منديل حرير !!! النور يوسف

قيامة دولة المتحولون الانسانية !!! أسعد

خِلِّي العيش حرام - عبر الأجيال !!! أشرف السر

آخر 5 مواضيع
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > منتـــــــــدى الحـــــوار

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 06-08-2010, 12:29 AM   #[1]
عماد عبد الله
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية عماد عبد الله
 
افتراضي ياخي .. ده مقلب كبير خلاص

هاهي ..
كتابة قديمة منسية , نزولاً عند إلحاحك يا صديقتي .. أعيد سردها .
يا صديقتي البعيدة ..
الآن .. هل ستكتبين ؟ .
_________
" محمد وشك " لم يكن درويشا أو معتوه .. كان به مسٌ من الرب عظيم , تسكنه عاليات الأطياف من هناك .. من لدن الكُنه البعيد للعوالم الغامضات .و كان " يقوم " مع البحر !!
قالوا ما أن تُرعد في مرتفعات الحبشة و ينتصب عِرقُ النيل هناك و يُنذر قذفاً , حتى يمس " محمد وشك " ما يمسه من ذات حال الدميرة , و يعوده الطيف الغريب الآسر .
( ما للمدو الجزر و أحوال القمر ؟؟ و ما للنيل و طمي محمد وشك الخصيب ؟ . أيتها الإجابات الطلسم ) ..
...........
ذات شتاء , و كلية الفنون تعج و تمور كبحر , و العام الأكاديمي على أواخره , و قد سرقني ما يسرق البني آدم منا في عشرينيات عمره . فما رسمت إلا بالمزاج الذي هو في تلتلة و كرٍ و فرّ .. و ما كنت لونتُ إلا ما لا يتجاوز القطع الثلاث زيتيات .. و مثلها بألوان الماء و بعض الشخبطات بالباستيل و القواش . ذاك ما كان من أمر الرسم و الإستيفاءات الأكاديمية .. و قد انقضى العام الدراسي و ما زلت أكابد البحث في مادة الدراسات العامة ..أطارد الطيب محمد الطيب و دكتور عبدالله الطيب و المكتبات المحشورة في لفائف الخرطوم بكتبها الصفراء القديمة , ثم حبوبة ناس فلان و جد ناس علان .. علني أظفر بما يعينني على رصد مبحثي في ( مفهوم البطولة في الحكاية الشعبية ) .
ثم أن ما يزيد استعصاءً على عصيه .. كان أمر الداخليات و " قعداتها " الصبّاحية بالعود و الغناء متين الوجع و نقرشات الونسة و كواريك السياسة و ذكريات القبلات الاولى و الثانية , ثم الحبيب الذي هو أخا البدر سناءً و سنا , و الذي - في النهايةِ - قد غدر . و الآخر الذي ما يزال في رحم المنى . و ذاك الجميل الذي ماسألناه .. و كثير لغطٍ حول الركوكو و قيم فينوس الجمالية .. و القيامة الكنيسة و غوغان الذي شاخ ليرسم و غويا و الشمس التي تطلع لعيون الحبيبات ليلاً .. و .. و ..
داخلية المقرن لطلاب الفنون " الكنيسة " , و صرير جنادب الليلة يعلو و يتحد في الشملة الكبيرة لأشجار الحديقة النباتية خلف الداخلية .
الكون في الحديقة النباتية عجيبٌ أمره في الليل , و قد كانت تقلقني " الكشكشات " تمرق من بين يوابس الأغصان و الشجيرات هناك لتنسرب صخّابة إلى أذني .. و الدنيا ليلٌ هُسٌ أصمَتُ من قبر .
من عجبٍ أن جوقات تلك الكائنات تصن لأيّما صوتٍ لا ينتمي لها بوشيجة الدبيب الصامت جهراً و الظلمة !!
تتوقف الجنادب حين يكشكش شيءٌ ما . بغتة تكفّ عن الصرير .. و الضفادع تقطع الحركة , تماريها الأشجار و أغصانها عن الهفيف .. و كذا طيور الليل و الخفافيش , تربض في الهواء مترقبة .. حتى الأسد في حديقة الحيوان القريبة يكف عن الزئير و " القَنَتي " . لا يتبقى من صوتٍ ضالٌ غريب .. إلا تلك الكشكشة المريبة .. فأعرف أن ثمة " ود ابن آدم " يأتي بشيء تأباه الدنيا و ناموس الكائنات الآمنة تلك ( كمثل شخصٌ يقضي حاجته الدنيئة , حرامي يتحامى بشجرة , عاشقان يذوبان قبلا .. أمنيٌ سريٌ راصدٌ يتلبد ) .
طاحونة رأسي لا تكف عن الرحي . تفجُر رائحة التربنتاين في خياشيمي , و الألوان و تماويه الظلال النعسَىَ تستطيل بأكثر .. أرفع , و عبق " الحلو مر " ينبعث من درفة الدولاب مكسورة المفاصل , ثم .. لاشيء .
غادرني ليلتها " سيف اللعوتة " ..
تحدثنا و دخنّا . حاضرني ليلتها – كعادته – عن الرفق بالقوارير و محمود محمد طه و صلاح محمد عيسى و السمندل و ما هو باين في العيون .. و .. و .. و
ما توقفنا كلاماً حتى كسر الليل صندلَهُ .. و سكن .
كنت ألون بمسام جنوني دفعةً واحدة . قطعة من طبيعةٍ صامتة still life . و قد أغوتني لوحتي من بعد كل ذاك الحديث ذو الشهاوى مع " سيف " , و الذي ندبني حضاً على فتح بوابات الروح على قصوى مشارعها .. فنويتها فتحاً لليلتي تلك .
ارتميتُ أرسم - وعلى الجدار القديم , و بلونٍ أزرق لفرشاةٍ عجفاء , بقى وشمٌ حروفيٌ عتيق خطه أحدهم ( مِنْ أين .. يا امرأةً بُحّتْ لها حَنجُرة الغناءِ الجميلْ ) .. و الليل سيدٌ . انتصب شيطاني .. و النوايا .. فآليتُ الليلة غزوةً ترقص على حمى إيقاعها بنات دمي .
............
رأيتُ برتقالتي تتدحرج - و الغرفة الزنزانة تخذت شكل الدماغ الكبير - ما كان دماغي .. لكنه كونٌ من أدمغةٍ ذواكرَ عبرنني .. و هواجس و مُنىٍ من ضبابٍ و إحَنْ . وحدي كنت أمام لوحةٍ يتوجبُ الخلاص منها .. و ملزمٌ على محاحاتها لساعة متأخرة من ليلتي الجن تلك .
...........
