اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مهند الخطيب
أشرف كدي وقع لي دي ....
كيف نحن ادرى بشؤون دنيانا ، وفي نفس الوكت درايتنا دي مامطلقة؟؟
أدرى ده مش اسم تفضيل على وزن أفعل ...؟
|
سلام يا مهند
طيب.. الأمر محتاج شرح قد يطول.. فأرجو ان يتسع وقتك،، هنالك لغظ كبير حول المعاني التي أخذها الناس من هذا الحديث بغير علم... والأمر لا يتوقف على مفردة واحدة،، فنحكي قصة الحديث من البداية..
هذا الحديث أورده مسلم كما ذكره ابن خزيمة في صحيحه، وابن حبان في صحيحه وغيرهم بروايات مختلفة.
وبما أن التقديم في الأحديث يكون أولا للبخاري ثم من بعده مسلم، دعنا نستعرف كيفية ايراد مسلم للحديث ونهجه فيها..
هذا الحديث أورده مسلم في صحيحه عدة روايات في الموضوع أو الباب الواحد تكون الرواية الأولى في الباب هي التي على شرط الصحة ، أي هي التي صح إسنادها عنده
أما ما يأتي به بعدها في نفس الباب فلمجرد الزيادة والاستشهاد مع أنها بأسانيد ضعيفة أحياناً . كما أنه كان يرتب روايات الاستشهاد ترتيبا نازلاً فيجعل أضعفها في آخر الباب . فإذا كانت الروايات الآتية بعد الرواية الأولى موافقة للرواية الأولى في بعض الجمل أو العبارات كانت هذه العبارات هي محل الاستشهاد وأما ما كان فيها من عبارات ليست في الرواية الأولى فليست محلا للاستشهاد ولا يحتج بها لأنها ضعيفة أحياناً . بل تكون أحيانا موضوعة يُجزم بنفي نسبتها إلى النبي ويجزم بأنها إنما نسبت إليه من قبل بعض الرواة كذباً أو خطئاً كما في المثال الذي معنا في هذا المقال .
فعند الرجوع إلى هذا الموضع في صحيح مسلم ، نجده يروي بسنده حديث النبي في الرواية الأولى الصحيحة ،
وليست فيها هذه العبارة ( أنتم أعلم بأمر دنياكم ) ولا حتى في الرواية التي بعدها
ولم ترد هذه العبارة إلا في آخر وأضعف رواية في الباب وهي رواية ضعيفة الإسناد لا يحتج بما جاء فيها من عبارات زائدة . وحتى إذا افترضنا أن إسنادها يظهر عليه الصحة فإنها تكون حين إذ رواية شاذة والرواية الشاذة مردودة عند علماء السنة.
فهيا بنا نتأمل الرواية الأولى صحيحة الإسناد، فهي بعد ذكر مسلم لإسناده كالتالي : " عن موسى بن طلحة عن أبيه قال مررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم على رؤوس النخل فقال " ما يصنع هؤلاء " فقالوا يلقحونه يجعلون الذكر في الأنثى فيلقح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " [ ما أظن ] يغني ذلك شيئا " . قال فأُخبروا بذلك فتركوه فأُخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال " إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه فإني ( إنما ظننت ظنا ]) فلا تؤاخذوني ( بالظن ) ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به فإني لن أكذب على الله عز وجل " )
قال النووي في شرحه على صحيح مسلم ج: 15 ص: 116 قال العلماء ولم يكن هذا القول خبرا وإنما كان ظنا كما بينه في هذه الروايات . انتهى .
إذاً ، يتبين من الرواية الصحيحة أن النبي لم يقل ( أنتم أعلم بأمر دنياكم ) وحاشاه أن يقول ذلك . كما بين النبي أن ذلك مجرد ظن منه وبهذا يُعلم أن ذلك ليس نهياً أو أمراً أو سنة أو ندباً ( وهذا ضابط مهم ) فقال منذ البداية " ما أظن " ولم ينههم ثم أكد على هذا البيان مرة أخرى حين بلغه ما بلغه فقال " فإني إنما ( ظننت ظنا ) فلا تؤاخذوني بالظن ". فالله الذي رضي لنا الإسلام دينا إلى يوم القيامة أعلم بأمور دنيانا منا .
وليس في الحديث بمختلف رواياته ما يذهب إلى أن علمهم فوق علم الله في أمور الدنيا، بل فيه أنهم أعلم من رسول الله بأمور الدنيا، وهذا لا حرج فيه ولا ضير كما ذهب إلى ذلك العديد من العلماء، بل كما تدا على ذلك نصوص كثيرة.
وأكثر من ذلك لماذا استشار الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه في مناسبات عدة؟ لماذا نزل عند رأيهم في بعضها؟
لكن مهم أن نحدد ما هو أمر الدنيا وما هو أمر الدين. مهم أن نؤكد على أن ما أتى به الوحي من أحكام دنيوية دين واجب على المسلم.
