منديل حرير !!! النور يوسف

قيامة دولة المتحولون الانسانية !!! أسعد

خِلِّي العيش حرام - عبر الأجيال !!! أشرف السر

آخر 5 مواضيع
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > منتـــــــــدى الحـــــوار

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 25-06-2021, 09:50 PM   #[1]
imported_أبو جعفر
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_أبو جعفر
 
افتراضي الزراعة الكنز الباقي ... ﺳﺄﻟﺘﻚ ﺑﺎﻟﺬﻱ ﺭﻛﺰ ﺍﻷﺭﺽ ﻣﻌﺒﺪ


(((1)))

تمهيد:

في مسيرة الإنسان القاصدة للكمال، وعلى مرأى من السنين المتلاحقة، وحكاوي قصص كفاح خاضها الجد المهاجر من الشمالية إلى النيل الأبيض ... تولدت في الممر العابر بين الاستقرار والمغامرة، حياة مجدولة من الحرير والفولاذ، وهدفها وعنوانها تحقيق حلم والد طوته ظلمة القبر، وبقيت وصيته تدوي في تفاصيل حياة أبنه البكر، وتنير طريق أحفاده وتؤمن لهم العيش برضى وراحة بال يفتقدها حتى أشد الأغنياء غنى ومالاً.

حياة شهدت المنافع الآنية للاستعمار وانفجار الألغام السياسية التي غرسها لتنفجر بعد خروجه. حياة يتدثر صاحبها بالاستقرار حيناً ثم يقوم بقفزة في الهواء لتغير مساره إلى الأفضل.

وتغيير المسار إلى الأفضل هو الذي دفعني إلى كتابة هذه المذكرات وذلك حتى تكون دافعاً لأجيال في رحم الغيب عسى ولعل أن تكون لها نفس الروح المسكونة بالحكمة والإصرار، والتي من وسط الاستقرار تفكر في التحول نحو الأفضل.

وصدق الشاعر القدال حين قال:
ﺳﺄﻟﺘﻚ ﺑﺎﻟﺬﻱ ﺭﻛﺰ ﺍﻷﺭﺽ ﻣﻌﺒﺪ
ﻭﺳﻮﻯ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻣﻘﺎﻡ






التوقيع:
أحشفاً وسوء كيلة
imported_أبو جعفر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 25-06-2021, 10:35 PM   #[2]
imported_أبو جعفر
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_أبو جعفر
 
افتراضي



(((2)))

وكذلك مما دفعني للكتابة محاولة لتدوين تاريخ الاستثمار الزراعي في عهد الإدارة البريطانية في السودان. والشراكات الذكية التي جنبت المزارع محن الإعسار ووفرت للوطن مستثمر قادر على تطوير المهنة. مستثمر هو في حقيقته ثروة قومية.

وكذلك تاريخ الحرب الشعواء ضد هذه الشراكة الذكية، والتي أثارها أصحاب النفوس المريضة التي تفضل أن:

1- يأكل الزحف الصحراوي التروس العليا.
2- تهلك الملوحة الأرض.
3- يذهب التجديد للمخزون المائي هدراً.
5- ضياع أربعة مليارات متر مكعب من الماء تذهب لمصر سنوياً.
6- لا يستفيد السودان من توطين الميكنة الزراعية والتقانات الوسيطة.
7- ضياع الشراكات الذكية بين المزارع (صاحب الأرض) البسيط والمستثمر المسئول عن كل مدخلات الإنتاج والتي أسسها الأنجليز منذ 1930م ونجحت نجاحاً باهراً وضربتها الحكومة الشيوعية في مايو بما يسمى زوراً بالإصلاح الزراعي وهو الخراب الزراعي لأن المزارع البسيط اليوم أصبح في مواجهة البنك وإما الدفع أو الحبس (السجن).

ومن هنا جاءت هذه الحكاية الحقيقية التي أهديها لإخوة وأخوان طابت بهم حياتي في هذا المنتدى الشيء الذي شجعني على كتابتها.







التوقيع:
أحشفاً وسوء كيلة
imported_أبو جعفر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 26-06-2021, 04:05 PM   #[3]
imported_أبو جعفر
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_أبو جعفر
 
افتراضي


(((3)))

الشيخ محمد:

ولد الشيخ محمد في قرية المنجرة بشرق النيل الأبيض في عهد الدولة المهدية عام (1312هـ - 1894م). ثم استقر به المقام مع والده ووالدته في قرية في الضفة الشرقية للنيل الأبيض ومن ذكرياته مرور الوابورات مقابل قريته لملاحقة قوات الخليفة عبد الله المنسحبة جنوباً ومن ثم غرباً.