" بابكر دينق " - و هو العامل الجميل بقسم التلوين - كان يلح في أن أكمل مجموعتي لامتحان التخرج . و بابكر دينق هذا له مزاجه الذي يميل به - إن مال - إلى أن يقول لك بعربيته العجيمة المحلاة بلسان الدينكا .. عن يقين العارفين يفتي بأن : شُغُل ده سوي ليهو شوية أحمر هني . فتنتابك وساوس اللون , لتعيد قراءتها توجساً بصرياً - و الشوف شوف دينق ,
لتعرف حينها كم أن هنري روسو كان مدهشاً , و أنك فقط فأرٌ أكاديمي مشروط بالتنظير العنكبوت و أطلاله . تلك اللوحة في بهمة ليلتي تلك , و النافذة من خلفي بحديقتها و هوامها و أصوات مساءها .. توسوس فاتحاةً كوة في مؤخر رأسي . النافذة الحديدية أم سيخ , تطل على الحديقة النباتية في حي المقرن , و الدنيا شتاء .
.............
" محمد وشك " لم أعرفه مجنونا .
كنت و إياه نرتاد الخلاء " فوق " , عند أطراف البلد : حفير مشو .. أو نلوذ بمقابرها و السور القديم للقبة هناك .. مستغرقٌ يكون هو في تأمل المقابر أو الصحراء العميقة تنسحب إلى جوف الأفق , و يغمغم :
ياخي ده مقلب كبير خلاص . ثم .. لا يزيد .
بقيت في " حفير مشو " أياما , ظللتُ فيهن أصحو لأجده قابعا طرف فراشي في الديوان الكبير . ساهمٌ في ملكوت الله بوجهٍ خلوٍ من التعبير , هو فقط وجه ( و انا مفتونٌ بالأوجه الإنسان ) . ينظر في عيني مباشرة دو ن أن يطرف - و ما لحظتُ عيناه تطرفان مُذ عرفته - يقول بعدها : الشاي كيف ؟؟ ثم يرتد صموتا . نخرج أنا و إياه مصطحبين الأعشاب الخضراء اليابسة ملفوفة بعنايته .. و نقصد إلى النيل .
يسبح " محمد وشك " إلى الجزيرة البعيدة ببطء .. و كأن لا حواس في جلده تتلمس برودة ماء النهر اللازوردي الساكن في صفوه المرآة .. و غبشة الصباح الشمالي القارسة . أتامل جسده الجذع العظيم لشجرةٍ عملاقة .. و هو يمعن سباحةً في قهر النهر و يبتعد في أناةٍ و بطء , فكأنما النهر منه و هو له .. و أنا أمج اللفافات , و يأكلني قلقٌ ركّاضٌ لذيذ .يعود صاحبي مبتلاً يرتعش , بودعاتٍ صغيراتٍ بيضٍ يعود , ثم لا يكف عن تقليبها في يده .. و يردد :
ياخي ده مقلب كبير خلاص .
يقوم إلى " طين البحر " فيكومه عندي .. تحت القيفة المبتلة قبالة النيل الشمالي . يكوم طمياً متماسكاً طيب الرائحة , لزجٌ و نقي , يرمقني بعيني الجارح , و دون طرفٍ يقول : كده بالله يا معلم أعمل لي دبتشي بيتشن .
ذلك فقط ما يتذكره من أسماء علقت بذاكرته بعد زياراته للخرطوم , و سينما كلوزيوم .. هذا الكاوبوي الـ " دبتشي بيتشن " و كان يعني النجم الهوليوودي حينها روبرت ميتشوم . فأظل أخلق له من الطين ما شاء من الدبتشي بتشنات , و نسوة عارياتٍ و خيل و لواري و تماسيح .. هو يقلبها و يبتسم لها و للدميرة الكبيرة داخل دماغه :
سبحان الله .. ياخي ده مقلب كبير خلاص .
..............
أتراجع كنت إلى أبعد نقطة من تلك اللوحة , أسحب أنفاسا ثقيلة من أعقاب البرنجي المتناثرة على أرضية الغرفة العارية , و أعود إليها .. تلك المتاهة , لوحتي .
يطن ويلسون .. و غارودي و كانط و إليوت . موسيقى ترتكبني فأرتكب فيها شبقاً يتواطأ و اللون البرتقالي الفاحش الحار على اللوحة و حامل اللون .. مندغمٌ بكلي فيما لا كنه له . تطن دنيا الحديقة النباتية خلفي , تفغر النافذة الحديدية مزيداً من الكوى في مؤخر رأسي .. تتصاعد وتيرة حُمايَ .. فأوقن أكثر فأكثر بقدرية غوصي الآتية .
برتقالتان كانتا , و زجاجة بيرة خضراء .. تتماسكان على قطعة دلقان لا لون لها . ذاك كان كل الفخ اللازم .. و أنا الطريدة .
كنت أرسم بسكين اللون .. طيّعةً كانت كأنني ما كنت من يحركها . أرشقها في البياض الناداء , لطعاتٍ لونية سميكة تتراكم فوق بعضٍ مع كل نصل يقعي على سطح اللوحة .. و الحياة تدب في الشرك الذي أهيئ حباله لي .
رائحة زيت التربنتاين تزكم خيالاتي , و كهربية دماغي في أطيب أعالي مدها الكيلواطي , و الإستدعاءات في الذاكرة تطلق صافراتها . ضجيجٌ متجانس من كل ذاك .. فلا أنا حواس خمس ورطتئذٍ .. بل كنتٌ ملايين الحواس الكونية مكتملة العدة للطفرة القادمة قفزاً في الزمان الطليق . بقيت متحداً و هذا الطوفان الراعف بيني و الوجود الذي فتح مغارة سِرّهُ القُدس لي .
ثم .. تدحرجَت - البرتقالة الشيطان اللون - أقسم أني رأيتها تتدحرج , البرتقالة تدحرجت أماماً و التمع تكور كتلتها و هي تفعل .. ساحبةٌ معها ألوانها المبتلة بطيئاً تدحرجتْ .. تزمع سقوطاً من اللوحة , ارتعشت عضلة يدي بلا إرادة كمن يهم بمحاولةٍ لالتقاط برتقالتي و ألوانها المندلقات من السقوط . في الثانية التي أخذتني فيها شهقة الرعب و الدهشة و محاولة تحديد المعادلة الحيرى بين التوهم و الحقيقة , بين ميتافيزيقا الوجود و اليقين فيه ..
في تلك الطرفة من الزمان تماما .. توقفت البرتقالة الشرك / اللون عن الحراك ..
فاجَأتْها (عقلنتيَ ) الخرقاء و هي تتخلق في عُري هويتها الطـازجة , فأجأتها تتعرى و هي مضغةٌ تقطع المسافة بين الفكرة المحضة و اليقين الوجودي ..
برتقالتي الأنثى الجوعى للكينونة استحَتْ و غضِبَتْ .. وأمسَكَتْ , فسَكَنَتْ .
من يومها .. ساكنةٌ هي الأشياء عندي , من بعد أن أضِعتُ روحها في غيبوبة الظل المنعكس .. و شرخ مرايايَ الغبشاء .. وعتمة روحي المتهالكة .
.............
" محمد وشك " لم يكن مجنونا ..
كان فقط .. بصيراً .