وعدم الدقة في هذه المسألة لدى البعض ليس مبررا للحكم على تلك المتابعة بالوضع بدون سند علمي واضح.
وبهذا يتبيّن أنه لاحجة البتة ، في هذا الحديث ، لمن يدعي أن السنة تنقسم إلى قسمين ، تشريعيّة وغير تشريعيّه ، ثم يجعل السنة غير التشريعية مما لايجب اتباع النبي صلى الله عليه وسلم فيها ، لانه مما يدخل في قوله ( أنتم أعلم بأمور دنياكم ) . وهم الذين يطلقون على أنفسهم اليسار الإسلامي ، أو تيار التجديد ، والتجديد منهم براء ، وهو تيار التخريب واتباع المتشابهات . ثم إنهم ـ بنوا على بدعتهم هذه ـ أنهم أخذوا يتقولون على الله بغير علم ، ويفترون على الله الكذب ، في نسبة كثير مما أوحى الله تعالى إلى نبيه ، وما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أمته في باب المعاملات ، والأقضية والأحكام ، والإمامة ، والجهاد ، وعلاقة الأمة بغيرها من الأمم ونحو ذلك ، أن ذلك كله فعله النبي صلى الله عيه وسلم من باب السنة غير التشريعية ، فلا يجب علينا اتباعه فيما قال ، كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا . وتعلقوا بحديث تأبير النخل المذكور ، كما تعلق الذين من قبلهم ممن في قلوبهم زيغ بالمتشابه كما قال تعالى ( فأما الذين في قلوبهم زيع فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة .. الآية ) . وتعاموا ـ أو أعمت الضلالة أبصارهم ـ عن أن ما يطلق عليه العلماء باب المعاملات في الفقه ، من الجهاد إلى الإقرار و الشهادات ، إنما امتثل فيه النبي صلى الله عليه وسلم محكم التنزيل القرآني . فعامة ما قاله أو فعله صلى الله عليه وسلم ، في أبواب المعاملات : في تقسيم الناس إلى مؤمنين مقرّين بوجوب اتباع جاء به صلى الله عليه وسلم ، وكافرين معرضين عن ذلك ، وتنظيم التعامل مع الأمم على هذا الأساس فحسب . وترتيب أحكام الجهاد على هذا الأساس . وفي تحريم ما حرمه الله تعالى من الربا وغيره من التعاملات المالية المحرمة ، أو التي أمر الله بها . وفي الأمر بنصب الإمامة الحاكمة بشريعة الله تعالى في كل شؤون الحياة ، وأن ترك الحكم بالشريعة ردة عن الدين . وفي تنظيم أحكام الأسرة ، وسائر الأحكام المتعلقة بالحياة كلها . كل ذلك كان امتثالا من النبي صلى الله عليه وسلم لمحكم التنزيل ، تأكيدا له ، أوبيانا لمجمله ، أو تقييدا لمطلقه ، أو تخصيصا لعامه . ومالم يرد من ذلك في القرآن ، وقــد ورد في السنة زيادة على مافي القرآن ، فهو وحي يجب على جميع الناس اتباعه أيضا . وقد تنبأ النبي صلى الله عليه وسلم بحدوث بدعة نهج هؤلاء المتهوكين في الإسلام ، الذين جعلوا شريعة النبي صلى الله عليه وسلم عضين ، كما جعل أهل الجاهلية كتاب الله عضين ، كما قال تعالى (الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ) ، أي جزءوه فأمنوا ببعضه دون بعض . كما صح في الحديث( يوشك أن يقعد الرجل متكئا على أريكته، يحدث بحديث من حديثي، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله ) رواه أحمد وأبو داود والحاكم من حديث المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه . وفي الحديث أيضا : (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السبع، ولا لقطة معاهد، إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فله أن يغصبهم بمثل قراه ) رواه احمد وأبو داود من حديث المقدام بن معديكرب رضي الله عنه . والحاصل أن حديث ( أنتم أعلم بشؤون دنياكم ) إنما يدل على أن مالم يرد فيه أمر وجوب أو ندب ، أو نهي تحريم أو كراهة ، فهو مسكوت عنه ، من قبيل المباح ، هذه دلالته بإجماع العلماء . ومن زعم أن هذا الحديث يدل على أنه يجوز لأحد أن يخرج عن شريعة النبي صلى الله عليه وسلم ، فيما حكم فيه بقول أو فعل أو إقرار ، في المعاملات الإنسانية ، ويحكم بسواها من شريعة غير الرسول أو هواه ، بحجة أنه مما يدخل فيه ( أنتم أعلم بأمور دنياكم ) ، فهو ممن يدخلون في قوله تعالى ( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا ، وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصـــــدون عنك صدودا ).
ونسأل الله الهدى والرشاد وحسن الخاتمة،،
تنبيه:
(أغلب ما ذكرته في هذه المداخلة هي ما اتفق عليه أهل العلم بالحديث النبوي، وحاشا لله ان اتقول على نبيه برأي)،،