رسائل في الكتابة 3:
ما أتعس الكاتب حين يرى بين يدي قابلة يقينه " فأرا" قد ولد من ظن "فيله؟!!.
الكتابة فعل تواضع!
بل هي التواضع، حين ينجلي خواء نفسك، وفقر ذاتك..
(خواطر متفرقة عن فعل الكتابة)!!..
أليست الكتابة هي التواضع؟..
أحس بأنها التواضع، ليس إلا...
إن اردت أن تتعلم التواضع الحقيقي، وتكتشفخواء نفسك، ومحدودية وعيك، فأكتب..
بلى، فأكتب، كي ترى "يقين ماعندك"، وليس ظن ما عند الناس "عنك"،(1)..
ضع امامك ورقة بيضاء، كيتكتب،...
وماذا تكتب؟ كي تكتب (أعظم قصة، وأذكى مقال في الدنيا، هكذا تيهم نفسنا المغرورة، باعتداد طفولي،توحي النفس للنفس، أنك الأعلى.. هكذا تسوس لك نفسك، في كل خاطرة،، والاغرب النفس صادقة في هذا الوسواس، فهي تعتد بنفسها (ولهذا خلقت، كمقماز ذكي لحث سبيل التطور لدى النفس، حتى في ادعائها الباطل،) في داخل كل نفس بشرية، كما يقول أصحاب التجارب الروحية الكبيرة، بل حتى يونج يصر ، مثلهم، على قول (أنا ربكم الأعلى) بالنسبة لسرها الدفين، المنطوي بين ضولعها، ما أعجب بني آدم؟ وكأن منظر المقابر أمامه (وهي نتظره على أحر من الجمر)، لا يثير فيهم أكذوبة حلم الخلود، ومنظر الرحم المنتفخ، لأمرآة في ساعة مخاض، لا تثير، فيه، لم يكن (بلى لم تكن أنت، تصور ذلك بالنسبة لك)، أو كان ولكنه لا يتذكر (كيانه الذي كان)،، ومن أين أتى الطفل؟ وإلى أين سيمضي.. قد تكون هناك ولدات، له، كما تلد الطبيعة اللحظة الحاضرة، من رحم الغيب، ودفنها في مقابر الماضي..
اذن فلنضع ورقة بيضاء، كي نرى ماذا يحمل رحمي؟ ولدا؟ بنتا، ملاكا؟ أم وهما؟ ..
وحين تفرش الورقة البيضاء امامك، كسجاد ابيض، لصلاة الكتابة..
ستحس بأنك لاتحفظ سورة، ولاتعرف قبله، ولا تملك أدنى خشوع..
تطير الإلوهية الكامنة فيك..
وتحس بأنكأفقر خلق الله، فكرا، ولغة، ومجاز..
بل هي تشكك حتى في فحولتك، وخصوبةالتعبير فيك..
تبدو، الكتابة، أكتشاف حميم، للجهل، والقدرة على التعبير،تختبرك الورقة البيضاء، والتي ترقد امامك، عذراء، عارية، تشتهي فحولة، وخصوبةالإلهام، ونشوة التعبير،، وميلاد فكرة، وخلود إبداع، بين حمى سطورها..
وأنتسويعات واقف، نادم، حزين، كطفل في حصة التسميع، أمام الناظر، وذهنه لا يحفظ بيت، بلحرف من القصيدة، ومع هذا رفع اصبعه عاليا، أكثر من الفصل كله، حين قال الناظر "الحافظ منو"...
لا أدعاء، هاهي امامك، جرب، إن كان في جرابك صيد غث، أوسمين..
لا حياة لمن تنادي...
وتهمس في اذنك أين الخواطر؟، أين الكلامالخطير الذي كنت تود قوله، أين غرورك الطفولي بالتأليف؟، أين قنبلتك الذريةالجاهزة، أين رعدي، وأمطاري، كلها فرت ساعة المواجهة، لانها لم تكن سوى سراب بقيعه،حسبته ماء، بل بحرا، بل محيطا، بغروري، أيها الدعي الكاذب، إيها الكاتب،الموهوم،..
