سياسة الباب المفتوح نقلت عدوي العنف للداخل
تيار السلفية الجهادية الحديثة ....... قراءة في مخططات تفخيخ الساحة السودانية .. (3-3)
بقلم : الهادي محمد الامين
وعودا للشيخ محمد عبدالكريم فانه وبعد الكلاكلة انتقل لمسجد نور الدائم بحي الحماداب بالشجرة ثم الحاج يوسف واخيرا استقر بالمجمع الاسلامي بالجريف غرب وهو ذات الحي الذي شهد احداث العنف بين انصار محمد عبدالكريم وشباب الحزب الشيوعي خلال افتتاح الحزب لداره بالجريف في رمضان من عام 2009م ثم تطورت القضية باصدار حكم شرعي في مواجهة الشيوعيين قضي بتكفيرهم والمطالبة بحظر نشاطهم محاولين الاستناد علي سابقة حل الحزب الشيوعي نهاية عقد الستينات حينما تم حل الحزب وطرد نوابه من الجمعية التاسيسية .. وبدأ محمد عبدالكريم مع امامته لمسجده محاضرا بجامعة القران الكريم بامدرمان ثم متعاونا مع قسم الثقافة الاسلامية بجامعة الخرطوم حتي اصبح اليوم رئيسا للقسم ..وبعد محمد عبدالكريم جاء الشيخ عبدالحي يوسف الذي طرد من دولة الامارات العربية المتحدة في العام 1993م وكان اماما وخطيبا لمسجد محمد بن زايد بابوظبي واستقر عبدالحي يوسف بحي الدوحة بمنطقة جبرة واصبح اماما وخطيبا لمسجد خاتم المرسلين ورئيسا لمجلس امناء منظمة المشكاة الخيرية بحي الشارقة ومحاضرا بجامعة القران الكريم قبل التحاقه للتدريس بقسم ا لثقافة الاسلامية التابع لادارة مطلوبات الجامعة بجامعة الخرطوم ثم انضم للمجموعة لاحقا الشيخ مدثر احمد اسماعيل امام وخطيب المركز الاسلامي لجماعة انصار السنة ببورتسودان وبعد استقراراه بالخرطوم اصبح مديرا لمعهد الامام مسلم بحي الفيحاء بشرق النيل وخطيبا لمجمع جبر ال ثاني بحي كافوري ثم تزايد نشاط المجموعة بالتحاق الشيخ علاء الدين الامين الزاكي بالجماعة وهو امام مسجد امدوم ثم مسجد الكوارته بالخرطوم بحري واخيرا مسجد قباء بشمبات وهو ايضا بدأ محاضرا بجامعة الخرطوم ( قسم الثقافة الاسلامية ) وترقي حتي وصل لموقع عميد ادارة التعريب وشغل في ذات الوقت منصب الامين العام للرابطة الشرعية للعلماء والدعاة ....
من الواضح ان الجماعة وفي اول عهدها حاولت الزحف بشكل منظم لغزو جامعة الخرطوم رغم ان للجامعة تقاليد راسخة وعريقة ولوائح صارمة تمنع من لم يتخرج منها للالتحاق بها كمحاضر في كلياتها فضلا ان يكون في هيئة التدريس ولعل من ثمرات هذا الغزو تحريض الطلاب بالتحرش ضد زملائهم بالجامعة وحرق معرض الكتاب المسيحي بساحة النشاط الطلابي في العام 1998م وحدثت حينها مواجهة مسلحة واشتباكات بين الواجهة الطلابية لتلك المجموعة ممثلة في ( جمعية الدعوة والارشاد) وجبهة الطلاب الجنوبيين الـanf
ولان هناك تقاربا وتشابها في الشكل والمظهر الذي يجمع السلفية الجهادية بالسلفية القديمة فقد حاول الشيخ الراحل محمد هاشم الهدية رئيس انصار السنة المحمدية استقطاب القادمين الجدد ودعوتهم للعمل في مجال الدعوة من داخل منظومات انصار السنة إلا ان المجموعة رفضت ذلك واعتذرت عن ممارسة نشاطها او الذوبان في كيان انصار السنة وفضلت العمل بصورة منفردة ومستقلة بعيدا عن سطوة وسيطرة انصارشيخ الهدية الامر الذي ادي لحدوث جفوة وتوتر في العلاقة بين الجانبين لا زال موجودا حتي اليوم ..