ولقب (الشيخ) هو لقب أطلقه عليه مفتش الزراعة البريطاني بسبب ريادته الزراعية كما هو مدون في رخصة مشروعه الزراعي وليس صفة دينية. علماً بأنه ظل وفياً للزراعة المروية (بحراً وآبار جوفية) إلى وفاته في 8 يونيو 1986م.

وكان الشيخ محمد من أوائل الذين التحقوا بالتعليم النظامي في عهد الإدارة البريطانية في السودان، حيث درس المرحلة الأولية في كل من الدويم ومركز القطينة. وتم اختياره ليلتحق بالحربية ولكن والده رفض انضمامه إلى القوات التي حاربها أبوه وأجداده في المهدية. حيث ضمه مع أخيه لزراعة أرضه بغرب النيل الأبيض.

وبعد أن كبر أبوه على الزراعة سافر إلى خاله في جبال النوبة أثناء ثورة فكي علي الميراوي (1914م - 1927م) حيث عمل في التجارة مع خاله.

وكان (فكي علي الميراوي) شديد الاحترام للجلابة فهم من كان يمده بالمؤن والسلاح في حربه المشروعة. وكانت عودة الشيخ محمد في رحلته الختامية من الجبال إلى كادوقلي بحراسة مكونة من عشرة من أبناء (فكي علي) رغم خطورة ذلك فقد كانت الثورة على أشدها ومن يقبض عليه مسلحاً يواجه حكماً بالإعدام.







التوقيع:
أحشفاً وسوء كيلة
imported_أبو جعفر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 27-06-2021, 06:00 PM   #[4]
imported_أبو جعفر
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_أبو جعفر
 
افتراضي



(((4)))

وبعد أن عاد الشيخ محمد إلى قريته، أخذه والده إلى الدويم حيث قدم له إلى وظيفة في الحكومة، وتم تعيينه استناداً على دراسته السابقة كاتباً في المركز بمرتب ثلاث جنيهات. وهو مبلغ كبير إن قدرنا أن سعر الشاحنة (اللوري) الجديدة وقتها كان مأتي جنيه.

وتتابعت الأيام وتزوج الشيخ محمد ابنة مهندس المساحة في المركز، وهي قريبته من جهة والدها ووالدتها. وعاش في الدويم فترة، ثم نقل إلى كوستي حيث كان يقسم مرتبه إلى ثلاثة أجزاء ... جنيه لوالده، وجنيه لزوجته وأبنه البكر في الدويم، وجنيه يحتفظ به لمقابلة مصاريف معيشته.

وكانت أقوى ذكرياته في عمله في كوستي مأمورية لمكافحة الجراد تبين مدى التشويه الذي يصيب المواطنة في البلاد التي ترزح تحت الاستعمار المحلي أو الأجنبي لفترات طويلة. فقد جاءه تكليف بقيادة حملة مكونة من بلوك من البوليس بقيادة رقيب، وتيم من عمال السموم لقتل الجراد في طور العتاب أي قبل أن يتمكن من الطيران.

وعند وصول الحملة إلى كوستي قابلها الشيخ محمد وأستأذنه الرقيب بأن يقضوا ليلتهم في كوستي للراحة لأنهم منذ تحركهم لم ينالوا أي قسط وافي من الراحة، فرفض الشيخ محمد وأمرهم بالمغادرة فوراً على أن ينالوا راحتهم عند أول محطة ينزلون بها، ووضح لهم بأنه يعلم طبع المفتشين الإنجليز في المتابعة المستمرة لمنسوبيهم، هذا بالإضافة للتحذير الشديد من المفتش بأهمية تلك الحملة، فلو تطور الجراد من مرحلة وجوده في الأرض وطار فسوف تصعب مكافحته.

وصدق حدس الشيخ محمد فقد أتى المفتش الإنجليزي ورائهم مباشرة فوجدهم غادروا إلى مهمتهم. وعند وصولهم إلى المنطقة المستهدفة سألوا أهل القرية عن أماكن وجود الجراد ولكن أهل القرية نفوا وجود أي جراد في منطقتهم، ولم يصدقهم الشيخ محمد لأنه يعلم دقة الماكينة الإخبارية للإدارة البريطانية في ذلك الوقت. وأمر كل من بالحملة بالبحث في الاتجاهات الأربعة وفعلا ما لبث أن صاح أحدهم: العتاب العتاب وهو طور الجراد قبل أن يطير.