وتحس بهوان عظيم، أهكذا أنت؟ نمر من ورق، وليس نمر حقيقي، منقطككرة القدم ويزأر، حتى ترتجف منه أغصان الاشجار أين الطحين، من جعجعتك الطويلة،
وحينها يحس العقل بالهوان، ويشرع في إثبات الذات، ويسطر، ويكتب،وينحت..
ههههه، أهذه كتابة!!....
تصيح فيك الورقة الملوثة بسطور كواذب، "تمخضالفيل، فولد فأرا"،
هذه السطور التي لوثت بها قلب الورقة الابيض، ليتك قلت، لاأدري، وتلك إجابة، بل أصدق إجابة لكائن إنساني دعي... ومخاتل، وملتبس، لا يدرككنهه، ناهيك عن الآخرين..
ماهذه الكتابة المزجاة... ياملك الحمل الكاذب، لنتلد امرأتك، ولو شبح طفل، بل غثاء، لن تبالي النفوس به..
اعترف بتقصيرك،وعجزك، كن شجاع؟ كن شجاع ياصديقي، وأبحث عن عمل آخر،... كل الطرق تقود لروما، لاشأن في الحياة ليس له مغزى، ومعنى، فلا تتمسك بهواية لم تقد في جلبتك... دعها، كنشجاعا في اتخاذ القرار، وشجاعه في تقبله..
وأصبر..
لا شك تذكر قصةالقطة السوداء، في الغرفة المظلمة، والتي يبحث عنها الاطفال، وهي أصلا ليست موجودةبالغرفة... ومع هذا، أعينهم العمياء تبحث مع أيديهم، والتي تتدلى، كأيدي كحراسالمرمى، لالتقاط كرة أرضية، بحثا عنها بين الكراسي، وتحت الاسرة، كي ترتمي عليها،وتمسكها، أيديهم العمياء..
ما اتعس تشبيهك بالقطة اللاموجودة، وأنت تبحث فيقعر ذهنك، عن خاطره، لاوجود لها، كالقطة السوداء، ..
وحين يصل الهوان،والنكاية حدها، ولأننا لا نحب المواجهة، ومعرفة حقيقتنا، مواجهة عذرية الورقة لصفاءذهني من أي فكرة، فمزقت الورقة، قطعة صغيرة، صغيرة، ورميتها في الهواء، وفجأة هبطوالوحي علي... أشعلته قطع الورق الصغيرة، وهي تحلق كسرب حمام ابيض، حمام فر فجأة منرشقة حصى طفل، تلك الومض، أشعلتني فجأة، وترسم الورقة بموتها، باستشهادها، وتضحيةمن أجلي، كأنها تقولي "موتي هو فتح عين بصيرتك..
لقد ومض الخاطر فيذهنك..
خاطر اسرع من البرق..
كي تقبضه..
بأي أرجل سوف تركض، وتقبضه، ثمتغرسه في حقل الورقة البيضاء امامك..
ما اتعسك ايها الكاتب...
أما منبديل لفعل الكتابة...
الكتابة فعل ياسيدي، أشق من عبور الصحراء..
ظلالخاطر يرقص ويحلق امام الكاتب، طير جميل، ولكنه ماكر وسريع، فكيف تصطاده بحروفكالممزقة، بشبكة عرجاء، عجوز، أو بسهم مرتخي وتره، ... وأيدي خائرة، وعيونضعيفة..
لن يطال خاطره، أعتى مجاز، وأعظم كناية..
ما أتعسالكاتب...
أنه حتى لا يستطيع أن يعبر عن لوامع فكرة، وبواغت خطراته، كم أرثى لك،هاهو يضع رأسه المثقل على يده، مهموما مثل النفري، يحس بهوان عبارته، تجاه فكرته،معزيا نفسه، كالنفري "إذا اتسعت الفكرة، ضاقت العبارة)... مهزوما، ومحمومابالنقص..
فجأة تستسلم اللغة، تسعفه الذاكرة بأسلوبه، وببعض كلمات تصلحللشرح، والإشارة فقط، وليس الاحتواء...
المعاني لا إناء لها، علىالأطلاق...
المعاني تعاش وتحس...
