة الطويلة.. الزاخرة بما لذ وطالب من الطعام والدجاج المحمر... الذي كان يزين المائدة.. في خط مستقيم.. وحول المكان.. العشرات من رجال الشرطة الصائمين.. الذين يحلمون بتمرة بلح.. وكوب ماء بارد.. وعندما أذن المؤذن.. نهض النميري.. وأخذ تمرة و(جرح) بها صيامه واحتسى كوب ماء.. ثم تأمل المائدة الرهيبة وقال.. ده فطور شنو.. فطور ما فيهو قراصة.. ده يسموه فطور؟! ثم تحرك نحو المصلى.. لأداء صلاة المغرب وتحرك معه الجميع (فاطرون وصائمون) واختفى العشرات.. من القادة وانطلقوا بسياراتهم الفارهة إلى بيوتهم.. وبعد الصلاة التي تعمد الأمام أن يطيلها.. تحرك الجميع نحو المائدة الطويلة الفخمة.. ولما جلسوا.. كانت هناك.. عشرات الصحون.. الملأى بالقراريص.. والمعطونة بالويكة.. وشتى أنواع المفروكات.. وضحك النميري حتى بانت نواجزه.. وأخذ يتناول من الكابيدة.. بالويكة.. ويشيد بطعمها.. وتحول الجميع عن الدجاج المكرفس والشواءات نحو القراريص... وانتهزت الفرصة وقمت بحمل كم هائل من الدجاج واللحم والبيض.. والعصائر.. وذهبت بها إلى رجال الشرطة وبعض رجال الجيش والأمن.. الذين جلسوا بعيداً على استحياء... في انتظار الفرج... وبدؤوا يأكلون في سعادة.. وحاولت مداعبتهم قائلاً.. أجيب ليكم قراريص.. فقالوا بصوت واحد.. عليك الله.. ما تجيبها.. القراريص راجيانا في السحور!!
انتهت زيارة الرئيس إلى عطبرة.. وغادر بالطائرة التي جاء بها... وعادت عشرات العربات والسيارات التي كانت في وداعه إلى مقارها في المدينة... وكنت.. أسير بعربة المرور المنهكة.. وأمامي.. عربة كومر تيبر.. درج رجال الشرطة على تسميتها (بقميص النوم) ولا أدري إن كانت التسمية مدحاً أو ذماً.. وعندما اقتربنا من المدينة.. كان في طريقها الخط الحديدي وقطار.. يقترب بسرعة... وسائق (التيبر).. منغمس في الحديث مع من يقاسمه المقعد الأمامي.. ولم ينتبه البتة للقطار العابر.. وتفاجأت بان (التيبر) صعد على القضيب.. وفي لمح البصر.. صدمه القطار.. فخرج عن القضيب واستدار في الهواء دورة أو دورتين.. ثم انقلب على جنبه.. وأنا أحملق في دهشة.. لا أصدق بأن ما وقع أمامي.. حادث حركة حقيقي.. وليس خيالاً... وكان على متن (التيبر).. ثلة من ضباط الشرطة.. من رتبة النجمة أو النجمتين ومعظمهم أبناء دفعة واحدة.. ونجوا جميعاً من موت محقق.. إلا أن بعضهم.. أصابته خدوش ورضوض.. كالملازم ونستون سايمون الذي تقاعد على رتبة اللواء.. والملازم فضل الله محمد فضل الله الذي كسرت يده.. وتم علاجه ولكنه غادر موقعه في الشرطة مبكراً.. وأصيب آخرون إصابات مختلفة.. وكان من بينهم الملازم بشير حسن عبد القادر الذي تقاعد على رتبة العميد.. ومن الطرائف.. أن أحد الضباط الذين تعرضوا لهذا الحادث.. فقد أسنانه الأمامية.. فاضطر لاستبدالها بأسنان صناعية (طقم).. وكان عندما يخلد إلى النوم.. يخلع هذا (الطقم).. ويضعه على تربيزة جوار سريره.. وكان كلب (ميس الضباط) جرواً صغيراً.. غريراً.. مستجداً.. فظن وبعض الظن إثم.. أن الطقم لحم يجاور العظم فاقترب منه أمام شهود.. وخطفه وجرى به... ودقش الخلا.. ولا أحد يدري أين ذهب.. أو فعل به.. وعاد سعيداً يتلمظ.. ويلحس فمه.. ولكنه ذهب مبكياً على (جروتيه) رمياً بالرصاص!!