وهنا وبخ الشيخ محمد من أخبره بعدم وجود الجراد وقال له بأن عليه مسئولية دينية ووطنية عن الأضرار التي كانت ستسببها هذه الآفة إن وصلت مرحلة الطيران. وأستمر الشيخ محمد يعظ في الجماعة ويكرر لهم ما ذكره له مفتش المركز عن مدى خطورة الجراد، وأخبر الجميع أن يجتمعوا صباحاً بحسب الكشف الذي سيزوده به شيخ الحلة لبدء العمل بعد صلاة الفجر مباشرة.








التوقيع:
أحشفاً وسوء كيلة
imported_أبو جعفر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-06-2021, 06:46 AM   #[5]
imported_أبو جعفر
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_أبو جعفر
 
افتراضي



(((5)))

وعندما عادوا لمخيمهم أخبره رقيب البوليس بأنه يضيع في زمنه في نصائح لا تجدي نفعاً، فهؤلاء الناس الدين عندهم لا يتعدى الطقوس الشكلية، وإنهم يخافون السلطة أكثر من قيم الدين الحقيقية والتي تقول حب لأخيك ما تحب لنفسك.

ثم أتفق معه على أن لا يتدخل في الصباح إن اشتبك معهم فهو معتاد على طريقة تسيير هذه الحملات. وفعلاً بدأ العمل مبكراً وذلك بحفر مجاري طولية، وجمع الجراد بواسطة المكانس نحو هذه المجاري، ومن ثم رش السم عليه ودفن المجرى مرة أخرى.

وعند الساعة الثانية عشرة رمى أحدهم المكنسة رافضاً العمل وكأنما كان رقيب البوليس ينتظر هذا التصرف إذ هجم هو واثنين من رجاله على الرجل وتم رميه في الأرض ومن ثم تقييده وأخذه إلى المعسكر مقبوضاً عليه، وقد تم هذا بينما وجهت بقية القوة السلاح نحو بقية العاملين.

ولم يتم إطلاق سراح الرجل إلا بعد أن دفع أهله غرامة ثلاثة جنيهات وهو مبلغ كبير. وتم توريده إلى سلطة الإدارة الأهلية في المنطقة، مما جعل الشيخ محمد ينتقد هذه الإدارة (الإدارة الأهلية) في جانب عدم توعية مواطنيها بمخاطر الآفات الزراعية ومدى خطرها على كامل البلاد. وبكل أسف تطور الوضع بالنسبة للإدارة الأهلية نحو الأسوأ بعد الاستقلال فقد قام العهد المايوي بإلغاء الإدارة الأهلية واقتلاعها من الأساس بدلاً من تطويرها، مما تسبب في فوضى النهب المسلح والتمرد المسلح بعدها (في جريمة سياسية بامتياز).







التوقيع:
أحشفاً وسوء كيلة
imported_أبو جعفر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 29-06-2021, 04:50 AM   #[6]
imported_أبو جعفر
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_أبو جعفر
 
افتراضي



(((6)))

ثم في منتصف المأمورية حضر رجل كبير وأقترح عليهم أطلاق دخان بصورة كثيفة حتى يرتفع عالياً فتراه الطيور فتحضر وتساهم في مكافحة العتاب فهو من الوجبات المفضلة للطيور.

وكانت الخطة هي أطلاق الدخان يوم الخميس صباحاً حتى يجتذب الطيور ثم انتظار تلك الطيور في الغد لتحضر بصورة أكبر بسبب انتشار الخبر بينها. وفعلاً أوقف الشيخ محمد العمل يوم الخميس عدا عن إطلاق الدخان عبر تجميع وإحراق كمية من حطب أشجار الطندب (الحنبق) المتوفرة بكثرة في المنطقة.

وفعلاً عند الظهر وصلت بعض الطيور وبدأت تأكل في العتاب الذي يعتبر أضعف أطوار الجراد. وطبقاً لنظرية الرجل العجوز زادت أعداد وأنواع الطيور في يوم الجمعة مما شجع الشيخ محمد على الانتظار إلى يوم السبت حيث نجح رجال البوليس في إفراغ المنطقة من الأهالي حتى لا تفزع الطيور والتي زاد عددها يوم بعد يوم إلى أن قرر خبير الجراد المتابع للحملة زوال الخطر نهائياً وعادت الحملة إلى كوستي لتقدم تقريرها.