الجسد هو الذي يقرأ المعاني، كما يقرأاللذة الجنسية، والقبلة، والامومة، والدهش والخوف...
اللغة كائن مريضياسيدي، كائن مريض..
ثم يأتي التناص، ذلك الغول اللعين، المدسوس، بوعي، أولاوعي، فيك، ويقول لك... بلسان عربي مبين..
كتابتك وقع حافر علىحافر..
أنت لست أصيل، بل مقلد، فاشل..
وفي أحسن الأحوال، مقلدذكي...
وتصاب بالفتور... وتصيح دواخلي، بيدي، لا بيد عمرو..
ولكن لاشعورك، يكذبك، بل أنت مقلد، وسارق، ومدلس، ومزيف، وكاذب....
أيتها الكتابة،أركع لك، وأعترف امامك بجهلي، وادعائي، أتركيني وشأني...
ويا للعجب، لنتتركك، فالكتابة قدر، بل غريزة، كالجوع، والجنس، والموت...
(لو تخليت عنه،ما خلاك)...
كيف أكتب..؟؟ وكيف أكون أصيلا؟.. يا لقدرك ياسيزيف، وياحلاج،وفاطمة،وياسعد..
الكتابة مواجهة... مع الذات، حديث الذات للذات، (والبغشنفسو بليد)، كذبت نفسي وصدقتك..
هكذا الكتابة، شي لا إرادي... لا وعي، تنفثه الروح، وتحس بأنك تريد أن تكتب.. ولكن ماهو، شكله، لونه، طبيعته،فالغيب أعلم..
ولذا يظل الكاتب، هو القارئ الاول للنص، أول قارئي للنص هو الكاتبنفسه، لأن الكتابة هي انثيال لاشعوري، للشعور، للورقة أو النت، او الوتر، أواللوحة، بكل شكول التعبير الانساني..
فيما تكتب؟
ومن همأبطالك..
هل عرفت نفسك... في البدء.. كي تسعي بغرور لرسم ذوات أخرى... ألا تذكرحكاية حبوبتك، تحت ضوء القمر، في قريتك البسيطة، عن قصة الرجل الذي قرر كتابة اسماءالاولياء الصالحين، ومناقبهم، فنام ليلته على هذه النية الطاهرة، وفي الصبح، وهويسعى لصلاة الفجر... قالت لت له جارته المسنة، المغمورة..
قول واحد..
قالمتعجبا: شنو..
قالت ليهو، قول واحد، مش ياولدي نويت كتابة سير ومناقب الأولياءيالمبروك..
.
وحينها، نفض الرجل "المبروك" يديه، من كتابة سيرهم، لأنه فيالبدء لا يعرفهم، ولا يعرف سيمائهم، وإلا لأدرك بأن جارته شمس روح، لا تدركها سوىعين البصيرة..
فكيف تكتب عن آفاق تجلها..
حين قد ترواغ، وتميل للتعقيد، وليسلشي "بل لعدم الرؤية لديك"..
أو تميل للاسلوب الشعري، في خلق صور معقدة،متضاربة، ولكن الشعر يدرك بالحدس، ولن تنطلي، على أبسط قارئ حيلك، فالكضب حبلوقصير..
أذن الكتابة اسلوب من اساليب التسليك، تسليك الكاتب، وإهانته، وكشفمحدوديته، ومحدودية قدراته..
بل أحيانا لا تجد ما تعبر عنه عن أبسط الانفعالات،وتحس بهوانك.. وفقر مخيلتك، واسلوبك، ولغتك، وما فضل إلا تقول "كرامة للهيامحسنين"، ولكن كرامتك، ستمطرك بالسياط، لا .. لا..
ولكني، كنت عاق لحكايةحبوبتي، رغم العجائز اللائين يشرن لي، "قول واحدة، واثنين، ومائة"، وأنا امر بهنمرور الكرام..
ثم تبدو حميمة لا شعورية، بينك وبين التعبير، بيدها لا بيدك،شئ لا شعوري، ينساب من قراره نفسك، لذهنك، لأناملك، كي يعبر عن نفسه من خلالك،وتبدو الحميمية..
تبدو، الكتابة هنا، وما أكثر أوجهها، ومقاماتها، كأنها تحسسالحميمية بداخلنا، أهي حية؟..