عماد عبد الله غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 06-08-2010, 12:35 AM   #[2]
سارة
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية سارة
 
افتراضي

عماد يا جميل يسعد مساك

الخط الله يرضى عليك



التوقيع: تـجـــاربنا بـالـحيـــاة تــألـــمنـا.... ولــكنــها بــلا شــك تــعلــمنـا
لك الرحمة ياخالد ولنا صبرا جميلا
سارة غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 06-08-2010, 12:44 AM   #[3]
عماد عبد الله
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية عماد عبد الله
 
افتراضي

و الله يا سارة انا شغال على لابتوب mac
لا بقدر أكبر و لا أصغر .. الحاجات كلها مافيشة ..
مافي غير خط الله و الرسول ده .. أسوي شنو ؟؟

.......
إنتي سوي ..
غيري النضارة .

يسعد مساك يا سارة .



عماد عبد الله غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 06-08-2010, 12:57 AM   #[4]
سارة
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية سارة
 
افتراضي

نكبر ونلون تدفع كم



التوقيع: تـجـــاربنا بـالـحيـــاة تــألـــمنـا.... ولــكنــها بــلا شــك تــعلــمنـا
لك الرحمة ياخالد ولنا صبرا جميلا
سارة غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 06-08-2010, 01:07 AM   #[5]
طارق الحسن محمد
Banned
الصورة الرمزية طارق الحسن محمد
 
افتراضي

[size=3[B]]--------------------------------------------------------------------------------