المستفاد من هذه القصة هو تأثير الاستبعاد الطويل للمواطن وحرمانه من المشاركة في هموم إدارة بلده، فقد أثرت العهود الدكتاتورية والاستعمارية من سلطنة زرقاء، وتركية، ومهدية، وإدارة بريطانية في الشخصية السودانية، وكيف وصل هذا التأثير إلى درجة تقاعس أهل منطقة زراعية عن مكافحة آفة تمس مباشرة رزقهم وأكل عيشهم. وكيف حرمت وتحرم الحكومات الاستعمارية المواطن من الحس الوطني.

هذا إذا أضفنا تغييب القيم الدينية التي تأمر وبصورة مباشرة بطلب الهداية للصراط المستقيم وفي سورة الصلاة الأساسية والتي يرددها المسلم سبعة عشر مرة دون أن يدري بأن الصراط المستقيم ليس كبري فوق جهنم، وإنما هو عشر وصايا وردت في الآيات 151 إلى 153 من سورة الأنعام وتأمر بالصدق والعدل في القول والعمل، والوزن بالقسطاس المستقيم، والوفاء بعهد الله ليقوم الناس بالقسط وقيام الناس بالقسط يعني بالنماء والصلاح هو مقصد كل الرسالات من نوح وإلى محمد عليهم الصلاة والسلام.







التوقيع:
أحشفاً وسوء كيلة
imported_أبو جعفر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 30-06-2021, 05:59 PM   #[7]
imported_أبو جعفر
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_أبو جعفر
 
افتراضي



(((7)))

هذا وفي أثناء عمل الشيخ محمد بكوستي وطد علاقته بالسيد عبد الرحمن بالجزيرة أبا وفقاً لمعتقدات والده وجده. حيث بايع الأخير المهدي في الأبيض عام 1882م. الشيء الذي أفاده في المستقبل حين أرتبط عمله مع دائرة المهدي الزراعية.

وفي مرة طلبهم السيد عبد الرحمن لحضور احتفال ديني وحضر كم كبير من الموظفين مع الشيخ محمد وكان من المقرر توصيلهم إلى كوستي حتى يلحقوا بعملهم. ولكن العربات لم توفر لهم.

فقابل الشيخ محمد السيد عبد الرحمن أخبره بأن هؤلاء الخواجات راصدين علاقتهم به وينتظرون خطأً منهم بسبب هذه العلاقة. فما كان من السيد عبد الرحمن إلا وأن أمر بصرامة بتوصيلهم إلى الضفة الأخرى حيث تتوفر المواصلات إلى كوستي.








التوقيع:
أحشفاً وسوء كيلة
imported_أبو جعفر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-07-2021, 05:55 PM   #[8]
imported_أبو جعفر
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_أبو جعفر
 
افتراضي



(((8)))

ومرت الأيام بالشيخ محمد في كوستي، ويوماً وصله تلغراف من والد زوجته يخبره بأن والده يرقد في مستشفى الدويم فطلب إجازة عرضية حتى يسافر إليه، فأخبره مفتش المركز بأن الأجازة العرضية هي للوفاة وليس المرض. فقال له الشيخ محمد: ما فائدة الذهاب بعد الموت والرجل عنده أبناء قصر، وهو يريد أن يسمع وصيته بخصوصهم.

فاقتنع مفتش المركز وأعطاه أجازة لمدة أسبوع على أن يتنازل عن العطلة في حالة الوفاة، فوافق الشيخ محمد أحمد وسافر إلى الدويم وجلس مع والده طوال الأسبوع يستمع إلى وصيته المتكررة: (أترك العمل في الحكومة ... كنزي في أرضي بغرب النيل الأبيض جنوب الدويم. وإن رغب إخوانك في بيع أنصبتهم أشتريها منهم. وأجمعهم فيها).

وعندما حاول الشيخ محمد مراجعة والده حول تلك الوصية مذكراً له بمدى الاستقرار المالي والاجتماعي في العمل الحكومي. واجهه بحزم قائلاً: ".. أنا أحدثك من الآخرة، وإن اتقيت الله سيرزقك ويجعل لك مخرجاً."