تبدو كفتاة، تزين خدها بخجل العشق،وليسبالاصباغ..
هل الغريزة قبل أن تلتوي، وهي السؤال لم ألتوت، وهي الإجابة "لستأدري"، بتواضع عظيم، واعتراف بالإخفاق، والخطيئة..
هي اعتراف، صادق أمام كاهنالسطور، بما في الصدور..
أهيه موجودة، أ لاتزال تتنفس، وقلبها ينبض، رغمإهمالنا لها، الواعي، وغير الواعي، ألم تموت بسيف الخوف، وحربة الروتين اليومي، ألمنزل أطفال، هكذا تبدو لي الكتابة، أي كتابة، سوى كانت رسالة مسج، أو كتاب، أوقصيدة، أو مقال، أو حكاية، كأنها اعتراف بفشل التربية، والمناهج في أسعادنا، وكأنهاعودة للنبع الأول، والعلاقة الحميمة مع النفس، والزهور، والنسيم، والابتسام.. وهلستتعرف علينا، أم تنكرنا...
تلك هي، كما يبدو لي، جزء من هوية الكتابة،لأنها، في ابسط تجلياتها، علاقة بين كاتب ونص، ثم علاقة بين كاتب وقارئ... قارئبعيد، بعيد، وقريب، لونه، ومعتقده، وطبقته، لا تهم في القراءة، فهي أكبر من لبوسالهوية الحسية، إنها تلك الحميمة الراكدة، والراكضة في عش الطفولة، ومن منا لم يمربالطفولة، وقفز فوقها ليصبح شابا، او جدا...
وحينا نكتب بعاطفة،والعاطفة خداعة، نكتب ونكتب، ونكتب، نملأ صفحات، وتمشي تنام، وانت موعد نفسك بالنصرالمبين، وتنام ملء جفونك، ويسهر القوم جراها ويختصوا..
وتمشي الشغل، وانتمستعجل لقراية تحفتك الاصيلة..
وترجع من الشغل، وتسرع لقراءةالتحفة..
ماهذا؟.. ماهذا الدفن الليلي، كراع برة وكراع جوه، ماهذه الافكارالشتراء، والصورة الكاذبة، والعاطفة الفجة...
وهنا تبرز عدة مشكلة، مشكلةانك عاطفتك قد تكون صادقة،ولكن لغتك لم تسعفك لتوصيلها للسطور، أو كنت مخموربعاطفة، وللعاطفة هوس، مثل هوس كرة القدم، يخرج العقل عن وقاره، وتضرب، وترشق صديقكفي الفريق المجاور.. بكل صلافة، وجهل، وحيوانية..
للكتابة هوس مثل هذا،وأكتر، تسوله النفس للنفس..
ثم تمزق اوراقك، سهرك كله، تمزقه، كما مزقت كتبابن رشد، والغزالي، ولكن تلك لقيمتها، وأنت لرعونتها..
من منا؟؟؟... أذن هي عودةلمعرفة هل أسماك النيل الازرق
ثم خطوة أخرى في التواضع، فقد يعجبك نصكتبته، "والانسان معيار كل شئ"، كما يقول اجدادك اليونان، فتأخذ النص، وتضمه لصدرككشئ عزيز، ثم تعطيه، لأخيك الأكبر، أو صديقك، منتظرا التصفيق.. فيأخذه اخوك، أربعهسطور، فقط، ثم يحشره تحت المخده، وكبريائك معه..
أو تعطيه لصديق، ويوعدكبإبداء الرأي، ثم تمرأربعة أشهر، وهو يتحدث معك في كل شئ، من الكرة، وحتى آخرالنكات، ماعدا "مقالك العظيم"..
ثم مغامرة النشر..
والتخوف منه... فأغلبالأدراج مليئة بالكتب، والمقالات، ولكنها خائفة من كشف حقيقتها، في أول تجربة لهامع قراءة لا ترحم، ونقاد عتاه، معترفين، "يرون النملة السوداء في الظلمة السوداء"،
فتخاف، من النشر، وكشف حقيقتك،
بل قد تنشر، وتسول لك نفسك بأنك أكبر منالنقاد، وتعزي نفسك بكافكا، وسرفاتنس، وبأن النقد لم يحتفي بهم، إلا لاحقا، وبأنكبطل العصر،...