لكن حبال التواصل ظلت قوية بين السلفيين الجهاديين وجماعة الاخوان المسلمين بقيادة اميرها في ذلك الوقت الشيخ سليمان عثمان ابونارو بعد اقصائه لجناح المراقب العام الشيخ صادق عبدالله عبدالماجد وتربعه علي عرش القيادة عبر مؤتمر عام في سنة 1991م وحاول ابونارو تقريب قادة السلفية الجهادية ودعاهم للانضمام للاخوان المسلمين إلا انهم اشترطوا تغيير الاسم حتي يدخلوا مع ابونار في التنظيم ولابي ناروا صداقات وعلاقات حميمة مع قادة السلفية الجهادية وسبق وان التقي بمؤسس التيار السروري الشيخ محمد بن نايف سرورو زين العابدين اكثر من مرة خلال زياراته المتكررة للخرطوم .. أما الطريف في الامر فهو ان ابونارو وعقب فك ارتباطه بالاخوان المسلمين واتجاهه لتكوين جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة ظهر تحالف بينه والسلفيين ولكن لم يستمر طويلا فسرعان ما شقت المجموعة طريقها واعتذرت عن مواصلة تحالفها مع ابونارو لتبدأ خيار عملها الخاص بها وفق مدرسة جديدة في ساحة العمل الاسلامي تجاوزت فيها انصار السنة والاخوان خاصة بعد جلوسها علي بركة من الاموال استطاعت بها حجز مساحة لها في ميدان العمل الدعوي في واقعة تتشابه الي حد كبير مع جماعة الجهاد الاسلامي بقيادة عمر عبدالرحمن ثم انشقت عنه بتاسيس جماعة عبود الزمر متجاوزا الاخوان المسلمين وانصار السنة وفضل المضي في طريق ثالث كانت نهايته استخدام العنف كوسيلة للتغيير وراح ضحيته الرئيس المصري السابق محمد انور السادات الذي اغتيل علي يد خالد الاسلامبولي في اكتوبر 1982م ليذهب السادات الي مثواه الاخير وتذهب حركة الجهاد الي السجون والمعتقلات ...
والغريب ان تيار التطرف الديني بالسودان لم يتأثر بمناخ التكفير بمصر رغم ان العديد من الافكار والمذاهب والاحزاب ( يمينا ويسارا) كان وافدة من شمال الوادي الا السلفية الجهادية التي كان مصدرها السعودية واصبحت عبارة عن نسخة وطبعة سعودية خاصة وخالصة زادها ما اصطلح علي تسميته بطلاب الشهادة العربية وهم شريحة من ابناء المغتربين السودانيين نشأت وترعرعت وتربت في كنف المدارس بالسعودية والتحقت لاكمال تعليمها بالدراسة في الجامعات السودانية صارت هذه الشريحة فيما بعد رصيدا ونواة لكثير من الاحداث والعمليات التي شهدتها الساحة السودانية مثل تفجيرات السلمة والمرابيع 2007م وحادثة مقتل الدبلوماسي الامريكي جون غرانفيل وسائقه السوداني عبدالرحمن عباس في مطلع العام 2008م ...
تأثر تيار السلفية الجهادية بظاهرة التكفير بدا واضحا وملموسا منذ بدايات ظهور هذه المدرسة خاصة محمد عبدالكريم الذي اصبح اكثر تشددا وميالا نحو اطلاق الاحكام والعبارات المكفرة واصدار الفتاوي ضد خصومه ومناوئيه وكان ظهر وتوزيع شريط ( إعدام زنديق ) في العام 1995م مؤشرا لتمدد التكفير وتغلغله في اوساط المجتمع والشريط يتشابه مع كتاب طبع في منتصف العام 1987م بعنوان ( الصارم المسلول في الرد علي الترابي شاتم الرسول ) من تأليف الشيخ احمد مالك احد شباب الاخوان المسلمين وقتها ولكنه فصل من الجماعة بعد عام من طرح كتابه في السوق وقيل ان احمد مالك هو الذي اقنع محمد عبدالكريم لاصدار وتوزيع شريط ( إعدام زنديق ) الذي كان عاقبته ايداع محمد عبدالكريم معتقل كوبر ليلبث في السجن بضع سنين ...
