منديل حرير !!! النور يوسف

قيامة دولة المتحولون الانسانية !!! أسعد

خِلِّي العيش حرام - عبر الأجيال !!! أشرف السر

آخر 5 مواضيع
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > منتـــــــــدى الحـــــوار

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 28-03-2010, 09:21 AM   #[1]
زول الله
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية زول الله
 
افتراضي محاولة إندهاش وأشياء أخرى .. توجد ريده بالطريقة الصاح



اكشن (1)

المكان : قلب مدينة أمدرمان
الزمان : ذات خريف في الشهر العاشر من السنة الميلادية
الساعة : ...عندها كان منادي الفجر ينادي ان حي على الفلاح .

اطلق ذلك الصغير اول صرخاته معلنا قدومه الى هذا الكون وكأنه يقول افسحوا لي المجال فقد جئت و ياله من حضور.
عمت الزغاريد ذلك البيت الذي لم يكن هادئا يوما فقد تعود الجيران وحتى المارة بذلك الشارع على اصوات الذكر والمدائح النبوية و- صوت النوبة* العالي - ومنظر (الحيران*) وهم يرتلون آيات القرآن ويدرسون العقيدة فقد كان هذا المنزل ملك لذلك الشيخ الذي له من الاتباع مايعجز المرء عن احصائهم في ليلة وضحاها.
اما زوجة ذلك الشيخ يعرفها الجميع على انها المضيافة التي لايغادر بيتها ضيفا الا ويدعو لها بكل مايمكن ان يدعو به المرء وهو راض.
وفوق هذا تعود عليها هؤلاء التابعين او (الحيران) كأنها امهم الحقيقية فأطلقوا عليها اسم (أم الفقراء) والفقراء في الأدب الصوفي هم الفقراء لله وليس فقراء لعدم المال او الجاه , هم الزاهدين في الدنيا الراغبين في ملاقاة المولى عزوجل .
بعد كل مظاهر الفرح تلك خرج ذلك الشيخ الى الملأ واعلن عن اعتزامه بناء مسجد شكر لله تعالى على هذه النعمة التي اعطاها له أما أم الفقراء فقد كانت فرحتها لاتحدها حدود وكيف لا وقد عوضها الله تعالى بهذا الابن عن ابنها البكر الذي مات ولم يكمل عامه الأول لذلك اعلنت على الملأ من صويحباتها انها تتبرع بكل ماتملك من زينة وحلي ذهبية واموال مشاركة منها في بناء ذلك المسجد والذي اطلق عليه فيما بعد اسم مسجد الفقراءلله.
هكذا بدأت نشأة ذلك الطفل منذ اليوم الاول وهو محاط بكل مظاهر الاهتمام والتمجيد ووووو ...
لما لا وهو الابن الاكبر لابيه الشيخ أي انه الخليفة المنتظر لهؤلاء الحيران وهو من سيستلم الراية بعد ابيه وهو من سيحافظ على هذه النار(نارالقرآن) الا تنطفيء.
وهكذا بدأ أول خطواته نحو النجومية المنتظرة وهو واثق من كل الظروف المحيطة فنشأ طفلا مدللا ومميزا حتى بعد ان انجبوا له من الاشقاء ولدا وبنتا كان هو محط الاهتمام لايرد له طلب مرتاحا ومتجاوزا جميع الظروف التي تواجه الاطفال في سنه الى ان بلغ من العمر خمسة سنوات....



بداية التناقض - المسجد و الكنيسة:

في العام الخامس من عمره لاحظ الشيخ ميول ابنه لتعلم كل شيء والسؤال عن كل شيء فقرر ان يلحقه برياض الاطفال وبحث عن روضة مناسبة ولكن لأم الفقراء رأي آخر حيث كانت مصرة على تعليم ابنها اللغة الانجليزية رغم صغر سنه واحتارالشيخ بين روضة ومدرسة ومعهد الى ان اقترح خال الابن مدرسة يتم فيها تعليم اللغة الانجيزية من الصف الاول التمهيدي وهي تابعة لاحدى الكنائس المسيحية الاسقفية فجن جنون الشيخ اذ كيف يلتحق ابنه بالكنيسة وهو الذي يتعلم الناس القرآن في منزله؟
دارت شبه معركة بين الشيخ وأم الفقراء والخال وبعض الاهل فمنهم من يرى انه شيء طبيعي لن يؤثر على الابن بل سيستفيد منه كثيرا والبعض الاخر يرى عكس ذلك الى ان استقر الرأي على الحاق الابن بهذه المدرسة بالاجماع من الاهل وأم الفقراء وكذلك الإبن الذي وجد ان احد اصدقائه يدرس بها فأصر والح على ابيه الى ان رضخ لرغبة ابنه والحقه بالمدرسة المسيحية أو مايسمى بالكمبوني.
وكانت اولى العقبات هي عدم وجود مادة التربية الاسلامية ضمن المنهج فكان يأتي بعد نهاية اليوم الدراسي الى البيت ليلقي بحقيبة كتبه ويمسك بــ (اللوح*) والقلم و (الدواية*) ويجلس القرفصاء مثله مثل الحيران أمام شيخ بشير وهو الموكل بتعليمه ليتلقى منه علم الحديث والعقائد ويحفظ على يديه آيات الكتاب وكان يسميها الحصة الاخيرة وكان شيخ بشير هذا - وبأمر من الشيخ الكبير - حازما معه شديدا عليه عكس الحيران الذين كانوا يبالغون في احترامه وتنفيذ رغباته باعتباره خليفتهم المرتقب وكان هو - ابن الشيخ - سعيدا بهذا التميز يتباهى به امام اقرانه واصدقائه وعندما بلغ التاسعة من العمر كان قد حفظ من القرآن نصفه كاملا وهو لايزال في تلك المدرسة التابعة للكنيسة في ذلك الحي الهادي بقلب مدينة امدرمان.
ومن العجيب ان صاحبنا هذا كان يجلس ويستمع الى حصة التربية المسيحية رغم انه وزملائه وزميلاته المسلمين كان مصرح لهم بالخروج الى فـناء المدرسة الداخلي اثناء هذه الحصة مما احدث جدالا مستمرا بينه وبين احد المعلمين فأثناء الدرس كان صاحبنا لايفوت شيئا غير مقتنع به ويصر على شرحه ومغالطة المعلم حسب ماتعلمه من شيخ بشير الى ان جاء يوم وشرح المعلم للتلاميذ ميلاد المسيح عليه السلام فجن جنون صاحبنا واخذ يجادل ويغالط حتى تم طرده من الحصة واعطائه انزارا كتابيا مع استدعاء ولي أمره للحضور الى المدرسة فماذا حدث؟؟

---- يتبع -----


* الحيران - (بتخفيف الحاء والياء - وتنطق مثل كلمة الجيران - مفردها حوار بضم الحاء وهم تابعي الطريقة الصوفية التي يتزعمها الشيخ وخدامه وطلبة العلم والمأمورين الطائعين له والمعتقدين فيه صلاحا وبعضهم يكون مقيما في منزل الشيخ بصفة دائمة وأغلبهم يتحلى بالاخلاق الاسلامية والالتزام.