هاهي ..
كتابة قديمة منسية , نزولاً عند إلحاحك يا صديقتي .. أعيد سردها .
يا صديقتي البعيدة ..
الآن .. هل ستكتبين ؟ .
_________
" محمد وشك " لم يكن درويشا أو معتوه .. كان به مسٌ من الرب عظيم , تسكنه عاليات الأطياف من هناك .. من لدن الكُنه البعيد للعوالم الغامضات .و كان " يقوم " مع البحر !!
قالوا ما أن تُرعد في مرتفعات الحبشة و ينتصب عِرقُ النيل هناك و يُنذر قذفاً , حتى يمس " محمد وشك " ما يمسه من ذات حال الدميرة , و يعوده الطيف الغريب الآسر .
( ما للمدو الجزر و أحوال القمر ؟؟ و ما للنيل و طمي محمد وشك الخصيب ؟ . أيتها الإجابات الطلسم ) ..
...........
ذات شتاء , و كلية الفنون تعج و تمور كبحر , و العام الأكاديمي على أواخره , و قد سرقني ما يسرق البني آدم منا في عشرينيات عمره . فما رسمت إلا بالمزاج الذي هو في تلتلة و كرٍ و فرّ .. و ما كنت لونتُ إلا ما لا يتجاوز القطع الثلاث زيتيات .. و مثلها بألوان الماء و بعض الشخبطات بالباستيل و القواش . ذاك ما كان من أمر الرسم و الإستيفاءات الأكاديمية .. و قد انقضى العام الدراسي و ما زلت أكابد البحث في مادة الدراسات العامة ..أطارد الطيب محمد الطيب و دكتور عبدالله الطيب و المكتبات المحشورة في لفائف الخرطوم بكتبها الصفراء القديمة , ثم حبوبة ناس فلان و جد ناس علان .. علني أظفر بما يعينني على رصد مبحثي في ( مفهوم البطولة في الحكاية الشعبية ) .
ثم أن ما يزيد استعصاءً على عصيه .. كان أمر الداخليات و " قعداتها " الصبّاحية بالعود و الغناء متين الوجع و نقرشات الونسة و كواريك السياسة و ذكريات القبلات الاولى و الثانية , ثم الحبيب الذي هو أخا البدر سناءً و سنا , و الذي - في النهايةِ - قد غدر . و الآخر الذي ما يزال في رحم المنى . و ذاك الجميل الذي ماسألناه .. و كثير لغطٍ حول الركوكو و قيم فينوس الجمالية .. و القيامة الكنيسة و غوغان الذي شاخ ليرسم و غويا و الشمس التي تطلع لعيون الحبيبات ليلاً .. و .. و ..
داخلية المقرن لطلاب الفنون " الكنيسة " , و صرير جنادب الليلة يعلو و يتحد في الشملة الكبيرة لأشجار الحديقة النباتية خلف الداخلية .
الكون في الحديقة النباتية عجيبٌ أمره في الليل , و قد كانت تقلقني " الكشكشات " تمرق من بين يوابس الأغصان و الشجيرات هناك لتنسرب صخّابة إلى أذني .. و الدنيا ليلٌ هُسٌ أصمَتُ من قبر .
من عجبٍ أن جوقات تلك الكائنات تصن لأيّما صوتٍ لا ينتمي لها بوشيجة الدبيب الصامت جهراً و الظلمة !!
تتوقف الجنادب حين يكشكش شيءٌ ما . بغتة تكفّ عن الصرير .. و الضفادع تقطع الحركة , تماريها الأشجار و أغصانها عن الهفيف .. و كذا طيور الليل و الخفافيش , تربض في الهواء مترقبة .. حتى الأسد في حديقة الحيوان القريبة يكف عن الزئير و " القَنَتي " . لا يتبقى من صوتٍ ضالٌ غريب .. إلا تلك الكشكشة المريبة .. فأعرف أن ثمة " ود ابن آدم " يأتي بشيء تأباه الدنيا و ناموس الكائنات الآمنة تلك ( كمثل شخصٌ يقضي حاجته الدنيئة , حرامي يتحامى بشجرة , عاشقان يذوبان قبلا .. أمنيٌ سريٌ راصدٌ يتلبد ) .
طاحونة رأسي لا تكف عن الرحي . تفجُر رائحة التربنتاين في خياشيمي , و الألوان و تماويه الظلال النعسَىَ تستطيل بأكثر .. أرفع , و عبق " الحلو مر " ينبعث من درفة الدولاب مكسورة المفاصل , ثم .. لاشيء .
غادرني ليلتها " سيف اللعوتة " ..
تحدثنا و دخنّا . حاضرني ليلتها – كعادته – عن الرفق بالقوارير و محمود محمد طه و صلاح محمد عيسى و السمندل و ما هو باين في العيون .. و .. و .. و
ما توقفنا كلاماً حتى كسر الليل صندلَهُ .. و سكن .
كنت ألون بمسام جنوني دفعةً واحدة . قطعة من طبيعةٍ صامتة still life . و قد أغوتني لوحتي من بعد كل ذاك الحديث ذو الشهاوى مع " سيف " , و الذي ندبني حضاً على فتح بوابات الروح على قصوى مشارعها .. فنويتها فتحاً لليلتي تلك .
ارتميتُ أرسم - وعلى الجدار القديم , و بلونٍ أزرق لفرشاةٍ عجفاء , بقى وشمٌ حروفيٌ عتيق خطه أحدهم ( مِنْ أين .. يا امرأةً بُحّتْ لها حَنجُرة الغناءِ الجميلْ ) .. و الليل سيدٌ . انتصب شيطاني .. و النوايا .. فآليتُ الليلة غزوةً ترقص على حمى إيقاعها بنات دمي .
............
رأيتُ برتقالتي تتدحرج - و الغرفة الزنزانة تخذت شكل الدماغ الكبير - ما كان دماغي .. لكنه كونٌ من أدمغةٍ ذواكرَ عبرنني .. و هواجس و مُنىٍ من ضبابٍ و إحَنْ . وحدي كنت أمام لوحةٍ يتوجبُ الخلاص منها .. و ملزمٌ على محاحاتها لساعة متأخرة من ليلتي الجن تلك .
...........
" بابكر دينق " - و هو العامل الجميل بقسم التلوين - كان يلح في أن أكمل مجموعتي لامتحان التخرج . و بابكر دينق هذا له مزاجه الذي يميل به - إن مال - إلى أن يقول لك بعربيته العجيمة المحلاة بلسان الدينكا .. عن يقين العارفين يفتي بأن : شُغُل ده سوي ليهو شوية أحمر هني . فتنتابك وساوس اللون , لتعيد قراءتها توجساً بصرياً - و الشوف شوف دينق ,