لكن الامر المدهش انه في الوقت الذي كفّر فيه محمد عبدالكريم الدكتور الترابي كان مؤسس السلفية الجهادية واستاذ الشيخ محمد عبدالكريم ( سرور) مدافعا عن الدكتور الترابي ومساندا لمواقفه عقب ضربة (أتوا) الشهيرة بكندا علي يد بطل الكاراتيه هاشم بدرالدين ...
وعموما فان دخول تيار السلفية الجهادية للساحة السودانية خلق مشهدا وواقعا جديدا با دخال ثقافة العنف في المجتمع السوداني عبر استخدام السلاح مع الخصوم المخالفين لتوجه السلفيين وتهييج العواطف بالشحن الزائد الذي يخاطب وجدان وحماس الشباب من خلال نهج ثوري يدعو للانقلاب علي الاوضاع الحالية بكافة الوسائل والطرق مهما كانت النتائج او كلفة التغيير بطرق لم تكن معهودة ومعروفة في انماط العمل الدعوي الذي يدعو للسلم بالتي هي احسن حتي مع اهل الكتاب من اليهود والنصاري فضلا عن اهل الملة الواحدة في الدين الاسلامي ومن جملة هذه الاساليب :
= التحريض والتخطيط لتفجير المنشات والاهداف الحيوية المرتبطة بالوجود الاجنبي واستهداف سفارات الدول الغربية وتهديد رعاياها الاجانب خاصة العاملين في المجال الاغاثي والمساعدات الانسانية ولعل اظهر مثال لذلك اغتيال موظف المعونةالامريكية جون غرانفيل في مطلع العام 2008م والتلويح بقطع راس المبعوث الامريكي السابق يان برونك ... ومن الواضح ان هذه الطريقة مقصودة لارسال رسالة ان الاسلام دين دموي يقوم علي التصفية الجسدية والاغتيال الامر الذي يشوه صورة الدين الاسلامي وكأنه مطبوع بالدم وثقافة السيف ...
= خطف الطائرات وتنفيذ هجمات عسكرية لضرب المواقع التي يعتقد انها ذا صلة بمكافحة الارهاب مثل حادثة 11 سبتمبر 2001م التي استهدفت مبني برج التجارةالعالمية وكذلك استهداف سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام وليس مهما في ذلك وقوع ضحايا مدنيين او ابرياء ولعل الاشارةهنا الي اخر حادث وهو تفجيرات كمبالا التي راح ضحيتها مواطنون كانوا يشاهدون مبارايات كاس العالم خلال هذا العام وغيرها من التفجيرات في عدد من البلدان في دول اروبا واسيا وافريقيا ..