*اللوح رقعة خشبية مستطيلة مسطحة لها يد بالأعلى تمسك باليد اليسرى ويكتب عليها باليمنى أو العكس وهي مخصصة لكتابة آيات القرآن الكريم وتستعمل في الخلاوي للتعلم والحفظ ولها قلم في طول القلم الرصاص يصنع من سيقان القصب ويتم بريه وتشذيبه بالموس من جانب واحد.

*الدواية اناء زجاجي صغير أو محبرة يوضع فيها العَـمَـار (بفتح العين والميم) وهو نوع من الحبر أسود اللون يتم صنعه بحرق لبان البخور وتجميع دخانه (الهباب أو السكن) وخلطه بالماء والصمغ العربي.

* النوبة أداة ايقاعية تصنع من البرميل الحديدي حيث يتم تقطيعه الى وحدات دائرية يبلغ عرض الواحدة 40سم تقريبا ويتم تغطيتها من الجانبين بجلد الماعز ويضرب عليها بعصاة خشبية صغيرة ملفوفة بالقماش من أحد طرفيها تسمى الضراب وتصدر صوتا عاليا ويتم استخدامها كإيقاع مصاحب للمدائح والاناشيد الدينية








التعديل الأخير تم بواسطة زول الله ; 28-03-2010 الساعة 10:14 AM.
التوقيع:

انا يوماتي أردد إسمِك بعد الحمدو "مكان الآية"
لما وحاتِك -من أشواقي- حِفِظ القول خيط المُـصلاية



أبــداً ماهُنـتَ ياســـوداننا يـومـاً علـينا

زول الله غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-03-2010, 09:53 AM   #[2]
سمراء
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية سمراء
 
افتراضي

حكى رائع ودهشة حتى تكتمل الحكاية .....

متابعون يازول



التوقيع:
غيرنا التوقيع عشان النور قال طويل 
اها كدة كيف ؟
<img src=images/smilies/biggrin.gif border=0 alt= title=Big Grin class=inlineimg />
سمراء غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-03-2010, 10:09 AM   #[3]
زول الله
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية زول الله
 
افتراضي


اكشن (2)

في ذلك اليوم رجع صاحبنا الى البيت وهو مثقل بكل هموم الدنيا وقد ظهرت جميعها في محياه وكأنه في التسعين من العمر فكون اباه الشيخ يأتي الى الكنيسة هذه احد عجائب الدنيا السبعة وكونه لايسلم خطاب الاستدعاء لأبيه فهذه مصيبة اخرى فهو لم يتعود الكذب طوال تسع سنوات هي عمره الغض وفوق هذا كان يحمل بين جوانحه لهذا الشيخ المهيب - والده - خوفا يتعدى حدود المعقول رغم انه مدلل في كل شيء ويحصل على كل شيء , وكيف لايخاف وهو يرى الناس من حوله وبينهم الدكاترة والمعلمين واساتذة الجامعات والبسطاء ومختلف انماط البشر مجتمعين جاثين على ركبهم وعيونهم على الارض احتراما لأبيه وكيف لايخاف وهو الذي جاهد جهادا شديدا ومعه خاله وأمه - أم الفقراء - في اقناعه للالتحاق بهذه المدرسة؟
قضى صاحبنا ظهر ذلك اليوم كله يفكر ويفكر ولم يخرج الى (الديوان) ليدرس الحصة الاخيرة مع معلمه شيخ بشير ولاحظت أم الفقراء ذلك فسألته عن السبب فكان سؤالها وكأنه صفعة على خده الصغير من يد ذلك المعلم الذي لم يقتنع بأرائه فتجمعت كل احاسيس الرفض من ذلك المعلم مع عجزه عن اقناعه بماتعلمه من شيخ بشير وخوفه ايضا من العقاب المتوقع كونه لم يحضر الحصة الاخيرة وتوجت كل هذه الاحاسيس بهيبة والده وخطاب الاستدعاء وخشية ان يفقد مقعده في تلك المدرسة التي احبها فأجهش بالبكاء لأول مرة في حياته.