وحتى لو مدح كتابك، تعود نفسك، وتقول لك هامسة:
(ديلبجاملوك(...
لأنك ترى كتاب كثر، نصف موهبين، ولكن النقد نصبهم شيوخ وشيخاتللكتابة... لشئ في نفس يعقوب، ان لا تعرفه، "قرابة/صلة/ مصلحة،عشق، غزلموراب)..
الوسواس لا يتوقف، ولا يفارق الكاتب، وحتى ولو نجح، بأن الحظحالفه، وخدمه... فهناك عباقرة مدفونين..
وللحق مرات، اكون راكب بص عادي، بصالحلة، واسمع حكاوي، وطريقة للسرد، أود معها ان امزق كل كتاباتي، أقول له، ياخيحكاويك دي، هي الحكايات الحقيقية، بس أكتبها.. وينظر لك الحكاء الشعبي، الموهوب... والذي لا يعرف قيمته، وقيمة ما يحكي، كالماس تحت أقدام الخنازير....
(قلت شنويالمبروك، أكتبها، ههههها، ويواصل حديثه، في حكي عظيم، تبتلعه افواه الصمت، ويضيعالتدوين..، هم ملح الأرض، عرفوا، أو لم يعرفوا، قالها المسيح، (أم لم يعرفوا)، هم الملح..
الكتابة، تعلم التواضع، وربي،قمز نفسك، لنفسك، تمخض الفيل، وولدفأرا، لن تتركك على الأطلاق !!...
الكتابة تقهرك على التواضع، في جوهرها... بلى وربي..
حين تجلس للكتابة، تجد لا شئ، تجددواخلك رثة، جافة، لا قوت، بل مجرد إدعاء، أين قدراتك؟ حمل كاذب، ماهذاالشح..
وكيف تعبر عن نفسك "وماهي في البدء؟!!..، وهذه معضلة كبيرة حيث يكرسالانسان كخادم للمجتع، في وظائف معينة، وينسى جوهره، وتأتي المناهج، والتربية، لتشلموهبة كامنة، في سويداء القلب، تحس بأنها فيك، وبأنها جوهرك، ولكن كيف تعثر عليها،كيف تحقق نفسك، وذاتك، فهي براقك الحقيقي، لسدرة منتهى ذاتك الكاملة، ولكنها دنستبالتعليم، بالمناهج، وبالوظائف الصماء، حتى ضمرت، ونعست، ونامت بداخلك، كيف تنقرالباب بشدة، كي تصحو، وكيف تغذيها برفق وتأني، كي تستعيد نضارتها، كيف...
إيانسان يحس بهذه الطاقة المؤودة بداخله، بل الآية قد تأول هكذا في قتل الانثىبداخلنا، ليست الانثى نيقض الذكورة، ولكنها الطاقة الخلاقة، العاطفة الحقيقية، التيتعيد اواصرك مع كل شئ، بلى كل شئ..
الكتابة هي تلك الجلسة مع النفس... بعدغياب طويل في سفر المعيشة، والتعاليم، والواجبات، هي جلسة خفيفة، صادقة مع "الآنا"..
وتفاجأة بشح الأنا..
وأذن اين المدد... هل تستعيره من الآخرين،بل تجد أي موضوع قد طرق من قبلك، أم عرفت الدار بعد توهم، نفس معاناة عنترة، وابيالعلاء...
ولكن "الذاتية"، التي تلوح لك، بين طوايا نفسك، تلك الفطرةفيك...
(سيرك منك، وصولك إليك)،..
ولكن قد يكون الرسم طريقك، وليسالكتابة، قد تكون الخدمة، قد تكون، هل اخترت الطريق الصحيح، "طاغور تعلم الرسم بعدالستين، وهو على مشارف السبعين"، كي يعبر عن جانب فيه غايب، لا تعبر عنه الحروف، بلالألوان..
تعبير الحياة عن الحياة..