لتعرف حينها كم أن هنري روسو كان مدهشاً , و أنك فقط فأرٌ أكاديمي مشروط بالتنظير العنكبوت و أطلاله . تلك اللوحة في بهمة ليلتي تلك , و النافذة من خلفي بحديقتها و هوامها و أصوات مساءها .. توسوس فاتحاةً كوة في مؤخر رأسي . النافذة الحديدية أم سيخ , تطل على الحديقة النباتية في حي المقرن , و الدنيا شتاء .
.............
" محمد وشك " لم أعرفه مجنونا .
كنت و إياه نرتاد الخلاء " فوق " , عند أطراف البلد : حفير مشو .. أو نلوذ بمقابرها و السور القديم للقبة هناك .. مستغرقٌ يكون هو في تأمل المقابر أو الصحراء العميقة تنسحب إلى جوف الأفق , و يغمغم :
ياخي ده مقلب كبير خلاص . ثم .. لا يزيد .
بقيت في " حفير مشو " أياما , ظللتُ فيهن أصحو لأجده قابعا طرف فراشي في الديوان الكبير . ساهمٌ في ملكوت الله بوجهٍ خلوٍ من التعبير , هو فقط وجه ( و انا مفتونٌ بالأوجه الإنسان ) . ينظر في عيني مباشرة دو ن أن يطرف - و ما لحظتُ عيناه تطرفان مُذ عرفته - يقول بعدها : الشاي كيف ؟؟ ثم يرتد صموتا . نخرج أنا و إياه مصطحبين الأعشاب الخضراء اليابسة ملفوفة بعنايته .. و نقصد إلى النيل .
يسبح " محمد وشك " إلى الجزيرة البعيدة ببطء .. و كأن لا حواس في جلده تتلمس برودة ماء النهر اللازوردي الساكن في صفوه المرآة .. و غبشة الصباح الشمالي القارسة . أتامل جسده الجذع العظيم لشجرةٍ عملاقة .. و هو يمعن سباحةً في قهر النهر و يبتعد في أناةٍ و بطء , فكأنما النهر منه و هو له .. و أنا أمج اللفافات , و يأكلني قلقٌ ركّاضٌ لذيذ .يعود صاحبي مبتلاً يرتعش , بودعاتٍ صغيراتٍ بيضٍ يعود , ثم لا يكف عن تقليبها في يده .. و يردد :
ياخي ده مقلب كبير خلاص .
يقوم إلى " طين البحر " فيكومه عندي .. تحت القيفة المبتلة قبالة النيل الشمالي . يكوم طمياً متماسكاً طيب الرائحة , لزجٌ و نقي , يرمقني بعيني الجارح , و دون طرفٍ يقول : كده بالله يا معلم أعمل لي دبتشي بيتشن .
ذلك فقط ما يتذكره من أسماء علقت بذاكرته بعد زياراته للخرطوم , و سينما كلوزيوم .. هذا الكاوبوي الـ " دبتشي بيتشن " و كان يعني النجم الهوليوودي حينها روبرت ميتشوم . فأظل أخلق له من الطين ما شاء من الدبتشي بتشنات , و نسوة عارياتٍ و خيل و لواري و تماسيح .. هو يقلبها و يبتسم لها و للدميرة الكبيرة داخل دماغه :
سبحان الله .. ياخي ده مقلب كبير خلاص .
..............
أتراجع كنت إلى أبعد نقطة من تلك اللوحة , أسحب أنفاسا ثقيلة من أعقاب البرنجي المتناثرة على أرضية الغرفة العارية , و أعود إليها .. تلك المتاهة , لوحتي .
يطن ويلسون .. و غارودي و كانط و إليوت . موسيقى ترتكبني فأرتكب فيها شبقاً يتواطأ و اللون البرتقالي الفاحش الحار على اللوحة و حامل اللون .. مندغمٌ بكلي فيما لا كنه له . تطن دنيا الحديقة النباتية خلفي , تفغر النافذة الحديدية مزيداً من الكوى في مؤخر رأسي .. تتصاعد وتيرة حُمايَ .. فأوقن أكثر فأكثر بقدرية غوصي الآتية .
برتقالتان كانتا , و زجاجة بيرة خضراء .. تتماسكان على قطعة دلقان لا لون لها . ذاك كان كل الفخ اللازم .. و أنا الطريدة .
كنت أرسم بسكين اللون .. طيّعةً كانت كأنني ما كنت من يحركها . أرشقها في البياض الناداء , لطعاتٍ لونية سميكة تتراكم فوق بعضٍ مع كل نصل يقعي على سطح اللوحة .. و الحياة تدب في الشرك الذي أهيئ حباله لي .
رائحة زيت التربنتاين تزكم خيالاتي , و كهربية دماغي في أطيب أعالي مدها الكيلواطي , و الإستدعاءات في الذاكرة تطلق صافراتها . ضجيجٌ متجانس من كل ذاك .. فلا أنا حواس خمس ورطتئذٍ .. بل كنتٌ ملايين الحواس الكونية مكتملة العدة للطفرة القادمة قفزاً في الزمان الطليق . بقيت متحداً و هذا الطوفان الراعف بيني و الوجود الذي فتح مغارة سِرّهُ القُدس لي .
ثم .. تدحرجَت - البرتقالة الشيطان اللون - أقسم أني رأيتها تتدحرج , البرتقالة تدحرجت أماماً و التمع تكور كتلتها و هي تفعل .. ساحبةٌ معها ألوانها المبتلة بطيئاً تدحرجتْ .. تزمع سقوطاً من اللوحة , ارتعشت عضلة يدي بلا إرادة كمن يهم بمحاولةٍ لالتقاط برتقالتي و ألوانها المندلقات من السقوط . في الثانية التي أخذتني فيها شهقة الرعب و الدهشة و محاولة تحديد المعادلة الحيرى بين التوهم و الحقيقة , بين ميتافيزيقا الوجود و اليقين فيه ..
في تلك الطرفة من الزمان تماما .. توقفت البرتقالة الشرك / اللون عن الحراك ..
فاجَأتْها (عقلنتيَ ) الخرقاء و هي تتخلق في عُري هويتها الطـازجة , فأجأتها تتعرى و هي مضغةٌ تقطع المسافة بين الفكرة المحضة و اليقين الوجودي ..
برتقالتي الأنثى الجوعى للكينونة استحَتْ و غضِبَتْ .. وأمسَكَتْ , فسَكَنَتْ .
من يومها .. ساكنةٌ هي الأشياء عندي , من بعد أن أضِعتُ روحها في غيبوبة الظل المنعكس .. و شرخ مرايايَ الغبشاء .. وعتمة روحي المتهالكة .
.............
" محمد وشك " لم يكن مجنونا ..
كان فقط .. بصير
[/B]اً .