عندها جلست أمه بجانبه ومعها شقيقه وشقيقته التي كانت في عمر لايسمح لها بفهم مايدور حولها الا انها جلست تبكي هي الاخرى لبكائه.
وبعد موجة البكاء هذه استجمع صاحبنا شجاعته وجلس مستقيما يحكي لأمه ماحدث في المدرسة وكيف تصرف هو مع ذلك المعلم وخطاب استدعاء ولي أمره وكيف رفض هو استلام الخطاب ثم تهديد مدير المدرسة بفصله في حال لم يحضر ولي أمره خلال 3أيام.
طلبت أمه رؤية الخطاب وبعد ان قرأته جيدا صمتت لبرهة أحسها هو وكأنها الدهر وعلى محياها علامات التفكير العميق فأصابه القلق لأنه يعلم ان أمه حاسمة وسريعة في قراراتها ولاتحتاج كل هذا الوقت للتفكير في مخرج من هذه المشكلة ولم يكن يدري انها في قرارة نفسها قد اتخذت قرارها وهنا وقفت الام وارسلت شقيقه الاصغر ليستدعي كمال - وكمال هذا من ابناء شمال السودان وهو من (الحيران) المخلصين المقيمين بمنزل الشيخ الخادمين له بالغالي والنفيس وكان بالسنة النهائية بكلية الطب وهو الآن طبيب مشهور يعمل بأحدى الدول العربية - وأتى كمال فطلبت منه أم الفقراء ان يذهب ليأتي بأخيها وسمحت له بأخذ السيارة الكبيرة واعطته مفتاحها فذهب فورا وأتى بالخال فشرحت أم الفقراء لأخيها ماحدث وكان هذا الخال حكيما فأخذ الخطاب وذهب الى الشيخ في مجلسه وجلس بجانبه بعد ان حيا الحضور الجالسين على الارض كل هذا وصاحبنا منتبذا ركنا قصيا مراقبا لمايحدث وفجأة صاح الشيخ مناديا صاحبنا الذي كان يقف بعيدا في ركنه وهو يتصبب عرقا وعندما وقف امامه ابتسم الشيخ لأبنه ابتسامة جمعت في معناها كل حنان الدنيا وكل حزم الدنيا وكل الاشياء المتناقضة في الدنيا ولم يخفف حرارة هذه اللحظة الا قيام الحيران واقفين احتراما لدخول ابن الشيخ كعادتهم دائما فاشار لهم براسه وهي علامة تعني اجلسوا فجلسوا وبين وقوفهم وجلوسهم وفي تلك البرهة من الزمن التي مارس فيها سلطاته على الحيران استجمع شجاعته مرة اخرى واستدار مواجها ابيه مستعدا للدفاع عن تصرفه في المدرسة, فسأله فأجاب بكل الذي حدث بالتفصيل وكيف ان ذلك المعلم قد قال له ان كل ماتعلمه في البيت لافائدة منه وهنا نظر الى شيخ بشير الذي هز رأسه متعجبا فزاده شجاعة واستمر يحكي الى ان وصل الى نقطة وجه فيها سؤاله الى ابيه هل هنالك اناس مثلنا لا دين لهم؟؟
فصمت الاب ثم سأله كيف استنتجت هذه المعلومة فقال: سألت المعلم كيف لاتؤمن بالاسلام فأجابني لقد درست الدين الاسلامي والمسيحية واليهودية واحفظ القرآن كاملا ولكني لم اجد دينا واحدا يقنعني لذلك فضلت ان اكون هكذا الى ان اقتنع بأحدهم).
وهنا ثارت ثائرة الحيران واخذوا يهمهمون ويستغفرون ويحوقـلون وابن الشيخ سعيدا بهذا النصر الذي انجزه والذي رفعه في نظر الحيران وفي نظر ابيه الذي اقتنع بأنه لم يرتكب اثما بجداله مع ذلك المعلم وحينها امر الشيخ احد حيرانه بالحضور باكرا وتجهيز السيارة غدا صباحا للذهاب الى المدرسة ومعه الخال وابنه.. فماذا حدث في المدرسة وكيف تصرف ذلك المعلم؟؟

----- يتبع ----



التوقيع:

انا يوماتي أردد إسمِك بعد الحمدو "مكان الآية"
لما وحاتِك -من أشواقي- حِفِظ القول خيط المُـصلاية



أبــداً ماهُنـتَ ياســـوداننا يـومـاً علـينا

زول الله غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-03-2010, 10:12 AM   #[4]
زول الله
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية زول الله
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سمراء مشاهدة المشاركة
حكى رائع ودهشة حتى تكتمل الحكاية .....

متابعون يازول
سمراء في لون الرمال توهجاً
هل يامخابيء بينكم ؟؟
رد الصدى : هل يامخابيء بيـ ..؟؟؟

سمراء عساك فاينة
وتشكرات كتيرات على المرور السمح
خليك قريبة الرحلة طويلة والدهشة في الطريق
بس خلي الزول دا يكبر شوية





اقول قولي هذا واستغفر الله لي ....




التوقيع:

انا يوماتي أردد إسمِك بعد الحمدو "مكان الآية"
لما وحاتِك -من أشواقي- حِفِظ القول خيط المُـصلاية



أبــداً ماهُنـتَ ياســـوداننا يـومـاً علـينا

زول الله غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-03-2010, 10:26 AM   #[5]
سمراء
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية سمراء
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة زول الله مشاهدة المشاركة


سمراء في لون الرمال توهجاً
هل يامخابيء بينكم ؟؟
رد الصدى : هل يامخابيء بيـ ..؟؟؟
سمراء عساك فاينة
وتشكرات كتيرات على المرور السمح
خليك قريبة الرحلة طويييييلة والباقي ماشوية
اقول قولي هذا واستغفر الله لي ....
فاينة من خلال تتبع تلك الرحلة المثيرة (لخليفتنا ) المنتظر ...
ماعارفه يازول يارائع بس حقيقه بلقى نفسى شديد من خلال تلك الاضرحه ، واعلام ورايات
الصوفية ، ورائحه البخور المميزة ، والواح الحيران وتلك الهمهمات التى تخرج من افواه الشيوخ....ومنظر تلك النسوة اللائى يأتين وكل واحده تضمر شيئاً فى نفسها ، وتبرك امام الشيخ
فى حالة رضوخ ورجاء محيرة ....
هى لحظات صفاء تعمنى وانا اتجول بين تلك المشاهد ، وتحضرنى مجموعة قصص وحكاوى اختزنها من جدتى وهى التى شكلت بداخلى كل تلك الدهشة ...

وبرضوووو متابعين ياخ



التوقيع:
غيرنا التوقيع عشان النور قال طويل 
اها كدة كيف ؟
<img src=images/smilies/biggrin.gif border=0 alt= title=Big Grin class=inlineimg />
سمراء غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-03-2010, 10:30 AM   #[6]
زول الله
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية زول الله
 
افتراضي


اكشن (3)