وكانت الأرض المعنية عبارة عن ترس مساحته خمسين فدان، وكان يسقى بالمطر رغم قربه من النيل فالمنطقة لم تعرف السواقي في ماضيها. وفي اليوم الأخير من عطلته طلب والده العودة إلى قريته في الضفة الشرقية للنيل الأبيض.

وقام والد زوجة الشيخ محمد باستئجار مركب وطلب من ريسه أن يجدف بطقمي بحارة طوال الليل حتى يصل عمه مع الفجر إلى قريته بشرق النيل الأبيض، لأن عمه مريض ولا يتحمل السفرية العادية بالنهار. ودفع جنيه كامل مقابل هذه الرحلة الخاصة.

ثم قام الشيخ محمد بإعطاء والده مرتبه الشهري والسلفية التي صدقها له مفتش المركز لمقابلة تكاليف العزاء إن حدث أمر الله، وكان المبلغ الكلي سبعة جنيهات. وتوفي والد الشيخ محمد عليه رحمة الله ... وأقام له الشيخ محمد عزاء في كوستي حيث أخذ عطلة الوفاة مقدماً.







التوقيع:
أحشفاً وسوء كيلة
imported_أبو جعفر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 02-07-2021, 07:22 AM   #[9]
imported_أبو جعفر
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_أبو جعفر
 
افتراضي


(((9)))

بعدها عاد الشيخ محمد للعمل بالدويم حتى يكون بالقرب من إخوانه القصر فقد سافر شقيقه للعمل كسائق لوري في الأبيض. وفي يوم قدم طلباً لمنحه ترخيصاً لزراعة أرض والده بالري المنتظم بالطلمبات تنفيذاً لوصية والده.

وطلب منه الموظف وكان زميله في مركز الدويم مبلغ خمسة قروش رسوم استخراج الرخصة. فقال له الشيخ محمد ليست معي، فتدخل مهندس المساحة وعرض أن يدفعها بدلاً عنه، فقال الموظف تدفعها عشان نسيبك والله مافي زول يدفعها غيري.

وفي عطلته سافر الشيخ محمد لأخيه في الأبيض ولكنه لم يستقر في الأبيض حيث سافر مع أخيه إلى الفاشر حيث كانت اللواري السفرية هي وسيلة التنقل الوحيدة في تلك المناطق.


وكانت اللواري لها طعمٌ خاص، حيث كان السائقين كما كباتن الطائرات اليوم، والحياة كانت مُترعةً بالتفاصيل الصغيرة، والآمال والأُمنيات، فكانت الشاحنات تُسافر وترحلُ كالشُعاع، وتتناغم النفوس مع هديرها وأنينها وهي تُوغلُ في الليل ويوغلُ الليل فيها، ويرصُدُها السحاب ويسهرُ معها القمر ويغني:

شــــق القـــوز فجه ودفـــر لا مساعد جرى لا حفر
اســـــــتراح في ضُل الشدر وتم موية وتانى هاجـر
شـــــــــوفو كيف اتجلى وأزهــر لما نور الفاشر ظهر



وفي تلك السفرية طلب منه شقيقه بأن يرصد حسابات السفرية المكونة من عائد الركاب زائد البضاعة بعد خصم المنصرفات. فوجد الشيخ محمد فرقاً شاسعاً بين ما يتقاضاه كموظف في الحكومة، ودخل العمل في الترحيل، وشعر بأن هذا أفضل مدخل لتنفيذ وصية والده وزراعة أرضه بالري الدائم بالطلمبات.








التوقيع:
أحشفاً وسوء كيلة
imported_أبو جعفر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-07-2021, 05:06 PM   #[10]
imported_أبو جعفر
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_أبو جعفر
 
افتراضي



(((10)))

وبعد عودتهم من تلك السفرية تدارس مع أخيه فكرة أن يقوموا بشراء لوري يكون نواة لزراعة أرض والدهم. وكان ثمن اللوري وقتها 200 جنيه يدفع منها 40 جنيها مقدماً والباقي على أقساط شهرية، ومن هنا كان نصيب كل منهم 20 جنيها وكانت متوفرة عند الإثنين، وشقيقه لم يكن متزوجاً ... ومثل نسيبه مهندس المساحة نقطة أمان في حالة أي فشل للمشروع فزوجة الشيخ محمد كانت تسكن معه في الدويم.