= تنفيذ العمليات التي يطلقون عليها ( الاستشهادية او الفدائية ) بينما يسميها دعاة السلفية القديمة العمليات الانتحارية وهي التي تستهدف مواقع ( العدو الصائل ) أينما وجد فالسلفية الجهادية تعتبر هؤلاء استشهاديين لو فجروا العدو فانهم يدخلون الجنة ويسمون ذلك ( إثخان العدو)- النكاية - : مستدلين بقول الله تعالى في سورة محمد : "( فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ) .. وهنا لا يهم حتي ولو وقعت خسائر في الارواح ليست لها ذنب فمثلا يمكن قتل الدروع البشرية التي يضعها العدو في الواجهة فيكمن للسلفيين الجهاديين قتل الدروع البشرية ويطلقون علي ذلك ( التترس ) بمعني المواطنون الذين يحولون بينهم والعدو فقتلهم مباح بل وواجب ولا مسئولية تترتب علي ذلك .. وعمليات الاستهداف يستخدم فيها العبوات الناسفة والقنابل الحارقة ولعل أبرز مثال لذلك حينما وضعت الاجهزة الامنية يدها علي تشكيلة عسكرية تابعة للجهاديين بمنطقة السلمة والمرابيع في العام 2007م واغلب افرادها من طلاب الجامعات بل وصغار السن مثل نجل الشيخ عبدالحي يوسف ( عمر ) الذي لم يتجاوز وقتها الـ 15 من عمره وهذا يؤكد علي قضية مهمة وهي ان تنظيمات الجهاديين تستغل الاطفال صغار السن والتغرير بهم ودفعهم لهذه لاستخدام العنف مثلما حدث في تفجيرات الكنسية في بغداد قبل عدة أيام حيث وجد من بين المفجرين طفل صغير عمره 12 عاما - واتضح بعد انكشاف امر الخلية بعد الانفجار المدوي الذي احدثته ( ماسورة) معباة بالبارود ان المجموعة تنوي ضرب مقار المنظمات الاجنبية واماكن وجود بعض الناشطين في دارفور من دول الغرب ووجد ان الخلية عملت تجهيزات لاحواض مادة ( النتروجلسرين ) وتحضيرها بعد اضافة مواد شديدة الاشتعال مثل بودرة الفحم والسكر المسحوق بجانب مادة (التي ان تي ) التي تستخدم في تفجير الصخور والجبال ..
= تعبئة واستنفار الراي العام والشارع من خلال تسيير المظاهرات لمناصرة تنظيم القاعدة وتأييد احداث الحادي عشر من سبتمبر في محاولة لتحدي امريكا باعتبارها تعمل علي مكافحة الارهاب وتطارد تنظيم القاعدة ...
= الطرح الواضح في تكفير معتنقي المذهب الشيعي رغم انهم وتاريخيا يحسبون من اهل القبلة واعتبار الشيعة ليسوا خرجين عن ملة الاسلام بل لم يدخلوه في الاصل والدعوة لوضعهم في حفرة وعدم لمسهم باليد لنجاستهم ومنع اكل ذبيحتهم والمطالبة باغلاق المكتب الثقافي للسفارة الايرانية بالخرطوم وحرق كتب الشيعة التي كانت معروضة في احد اجنحة معرض الكتاب ببري في العام 2006م ..
= تجويز استخدام التغيير باليد بتجاوز القانون والنظام القائم واكبر دلالة علي ذلك قيام مجموعة منهم بهدم قبة باسوبا شرق مستخدمين الفئوس قبل عدة ايام وكذلك العمل علي طمس الصور التي توضع كملصقات في لوحات مضيئة في الشارع العام كاعلان للمنتجات التجارية ومحاولة ازالتها او تشويهها باستخدام البوهية ومن قبل اقدامهم علي تفريق حفل زواج بمدينة الدويم بالنيل الابيض مستخدمين قنابل المالتوف التي احرقت بعض الحضور وقتلت عددا من النساء والاطفال قبل عامين...
= اصدار فتاوي شرعية بتكفير كل من يعلن انضمامه للحركة الشعبية او اعتناق فكرها والدخول في تنظيمها او الدعوة اليه بجانب اعتبار ان الحكومة الحالية موغلة في العلمانية ولا يوجد فرق بين المؤتمر الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي المعارض فهما وجهان لعملة واحدة ولهذا احجم منسوبو تيار السلفية الجهادية عن الادلاء باصواتهم لانهم يرون ان العملية الديمقراطية كلها كفر وهو ما قادهم لمقاطعة الانتخابات ولم يصوتوا لاي مرشح مؤيد للحكومة او معارض لها وافتوا ان شارك في الانتخابات فهو مذنب ( آثم قلبه ) ...
= كذلك اهدار دم الاستاذة البريطانية في مدارس الاتحاد العليا بوسط الخرطوم مدام جوليان جيبوتر وطالبوا بمحاكمتها رغم تراجع المرأة وتقديمها لاعتذار بانها لم تكن تقصد الاساءة للرسول (ص) ...
