اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عكــود
سلام يا جيلي،
الحكي عن المدن والتنقل من مدينة لأخرى، دائماً ما يكون ممتع خالص، للكاتب وللمتلقي، ودونك كتاباتك عن سفرياتك بالقطارات والبصات في بلدان مختلفة ومدن مختلفة وأنماط بشر مختلفة، وأنت تملك مقدرة فذّة في الحكي وتوصيل المكان ونبضات الناس البتلاقيهم.
ناس كتار سافروا وعندهم مخزون كبير من القص، لكن قليل منهم من كتب.
في البال البوست القديم بنفس العنوان، وما حواه.
واصل ولا تقتصر على سفريتك الأخيرة فقط، قريت لك في الفيسبوك كتابات ممتعة مشابهة.
|
قطار الليل الى روما
هو أفضل الطرق لقطع المسافة بين باريس وروما مرورا بمونت كارلو، وبمتعة لاتُضاهي.
يبدأ القطار رحلته من أطراف باريس مساءً.
كنت قد تركت باريس وحشود
البشر فى مترو الأنفاق وزحمة السير خلفى, أمطار الشتاء واصلت هطولها
والقطار يشق طريقة ناحية الشرق غير عابئ بالغروب والشمس التى تجتر جرحها
فى نفس الميعاد
كل يوم
بذات التكاسل واللامبالاة..
إنها قطارة بفكرة المدن, توفر كل إحتياجاتك داخلها,
أثناء تجوالى لإستكشاف القطار والوجوه أستوقنى عدد من الشباب وقدموا لى دعوة لحضور عرض مسرحى فى إحدى عربات القطار, حز الشاب على كلمة "مجانى" وهو ينطقها
بإغراء يستهدف العقلية الأوروبية التى يجتذبها المجاني ..
فى الحقيقة إن العرض كان مجادآ وممتعآ أكثر مما تخيلت,
عرفت من الأحاديث المتقطعة مع جيرانى بأنهم طلاب للمسرح فى إحدى جامعات باريس ..
عدت إلى قمرتى بعد منتصف الليل والجميع داخلها يغطون فى نوم عميق..
حين وصولى مونت كارلو كان الهواء لايخلو من برودة , ولكنه منعشآ, والسماء صافية..
فى تلك الساعة من الليل والمدينة صامتة فى مكان وفى آخر تتلوى حالمة، كان المساء ساحراً كأنه يحدث لأول مرة.
فى الصباح كانت رأسى مزدحمة بتفاصيل البارحة,
كنت متعبآ ولكن نشوة المكان ورنين أجراس اللغات والسحنات
المتباينة جعلت اليوم يبدو أكثر أشراقآ رغم الغيوم والهواء البارد..
على أعتاب السلالم المؤدية للقطار المتجه إلى روما استوقفتنى
إمراة افريقية , تبدو فى عقدها الخامس ,تحمل أغراضآ كثيرة، اكياس وحقائب..
قالت بخليط من الإنجليزية والفرنسية:
- أنا فى حوجة للذهاب إلى روما
ولكنهم يقولون أننى أحمل أغراضآ كثيرآ..
كانت طيبة فى وجهها وسؤالها,
حملت عنها جزء من أمتعتها الثقيلة
حين عبرنا أمام الكاونتر الصغير كنت مستعدآ لتحمل المسؤلية
عن محتويات حقائبها, ربما لأنها كانت وحيدة فى عالم شرس ويعتنق الأنا..
فى الكاونتر سألنى موظف أفريقى الملامح بضيق:
- هل هذه أمتعتك..??
حملت الأمتعة وأنا أقول له :
-هذا قطار وليس بطائرة..
تركته خلفى يهذى فقد تبقى للقطار عشرة دقائق على الرحيل..
ودعت المرأة الأفريقية فى قمرتها
وتوجهت إلى قمرتى..
حين وصلت وجدت الجميع قد اتخذوا مقاعدهم, فى القمرة الضيقة..
جلسنا أربعة رجال وشابة صغيرة وسطنا..
نتفرس فى المكان الضيق ونحاول استنطاق وجوهنا,
إنها تلك اللحظات التى تجبرك على تقاسم الصمت مع الغرباء
أحاديث متقطعة عن الطقس وأسئلة غير مهمة عن وجهتك ووجهة القطار ...
ونحن نتبادل تلك الأحاديث المهملة ,
دخل إلى القمرة ذلك الرجل الغريب وهو يلهث ويتصبب عرقآ , لقد لحق بالقطار فى آخر دقيقة..
كان ضخمآ بشكل لايتناسب ورأسه الصغيرة..
القى تحية خافته وشملنا بنظرة باردة وهو يجلس على الكرسى الخالى, فى ثواني كان قد
وضع يديه على كرشه الضخم ومدد أرجله وتجشأ بصوت عال دون أن يتكلف
عناء وضع يده على فمه , ثم أدخل سبابته فى فمه ليخرج بقايا طعام
من بين أسنانه ,مسحها على سرواله بلطف وحزاقة..!!
الفتاة الجالسة قبالته تناست أنه موجود، وكانت قد بدأت تعتاد على جو المكان, فأخذت
تحادث الرجلين على جانبها بسلاسة,
كانت تمط نهاية الجمل بشكل أعتبرته مثيرآ, لاشك فى أنها فتاة جميلة,
كانت ترتدى مكياجآ فوق العادة وصوتها الأنثوي المسترسل يختلط بفرقعات
مكتومة للبانها وحركة لسانها المجادة لجمع بقايا انفجار فقاقيعه من
على شفاهها. حدّقت فى الرجل الغريب بنظرة مندهشة حين تجشأ مرة أخري, ولكنه لم يبدو
عليه الإهتمام بنظرتها أو حتي بحقيقة وجودنا جميعآ..
غادرت القمرة وقد عقدت العزم بعدم العودة اليها إلا عند وصولنا روما!
خرجت إلى الممر ورائحة مونت كارلو لم تزل عالقة بأنفى,
للمدن رائحتها كما أن لهذا القطار رائحته..
قصدت مطعم القطار وجلست على طاولة فى مواجهة النافذة
وأنا أرتشف قهوتى أخرجت الوريقة الصغيرة عليها
عنوانها ورقم هاتفها..
كانت جالسة على كرسى حجرى مقوس وحدها فى الرابعة صباحآ..
تركت أمتعتى فى الفندق المتواضع وسط المدينة ومشيت
كما يليق المشى بمدينة كمونت كارلو
هذ كون مرتب وتفاصيلة مطرزة بعناية
وحتى الفوضى فيه قابلة للغفران,
هكذا تبدت لى الأزقة والشوارع وأنا أمشى مهل
"هذه مدينة لاتحق الكلفته بشأنها"
قلت لنفسى ذلك وأنا أعبر ساحة صغيرة مقاعدها من الحجر
والضوء فيها خافت لاتميزه عن الهمس,
كانت جالسة على كرسى مقوس وحدها..
ضحكت كثيرآ حين قلت لها
إن ضالتى هذا المساء ولست أنت..
قالت
كنت مع صحابى فى المقهى المجاور, راق لى المساء هنا
واصلت ضحكتها الساحرة وأنا أقول لها:
إذا فضالة كلانا هذا المساء..
مارائك أن نتمشى..!!
.....
....
تركت بقية قهوتى تتشرب حبر وريقتها الصغيرة ومضيت..
الحياة عندى هى تلك اللحظة التى نمثل فيها أمام تجربتنا
أما أى اصطناع لاحق فلا حوجة لى به..
عدت الى قمرتى ولم يعد يفصلنا عن روما سوى نصف ساعة