وددت.. لو أكتب.. بلا انقطاع من الشمالية ودنقلا موطن أجدادي ومسقط رأسي.. وأرقو التي دفنت بها (سُرتي). وأن أسترسل في الحديث... عن عطبرة مدينة الحديدة والنار.. والتي قضيت بها أحلى الأيام وربطتني بأهلها أعمق الصلات والصداقات.. والتي مازالت حية ومتينة وقوية حتى الآن... ولكن كشف التنقلات.. (فرَّاق الحبايب).. وبعد أن ترفعت إلى رتبة النقيب.. تقرر تغيير موقعي.. ونقلي إلى شرطة مديرية الخرطوم... فودعت الأحبة.. وغادرت مع زوجتي وطفلتي.. في عربة نوم.. أكرمتني بها السكة الحديد وانطلق القطار.. ويا خرطوم جاك زول.. وكان حظي الجميل.. أن أستاجر منزلاً في حلفاية الملوك.. يقارب الفدان في مساحته.. وأن تكون.. صاحبة هذا الدار السيدة.. (الموسيقار) أسماء حمزة بشير والتي امتدت علاقتي الأسرية بها حتى اليوم، وتوطدت أكثر بعد انتمائي لمنتدى الحلفايا الثقافي.. كيف لا.. وكانت هي أم المنتدى الرؤوم.. وكانت كما قال الشاعر عتيق.. زيارتك.. (أسما) غاياتنا و(همزة) وصل بيناتنا.. وأضاف لها شعراء المنتدى.. و(بشير).. الخير في غنواتنا..!!
قابلت مدير إدارة المرور.. فوجهني بالتحرك إلى الخرطوم بحري رئيساً لقسم المرور فيها... ولما أحس في عيوني سؤالاً عن عربة رئيس القسم.. قال لي.. في طريقك (أغشى) النقل الميكانيكي.. واستلم العربة المخصصة للعمل معك.. فرحت فرحاً.. شديداً.. ودخلت مباني النقل فأخذوا بيدي وفي ركن قصي من الورش.. وجدت كومة من الحديد (المشلع) فقالوا لي دي عربيتك!! حزنت جداً وعلمت.. أنها الصدمة التي يتعمدها (العسكريون) لإحباط صغار الضباط.. وقتل الأحلام الوردية في نفوسهم.. حتى يلزموا الجابرة!! لم أضيع وقتاً وانخرطت في العمل.. مع الميكانيكية والكهربجية والسمكرجية.. وأغدقت عليهم السجائر البنسون والروثمان.. وأخذت أفك وأربط.. وأعينهم على العمل.. حتى خرجت العربة الهيلمان 67.. فانطلقت بها إلى الحلفاية.. لتفرح أم العيال.. ويا فرحة ما تمت.. وقبل أن أصل إلى هناك.. وفي منتصف شارع الطيار الكدرو.. أخذت العربة تلف وتدور حول نفسها.. وكأنها ترغب في رؤية (خطراتها).. ولم تعد عجلة القيادة.. تؤدي دورها التحكمي وصارت.. العربات المندفعة عن يميني وشمالي تتحاشى الاصطدام بالعربة التي تحولت إلى مروحة.. وأخيراً توقفت وخرجت منها وأنا لا أصدق بأني حي أزرق.. وتطوع أحد الميكانيكية.. وفتش العربة.. وقال لي.. صامولة الدركسون مافي.. يظهر عليها ما كانت (مقرطة) فطارت غايتو الله شافك.. وشاف العباد!!