= ولعل موقفهم من رئيس تحرير صحيفة الوفاق الراحل محمد طه محمد أحمد يعد مثالا حيا علي خطورة الجماعات التكفيرية باهدارهم لدمه واتهموه بالردة والكفر والزندقة وطالبوا السلطة بمحاكمته باقامة حد الردة عليه وكانوا يتظاهرون حول مباني المحكمة حاملين نعش محمد طه ثم قاموا بحرقه في العام 2006م ولعل هذا الامر خلق اجواء مواتية بتهيئة المسرح لاغتيال محمد طه بصورة بشعة لم تعهدها الساحة السودانية اطلاقا وبطريقة تتشابه مع أساليب تنظيم القاعدة في ذبحه للاسري الاجانب في العراق ثم تجديدهم الدعوة ايضا بتكفير الدكتور الترابي في العام 2007م حينما افتي مرة بجواز امامة المراة للرجال في الصلاة واباحة اعتلائها لمنبر الجمعة فافتوا بخروج الرجل عن الاسلام وطالبوا بمحاكمته تشبه محاكمة محمود محمد طه وعقدوا ندوة بقاعة الشارقة خصصوها لتكفير الدكتور الترابي ....
وبالنظر للفترة الزمنية من العام 1990م وحتي اليوم يمكن ملاحظة الاتي :
= ان المرحلة من 1990 وحتي 2000كانت السلفية الجهادية في خندق المعارضة عبر الهجوم علي سياسات النظام من فوق منبر الجمعة من خلال الخطب وكذلك الندوات وبالتالي كانت العلاقة مع الحاكمين متوترة للغاية وتأسيسا علي ذلك فان خصوم الحكومة حينها لم يكونوا بالضرورة خصوما للسلفيين علي عكس الوضع الان !!... تلي ذلك مرحلة التحفظ علي نهج الحكومة بدلا من معارضتها في منتصف التسعينات والغريب ان عبدالحي يوسف رغم اختياره كمحاضر في جامعة القران الكريم إلا أنه منع من ممارسة مهنته في الجامعة ( تدريس مع وقف التنفيذ) وكانت كل المدارس السلفية وقتها وبما فيهم انصار السنة باجنحتهم المختلفة يقفون ضد الحكومة ... هذا من جهة ومن جهة أخري فان الصراع في تلك الفترة كان صراعا داخليا محوره الجماعات السلفية ولهذا نجد ان أغلبية الاحداث الدموية وقعت في مساجد انصار السنة ( مسجد حي النصر بودمدني – الثورة الحارة الاولي – الجرافة ) وكان الضحايا من السلفيين بجانب الدور البارز للعناصر الاجنبية في هذه الاحداث ...
= ان موقف هذه المجموعات من الحكومة كان مرتبطا بالدكتور حسن الترابي وجودا وعدما فبعد المفاصلة التي حدثت بين الاسلاميين في العام 1999م وخروج الدكتور حسن الترابي من مواقع التأثير اقتربت هذه المجموعات من النظام لجهة توفير الحماية من الضربات خاصة بعد وقوع احداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م وتأسيسا علي ذلك حدث ما يشبه التحالف أو التقارب بين الجانبين وشهدت الفترة من 2001م وحتي منتصف 2004م فترة كمون وخمود لنشاط السلفيين الجهاديين في أعقاب ما اظهرته احداث 11 سبتمبر من اجراءات تتعلق بمكافحة الارهاب وملاحقة تنظيم القاعدة وظهور السياسة الغربية بمراقبة نشاط المنظمات الخيرية والطوعية الاسلامية مثل ( هيئة الاغاثة الاسلامية العالمية – جمعية الحرمين الخيرية – جمعية احياء التراث الاسلامي – الخ ) ومتابعة حركة تدفق الاموال والتحويلات