ومتى اكتشف حقيقتي، توني مريسون،كتبت متأخرة، ابي تمام، بعد الخمسين، كأن ذلك الشي يلح عليك، من "المهد، وإلىاللحد".. لابد من "أنا"، وأن طال السفر،..
تحس بأنك تريد أن تكتب، تختليبنفسك مثل دجاجة دايرة تبيض، ثم تعاني مخاض كل الحيوانات، تحس برحم النملة، وبطلقالفراشات، وبألم الولادة لدى الشعراء، بل أكثر، وأكثر، تحس بتعدد غريب، بك،وبالكتابة، وبالأخرين، وبأشياء كثيرة تنهصر في نار معاناتك الشخصية، (تلاقينا نحن،ما نحن)، ووجهك محتشد بكل الانفعالات، وصور كثيرة تتزاحم في العقل، وبغته، يندفق منقعر ذاتك دفق، يطفئ كل النيرات التي اشتعلت في جوارحك، وهنا، تكون متعة الكتابة،متعة لا أرادية، تحس بأنك تمسك بيدك كلمة العشق، وكلمة الخيال، وكلمة الذاكرة، كلهاتداعب دواخلك، كما يداعب النسيم خد فتاة، أو رشاقة غصن، فيتمايل من نشوة لدونته،وهنا يتجسد معنى الانسياب، وبأن البئر المعطلة بداخلك قد كحلت، وتدفق حليبها وخمرهاوشعورها، نهر هادئ يتدفق من تلك البحيرة الغائصة بداخلك، وتتدفق في سهول جوارحك،وذهنك وكيانك كله، حتى تعود لا أنت، ولا هي، بل متفرج ثمل، على كل العوام، المشيدةمن عالم الخيال والحلم والتذكر، كائنة أمام... بل فيك..
حتى الموتى، وما لميولد، تراهم،ر، قلوب الموتى والاحياء، وبأنك تتفرج، بحياد لذيذ على نفسك، وبأن هناكقناع قد زال بينك وبين كل الاشياء، وصارت الاشياء حميمية، حمييمة جدا، سكران، ووله،وثمل، وشاطح، وعاقل وحكيم، بل قد تجري بك الصبوة، كالحلاج، فتصيحسبحاني...
ولكنها المباغته، مجرد لحظ صغير، ويمضي، كالبرق، يكون تسليمهوداعا..
فكيف تعبر عن هذه الاحساسيس، بل أي احاسيس..
هل اللغة قادرة..
وهلتمثلك، وهضمك، كامل...
وهل أرادتك، تامة، وهمتك عالية..
وهل تصبر،..
وتجدكل هذه المعضلات، واقع معاش، وعصي التجاوز..
وهنا بالذات، تحس بأعظم ضاءلةفي التاريخ، تحس بضاءلة نصك، وترهله، وإنه بالأمكان أن يكون أفضل، وأعمق، و"حي"،بلى وحي، كانك تطلب مقام عيسوي، مقام أن تحيل الحرف، كما أحال عيسى الطين، إلى كائنحي، أن يدخل الناس نصك، كما يدخلون البيت، ويجدون ضوضاء ولغط، وغناء، ووجوه، وأنس،نص حي، يتعرق القارئ من شمسه، وينتشي من مشهد الغروب مع ابطال النص، ويشاركهم الفرحوالترح، ويحس بالتغير، وبأنه حمل حقيبته، وسافر، لبلدان داخل النص، وأدرك فوائدالشافعي، السبع، بل المليار..
ولذا تظل، منهك، متعب، تبحث في أودية اللغة،وأودية التشبيه، وأودية التفكر والتأمل، ما يعنيك، على العثور على تلك اللغة الحية،التي تكاد تسمعها بأذنك، وانت تقرأ، وليس بعينك، كأن القراءة بكل الحواس، وليس عينتلتقط، وعقل يترجم، والنائحة الثلكى، ليست كالمستأجرة، ثم يتابعك النص، حيث تكون،تصور، أنت ماشي في الشارع ورأسك مشحون بقضايا وشؤون ناس جواك، زيك، وزي أي ناظرمدرسة مهموم بطلابه، وزي أي قاضي، أو محامي مهجس بموكله، بل أكثر من ذلك، فحياتهمبيديك، ولابد من الصدق في تصويرهم، ولابد من الحياد الذكي، بأن لا تصبغ عليهمشخصيتك، وتذوبهم فيك، وهذه الحرب الضروس مشتعلة فيك طوال الليل، وقد يتوقف الإلهام،ذات الإلهام الذي يتوقف عن الانبياء، ما ودعك ربك وما قلى، وللحق في التوحيدالحقيقي، أي كلمة تلفظ، من العقل القديم، الكامن فينا..