لم يكن ذلك الصباح مثل كل الصباحات , كان صباحا غريبا استيقظ فيه صاحبنا قبل أذان الفجر وعلى غير عاداته جلس بجانب ابيه في (الخلوة) وتناول مصحفا واخذ يرتل ماتيسر له منه , ثم حانت ساعة الصلاة فبادر باقامتها قبل شيخ بشير كل ذلك وهو يختلس النظر الى ابيه ليتبين تأثير الامس وهل لازال راضيا عنه أم قد تغير رأيه.
وحانت ساعة الذهاب وأتى ذلك السائق ليقلهم الى المدرسة فركب صاحبنا في آخر العربة ولأول مرة يشعر ان الطريق قد صار طويلا الى مدرسته وكأن هذا السائق يتعمد تأخيره وأخيرا وصل الركب الى مشارف ذلك الحي ولمح مدرسته من بعيد وبدأت المسافة تقصر وتقصر وتمنى في هذه اللحظة ان يغمض عينيه ويفتحهما ليجد ان هذا الأمر قد تم حسمه وتجاوزه.
دخل الشيخ اولا ثم تبعه صاحبنا وكان ذلك المعلم واقفا يخطب في الطابور الصباحي وقد اصطف التلاميذ حوله في مربع هندسي جميل فلفت صاحبنا نظر ابيه مشيرا الى المعلم بكونه هو المقصود فوقف الشيخ في مكانه حتى استدار التلاميذ وتوجهوا الى فصولهم وهنا التفت المعلم الى الشيخ وابنه واتى يحييهم ثم اخذ الشيخ الى مكتبه وأمر صاحبنا بالوقوف خارج المكتب الى ان يستدعيه.
مرت ساعة ونصف على هذا الوقوف والانتظار المرير وصوت المعلم يعلو ثم يهدأ مرارا وتكرارا والعجيب في الامر ان صاحبنا لم يسمع صوت ابيه طوال هذه المدة فجلس على الاريكة الموضوعة خارج مكتب المعلم ثم فجأة خرج الشيخ وتبعه المعلم وعلى وجهه ابتسامة لم يتبين نوعها فنظر الى ابيه ووجد ان وجهه يحمل من التعابير ما لم يستطيع ان يفهمه فانتابته الحيرة ووقف منتظرا القرار الذي اصدرته هذه القمة وهو يتسائل في نفسه هل تم فصله من المدرسة؟ هل انكر المعلم ماحدث بالأمس وحمله المسؤولية؟ هل روى لأبيه شيئا لم يحدث بالامس ؟ هل كان دفاعه عن كل ماتعلمه من شيخ بشير باطلا؟.
وسرح صاحبنا وسط هذه الهواجس ولم ينتبه الى صوت المعلم وهو يأمره بالذهاب الى فصله الا بعد تكرار الامر للمرة الثالثة فاحتار صاحبنا وتمنى في هذه اللحظة ان يشرح له احدهم ماحدث بالداخل الا ان صوت الشيخ اتاه حاسما (ياولد اسمع الكلام وامشي فصلك) فتحرك متثاقلا الى الفصل بعد ان تناول من ابيه ورقة نقدية هي مصروفه اليومي وفي نصف المسافة الى الفصل حانت منه التفاتة فرأى المعلم وهو يصافح الشيخ ويودعه بحرارة ورأى شيئا آخر لم يصدقه حتى انه اقنع نفسه انها اضغاث احلام.
وكان قد رأى معلمه وكأنه ينحني للشيخ انحنائة بسيطة وهو يصافحه فزادت حيرته ووقف واستدار استدارة كاملة ليرى بوضوح فلم يلحظ الا ذلك السائق وهو يترجل من العربة ليفتح الباب للشيخ ويلوح لصاحبنا مودعا وينطلق.
لم تكن حصة التربية المسيحية مدرجة في جدول ذلك اليوم مما اتاح لصاحبنا فرصة الا يصطدم بالمعلم وهي فرصة حمد الله عليها كثيرا فلم يكن مستعدا لمواجهة معلمه أو الدخول معه في نقاش جديد الا بعد ان يعرف تفاصيل ماحدث اليوم بين ابيه والمعلم ولن يعرف الا بعد ان يرجع الى المنزل وبعد انقضاء الحصة الاخيرة مع شيخ بشير حيث ينوي ان يسأل أم الفقراء فهي الوحيدة التي يبوح لها الشيخ بكل شيء مهما صغر في نظره ولكن مر ذلك اليوم والذي يليه ولا خبر عما حدث في مكتب المعلم وحتى المعلم نفسه لم يفتح ذلك الموضوع معه في المدرسة ولم يجادله هو اثناء درسه.
مرت اربعة ايام لم يعرف فيها صاحبنا تفسيرا لما حدث ولا تفسيرا لتغير معاملة المعلم له حيث صار لايتكلم معه ولايكلفه بأشياء من دون التلاميذ مثل السابق بل صار يعامله وكأنه غير موجود وفي اليوم الخامس وبعد صلاة المغرب مباشرة ذهب صاحبنا الى الدكان القريب من البيت لشراء غرض ما , وعندما رجع دخل الى (الديوان) من الباب الكبير فرأى ضيفا تدل ملامحه على انه من ابناء جنوب السودان وهو جالس على الكرسي العالي يمين الشيخ ولفت نظره ان ذلك الضيف ينتعل حزائه ولم يخلعه مما يعتبر مخالفة صريحة في حضرة الشيخ داخل هذا الديوان الذي يعد زاوية أو مسجدا مصغرا تقام فيه الصلوات ويجب احترامه فتقدم ليرى هذا الدخيل على الديوان وكانت المفاجأة انه (مايكل اغاستينو) معلم اللغة الانجليزية والتربية المسيحية في تلك المدرسة التابعة للكنيسة .


---- يتبع -----



التوقيع:

انا يوماتي أردد إسمِك بعد الحمدو "مكان الآية"
لما وحاتِك -من أشواقي- حِفِظ القول خيط المُـصلاية



أبــداً ماهُنـتَ ياســـوداننا يـومـاً علـينا

زول الله غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-03-2010, 10:41 AM   #[7]
زول الله
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية زول الله
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سمراء مشاهدة المشاركة
فاينة من خلال تتبع تلك الرحلة المثيرة (لخليفتنا ) المنتظر ...
ماعارفه يازول يارائع بس حقيقه بلقى نفسى شديد من خلال تلك الاضرحه ، واعلام ورايات
الصوفية ، ورائحه البخور المميزة ، والواح الحيران وتلك الهمهمات التى تخرج من افواه الشيوخ....ومنظر تلك النسوة اللائى يأتين وكل واحده تضمر شيئاً فى نفسها ، وتبرك امام الشيخ
فى حالة رضوخ ورجاء محيرة ....
هى لحظات صفاء تعمنى وانا اتجول بين تلك المشاهد ، وتحضرنى مجموعة قصص وحكاوى اختزنها من جدتى وهى التى شكلت بداخلى كل تلك الدهشة ...
وبرضوووو متابعين ياخ
روح الصوفية لايتذوقها إلا من عاش قربهم وفهم حالهم
وهي لعمري حياة تسمو عن الوصف والشبيه
بعض همهماتهم وإستحوالهم ومناجاتهم لبعضهم بـ رندوك يصعب علينا إستيعابه
لكنه في عرفهم سمو ولبعضهم محبة وتقرباً لله
استنشاق بخورهم راحة وإنشراح ومجالستهم تفرح القلب الشقي
هكذا عرفنا ديننا واستوعبناهـ
وهكذا فهمنا عقيدتنا وتعلمنا احترام كبيرنا وعرفنا ربنا


سمراء ايتها الشفيفة والله خليفتكم دا حيطش جنس طشه
.. خليك باركة جمب الخلوة دي عشان ماتفوتك الحولية









اقول قولي هذا واستغفر الله لي ......