بجانب تجميد ارصدة بعض المنظمات وتزايد الضغوط علي دول ( السعودية – باكستان – السودان ) بضرورة تعاونها مع امريكا لمحافحة الارهاب الامر الذي جعل السلفيين الجهاديين بالسودان لترتيب اوضاعهم الداخلية والعمل في البناء المؤسسي وتقوية الصف والجبهة الداخلية والبحث عن تأمين وجودهم ونشاطهم خاصة وان ملف التطبيع مع الادارة الامريكية بدا بخطوات متسارعة مع الخرطوم وما أعقب ذلك من شائعات تناقلتها مجالس المدينة ان هناك مساعي لتسليم بعض المطلوبين المتطرفين للامريكان ..وإزاء هذه المخاوف كان لا بد للسلفيين من تغيير التاكتيك في اتجاه احداث تحول يدفعهم لمهادنة او مصالحة الحكومة بل والالتحام معها ان دعت الظروف لذلك ساعد في ذلك ظهور العديد من التحديات والتطورات السياسية بالبلاد مثل توقيع اتفاقية نيفاشا 2005م وازمة دارفور وانعكاساتها الداخلية والخارجية علي الساحة السياسية من خلال تزايد حركة المنظمات الاجنبية ودخول الجيوش عبر بوابة الامم المتحدة والاتحاد الافريقي وأخيرا ملف مطالبة محكمة الجنايات الدولية بلاهاي توقيف الرئيس البشير باعتباره مجرم حرب ساهم في الابادة الجماعية والتطهير العرقي كل ذلك كان حافزا لهذه المجموعات للانخراط في صف النظام بل وذهبت لابعد من ذلك حينما حاولت حشد دعم السلفية الجهادية من الخارج عبر عقد أول مؤتمر عالمي للدعوة الاسلامية تم تحت رعاية نائب رئيس الجمهورية الاستاذ علي عثمان محمد طه وهو مؤتمر العلم الاسلامي بين الاتفاق والافتراق الذي عقد بقاعة الصداقة بالخرطوم في العام 2004م وتلاه تكوين مجلس اهل القبلة تم تأسيس مجلس تنسيق الجماعات الاسلامية الذي تكون من انصار السنة والاخوان المسلمين والحركة الاسلامية والسلفيين ثم أصبح الشيخ عبدالحي يوسف نائبا للامين العام لهيئة علماء السودان وعضوا بمجمع الفقه الاسلامي الامر الذي احدث انشقاقا داخل المجموعة ستنعرض له لاحقا ...
= كذلك شهدت هذه الفترة تحركا لصالح السلفيين مقابل خطوات التقارب حيث سمح لهم ببناء دور العبادة والمساجد مثل مسجد خاتم المرسلين بحي الدوحة والمجمع الاسلامي بالجريف غرب ومجع الغفران بمدينة المهندسين ( مركز نشاط الرابطة الشرعية للعلماء والدعاة ) ومجمع جبر آل ثاني (مقر منظمة ذي النورين الخيرية ) بحي كافوري ومسجد المصطفي بحي العامرية جنوبي مدينة الشجرة ثم قيام اذاعة وقناة طيبة بالصحافة ومنظمة المشكاة الخيرية بحي يثرب شرق مستودعات الشجرة ومنظمة المعالي بحي المعمورة ومركز الامام مسلم بالفيحاء بشرق النيل وكذلك تأسيس إذاعة افريقيا بحي الشارقة جنوب مقسم سوداتل بالخرطوم جنوب وغيرها من المؤسسات ...
= ثم تلي ذلك حدوث انفتاح علي الاخرين فاستقطبت هذه المجموعات دعاة من جماعات أخري للعمل معهم لتنفيذ برامجهم ( شيوخ من أنصار السنة والاخوان المسلمين والحركة الاسلامية ) رغم عدم رضاء قيادات تلك التنظيمات لتجنيد بعض عناصرهم لصالح السلفية الجديدة ...