والنص قد يبدوبفكرة، أو صورة، ولكن هل هي صادقة، وهنا تحتاج لأعمال العقل، والقلب معا، لتشيد هذاالنص، والإخلاص له، مهما كان تفاهة الثيمة التي يتصورها الناس، بل أنت افلاطونيالمحبة، لها، تكن لها الشوق، وتغازلها، وتستطب روحها، كي تبوح لها، وقدلا...
قد يكون بطلك، كيس، أو حصى، أو معزة، المهم تحث بقلبها، برقتها،بخوفها، كأنها تشتكي لك أنت بالذات، (لتاريخ العرفان الانساني الكثير من الشكاوي منالكائنتات اللامرئية، والجامدة، شكوى الحمامة لياقوت العرش، وشكوى النخلة للنبي،وسكون موج البحر المضطرب لكلام المسيح)، فالكتابة هي تسلق جبل الروح، كي ترى المشهدامامك، كما يراه الاطفال الحقيقين: متكامل، متناسق، والكل احياء...
وقديتخذ النص مجرى آخر، والله أعلم... فعوالم النص، لها جزء، كجبل الجليد، غائص فياللاشعور، وانت آخر من يعمل، رغم انك تقود السفينة، وبيدك المشراع، والدفة، ولكنالبحر تحتك، واتجاه الرياح، بل غريزة الخوف فيك، ليست منك، بل معطى وعبء وراثي،ولغز؟....
ثم وانت تكتب قد تواجه ألغاز، زي الموت؟.. زي الحب؟.. زيالفلسفة..؟ وتعود جاهلا، خاملا، وتحس بعقلك فااااااارغ، وتهان، إهانه يعلم بها كلمن يود الكتابة، وتأمل حاله ومآله..
وفي النهاية الكتابة هي نشر غسيلك، علىحبل بل سلك عمود الكهرباء امام الناس... كي يعرفوا مقدار جهلك، وتأزمك، وعشقك، وكلشئ عنك، بصورة مورابة، ليس إلا...
وتظل تسهر الليالي، كعرايس يسوع في رؤيايوحنا، هل يأتي؟ وقد لا يأتي، ولكن السهر في حد ذاته، ثمرة عظيمة، وإرادة، تحس بهاالنفس..
ومما تعلمة الكتابة، ونتعلمه من تواضع حتمي، وهوان داخلي.....
هي تلك الصورة، التي يتوقعها الناس فيك، بما رسمته انت، عنك، بصورة مباشرة،او متوارية، ثم تقف امام ما كتبت؟ـ وتتعجب من صورة الأسد داخل مرآة كتابتك، وتجفلمنه؟ تولي الأدبار، وتعرف بأنك دون ما قلت، وتحس بذلك الهوان، الهوان الخلاق،الصادق، للكتابة، كأسلوب فطري، لتسليك الذات، وكشف أغوارها.... وبأنك عادي جدا،جدا، بس خلقت هالة كذابة حولك، وهو تحس بحميمية تجاه الجميع، كي تتأسى بهم، أويشاركوك هزيمتك الداخلية العميقة..
أو تبحث عن منهاج، يحررك من الخوف، بكلشكوله، وهيهات..
وللحق كأننا نعوض شئ ما بداخلنا، او نبحث عن عوالم مفترضة،أو بطل نكونه، وهنا تحس بأنك قزم امام ما تكتب، كأن ما تكتبه، هو ما تريد أن تكونه،وهيهات..