وعاد الشيخ محمد من عطلته تلك وفي الحال قدم استقالته من الحكومة والتي قبلت بعد رفض شديد من مفتش المركز فقد امتدت خدمة الشيخ محمد في الحكومة 12 عاماً واكتسب الكثير من الخبرات خلالها. ولم يضيع الشيخ محمد الوقت بعد قبول استقالته، حيث سافر إلى الخرطوم مع أخيه واستلما لوري جديد وعادا به إلى الدويم.

وفي نفس يوم عودته إلى الدويم بصحبة الشاحنة زاره مفتش المركز في منزل مهندس المساحة، وذكر له بأنه الآن أطمئن على مستقبله، ونصحه بعدم الانخراط في عالم السائقين لأنه موهوب ويستحق مستقبل أفضل.

وكانت أول سفرية لهم إلى مناطق زراعة القطن المطري بجبال النوبة حيث عاش الشيخ محمد فترة من حياته الأولى وكان له أقارب فيها. فاللوري كان ينقصه صندوق حديدي، ولساتك من مقاس مرتفع حتى يصلح للسفريات البعيدة.

وأستقبله أهله في تلك المنطقة وسهلوا له عدة اتفاقيات لنقل القطن من مناطق الإنتاج إلى منطقة التجميع والتسليم. وفعلاً نجحوا في جمع المبلغ اللازم للصندوق وتغيير اللساتك مع فائض مريح، فقد عمل أخوه ليل نهار في تلك المهمة، فهناك قسط الشاحنة وهي المرة الأولي التي يكون فيها مسئولاً عن نجاح مسيرته وأخيه في عالم الترحيل. كما وأن هناك أسرتين تعتمدان عليهما وهما أسرة أخيه وأسرة والدهم الممتدة.







التوقيع:
أحشفاً وسوء كيلة
imported_أبو جعفر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04-07-2021, 08:35 AM   #[11]
imported_أبو جعفر
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_أبو جعفر
 
افتراضي


(((11)))

وقرب عيد الأضحى عاد الأخوين إلى الأبيض موفقين حيث قاموا بعمل صندوق حديدي للشاحنة بدلاً من الطبلية الخشبية، وكذلك قاموا بتغيير اللساتك إلى مقاس أكبر وكانت التكلفة عشرون جنيها. وقام الشيخ محمد بتسديد مبلغ الصندوق دفعة واحدة، وعندما حاول أخوه تأخير جزء من المبلغ لأن من الممكن الاتفاق على تسديده على دفعات، وهنا ذكره الشيخ محمد بنصيحة والدهما بأن تقوى الله والإحسان في المعاملة هما المخرج وسبب الرزق، فلماذا التأخير للحقوق طالما توفرت. ومن هناك عادا إلى الدويم لقضاء عطلة العيد.

ومن الطرائف التي يحكيها الشيخ محمد في تلك السفرية، هي ذهابه بعد وصولهم للدويم إلى بائع الأضاحي يوم الوقفة لشراء أضحية، فقال له البائع وكان صديقه: ".. جايني يوم التاسوعة أنت مفروض تجي قبل خمسة يوم نشوف ليك عربي نقنعه بي تلاتين قرشك الما بتزيد عيد بعد عيد".

فسأله الشيخ محمد عن أربعة خرفان مربوطة بالجنب فقال له: أبعد دمك ديل واحد للقاضي الشرعي والثاني للتاجر كريم الدين والثالث لنائب المأمور. فسأله عن سعرهم فقال له ديل الواحد بجنيه كامل ما ينقص قرش، أبعد دمك.

فقام الشيخ محمد بإخراج رزمة من الجنيهات وقال له خذ حقك ورجع الباقي، فخطفها التاجر وجرى بها داخل الزريبة وهو يصيح في الحاضرين يا خمالة القاعدين ليها شنو أمشوا الغرب شوفوا الرجال بانت كيف.

ثم عاد وأعاد إليه المبلغ بعد أن خصم منه الجنيه ثمن الخروف وأعطاه الشيخ محمد عشرة قروش لشخص يقوم بتوصيل الخروف وعملية الذبح في الغد ... فقال له التاجر "سوف أوصله وأذبحه بيدي لأنك مثال لأهل البلد. يا أولاد أمشو الغرب".








