باب السنط الدكة والنفاج بيت النساجين بود درو سيرة قرن من الزمان
[frame="7 80"]باب السنط الدكة والنفاج
بيت النساجين بود درو سيرة قرن من الزمان
كتب:أمير الشعرانى
على ذمة الاستاذ محجوب كبلو هذا هو آخر باب سنط بام درمان عثرت عليه (حكايات) فى رحلة بحثها عن نساجي ام درمان فى منطقة ود درو، والباب كما يظهر فى الصورة أعلاه، سبعة ألواح من سنط غابة الخرطوم القديمة وعن الغابة لا تسأل فليس لكل سؤال جواب، أما السنط فقد توارى خجلا بين ألواح الالمونيوم واشجار الاسمنت ذات الطوابق العالية.
عتبة سميكة كتب عليها الرقم (67) هو رقم المنزل الذى مر على انشائه اكثر من قرن من الزمان ومازال يمد (سبلوقاته)المدورة ساخراً من امطار الخريف وكأني به يردد رائعة محجوب شريف:
ود باب السنط الدقة والنفاج
والحوش الوسيع للساكنين أفواج
واللمة الربت جنى المحتاج
ونار الدغش والريكة جمب الصاج
(1)
لأنك أمام أحد أقدم بيوت أم درمان، لابد أن تنكّس رأسك قليلاً لتدخل، إحتراماً له من جهة، وحفاظاً على رأسك من جهة العتب الذي ضغطته السنوات لأسفل فكاد البيت يغوص في التراب..
بنظارته السميكة التي تختبيء خلفها عينيه الواهنتين اللتين عبثت بهما الخيوط، حيّانا عم التجاني قبل ان يهبط في برندة عتيقة عليها إضاءة تنبعث من لمبة شحيحة تبدو كأنها مصابة بالرمد.
ملصَ عمّ التجاني نعليه ودسّ قدميه خلف منصة النسيج القديم قبل أن يكفْكف أكمامه لأعلى..
مجموعة خطوات معقّدة تعقيد هذه الخيوط التي تتجاور في إلتحام دون أن تشتبك مع بعضها، وان فعلت، فعم التجاني كفيل بفك عقدة إشتباكها دون ان تنقطع أواصر الرحم بين الخيوط..
(2)
خمسون عاماً وهذه الآلة تعمل في صبر، تنسج بخيط الحوار ثوباً من التفاهم لتكسو الأجساد العارية ستراً ولتنفح التجاني بعضاً من المال يسد به رمق جيبه..
ثلاثة أيام بلياليها ينفقها عم التجاني لحياكة فردة واحدة يقتات بثمنها بعض يوم، وثلاثة ثوانٍ فقط تكفي من يشتريها بثمن بخس ليسحب الفردة لأعلى ليغوص داخلها إتقاء البرد..
وربما ثلاثة أعوام فقط ويتلاشى هذا البيت العتيق.. بيت النسّاجين الذي بقي وحيداً يدافع عن تاريخ مهنة سادت قبل ان تبيدها جرافات الملابس الجاهزة..
(3)
سألت (حكايات) عم التجانى عن سعر الفردة فقال فى يقين (25)جنيه، يا ليقينك يا عم تجانى يومين او ثلاثة يقضيها عم التجانى معتكفاً بين الخيوط من اجل (25) جنيه، يسد بها طاقة التعليم المشرومة بين الاساس والجامعة ورمق اطفال قُصر لم يبلغوا سن التعليم .
عم تجانى هو آخر الوافدين على بيت النساجين بود درو قبل خمسين عاما يقول عنها الاستاذ محجوب كبلو : طوال هذه الفترة من الزمان لم يرتفع صوت النساجين فوق حيطتهم القصيرة هذه بل كانوا ومازالوا مورد الخيوط البيضاء والملونة لاهل الحى .
لم ينسى كبلوا ان بيت النساجين خرّج الكثير من العباقرة فى مختلف دروب العلم وهم الان قيادات ورواد من رواد الخدمة المدنية فى السودان. .[/frame]
|