[/size]


سارة ما براها يا عمدة
عتتنا ياخى
بلغنا عتيا



طارق الحسن محمد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 06-08-2010, 01:12 AM   #[6]
اشرف السر
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية اشرف السر
 
افتراضي

عماد عبد الله


شدني جنونك الوجودي والبصيرة المنفتحة نحو ما هو مخبوء...

نص جميل يا جميل، وعذرا إنما انا متذوق اسكرتني برتقالتك المسكوبة هنا..



التوقيع:

اشرف السر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 06-08-2010, 09:52 AM   #[7]
wadosman
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

صبااحيه و لا...مع هذا النص الجميل


تسلم يا عمده..



wadosman غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 06-08-2010, 11:53 AM   #[8]
الوليد محمد الأمين
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية الوليد محمد الأمين
 
افتراضي

التحايا يا عمدة

المقالب كتيرة في البلد العلينا دي ...

استمتعنا غايتو ....



الوليد محمد الأمين غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-08-2010, 10:42 AM   #[9]
Ishraga Hamid
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية Ishraga Hamid
 
افتراضي

بلى..
محمد وشك مجنونا ولهذا فهو بصيرا

شعرة برتقالية تربط بين الجنون والحكمة..



Ishraga Hamid غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-08-2010, 11:41 AM   #[10]
خالد الصائغ
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية خالد الصائغ
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عماد عبد الله مشاهدة المشاركة
هاهي ..
كتابة قديمة منسية , نزولاً عند إلحاحك يا صديقتي .. أعيد سردها .
يا صديقتي البعيدة ..
الآن .. هل ستكتبين ؟ .
_________
" محمد وشك " لم يكن درويشا أو معتوه .. كان به مسٌ من الرب عظيم , تسكنه عاليات الأطياف من هناك .. من لدن الكُنه البعيد للعوالم الغامضات .و كان " يقوم " مع البحر !!
قالوا ما أن تُرعد في مرتفعات الحبشة و ينتصب عِرقُ النيل هناك و يُنذر قذفاً , حتى يمس " محمد وشك " ما يمسه من ذات حال الدميرة , و يعوده الطيف الغريب الآسر .
( ما للمدو الجزر و أحوال القمر ؟؟ و ما للنيل و طمي محمد وشك الخصيب ؟ . أيتها الإجابات الطلسم ) ..
...........
ذات شتاء , و كلية الفنون تعج و تمور كبحر , و العام الأكاديمي على أواخره , و قد سرقني ما يسرق البني آدم منا في عشرينيات عمره . فما رسمت إلا بالمزاج الذي هو في تلتلة و كرٍ و فرّ .. و ما كنت لونتُ إلا ما لا يتجاوز القطع الثلاث زيتيات .. و مثلها بألوان الماء و بعض الشخبطات بالباستيل و القواش . ذاك ما كان من أمر الرسم و الإستيفاءات الأكاديمية .. و قد انقضى العام الدراسي و ما زلت أكابد البحث في مادة الدراسات العامة ..أطارد الطيب محمد الطيب و دكتور عبدالله الطيب و المكتبات المحشورة في لفائف الخرطوم بكتبها الصفراء القديمة , ثم حبوبة ناس فلان و جد ناس علان .. علني أظفر بما يعينني على رصد مبحثي في ( مفهوم البطولة في الحكاية الشعبية ) .
ثم أن ما يزيد استعصاءً على عصيه .. كان أمر الداخليات و " قعداتها " الصبّاحية بالعود و الغناء متين الوجع و نقرشات الونسة و كواريك السياسة و ذكريات القبلات الاولى و الثانية , ثم الحبيب الذي هو أخا البدر سناءً و سنا , و الذي - في النهايةِ - قد غدر . و الآخر الذي ما يزال في رحم المنى . و ذاك الجميل الذي ماسألناه .. و كثير لغطٍ حول الركوكو و قيم فينوس الجمالية .. و القيامة الكنيسة و غوغان الذي شاخ ليرسم و غويا و الشمس التي تطلع لعيون الحبيبات ليلاً .. و .. و ..
داخلية المقرن لطلاب الفنون " الكنيسة " , و صرير جنادب الليلة يعلو و يتحد في الشملة الكبيرة لأشجار الحديقة النباتية خلف الداخلية .
الكون في الحديقة النباتية عجيبٌ أمره في الليل , و قد كانت تقلقني " الكشكشات " تمرق من بين يوابس الأغصان و الشجيرات هناك لتنسرب صخّابة إلى أذني .. و الدنيا ليلٌ هُسٌ أصمَتُ من قبر .
من عجبٍ أن جوقات تلك الكائنات تصن لأيّما صوتٍ لا ينتمي لها بوشيجة الدبيب الصامت جهراً و الظلمة !!
تتوقف الجنادب حين يكشكش شيءٌ ما . بغتة تكفّ عن الصرير .. و الضفادع تقطع الحركة , تماريها الأشجار و أغصانها عن الهفيف .. و كذا طيور الليل و الخفافيش , تربض في الهواء مترقبة .. حتى الأسد في حديقة الحيوان القريبة يكف عن الزئير و " القَنَتي " . لا يتبقى من صوتٍ ضالٌ غريب .. إلا تلك الكشكشة المريبة .. فأعرف أن ثمة " ود ابن آدم " يأتي بشيء تأباه الدنيا و ناموس الكائنات الآمنة تلك ( كمثل شخصٌ يقضي حاجته الدنيئة , حرامي يتحامى بشجرة , عاشقان يذوبان قبلا .. أمنيٌ سريٌ راصدٌ يتلبد ) .
طاحونة رأسي لا تكف عن الرحي . تفجُر رائحة التربنتاين في خياشيمي , و الألوان و تماويه الظلال النعسَىَ تستطيل بأكثر .. أرفع , و عبق " الحلو مر " ينبعث من درفة الدولاب مكسورة المفاصل , ثم .. لاشيء .
غادرني ليلتها " سيف اللعوتة " ..
تحدثنا و دخنّا . حاضرني ليلتها – كعادته – عن الرفق بالقوارير و محمود محمد طه و صلاح محمد عيسى و السمندل و ما هو باين في العيون .. و .. و .. و
ما توقفنا كلاماً حتى كسر الليل صندلَهُ .. و سكن .
كنت ألون بمسام جنوني دفعةً واحدة . قطعة من طبيعةٍ صامتة still life . و قد أغوتني لوحتي من بعد كل ذاك الحديث ذو الشهاوى مع " سيف " , و الذي ندبني حضاً على فتح بوابات الروح على قصوى مشارعها .. فنويتها فتحاً لليلتي تلك .
ارتميتُ أرسم - وعلى الجدار القديم , و بلونٍ أزرق لفرشاةٍ عجفاء , بقى وشمٌ حروفيٌ عتيق خطه أحدهم ( مِنْ أين .. يا امرأةً بُحّتْ لها حَنجُرة الغناءِ الجميلْ ) .. و الليل سيدٌ . انتصب شيطاني .. و النوايا .. فآليتُ الليلة غزوةً ترقص على حمى إيقاعها بنات دمي .
