كبرياء امرأة
للأمل حين ينتشي باحثا عن ضفاف يحط فيها رحله– كانت تتحرك بطاقة الأمل والنقاء لم تتخل عن أي منهما- تبدأ يومها بالصلاة ثم حلب الغنم وصنع الشاي - ومجاراة الازيار ( تفريغ الماء البارد في زير واحد) ثم تمد يديها إلى دلو البئر ترميه في بئرها العميقة حتى انك تسمع صوت ارتطامه بقاعها بعد حين، دلو واثنين وثلاثة – بيتها آخر بيوت القرية الأقرب بينها إلى الصحراء - ابعد ما يكون عن النيل لذلك كانت بئرها الأعمق– وكان تبرر ذلك ( البحر ما بعيد) ما صلتك بالجيولوجيا أيتها الرائعة أم هي المعرفة حين تتواضع وتبذل نفسها للعامة عبر تراكم الخبرات والتجارب.
البحر بعيد والزراعة كذلك لذا كانت تخرج باكرا قبل الأخريات لجلب علف الغنمايات لم تكن صاحبة أطيان فوالدها جاء مهاجرا من بربر واستقر في دار الشايقية حيث تزوج أمها – كانت تتحدث عن أطيان وجزائر كاملة لوالدها في بربر – حديث كان ضرورة في وسط يتعاير اهله ويتفاخرون بالأطيان – وحتى لا يتلسن عليها الشايقية حرصت على حش القش من أراضي أخوالها الذين اشتروها بحر مالهم فجذورهم من دنقلا وليست من هنا.
الكبرياء شعار رفعته طوال حياتها فكلفها ذلك الكثير، تزوجت باكرا أنجبت ثلاثة بنات وولد ماتت بنتان وفجعت بزوجها الذي توفى عام 48 توفى بعد قفزة هائلة على بلاج الإسكندرية فزوجها كان موظفا فاستحق ميتة كهذه.
عاشت في عطبرة لسنوات قليلة انتهت بوفاة زوجها حملت صغيريها إلى البركل وعاشت في بيت والدها قبل ان تبني بيتها هذا عام 66 . بيت واسع فالأرض الصخرية لا أهمية لها في عرف القرية. يقال أنها بنت معظم البيت بيديها (فزعت) أخواتها ونسوان الحلة لمساعدتها في تسوية الأرض وتكسير الصغير وفي الجير وبناء مصطبة المطبخ والمدخنة.
لذا كانت فخورة ببيتها، أو بيت الكبرياء فلزمته لا تبرحه إلا في المناسبات – وكانت تردد( الياباني يمرق من بيتو) و(وكل زول عند اهلو فوق سمحو وعديلو – والعيش ما شالو قصبو منو البشيلو)
تزوجت ابنتها ورحل ابنها للعمل في الخرطوم، وعيت في هذه الدنيا وهي وحيدة تعيش في بيت مساحته اكثر من الف متر. به بئر وبرندا اكبر من صالون وزقاق ملئ بالحطب والأعلاف والعدد القديمة وفي نهايته بيتان الأول للغنم والثاني للأدب( مستراح) كما كانت تسميه.
لديها مطبخان الأول حولته إلى غرفة بها رف كبير رصت عليه أواني وحلل الطعام وكانت احرص ما تكون على كورية عملاقة صفراء اللون قالت انها لامها التي ماتت في عز صباها عام 39 – اما المطبخ الاخر فواسع وعريض سقفه من جريد النخل المرصوص فوق مرق ضخم – وذات يوم فكت نصف السقف وفتحته للتهوية- فهنا غالب قوت اهل البلد قراريص تعاس بجريد النخيل او الواقود كما يسمى ولعله اكبر ملوث في التاريخ وربما اسهم في ثقب طبقة الاوزون- فسقوف المطابخ هنا سوداء لذا تفتق ذهنها عن احداث فتحة بنصف سقف كامل بينما كان الانجليز يبنون المداخن منذ قرون طويلة – لكن ما شانها هي بالانجليز.
اغرتها مساحة البيت والفراغ الذي تعيشه والملكية عوامل اجتمعت فتحول بيتها الى ورشة عمل مفتوحة- كانت تغير مواضع الابواب فما ان يستقر الباب الاصفر في الحائط الشرقي لغرفة الضيوف حتى تراه غدا في الحائط الغربي وهكذا.
لديها فضية وعدة صيني جمعتها لبنتها طوال سنوات وحين سافرت البنت مع زوجها لم تحمل معها الا القليل منها – لكنها ظلت تعتني بها. وفي زجاج الفضية علقت صور حفيدها الاول وابنها المسافر – تعليق الصور في الفضية كان عادة دارجة لا ادري ان كانت منتشرة في باقي انحاء السودان – والى جانب الفضية كان لديها اربعة اسرة وعناقريب تربو على الحصر – لم ترقد على سرير يوما ولم تفرد مرتبة قط – فهذا ترف يستحقه الأبناء والضيوف الذين لا يأتون – ماتت ومراتبها أنظف ما تكون.
ولديها ايضا تربيزة كبيرة كانت تسمى في عرف موبيليا ذاك الزمان تربيزة المكوة – لم تكوي عليها قط – فمثلما ما كانت تتوسد توبها على عنقريب وتنام كانت تكوي في الأرض مستخدمة مكوة الفحم لا غيرها.
قلت انها كانت تلزم بيتها دائما وإذا زارت أحدا فانها تحرص على ان تخف. لا تاكل ولا تشرب( والله فاطري والله متغدي والله متعشي والله شاربا الشاي قبل ما امرق)
وكنا انا واخوتي ننتظرها دائما وهي عائدة من الزراعة حاملة قش الغنمايات فالعرف يقضي بمغادرة الزراعة لتناول الفطور في البيوت، كنا ننتظرها لتفطر معنا فتقبل اليوم وتزوغ منا أسابيع. تغير طريقها تهرب بحملها من القش والواقود وتختار ابعد الطرق لتفادي ما كانت تعتبره إثقالا علينا نحن أولاد أخوها لزم- فتلك كانت عمتي زهرا التي رحلت عن دنيانا الفانية في 27/3/2003 فلها الرحمة
|