التوقيع:
أحشفاً وسوء كيلة
imported_أبو جعفر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-07-2021, 04:59 PM   #[12]
imported_أبو جعفر
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_أبو جعفر
 
افتراضي


(((12)))

بعد تلك العطلة بدأت مسيرة كفاح مضنية خاضها الأخوين لتنفيذ وصية والدهم، ثم أنضم إليهم أخيهم الصغير في مهنة ميكانيكي، عليهم رحمة الله جميعاً. فقد تشعبت مسيرتهم وامتدت رحلاتهم إلى تشاد. وكانت لهم وقفات ومواقف عديدة في كل من الأبيض والفاشر ونيالا والجنينة. وأبشي وفورت لامي (انجمينا حالياً).

وسبحان الله التزم الشيخ محمد التزاماً صارماً بنصيحة مفتش مركز الدويم فلم يقم بقيادة عربة (صغيرة أو كبيرة) طيلة حياته رغم امتلاكه لعشرات الشاحنات والعربات الصغيرة، فقد تقلبت حياته العملية بين الترحيل والزراعة إلى وفاته عليه رحمة الله في 1986م.

وكذلك التزم بتقاليد وطعام المزارعين وعدم الاعتماد على المعلبات التي كانت تمثل المكون الرئيسي لطعام السائقين وقتها، فمنذ سفريته الأولى قام بتعيين مساعد (حلة) لعمل العصيدة والتي أخذ معه كامل موادها من الدويم.

وكانت حياة العاملين في الترحيل وقتها تمثل حياة المغامرين بكل تفاصيلها من مكاسب عالية ولكنها غير ثابتة، ومواقف وأحداث وشخصيات متجددة في كل سفرية والأخرى. الشيء الذي أختزن في ذاكرة الشيخ محمد بقوة الفولاذ وزاده إصراراً على مغادرة هذا العالم إلى عالم الزراعة المستقر (أحداثاً وشخوصاً) بأي ثمن.






التوقيع:
أحشفاً وسوء كيلة
imported_أبو جعفر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 06-07-2021, 08:00 AM   #[13]
imported_أبو جعفر
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_أبو جعفر
 
افتراضي


(((14)))

وتنوعت الأحداث والنجاحات التي صادفت الشيخ محمد في تلك الفترة فتم تسديد أقساط الشاحنة الأولى وشراء شاحنة أخرى قاد أخيه الأولى وتولى هو مع سائق إدارة الشاحنة الثانية.

ومن ضمن الأحداث التي تحمل طابع النصيحة في جبر الخواطر هي حكاية لأحد أثرياء الترحيل وقد قلب له الزمن (ظهر المجن) فمن عشرات الشاحنات بقيت له شاحنة واحدة يقودها ولده واحتاجت إلى لستك وهي خارج الأبيض.

وحضر الرجل إلى تاجر اللساتك وطلب لستك سلفية إلى حين حضور الشاحنة، ولكن التاجر رفض أن يسلفه اللستك ... وكان الشيخ محمد لحظتها جالساً مع التاجر، فقام بعد أن خرج الرجل بشراء اللستك وأخذه مع عامل إلى الرجل الذي وجده نائماً على برش ومغطياً وجهه بكامل يده، وصحا حين ألقى العامل اللستك على الأرض فقام الشيخ محمد بتطيب خاطر الرجل وأخذ معه اللستك إلى أن وجدا شاحنة توصله إلى الشاحنة المعطلة.

ثم مرت الآيام وعاد الأخوين لتعمير أرض والدهم، ولم يتحمل الأخ الصغير فترة الشدة بسبب تغيير العمل من الترحيل إلى الزراعة، فعاد إلى الأبيض يبحث عن عمل كسائق فوجد هذا الرجل وقد اغتنى مرة أخرى وصارت عنده عشر شاحنات فقام من فوره بتسليمه شاحنة وأخبره بأن يسدد ثمنها على أربعة أقساط وكلما سدد ثمن قسط صار شريكاً بنسبة ملكيته فيها أي بالربع ثم النصف إلى أن يسدد ثمنها وتصبح ملكا له رداً لجميل ذلك اللستك.









التوقيع:
أحشفاً وسوء كيلة
imported_أبو جعفر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-07-2021, 03:59 AM   #[14]
imported_أبو جعفر
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_أبو جعفر
 
افتراضي


(((15)))

وكذلك من المواقف التي قابلت الشيخ محمد إنه وجد يوماً شاحنة متعطلة فوقف أخيه حتى ينجدها، فوجدا فيها المستر (مارتن قيل) مفتش مركز نيالا في طريقه إلى الأبيض، فطلب منهم المفتش توصيله إلى الأبيض ليلحق بالقطار المسافر إلى الخرطوم لأن سفره مرتبط بسلسلة حجوزات إلى انجلترا.