= ظهور هذه التطورات والمستجدات خلقت واقعا متناقضا وجديدا علي ساحة السفليين فبرز هناك يتاران :
تيار المهادنة الذي حاول التصالح مع النظام وتيار المعارضة الذي رفض التنازل مواصلا في خطه القديم وبينما اكتفي التيار الاول بالرعاية الرسمية فان التيار الثاني شق طريقه في اتجاه آخر بدأه بتأسيس الرابطة الشرعية للعلماء والدعاة في العام 2004م قبل ليلة واحدة من قيام مؤتمر العمل الاسلامي بين الاتفاق والافتراق كخطوة مضادة ومربكة للمؤتمر فكان الغرض من قيام الرابطة هو ارسال رسالة بعدم اعترافها بمؤسسة الفتوي الرسمية ( هيئة علماء السودان ) ككيان لكل العلماء ولعل هذا كشف ان السلفية الجهادية رغم انها تلتقي علي مبادئ واحدة ولكنها ليست علي قلب رجل واحد وهذا يقودنا الي انعدام وضبابية الرؤية السياسية وعدم قدرتهم في التعامل والتعاطي مع الواقع السياسي بافق منفتح فرؤيتهم للاشياء اتضح انها فطيرة وغير ناضجة فظهرت مجموعة تؤيد الحكومة واخري تعارضها وكذلك فريق يدعو للتصويت لمرشحي المؤتمر الوطني في انتخابات ابريل من العام الجاري بل ويؤكد ان عدم التصويت يعني ارتكاب الاثم – ان لم يتم التصويت للقوي الامين – وفريق اخر يري ان الانتخابات والادلاء فيها بالاصوات للمرشحين لا تجوز والاولي مقاطعتها وعدم المشاركة فيها ...
وبالتاكيد فان هذا الواقع لم يقنع الشباب او طلاب الجامعات المنتمين لهؤلاء فزاد تطرفهم وتشددهم باعتبار ان شيوخهم وقادتهم ( باعوا القضية ) بثمن بخس دراهم معدودة !! ولهذا حينما تم القبض علي افراد وعناصر تفجيرات السلمة عقدت لجنة من هؤلاء الشيوخ لمناقشة تلاميذهم لكن المفاجأة ان التلاميذ رفضوا حجج ومنطلقات شيوخهم بل واتهموهم بالتفريط في القضية وخلق صفقة او تسوية مع النظام الحاكم نظير دعمهم للحكومة في مقابل سماح أجهزة الدولة بالفسح للتحرك والنشاط !! الامر الذي ادي لحدوث انفلات خاصة في ظل عدم وجود تنظيم معلن وظاهر وتسلسل هيكلي واضح يمكن الاحتكام اليه وبالتالي فان انعدام المرجعية الفكرية والتنظيمية أحدث الكثير من الخلل والتفلت وسط الشباب ومفارقة وتباعد بين القاعدة والقيادة ...ومن الواضح ان القيادة نفسها اصبحت عرضة للاستقطاب ولم تسلم من الاختراق ...
= وكذلك يلاحظ ان السلفية الجديدة خلقت عداوات مع الجماعات الاسلامية الاخري العاملة في الحقل الدعوي مثل انصار السنة والاخوان حيث تعاملا مع القادمين الجدد بتوجس وتخوف خاصة وان انصار السنة معروفون بالدعوة للعقيدة والاخوان المسلمين بالمطالبة بتحكيم الشريعة والسؤال هنا ماذا تريد السلفية الجديدة ان تعمل ؟؟ فاعتبروا ان دخول السلفيين الجهاديين محاولة لسرقة الساحة والمساحة التي يعمل فيها الاخرون ..
وقبل ان نختتم استعراضنا لهذه القضية يجدر بنا ان نتطرق للمعالجات الرسمية التي تمت في هذا الامر ونقصد به قدرة الحكومة في احتواء التكفيريين ومحاولة سيطرتها علي نشاطهم ومحاصرته فالواقع ان الرؤية هنا في المعالجة تفوقت علي التجربة السعودية والمصرية حيث كان العلاج الامني عبر الاعتقال والتعذيب والعنف هو الطريق لسحق التكفيريين علي عكس السودان حيث اتسمت المعالجة هنا بنهج سلمي رغم اعتقال وتوقيف التكفيريين لكن كان الحوار هو الوسيلة التي اتخذت واتبعت لعلاج الظاهرة التي يكمن القول انها لم تتفاقم بشكل مخيف مثلما هو الحال في كل من مصر والسعودية ومع ذلك لا يمكن التقليل من المخاطر ان لم يتم قطع مادة وجرثومة التطرف من جذورها من خلال التوعية والتوجيه ومناقشة المتطرفين وضرورة اقناعهم فالمقولة الشهيرة تقول

ناقشوهم قبل ان تشنقوهم ) فيبقي الحوار هو المدخل لانهاء هذه الظاهرة ..
http://www.sudaneseonline.com/ar4/pu...cle_2885.shtml