أكملت إجراءات التسليم والتسلم بيني وبين المقدم أحمد هارون عبد المجيد.. والذي يرى البعض أنه خلق ليكون ضابط مرور.. وأحسست من الوهلة الأولى.. أن رجال شرطة القسم (موش مبسوطين).. وغير سعداء بمقدمي.. ظناً منهم بأني أسوأ خلف لخير سلف... وعبروا عن ذلك بانضباط شديد.. ورفضوا تجديد عقود خدمتهم.. فلم أكترث لذلك.. وواصلت العمل في أداء واجبي وتركت الملفات على مكتبي قرابة شهر.. ولما أقبلت عليها.. للبت فيها.. اكتشفت أن الرغبات قد عدلت جميعاً.. وكفى الله المؤمنين القتال... وصار رجال هذا القسم.. هم الأحب إلى نفسي .. أتسنط أخبارهم ويسألون عني .. حتى اليوم وقد غير الزمن ملامحنا ومواقعنا .. وعجز تماماً عن تغيير دواخلنا .
كنت كرئيس لقسم مرور الخرطوم بحري .. أقلب الملفات والمستندات.. واقرأ كل صغيرة وكبيرة.. للاستفادة من خبرات أحمد هارون .. والرجل مدرسة مرورية قائمة بذاتها.. وتوقفت عند خطابات عديدة كان يرسلها للرئاسة عندما كان في موقعي.. يطالب فيها بقرار.. يمنع مرور الشاحنات والبصات الكبيرة.. والعربات الثقيلة من قبيل المجروسات والقلابات.. من دخول كبري النيل الأزرق العتيق.. وتحويلها جميعاً لكبري القوات المسلحة.. بحيث.. يبقى النيل الأزرق خالصاً للسيارات والعربات الصغيرة.. ولكن طلبه كان يقابل بالرفض وعدم الموافقة... فسألت أحد صف الضباط الظرفاء... عن مغزى هذه الخطابات.. فقال.. جنابو أحمد كان على حق نسبة لتعدد الحوادث الشنيعة بسبب هذه العربات الكبيرة .. مر إتنين قلابات اتلاقوا.. واحد ماشي والتاني جاي.. صناديقهم شبكوا مع بعض.. الصناديق وقعوا في نص الكبري.. والقلابات طلعوا (ميطي) بدون صناديق.. والحركة وقفت في الكبري يومين... وفي مرة من المرات احتك بصان كبيران من قبيلة الفورد.. وكان أحد الركاب يطل برأسه.. فانقطعت وسقطت على الأسفلت.. وظلت تنطط زي الكورة.. وتكورك.. الله ينعل البصات.. والبركب باص تاني!!
المهم في الأمر.. فقد قمت بجمع خطابات المقدم أحمد (الكان بوديها) مضافاً إليها خطاباتي.. وأرسلتها لعنايته.. وكان وقته مديراً لإدارة المرور بالإنابة.. فاتصل بي على الفور.. وقال لي.. بكرة الساعة ستة صباحاً ترجاني في مدخل الكبري من جهة بحري.. ومعاك صنف من رجال المرور.. وعندما جئنا وجدناهـ هناك.. يصرف الحركة بنفسه... ويغير اتجاه.. كل العربات المعنية في اتجاه كبري القوات المسلحة.. وانسابت الحركة انسياباً ووجه رجال المرور.. أن يفعلوا كما فعل وعدت معه إلى المكتب حيث داهمنا جيش جرار من المعترضين.. أصحاب المصالح.. ورؤساء النقابات.. وحتى بعض قادة الجيش والشرطة.. الذين تقع وحداتهم على مقربة من كبري النيل الأزرق... فاستمع إليهم وقال لهم.. أنا معاكم.. لكين الرئيس النميري استدعاني في القصر وقال لي أعمل كده.. أقول لا.. قال الجميع.. طبعاً لا... وانصرفوا.. وانسابت الحركة.. بدون.. ثقالة العربات الثقيلة على كبري النيل الأزرق.. وحتى اليوم.. وسألته ذات يوم عن سر قرار النميري في هذا الشأن.. وما دفعه إليه.. فأشعل سيجارته التي لا تفارقه حتى الآن.. وقال.. يا حلبي إنت مجنون.. النميري فاضي للأمور دي... الكلام ده من رأسي أنا.. كضبة بيضا.. يعني!!
قلت له.. دي كضبة من العيار الثقيل وسيجعلها الله في ميزان حسناتك يا شيخ الحلب أجمعين!!
رابط