التوقيع:

انا يوماتي أردد إسمِك بعد الحمدو "مكان الآية"
لما وحاتِك -من أشواقي- حِفِظ القول خيط المُـصلاية



أبــداً ماهُنـتَ ياســـوداننا يـومـاً علـينا

زول الله غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-03-2010, 11:00 AM   #[8]
هيفاء عبدالستار
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية هيفاء عبدالستار
 
افتراضي

[QUOTE=زول الله;213672]
اكشن (2)

في ذلك اليوم رجع صاحبنا الى البيت وهو مثقل بكل هموم الدنيا وقد ظهرت جميعها في محياه وكأنه في التسعين من العمر فكون اباه الشيخ يأتي الى الكنيسة هذه احد عجائب الدنيا السبعة وكونه لايسلم خطاب الاستدعاء لأبيه فهذه مصيبة اخرى فهو لم يتعود الكذب طوال تسع سنوات هي عمره الغض وفوق هذا كان يحمل بين جوانحه لهذا الشيخ المهيب - والده - خوفا يتعدى حدود المعقول رغم انه مدلل في كل شيء ويحصل على كل شيء , وكيف لايخاف وهو يرى الناس من حوله وبينهم الدكاترة والمعلمين واساتذة الجامعات والبسطاء ومختلف انماط البشر مجتمعين جاثين على ركبهم وعيونهم على الارض احتراما لأبيه وكيف لايخاف وهو الذي جاهد جهادا شديدا ومعه خاله وأمه - أم الفقراء - في اقناعه للالتحاق بهذه المدرسة؟
قضى صاحبنا ظهر ذلك اليوم كله يفكر ويفكر ولم يخرج الى (الديوان) ليدرس الحصة الاخيرة مع معلمه شيخ بشير ولاحظت أم الفقراء ذلك فسألته عن السبب فكان سؤالها وكأنه صفعة على خده الصغير من يد ذلك المعلم الذي لم يقتنع بأرائه فتجمعت كل احاسيس الرفض من ذلك المعلم مع عجزه عن اقناعه بماتعلمه من شيخ بشير وخوفه ايضا من العقاب المتوقع كونه لم يحضر الحصة الاخيرة وتوجت كل هذه الاحاسيس بهيبة والده وخطاب الاستدعاء وخشية ان يفقد مقعده في تلك المدرسة التي احبها فأجهش بالبكاء لأول مرة في حياته.

عندها جلست أمه بجانبه ومعها شقيقه وشقيقته التي كانت في عمر لايسمح لها بفهم مايدور حولها الا انها جلست تبكي هي الاخرى لبكائه.
وبعد موجة البكاء هذه استجمع صاحبنا شجاعته وجلس مستقيما يحكي لأمه ماحدث في المدرسة وكيف تصرف هو مع ذلك المعلم وخطاب استدعاء ولي أمره وكيف رفض هو استلام الخطاب ثم تهديد مدير المدرسة بفصله في حال لم يحضر ولي أمره خلال 3أيام.
طلبت أمه رؤية الخطاب وبعد ان قرأته جيدا صمتت لبرهة أحسها هو وكأنها الدهر وعلى محياها علامات التفكير العميق فأصابه القلق لأنه يعلم ان أمه حاسمة وسريعة في قراراتها ولاتحتاج كل هذا الوقت للتفكير في مخرج من هذه المشكلة ولم يكن يدري انها في قرارة نفسها قد اتخذت قرارها وهنا وقفت الام وارسلت شقيقه الاصغر ليستدعي كمال - وكمال هذا من ابناء شمال السودان وهو من (الحيران) المخلصين المقيمين بمنزل الشيخ الخادمين له بالغالي والنفيس وكان بالسنة النهائية بكلية الطب وهو الآن طبيب مشهور يعمل بأحدى الدول العربية - وأتى كمال فطلبت منه أم الفقراء ان يذهب ليأتي بأخيها وسمحت له بأخذ السيارة الكبيرة واعطته مفتاحها فذهب فورا وأتى بالخال فشرحت أم الفقراء لأخيها ماحدث وكان هذا الخال حكيما فأخذ الخطاب وذهب الى الشيخ في مجلسه وجلس بجانبه بعد ان حيا الحضور الجالسين على الارض كل هذا وصاحبنا منتبذا ركنا قصيا مراقبا لمايحدث وفجأة صاح الشيخ مناديا صاحبنا الذي كان يقف بعيدا في ركنه وهو يتصبب عرقا وعندما وقف امامه ابتسم الشيخ لأبنه ابتسامة جمعت في معناها كل حنان الدنيا وكل حزم الدنيا وكل الاشياء المتناقضة في الدنيا ولم يخفف حرارة هذه اللحظة الا قيام الحيران واقفين احتراما لدخول ابن الشيخ كعادتهم دائما فاشار لهم براسه وهي علامة تعني اجلسوا فجلسوا وبين وقوفهم وجلوسهم وفي تلك البرهة من الزمن التي مارس فيها سلطاته على الحيران استجمع شجاعته مرة اخرى واستدار مواجها ابيه مستعدا للدفاع عن تصرفه في المدرسة, فسأله فأجاب بكل الذي حدث بالتفصيل وكيف ان ذلك المعلم قد قال له ان كل ماتعلمه في البيت لافائدة منه وهنا نظر الى شيخ بشير الذي هز رأسه متعجبا فزاده شجاعة واستمر يحكي الى ان وصل الى نقطة وجه فيها سؤاله الى ابيه هل هنالك اناس مثلنا لا دين لهم؟؟
فصمت الاب ثم سأله كيف استنتجت هذه المعلومة فقال: سألت المعلم كيف لاتؤمن بالاسلام فأجابني لقد درست الدين الاسلامي والمسيحية واليهودية واحفظ القرآن كاملا ولكني لم اجد دينا واحدا يقنعني لذلك فضلت ان اكون هكذا الى ان اقتنع بأحدهم).
وهنا ثارت ثائرة الحيران واخذوا يهمهمون ويستغفرون ويحوقـلون وابن الشيخ سعيدا بهذا النصر الذي انجزه والذي رفعه في نظر الحيران وفي نظر ابيه الذي اقتنع بأنه لم يرتكب اثما بجداله مع ذلك المعلم وحينها امر الشيخ احد حيرانه بالحضور باكرا وتجهيز السيارة غدا صباحا للذهاب الى المدرسة ومعه الخال وابنه.. فماذا حدث في المدرسة وكيف تصرف ذلك المعلم؟؟