وقد تكون الكتابة هدم لبنى، وتدمير لبنية خلقية، واقتصادية، ونفسيهجائرة، وهنا تميل للسخرية منها، فكل سلاحك هي الحروف، والتنظير المكتوب لهدم عالمكاذب، لذا تضحك عليه، تنكت فيه، تهزه، تخلخله بالسخرية، بالقدح المر، ومع هذا، معمحبة داخلية، كأنك تريد تغييره، وليس اغتياله، كأنك تريد علاجه، وليس استحضاره،كأنك توقظه من نومه، بخجل "صح النوم"، كي تصحو أنت في الحقيقة، من غفلةالأدعاء....
عالم رأسمالي كاذب، ومنافق، وعوير، وساذج، ومغرور بعده...
وهنا تأتي السخرية منه، والضحك عليه، كأسهل الطرق للكاتب..
ثم هناكالمداهنة، خوف الرأي العام، في تابو "الدين، السياسة، الجنس)، فالكاتب من الاستحالةان لا يتطرق لهذا الثالوث.. فهل يواجهه، ام يواري، أم يستغل الجناس، والكناية،والتورية،... وهل حقا لديه بديل، أم يبحث عن شهرة، وما اسهل توفرها في هذا الثالوث،أم فعلا لديه جديد...
وهل يستحمل الحكمة؟ في اسلوب التغيير الوئيد، أمالثورة... ان الله لا يعجل بعجلة احدكم..
فتعود الكتابة وعظ، وأدعاء باطنيمن أجل التغيير، من الكائن، لما ينبغي ان يكون..
ألديك جديد... أنظر لذهنك، أممجرد خواطر فجائية، وعمل فطير...
أن لم يكن لديه جديد، فسوف تحسبقراره نفسك، بهوان؟ وينك؟ وعامل كاتب كمان؟...
هل عندك جديد، أم قديد، لحمشرموط بايت..
وهنا يأتي دور البحث فيك، أو في غيرك، عن عالم مثالي، مكتمل، عنصورة من التناغم، كي تعيشها، وتكتب عنها..
ثم فجأة يباغت السؤال الشرعي،ياخي انت الكتابة دي خادمة عندك، أم انت خادم عندها، معزول عن الناس، كثير التفكر،كثير الانشغال، زي الاطفال، ياخي احيا الحياة، بدون كتابة...
قد تتركها،شهور، ولكنها تعاودك.. لم؟... هي غريزة.. .. تمام، قد تصوم، ولكن لابد من إشباع، ,وإلا الموت يتربص بك، شئت، أم أبيت..
والجنس؟... هل تحرك مجرد المشاعرالغرائزية، كي تحج لك اصوات القراء ملبية، وما أسهل ذلك في مقام (الجنس، والسياسة)،أم عندك شئ؟... شئ ملموس وإضافة حقيقية... فالنفس، أمارة بالجنس والسياسة في بلدي،بل الكون اجمعين..
ثم الدين؟؟...
التابو الاصعب، والأعمق، والاشرش،حين تمسه الكتابة، بما توارث في العقول، والدماء التي سالت بسببه، تملأ نهرالنيل..
الكتابة اسئلة، اسئلة محرجة، ومتعبة للكاتب، أياكان..
ثم خلق الشخوص..
ثم اللغة الحية،... والتي تكاد تكون فعل، بل تكادتكون ما لغة، بل عيش في الحدث، كواقع حقيقي، وليس متخيل، يصيبك ما يصبهم، وهنا تغرقفي النص، ومن الصعوبة ان تخرج لناس باسمك القديم، وشكلك، ويكون النص قدغيرك حقيقة،كما تغير الرحلات النفس، بما ترى وتغامر..
اسئلة الكتابة،
تجعلك صغيرا،متواضعا، امام نفسك،، بل أمام مرآة كتابتك ليس إلا..
ويباغتك، بيت النابلسي: أعندك من ليلى حديث محرر، بإرادة يحيا الرميم، وينشر....
فإن لا..
فلم تكبت؟...
فالكتابة تشعرك بفقر اللغة..
بفقر حسك.
وتحس بهوان عظيم..
مساء الجمعة
12 يونيو 2009م
1- حكمة لابن عطاء الله السكندري، تقول " لم يترك من الجهل شيئا، من ترك يقين ما عند نفسه، إلى ظن ما عند الناس)..
....