فاتيما ونهاية العلمانية
(1)
هبت فاتيما (كما ينطق اسمها زملاؤها و أهل البلد لا كما يناديها أهلها "فاطمة") فزعة منزعجة ، كانت أصوات الأجراس عالية بدرجة لا تحتمل فهذا أول يوم يُسمح فيه باستخدام مكبرات الصوت لنقل اصوات أجراس الكنائس ، امتلأ شارعهم بالكنائس في الآونة الأخيرة ، فقد حسبت فاتيما في سيرها ثلاث كنائيس من بداية التقاطع حيث تنزل من الحافلة حتى منزلها ، و كانت ابراج كنائس أخرى ـ لا تعرف عددها ـ تلوح أمامها بعد منزلها على امتداد الشارع . كانت قد تركت نافذة غرفتها مفتوحة لتهويتها في ذلك اليوم ذي الطقس المعتدل في بدايات الخريف . أغلقت النافذة بسرعة و هي تغمغم لاعنة شاتمة . كانت تحتاج لساعتين أو ثلاث صباح الأحد كما تعودت . سمعت امها شتائمها فجاءت منزعجة خائفة : " فاطمة يا حبيبتي ، أرجوك أن تحاسبي على ألفاظك ، فنحن لا نحتاج لمزيد من المنغصات ." لم يكن لفاتيما مزاج للرد على هواجس أمها . عندما اشتكت لأمها أنهم في أول يوم لفتح المدارس اضطرت لممارسة طقسا لا تحبه و هو تقبيل الصليب الضخم الذي وضعوه في مدخل مدرستها ، استفسرت امها و عرفت أن الحارس كان يقف قرب الصليب حيث يمر التلاميذ و يقبلون الصليب و الحارس يتمتم مباركا لهم ، ثم قالت لها (قبّليه يا فاطمة و إياك أن ترتكبي حماقة) ، شعرت فاتيما بالغيظ و القهر . كان عليها أن تحضر دروسها . بدأت بالتاريخ ، كان الدرس عن الحروب الصليبية . قرأت : (طغى المحمديون و تجبروا و غزوا أوربا من أطرافها فاحتلوا القسطنطينية و اسبانيا و وصلوا حتى حدود فرنسا ، و في الشرق داست خيولهم أرض القدس و منعوا الحجاج المسيحيين من الحج ، هب حماة المسيحية البررة لإيقافهم عند حدهم ...) ، شعرت بالغيظ فأغلقت الكتاب . فتحت مذكرتها لتجد أن عليها واجب في التربية الوطنية و هوكتابة مقالة عن (واجب المواطن في المشاركة لإزالة رجس الوثنية و الأفكار الضالة) . لديها خيارات للكتابة عن واحدة من تلك الأفكار الضالة و كيفية إزالتها . كانت تدرك ان عليها ان تكتب حسب وجهة نظر المعلمة و لو كتبت حسب وجهة نظرها فستنال صفرا كبيرا . أغلقت المذكرة لتفتح كتاب التربية المسيحية . دخلت امها الغرفة حاملة الفطور فرأت الكتاب ، وضعت الفطور و تنهدت : " على زمننا لم يكن مسموحا حتى تدريس الدين في المدارس الحكومية كمدرستك ، هاهم اليوم يقولون إن ذلك كان انحيازا ضد الأديان."
سألتها فاتيما : " متى كان ذلك ؟"
ـ منذ عشرين عاما ، تحديدا قبل عام 2050 عندما اكتسح حزب (الأخوان المسيحيون) الانتخابات بنسبة 80% بعد معارك ضارية استمرت ثلاثين سنة تم فيها تمويل بناء مئات الآلاف من الكنائس و طباعة و نشر الملايين من كتب شرح العقيدة و ملايين الفيديوهات و التسجيلات .
انتهت فاتيما من تحضير دروسها و تمتمت بالجملة الأخيرة (جاء المسيح المخلص لإزالة الأرجاس من الأرض ، عدم قبولك به مخلصا يعني خلودك في الجحيم حيث الغائط المغلي و الصديد و الديدان) ... تساءلت في سرها "كيف تعيش الديدان في الجحيم؟" كانت تدرك انه لو سمعها أحد سيحدث لها ما لا يُحمد عقباه .... تابع
|