----- يتبع ----
[/QUOTE]

يازول ..مآآآآآآآآآآآشحتفتنا



التوقيع: [frame="7 80"][align=center]إني مهرتك خافقي
فافرد ذراعيك احتويني[/align]

[align=left]هيفاء[/align]
[/frame]
هيفاء عبدالستار غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-03-2010, 11:08 AM   #[9]
زول الله
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية زول الله
 
افتراضي


هيفاء صبراً يبل الآبري
انسمع باقيها سمح عشان مانتلخبت
يديك العافية على المتابعة





التوقيع:

انا يوماتي أردد إسمِك بعد الحمدو "مكان الآية"
لما وحاتِك -من أشواقي- حِفِظ القول خيط المُـصلاية



أبــداً ماهُنـتَ ياســـوداننا يـومـاً علـينا

زول الله غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-03-2010, 11:24 AM   #[10]
زول الله
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية زول الله
 
افتراضي



اكشن (4)


ألجمت المفاجاة صاحبنا
وقف بباب (الديوان) يتأمل في هذا الحدث الفريد من نوعه غير مصدق لما يرى من جلوس ذلك المعلم المسيحي بل الكافر لا بل النصراني ولم يستطيع تحديد نعت معين في ذهنه بسبب عدم وجود ديانة يعتنقها هذا الجالس جوار والده لكي يصفه بها فقد اخبره بأنه لم يقتنع بكل الاديان رغم علمه واطلاعه بل وحفظه القرآن كاملا ففضل البقاء هكذا الى ان يشاءالله امرا كان مفعولا.
طالت وقفة صاحبنا وحيرته الى ان جاءه صوت الشيخ هادئا : ياولد تعال سلم على استاذك .
هنا انتبه صاحبنا واستعاد توازنه وبعد ان أومأ برأسه تلك الايمائة آمراً (الحيران) بالجلوس , تقدم هو راسما ابتسامة باهتة ومد يده الى المعلم بالسلام وتمتم بعبارات مبهمة لم يسمعها سواه الا ان المعلم فهم انها عبارات ترحيب به فرد عليه بأحسن منها وسأله عن أحوال دروسه وكيف يراجع واجباته مبديا اهتمامه بحال صاحبنا الذي كان يرد على معلمه وهو غير مستوعب للأمر حتى هذه اللحظة, فقد دارت في رأسه الصغير عدة تساؤلات بل عدة مخاوف من أن هذا المعلم قد أتى اليوم ليكمل باقي تلك المشكلة التي يحسبها صاحبنا قد حسمت ولكن مجيئه اليوم يؤكد انها لم تحسم بعد بل يؤكد حسب اعتقاده انه قد تم فصله من المدرسة واكبر دليل على هذا هو مجيء المعلم بنفسه الى البيت ليسلم الشيخ خطاب الفصل .
لكن ألم يكن هو موجودا بالمدرسة اليوم حتى نهاية اليوم الدراسي؟؟
اذن لماذا لم يتم تسليمه هو هذا الخطاب ولماذا لم يبلغه السيد الناظر بالأمر؟؟؟
تساؤلات كثيرة وكبيرة دارت في مخيلة صاحبنا فالتفت بشكل لا ارادي الى شيخ بشير الجالس خلفه وكانه يتاكد من وجوده فأبتسم شيخ بشير وابتسم صاحبنا والتفت ناحية ابيه وكأنه يعلن تعيين شيخ بشير كمحامي يدافع عنه لدى ابيه اذا تطلب الأمر.
وهنا قطع حبل افكار صاحبنا صوت أحد (الحيران) وهو يؤذن لصلاة العشاء فتقدم ليتوضأ ثم قام للصلاة خلف ابيه واصطف الجميع فالتفت صاحبنا ليرى معلمه فوجده يتقدم خارجا ويخرج من جيبه علبة سجائره الروثمان وولاعة ذهبية فتابعه بنظره الى ان اختفى خارج الديوان .
بعد انقضاء صلاة العشاء عاد المعلم مرة أخرى ولكن هذه المرة لم يجلس قرب الشيخ في الديوان بل وقف في منتصفه وكانه في انتظار أمر أو شخص ما , وهنا التفت الشيخ الذي كان يتمتم لشيخ بشير الجاثي قربه ببعض العبارات التي اجتهد صاحبنا ولم يستطيع سماعها فرأى المعلم وابتسم له وقاده ممسكا بيده الى داخل المنزل والى أين ؟؟ الى داخل (الخلوة) الخاصة بالشيخ وتبعه شيخ بشير واغلقوا بابها عليهم جميعا , فأسرع صاحبنا الى أمه ( أم الفقراء) وجلس يحكي لها كل ماحدث بالديوان فوجدها غير مستغربة من الأمر وكانت قد تعودت على أمور أكثر غرابة من هذه فهدأت من روع صاحبنا ووعدته بمعرفة الأمر من ابيه الشيخ وأنه لادخل له في الموضوع رغم عدم معرفتها به.
تكررت زيارات المعلم الى منزل الشيخ حتى وصلت خمسة زيارات في خمسة أسابيع حيث كان المعلم يحضر كل أحد من كل أسبوع ويجلس مع الشيخ وشيخ بشير داخل (الخلوة) بعد صلاة العشاء وحتى وقت متاخر او حتى يغط صاحبنا في نوم عميق استعدادا ليوم دراسي حافل ينوي في كل مرة ان يسأل معلمه عن سبب زياراته المتكررة الى والده ولا يستطيع الى أن اتى يوم اعلن فيه الشيخ عن دعوته لعدد من الشيوخ الكبار والمعروفين ومجموعة من الاصدقاء والاهل بمناسبة إقامة (ليلية*) يوم الجمعة القادم.
مرت الأيام سراعا وأتى يوم الجمعة الموعود وكانت أم الفقراء تعد لصاحبنا ثيابه المخصصة لمثل هذه المناسبات وهي عبارة عن جلابية بيضاء ناصعة يميزها جيب أمامي باللون الأخضر مع طاقية خضراء اللون وعصاة صغيرة من الخيزران و(مركوب*) صغير أبيض اللون.
البست ام الفقراء ابنها ثيابه وعطرته بذلك البخور المخصص لمثل هذه المناسبات واعطته عصاته وقدمته وهي تدعو له : الله يعلي مراتبك ياولدي ويعليك فوق المابيك ويحرسك من الحسد والعين ويكبرك واشوفك زي ابواتك ناس (التبروقة*) البجردو(الألفية*) .
تقدم صاحبنا خارج البيت الى الفناء أو الميدان الذي يواجه منزلهم وكانت الساعة قد قاربت التاسعة مساءً وجلس بجانب ابيه بعد ان ألقى التحية على (الحيران) وأومأ لهم برأسه علامة الجلوس وجلس هو على المقعد الأيمن المخصص لإبن الشيخ بصفته الخليفة المرتقب وجال بناظريه على الحضور فوجد مجموعة من الشيوخ المعروفين فقام وحياهم ثم جلس مرة اخرى وكان يؤدي دوره بمسؤلية كبيرة أكبر حتى من عمره الحقيقي وثم التفت يتمعن الحاضرين وفجأة وقف الشيخ فوقف معه كل الحضور ايذانا ببداية (الليلية) وفي الكلمة الافتتاحية قام الشيخ بمناداة شيخ بشير فأتى ومعه شخص يرتدي جلبابا ابيض اللون حافي القدمين حليق شعر الرأس ووقف ذلك الشخص منحنيا أمام الشيخ احتراما له فوضع الشيخ يده اليمنى على رأس ذلك الشخص وامسك بيده ليقف مستقيما وكان ذلك الشخص هو (مايكل اغاستينو) المعلم بتلك المدرسة التابعة للكنيسة.
وجم صاحبنا وتخيل نفسه وهو نائم وان هذا الذي يحدث ماهو إلا حلم من الاحلام المحيرة والتي لاتفسير لها واخذ يتسائل ويسأل نفسه وغاب عن الحضور بتوهانه عنهم مع افكاره للحظات طويلة والشيخ يلقي كلمته و(الحيران) يكبرون ويهللون ويصيحون ويهمهمون وصاحبنا لايسمع شيئا من كل شيء الى ان انتبه فجأة للصمت المخيم حوله والعيون المشرئبة نحو الشيخ فالتفت شطر ابيه ولمح ذلك المعلم غارقا في دموعه وهو يردد
( أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) صلى الله عليه وسلم معلنا دخوله الى الدين الاسلامي الحنيف.