............
رأيتُ برتقالتي تتدحرج - و الغرفة الزنزانة تخذت شكل الدماغ الكبير - ما كان دماغي .. لكنه كونٌ من أدمغةٍ ذواكرَ عبرنني .. و هواجس و مُنىٍ من ضبابٍ و إحَنْ . وحدي كنت أمام لوحةٍ يتوجبُ الخلاص منها .. و ملزمٌ على محاحاتها لساعة متأخرة من ليلتي الجن تلك .
...........
" بابكر دينق " - و هو العامل الجميل بقسم التلوين - كان يلح في أن أكمل مجموعتي لامتحان التخرج . و بابكر دينق هذا له مزاجه الذي يميل به - إن مال - إلى أن يقول لك بعربيته العجيمة المحلاة بلسان الدينكا .. عن يقين العارفين يفتي بأن : شُغُل ده سوي ليهو شوية أحمر هني . فتنتابك وساوس اللون , لتعيد قراءتها توجساً بصرياً - و الشوف شوف دينق ,
لتعرف حينها كم أن هنري روسو كان مدهشاً , و أنك فقط فأرٌ أكاديمي مشروط بالتنظير العنكبوت و أطلاله . تلك اللوحة في بهمة ليلتي تلك , و النافذة من خلفي بحديقتها و هوامها و أصوات مساءها .. توسوس فاتحاةً كوة في مؤخر رأسي . النافذة الحديدية أم سيخ , تطل على الحديقة النباتية في حي المقرن , و الدنيا شتاء .
.............
" محمد وشك " لم أعرفه مجنونا .
كنت و إياه نرتاد الخلاء " فوق " , عند أطراف البلد : حفير مشو .. أو نلوذ بمقابرها و السور القديم للقبة هناك .. مستغرقٌ يكون هو في تأمل المقابر أو الصحراء العميقة تنسحب إلى جوف الأفق , و يغمغم :
ياخي ده مقلب كبير خلاص . ثم .. لا يزيد .
بقيت في " حفير مشو " أياما , ظللتُ فيهن أصحو لأجده قابعا طرف فراشي في الديوان الكبير . ساهمٌ في ملكوت الله بوجهٍ خلوٍ من التعبير , هو فقط وجه ( و انا مفتونٌ بالأوجه الإنسان ) . ينظر في عيني مباشرة دو ن أن يطرف - و ما لحظتُ عيناه تطرفان مُذ عرفته - يقول بعدها : الشاي كيف ؟؟ ثم يرتد صموتا . نخرج أنا و إياه مصطحبين الأعشاب الخضراء اليابسة ملفوفة بعنايته .. و نقصد إلى النيل .
يسبح " محمد وشك " إلى الجزيرة البعيدة ببطء .. و كأن لا حواس في جلده تتلمس برودة ماء النهر اللازوردي الساكن في صفوه المرآة .. و غبشة الصباح الشمالي القارسة . أتامل جسده الجذع العظيم لشجرةٍ عملاقة .. و هو يمعن سباحةً في قهر النهر و يبتعد في أناةٍ و بطء , فكأنما النهر منه و هو له .. و أنا أمج اللفافات , و يأكلني قلقٌ ركّاضٌ لذيذ .يعود صاحبي مبتلاً يرتعش , بودعاتٍ صغيراتٍ بيضٍ يعود , ثم لا يكف عن تقليبها في يده .. و يردد :
ياخي ده مقلب كبير خلاص .
يقوم إلى " طين البحر " فيكومه عندي .. تحت القيفة المبتلة قبالة النيل الشمالي . يكوم طمياً متماسكاً طيب الرائحة , لزجٌ و نقي , يرمقني بعيني الجارح , و دون طرفٍ يقول : كده بالله يا معلم أعمل لي دبتشي بيتشن .
ذلك فقط ما يتذكره من أسماء علقت بذاكرته بعد زياراته للخرطوم , و سينما كلوزيوم .. هذا الكاوبوي الـ " دبتشي بيتشن " و كان يعني النجم الهوليوودي حينها روبرت ميتشوم . فأظل أخلق له من الطين ما شاء من الدبتشي بتشنات , و نسوة عارياتٍ و خيل و لواري و تماسيح .. هو يقلبها و يبتسم لها و للدميرة الكبيرة داخل دماغه :
سبحان الله .. ياخي ده مقلب كبير خلاص .
..............
أتراجع كنت إلى أبعد نقطة من تلك اللوحة , أسحب أنفاسا ثقيلة من أعقاب البرنجي المتناثرة على أرضية الغرفة العارية , و أعود إليها .. تلك المتاهة , لوحتي .
يطن ويلسون .. و غارودي و كانط و إليوت . موسيقى ترتكبني فأرتكب فيها شبقاً يتواطأ و اللون البرتقالي الفاحش الحار على اللوحة و حامل اللون .. مندغمٌ بكلي فيما لا كنه له . تطن دنيا الحديقة النباتية خلفي , تفغر النافذة الحديدية مزيداً من الكوى في مؤخر رأسي .. تتصاعد وتيرة حُمايَ .. فأوقن أكثر فأكثر بقدرية غوصي الآتية .
برتقالتان كانتا , و زجاجة بيرة خضراء .. تتماسكان على قطعة دلقان لا لون لها . ذاك كان كل الفخ اللازم .. و أنا الطريدة .
كنت أرسم بسكين اللون .. طيّعةً كانت كأنني ما كنت من يحركها . أرشقها في البياض الناداء , لطعاتٍ لونية سميكة تتراكم فوق بعضٍ مع كل نصل يقعي على سطح اللوحة .. و الحياة تدب في الشرك الذي أهيئ حباله لي .
رائحة زيت التربنتاين تزكم خيالاتي , و كهربية دماغي في أطيب أعالي مدها الكيلواطي , و الإستدعاءات في الذاكرة تطلق صافراتها . ضجيجٌ متجانس من كل ذاك .. فلا أنا حواس خمس ورطتئذٍ .. بل كنتٌ ملايين الحواس الكونية مكتملة العدة للطفرة القادمة قفزاً في الزمان الطليق . بقيت متحداً و هذا الطوفان الراعف بيني و الوجود الذي فتح مغارة سِرّهُ القُدس لي .
ثم .. تدحرجَت - البرتقالة الشيطان اللون - أقسم أني رأيتها تتدحرج , البرتقالة تدحرجت أماماً و التمع تكور كتلتها و هي تفعل .. ساحبةٌ معها ألوانها المبتلة بطيئاً تدحرجتْ .. تزمع سقوطاً من اللوحة , ارتعشت عضلة يدي بلا إرادة كمن يهم بمحاولةٍ لالتقاط برتقالتي و ألوانها المندلقات من السقوط . في الثانية التي أخذتني فيها شهقة الرعب و الدهشة و محاولة تحديد المعادلة الحيرى بين التوهم و الحقيقة , بين ميتافيزيقا الوجود و اليقين فيه ..
في تلك الطرفة من الزمان تماما .. توقفت البرتقالة الشرك / اللون عن الحراك ..
فاجَأتْها (عقلنتيَ ) الخرقاء و هي تتخلق في عُري هويتها الطـازجة , فأجأتها تتعرى و هي مضغةٌ تقطع المسافة بين الفكرة المحضة و اليقين الوجودي ..
برتقالتي الأنثى الجوعى للكينونة استحَتْ و غضِبَتْ .. وأمسَكَتْ , فسَكَنَتْ .
من يومها .. ساكنةٌ هي الأشياء عندي , من بعد أن أضِعتُ روحها في غيبوبة الظل المنعكس .. و شرخ مرايايَ الغبشاء .. وعتمة روحي المتهالكة .
.............
" محمد وشك " لم يكن مجنونا ..
كان فقط .. بصيراً .
أطيب المني عماد

