عادل عسوم يكتب: يابَلَدِي يا حُبّي
https://www.sudaninet.net/19169
لا أدري أهو الاستصحاب للأمكنة والأزمنة؟ أم هو الاعتياد على موسقة ولحن بعينه!،فالمعلوم يقينا أن السمع يعد أكثر الحواس أرتباطا بمستودع الذاكرة، والمرء دوما أسير مايسمع من أصوات وموسيقى في باكر حياته، وقد يصل الأمر إلى التأثير على ملكة التقييم والترجيح لديه، والناس بطبعهم أبناء بيئتهم وأسيرو سمعهم وبصرهم، والوجدان هو جماع المنداح من تداعيات الصور والأصوات والمواقف الحياتية؛ أم أن الأمر ابداعٌ مخبوء في أناشيد هذا -الثنائي الوطني- (محمد حميدة ويوسف السماني)؟! لعمري إنه إبداع يفعل بالنفس الكثيييير!
...
كم اطرب لانشودتهما (الحب الكبير)/يابلدي ياحبي، وكم ترتاح نفسي بين يدي ماتعتهما (داير اشوفك يابلادي)، وكم يتسارع نبض قلبي عندما استمع ل(أمة الأمجاد)، وكم تتسامى روحي في الفضاءات عندما تطرق سمعي (باري الشمس ياغمامة)!
يااااااه
كم لهما من ماتعات يا أحباب...
والحق يقال أنهما يستحقان الإسم الفني، ولاغرو أن حُبَّ الوطن قيمة لاتكاد تعلوها قيمة الاّ قيمة العقيدة ومُسَلَّمات دين الاسلام، وقمنٌ بنا أن نعلي من شأن هذه القيمة الوضيئة...
خلال احدى اجازاتي، أنبأني ابن أختي بأنهم -في كسلا- رصدوا أراضٍ للسكني بالنسبة للمغتربين من أهل كسلا ممن يتحقق فيهم شرطان:
1- أن يكون من موليد كسلا.
2- أن يكون حاصلا في جواز سفره اقامة سارية المفعول في دولة من دول الاغتراب.
فما كان مني الاّ الذهاب مع الذاهبين إلى حيث يقبع مبنى الأراضي في كسلا، فحصلت على قطعة أرض سكنية في مدينة التاكا الجديدة، وهذه كانت أول قطعة أرض أحصل عليها مباشرة من الدولة من خلال خطة اسكانية، صدقوني لقد تملكني احساسٌ عجيب عندما تسلمت العقد المبرم بيني وبين حكومة السودان، عقد تشهد فيه الحكومة بأنني مُلّكتُ قطعة الأرض تلك على سبيل الحكر، كم كان هذا الاحساس جميلا ومدهشا ياأحباب!. هذا العقد يقول بأنني (مواطن سوداني) لي نصيب في أرض هذا السودان، تماما مثل بعانخي، وتهرقا/ترهاقا، واسماعيل الأزهري، ومحمدأحمد المحجوب، وكذلك بروفيسر عبدالله الطيب...
وذهبت مع المساح ليسلمني قطعة الأرض،
فشَدّ الرجل أوتاده على مستطيل من الأرض،
وبعيد فراغه من المسح طلب مني التوقيع على ورقة ففعلت، وسلمني نسخة منها كي أضمها إلى ملف قطعة الأرض الذي أحمله معي، ثم استقل سيارته وذهب، ولعله ليفعل ذات الأمر لآخرين ينتظرونه في مكان ما بالجوار...
وقفت بُعيد ذهاب الرجل في وسط قطعة الأرض، وانحنيت واخذت شيئا من ترابها...
نظرت إلى قبضة التراب وقلت أخاطب نفسي:
ياترى من مشى على هذه المساحة من الأرض من قبل من الأجداد؟!
أيكون عثمان دقنة قد ضرب خيمته يوما عليها؟!
اتكون تاجوج مشت على حصاها يوما؟!
ايكون المحلق ربط فرسه يوما عليها؟!
لكأني بالصحراء من حولي ضحكت وقالت لست أدري...
...
قبل أعوام كنت أعكف على خارطة هندسية توطئة لبناء بيتي الكائن في العاصمة، فجاءني زميل عمل فلسطيني ووقف بجانبي في مكتبي وأشار بسبابته إلى بعض النقاط في الخارطة مبينا لي وجهة نظر أخرى، وبالفعل وجدته محقا في ذلك، فشكرته وعاد إدراجه لمكتبه، ثم عنّت لي خاطرة في ذات الخارطة وددت استشارته فيها، فناديت عليه مرارا ولم يجبني، فما كان مني الاّ أن ذهبت إليه في مكتبه لافاجأ باسناده رأسه بكفيه واذا بعينيه مغرورقتان بالدموع!
سألته:
-ألم تسمعني أنادي عليك؟!
فكان رده:
-آسف والله لم أسمعك...
فسألته عن مرادي، فقال:
- اسمح لي بالرد على سؤالك بسؤال؟
-لا مانع في ذلك يا باشمهندس سعيد.
-هل يا أخي عادل صليت يوما ركعتين لله تشكره فيهن بكونك لديك وطن تستطيع أن تمتلك فيه قطعة ارض لتشرع في بنائها؟
الحق أقول ان سؤاله فاجأني ...
فقلت مجيبا:
-لا والله لم أفعل...
-اذن عليك أن تصلي ركعتين وتشكر الله على ذلك، فوالله إن قيمة الوطن كبيرة وعظيمة!
خرجت من عنده واحساس بالعقوق يتملكني.
لقد صدق زميلي سعيد...
وفي المساء، ومن خلال نشرات أخبار الفضائيات؛ شاهدت جرافة صهيونية تهدم بيتا لأسرة فلسطينية بين يدي عويل النساء وبكاء الرجال!...
وكم تبين لي ذات الحال في العديد من دول العالم، عربيها وأفريقيها وغيرها، فالبيت الذي لا تهدمه جرافات الصهاينة تهدمه الحرب التي لاتبقي ولاتذر، وحينها لا يختلف البيت المملوك عن بيت الايجار...
...
اللهم لك الحمد والشكر عدد خلقك وزنة عرشك ومداد كلماتك ورضى نفسك، يارحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما ان جعلت لي وطن إسمه السودان، اللهم احفظه من كل سوء، وابرم له أمر رشد تعز به فيه أهل الطاعة، واطعهم يا رحمن يارحيم من جوع وآمنهم من خوف، انك ياربي ولي ذلك والقادر عليه.
قولوا آمين.
[email protected]