-- -----------

هنا تنتهي لمحات المرحلة الأولى من حياة صاحبنا و تليها الدهشة



*الليلية ---- احتفال ديني متبع لدى الطرق الصوفية يقام ليلا في مناسبات معينة يتم فيه قراءة الاذكار والانشاد والمدائح النبوية تذبح فيه الذبائح ويوزع فيه الطعام.

*المركوب ---- حذاء شعبي سوداني يصنع من جلد الماعز , الابقار , الأغنام والزواحف وأغلاهـ ثمنا الذي يصنع من جلد الحيوانات المتوحشة

*التبروقة ---- مُصلاية أو سجادة تصنع من سعف النخيل وتكون دائرية الشكل

*الألفية ---- هي مسبحة أو سبحة تصنع من نواة ثمار اللالوب وتسمى أيضا اللالوبة وتمتاز بعدد حباتها البالغ ألف حبة بالتمام والكمال وتستعمل في تكرار أو جرد أو تسبيح الأذكار بأعداد كبيرة تصل أحيانا الى سبعين ألفا أو مائة وعشرين ألفا أوأكثر أو أقل.



التوقيع:

انا يوماتي أردد إسمِك بعد الحمدو "مكان الآية"
لما وحاتِك -من أشواقي- حِفِظ القول خيط المُـصلاية



أبــداً ماهُنـتَ ياســـوداننا يـومـاً علـينا

زول الله غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-03-2010, 12:14 PM   #[11]
محمد علي الجراح
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

متابعين يا زول الله...

حكي وابداع



محمد علي الجراح غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-03-2010, 12:19 PM   #[12]
سارة
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية سارة
 
افتراضي

امتااااااااااااااع حد الدهشة



التوقيع: تـجـــاربنا بـالـحيـــاة تــألـــمنـا.... ولــكنــها بــلا شــك تــعلــمنـا
لك الرحمة ياخالد ولنا صبرا جميلا
سارة غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-03-2010, 12:19 PM   #[13]
زول الله
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية زول الله
 
افتراضي


اكشن (5) اندهاش شديد


المكان :
أمام خلوة الشيخ


الزمان :
أول ايام عيد الفطر المبارك

وقف صاحبنا أمام تلك الغرفة الصغيرة المميزة (الخلوة) في انتظار أبيه ليستأذنه في الخروج لمعايدة الاهل والاصدقاء كعادته كل عيد وايضا ليحصل منه على العيدية والتي دائما ماتكون مبلغا كبيرا من المال يدل على عظم مكانة صاحبنا عند ابيه وتدليله له , ورغم انه قد بلغ الرابعة عشرة من العمر الا ان والده لازال يراه طفلا لم يتجاوز السنتين .
كان ابن الشيخ قد تعود ان يمر على الاهل جميعا ممتطيا دراجته البخارية الزرقاء في أول ايام العيد حتى يتفرغ بعدها للنزهة والمرح والانطلاق بعيدا عن كل رقيب او حسيب وهو في ذلك لايخالف عرفا او يكسر قاعدة بل لهوا بريئا ومرحا مباحا لايتجاوز حدود المعقول مع صحبة اختارهم هو حسب نظرته الثاقبة رغم صغر سنه فكانوا من احسن الناس.
مــر اليوم الأول من ذلك العيد روتينيا أدى فيه ابن الشيخ جميع واجباته ومر على جميع الاهل والاصدقاء وكان حاضرا مساءاً للذكر في المنزل مؤديا دوره كإبن ابيه وممارسا نفوذه على الحيران كعادته وايضا حصل منهم على عيدية ضخمة تؤهله لشراء سيارة لو أراد ذلك.
صباح اليوم الثاني من ذلك العيد خرج ابن الشيخ قاصدا صديقه المفضل ابن خالته عبدالله الذي تعود الا يخرج لنزهة الا معه وبالذات في الاعياد والعطلات الرسمية وكان مقربا جدا منه فخرج الاثنان وتوجهوا الى قاعة الصداقة بالخرطوم كأول محطة للنزهة في ذلك اليوم
انقضى الوقت سريعا وانتهى الفيلم وخرج صاحبنا ومعه عبدالله واجتازا الشارع العام ووقفا في مواجهة القاعة من الناحية الأخرى وكان المكان يعج بالباعة المتجولين ومختلف اشكال والوان البشر والفرحة بادية على وجوههم والجو الغائم ينعكس على صفحة النيل الذي يتماوج ماءه بمرور البنطون قادما من جزيرة توتي وحشد من الناس في انتظاره وصياح الاطفال يضفي على المكان سحرا خاصا.
سرح صاحبنا بعيدا بأفكاره حالماً متمتعاً بهذا الجمال الذي بدأ يشعر به ويحسه بطريقة مختلفة عن احساس الاولاد في عمره وحانت منه التفاتة نحو قاعة الصداقة حيث كان الناس لازالوا يخرجون منها. وفي تلك اللحظة ....