فذكروا له بأن ذلك مستحيل والبضاعة على ظهر الشاحنة ... فأقترح عليهم إنزال الشحنة التي معهم في الاستراحة الحكومية القريبة من موقعهم والعودة إليها لاحقاً، وسوف يقوم بالتوصية بدفع كامل قيمة ترحيله لهم.

وفعلا قاما بإنزال الشحنة في الاستراحة الحكومية وبدأت سفرية تحدي لشقيق الشيخ محمد للدخول للأبيض في يوم وليلة دون توقف أو وحل أو تعطيل. وفعلاً قاد شقيقه باقي نهاره ذاك والليل كله حيث عم الصمت والترقب إلا من أنين الشاحنة وهي تشق الرمال وتتحدى الكثبان (تسمع لها خوي كما حكى الشيخ محمد). وفي الخامسة صباحاً دخلوا إلى محطة السكة حديد وصحا المفتش قائلاً: (وحلنا) فقال له الشيخ محمد هذا هو القطار المغادر إلى الخرطوم.

فنزل المفتش في فرحة حقيقية وأخذ يتقافز بالقرب من القطار كما الأطفال ... ثم عاد وكتب صفحة كاملة موصياً بصرف كامل قيمة ترحيله إلى أصحاب الشاحنة التي أنقذت حياته ورحلته إلى الوطن.

ثم مرت الأيام وتورط الشيخ محمد في شحنة كانت ممنوعة بأمر محلي - دون أن يدري - في مركز المفتش مارتن قيل، وحين وصلوا قبض عليهم البوليس وأخذهم للمفتش الذي عندما رأى الشيخ محمد سأله عن سبب ارتكابه للمخالفة. فقال له الشيخ محمد بأنه قادم من فورت لامي حيث لا غبار على الشحنة التي يحملها ... فوقع عليه المفتش غرامة متجاوزة وكانت واحد جنيه، وقال له هذه بتلك ولكن إن كررتها سوف أصادر منك الشاحنة.







التوقيع:
أحشفاً وسوء كيلة
imported_أبو جعفر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-07-2021, 09:45 PM   #[15]
imported_أبو جعفر
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_أبو جعفر
 
افتراضي


(((16)))

ومن الطرائف أن الشيخ محمد في مرة استخدم سائقاً كان من المهارة بحيث جعل الشاحنة تعوم كما المركب في البحر، ولكنه كان مبتلي بالخمر، مما جعل الشيخ محمد يغير مواعيد مغادرته للمدن فيبيتوا خارجها حتى يضمن تواجد السائق.

وعندما استفسر أصدقاءه عن سبب تمسكه به قال: في المناطق التي يتفافز فيها شقيقي كربك كربك كربك، تحس مع هذا السائق بأنه يحمل الشاحنة في يده. وكان يوفر عليهم وقت كبير في الوصول للمقصد لأن أخيه كان متمهلاً في القيادة.

أما عن حكايتهم مع (الكمبة) فكانت خير مثال لحكمة الرزق من حيث لا يحتسب الإنسان. فقد طلب منهم صديق أن يخلصوه من شحنة من الكمبة ماتت في يده، وأغراهم بأن نزل بسعرها إلى أقل ما يمكن، فقاموا بشرائها على أساس بيعها عند الوصول لمقصدهم بسعر التكلفة خدمة لصديقهم وحتى لا تذهب الشاحنة فارغة. ولكن لتصاريف القدر حين وصولهم سألهم التجار أول ما سألوهم، إن كانوا يحملون كمبة ... فباعوها بأضعاف سعر المشترى.

وتوالت الأيام وتعددت الأحداث والسفريات فيما بين وديان تفوح طيبة وتصوفاً، وكثبان تقتر شدة وشقاء ففي مرة تعطلت بهم الشاحنة في غابة ينتر فيها الأسد. وكان العطل كسر ياي الشاحنة، فدخل شقيقهم الأصغر بفأسه وسط الأشجار وقطع عوداً ونجره على شكل الياي المكسور ولكن بحجم أكبر وربطه مكان الياي المكسور مما مكنهم من الخروج من تلك الغابة رغم انخفاض السرعة.







التوقيع:
أحشفاً وسوء كيلة
imported_أبو جعفر غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

تعليقات الفيسبوك


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 01:51 AM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.