حروف مترعة

و سياق فادح الجمال

مأسور أنا دايما للحكي الواقع ما بين سيرة ذاتية و آخر و مرايا


شكرا للمتعة المسكوبة هنا


كل الود



التوقيع:
هنا أصل ما بيني و بيني و ما بيني و الآخر

http://khalidal-saeq.blogspot.com/
خالد الصائغ غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-08-2010, 12:11 PM   #[11]
ود البلد
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

عماد عبدالله ... رجل الجمال ... الفنان المبدع حسا" ووصفا"

حليل زمن الصبا الماضى وحليل ...
لياليك الجميله وانت معنا روحا" .. وحسا" وجمالا" بالدوحه

نفتقدك حقيقة ...
ونفتقد جمال روحك الحلوه

مودتى ومحبتى التى تعلم ...



التوقيع:
رب إني لما أنزلت الى من خير فقير
ود البلد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-08-2010, 12:17 PM   #[12]
بابكر مخير
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية بابكر مخير
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Ishraga Hamid مشاهدة المشاركة
بلى..
محمد وشك مجنونا ولهذا فهو بصيرا

شعرة برتقالية تربط بين الجنون والحكمة..
شهادة
براءة
وسام
وشاح
لك أن تتباهآ بكلها....
لكنه أيضأ
إعتراف بك كقدرة
وبقدرتك المبدعة
وتلاقت قمم يا مرحا



التوقيع:
بابكر مخير غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-08-2010, 04:00 PM   #[13]
wageeda
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية wageeda
 
افتراضي

الفنان عماد عبدالله
كثيرا ما ينتابني بان للالوان نبضا وروح ولغة ثلاثية الابعاد تقاسمتها بين الريشة والرعشة ونبض
خفي يجعلني في حالة انجذاب صوفي كدرويش في نوبة ذكر
- البرتقالة الشيطان اللون - أقسم أني رأيتها تتدحرج , البرتقالة تدحرجت أماماً و التمع تكور كتلتها و هي تفعل .. ساحبةٌ معها ألوانها المبتلة بطيئاً تدحرجتْ .. تزمع سقوطاً من اللوحة , ارتعشت عضلة يدي بلا إرادة كمن يهم بمحاولةٍ لالتقاط برتقالتي و ألوانها المندلقات من السقوط . في الثانية التي أخذتني فيها شهقة الرعب و الدهشة و محاولة تحديد المعادلة الحيرى بين التوهم و الحقيقة , بين ميتافيزيقا الوجود و اليقين فيه
كم هذا الابداع عظيم يا صاحب فقط يداهمني سؤال :
ماهي العلاقة بين الحرف واللون ؟..............................
ياخي ده مقلب كبير خلاص اذا لم تواصل سردك الممتع

فيض رحمة واكليل عافيه



wageeda غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 08-08-2010, 01:05 AM   #[14]
رأفت ميلاد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية رأفت ميلاد
 
افتراضي

اقتباس:
07-08-2010, 09:42 AM #9
Ishraga Hamid
Member




تاريخ التسجيل: Sep 2005
المشاركات: 603

--------------------------------------------------------------------------------

بلى..
محمد وشك مجنونا ولهذا فهو بصيرا

شعرة برتقالية تربط بين الجنون والحكمة..
7.8.2010



إشراقة كتبت هنا أمبارح .. الأسم ده ما غريب علىّ ..



التوقيع: رأفت ميلاد

سـنمضى فى هذا الدرب مهما كان الثمن

الشـهيد سـليمان ميلاد
رأفت ميلاد غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

تعليقات الفيسبوك


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 07:27 PM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.