رآها..

سمراء في لون البن

لها وهج غريب احس به كلسعة الحمى في جنبه الايسر

لها مقلتان ساحرتان تختزلان كل تاريخ نساءالارض

تفاصيلها دقيقة كأن خالقها يأبى ان يشكلها في حجم كبير حتى لاتضيع معالم فنه.

موزونة في كل شيء وكأنها سيمفونية إلهية تعزفها الملائكة على ابواب الجنة.

كل شيء فيها يدعوك ان تقترب

كل شيء فيها يدفعك للانتحار من اجلها

رأته هي من بعيد ونظرت اليه بل كأنها توقفت لبرهة فتسمرت عيناه عليها وشعر كأن الكون قد توقف في هذه اللحظة عن الدوران تعظيما لهذه الاسطورة حتى انه لم يشعر بابن خالته (عبدالله) وهو يصرخ بإسمه ويمسك به ويشده بقوة من وسط الطريق العام منقذا حياته من تلك السيارة وصرير اطاراتها يصم اذنيه وصوت سائقها يلعنه
لم يشعر بكل ذلك بل ركز كل حواسه عليها وهي تتجه الى عربة صغيرة بيضاء مع رجل متوسط العمر وامرأة متوسطة العمر وجميلة الملامح لاشك بانها امها ومعهم ولد في مثل سنه تقريبا لم يتبين ملامحه جيدا وفهم انهم عائلتها.
ثم خيل اليه انها التفتت وارسلت له ابتسامة على الهواء فطار فرحا لا بل طار عشقا واصبح قريبا من السحب والنجوم التي لم تظهر بعد.
تابعها بعينيه الى ان ركبت تلك العربة واستقرت بالمقعد الخلفي مع أمها وجلس اخوها بالمقعد الامامي ووالده يقود العربة التي تحركت ببطء اتجاه الشرق ثم مالبثت ان دارت وتوجهت نحو الغرب وفي هذه اللحظة صارت اقرب اليه واتجاهها على اليمين حيث يقف هو على الشارع العام فأحس كان ابوها هذا سيقف الآن ويدعوه للركوب معهم او على الاقل تنزل هي ليرجعها صاحبنا الى البيت وكأنه المسؤول عنها وولي أمرها من هذه اللحظة
ثم خيل اليه مرة اخرى - ولكن ليست كالمرة الاولى فابن خالته ايضا لاحظ - انها عندما مرت بجوارهم تماما رفعت يدها خفية وكأنها تودعه مع ابتسامة ما انزل الله بها من سلطان.
ظل صاحبنا طيلة ايام ذاك العيد يتردد على قاعة الصداقة ولكن هذه المرة ليس للترفيه بل بحثا عن تلك التي صارت المسيطرة الوحيدة على أفقه وعلى حياته ككل , لعلها تعود مرة اخرى مع اهلها او لوحدها رغم استبعاده هذا الاحتمال الأخير واخذ يتساءل هل تشعر به مثلما يشعر بها؟
هل لفت نظرها مثلما فعلت هي؟
ماهذا الاحساس الذي يحسه لأول مرة في حياته؟
هل هو الحب الذي سمع عنه في المسلسلات والافلام؟
هل هو الحب الذي قرأ عنه في الروايات والدواوين الشعرية التي كان يستلفها ويقرأها خلسة في غرفته دون علم أبيه؟
هل هذا هو العشق المذكور في الاغاني التي كان يسمعها من جهاز التسجيل الذي يخبئه عن ابيه في غرفته الخاصة؟؟
هل وهل وهل ............

واخيرا...... هل تعود؟؟؟


--------يتبع ----------




التوقيع:

انا يوماتي أردد إسمِك بعد الحمدو "مكان الآية"
لما وحاتِك -من أشواقي- حِفِظ القول خيط المُـصلاية



أبــداً ماهُنـتَ ياســـوداننا يـومـاً علـينا

زول الله غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-03-2010, 12:22 PM   #[14]
سارة
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية سارة
 
افتراضي

بس يا زول لاصدقك القول

حتة بتاعة nysgjerrig كان نفسى اعرف ما دار بين الشيخ والاستاذ

فى اول لقاء بالمدرسة

مهم جدا بالنسبة لى



التوقيع: تـجـــاربنا بـالـحيـــاة تــألـــمنـا.... ولــكنــها بــلا شــك تــعلــمنـا
لك الرحمة ياخالد ولنا صبرا جميلا
سارة غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-03-2010, 12:23 PM   #[15]
زول الله
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية زول الله
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الفطن الوسيم مشاهدة المشاركة
متابعين يا زول الله...
حكي وابداع
فطِن و كمان وسيم ؟ عيني باردة
يديك العافية على المتابعة وأرجانا تلقانا قريبين


اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سارة مشاهدة المشاركة
امتااااااااااااااع حد الدهشة
سارة تشكرااااااات حد السرور
خليك قريبة الدهشة قدام
يديك العافية






التوقيع:

انا يوماتي أردد إسمِك بعد الحمدو "مكان الآية"
لما وحاتِك -من أشواقي- حِفِظ القول خيط المُـصلاية



أبــداً ماهُنـتَ ياســـوداننا يـومـاً علـينا

زول الله غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

تعليقات الفيسبوك


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 08:26 PM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.