16-10-2009, 06:29 PM
|
#[3]
|
|
:: كــاتب نشــط::
|
اقتباس:
يحكى أنّ.......
منذ طفولتي وأنا اسمع الأساطير والحكايات عن أصل سواكن ونشأتها ..و..وقد حفظت في الطفولة من ديوان احد الشعراء السواكنية قصيدة لا اذكر منها إلا مقدمتها وهي :
[ يروون في المقال أنّ سبع "جن"
أتوا على سفينة من اليمن
ضلت بهم طريقها بين المحن...........]
وخلاصتها أن سبعة من الجن أسسوا سواكن , وهناك أساطير أخرى عن سيدنا سليمان و انه سجن الجن بسواكن أو "سواجن" , و وغيرها من الأساطير الجميلة , ولارتباط تاريخ سواكن بالأسطورة كان لابد أن نبدأ كلامنا عنها بحكاية هي أصدق من كل تلك الأساطير.
* * *
يحكي أنه في جميل من الزمان و معروف من المكان عاشت فتاة مختلفة , فتاة عرفها الناس فتاة..., لم يعرفوها طفلة ولا عرفوها صبية , عرفوها كاعبا فاتنة تخطف الأبصار وتخلب الألباب , وهم لا يذكرون أباها ولا أمها ولا طفولتها ومع ذلك أحسوا منذ أول يوم رأوها فيه بأنهم يعرفونها حق المعرفة !
فتاة مختلفة حقا. ...مختلفة عما حولها في مظهرها....فقد كانت بيضاء ناصعة حتى قيل إنها قد شيدت بالحليب الخالص، بينما كان ما حولها أغبر.
و مختلفة في ملبسها.... فقد كانت ترتدي " المالاكوف " و "الساري الهندي " بينما كان جاراتها يكتفين بالتوب إن وجد . وكانت لا تخرج إلى الطريق حتى لا ترى الرجال أو يرونها , وان اضطرت لمخاطبة الرجال فعلت ذلك من وراء حجب أو من خلف المشربيات الخشبية التي كانت من مميزات وضروريات دورها وقصورها
.... و مختلفة عما حولها في مطعمها... فقد كانت توفر لنفسها و لضيوفها صيد البر وصيد البحر! كان صيد البحر لديها في كل مكان , ولم يكن صيد البر بعيدا...إذ كان يكفيها أن ترسل صبيانها إلى " وهجايت قبا " أي (سدرة الأسد ) فيرجع أصغرهم وقد أوقر حمارا بالآرام والغزلان والثعالب. وكان طبقها الرئيسي الأرز بينما كان جيرانها يفضلون الذرة. وكانت تتفكه فتوفر البطيخ اليافاوي والتمر العراقي والتفاح الشامي و..كل خيرات الجزيرة العربية والهند.انت مع جمالها وفتنتها كريمة متواضعة : فتحت بيتها لكل طارق , اجتمع فيها الحضرمي اليمني بالكابلي الأفغاني بالكاظمي العراقي بالشنقيطي فأغنت كلا منهم وصارت له أهلا ووطنا . ... كانت ديّنة تحب رجال الدين... فقصدها العلماء والفقهاء -" ومن آخر من قصدها منهم الشيخ المجذوب وتاج السر الميرغني"- ففتحت لكل من قصدها منهم قلبها وبيتها وأعدت لهم المساجد و المنابر والزوايا والتكايا.
وكانت حكيمة أيضا ... اجتمع فيها الحنفي والشافعي مع المالكي فساستهم وأصلحت ما طرأ من خلاف بينهم , وجعلت لكل منهم مسجده وقاضيه وخطيبه, فعاشوا متحابين متآلفين كما جدر بأبناء الأمة أو الأم الحكيمة التي لا تفرق بين أبنائها. أما الضيوف العابرين إلى جدة-أي الحجاج – فقد كانوا شغلها الشاغل , كان موسمهم عندها يوم عرس تشمر فيه عن ساعديها وتخدمهم خدمة لا ترجو من ورائها أجرا أو شكرا من بشر , فقد كانت تعتبرهم سبب وجودها ومهمتها في الحياة ..أو ليسوا ضيوف الرحمن ؟ أو ليست هي ميناء الحج الأول في أفريقيا؟ أو ليست أقرب المواني إلى جدة ؟ وكان إكرامها لهم يصل إلى حد أنها كانت تزودهم ولو بقوت أولادها فتعَوَّد أهل جدة أن ينتظروا الآتين منها بفارغ الصبر لأنهم يأتون بالعسل والسمن و" الخروف السواكني".
و مع الأيام انتشر ذكرها واتسعت شهرتها, فتسامع بها الناس وعشقوها حتى قبل أن يروها... كثر عشاقها فكان منهم من يصلي إليها – لأنها في اتجاه مكة لأغلب أهل أفريقيا – ومنهم من أتى إليها مشيا من ساحل المحيط الأطلسي في رحلة استغرقت أشهرا وربما أعواما أحيانا , ومنهم من قطع إليها المحيط الهندي وبحر العرب , فلم يجد فيهما جزيرة تقريه بالبقاء غيرها. وسمع بها الشعراء ..., فرغبوا فيها ونظموا فيها القصيد: شوقا قبل أن يروها, وحزنا ولوعة حين فارقوها, فكم من شاعر حن إليها أو بكى عليها. وسمع بخصالها السراة والوجهاء فرغبوا فيها وتنافسوا في خطبتها واغلوا لها المهر , ولكن أباها – السلطان العثماني – رد كل الخاطبين , حتى فتنت محمد علي باشا والي مصر, وخطبها.... فتمنعت عليه ,... ثم رضيت بعد أن أغلى لها المهر الذي اشترطت أن يكون لحجاج بيت الله.
حزنت الفتاة , وبين عشية وضحاها صارت عجوزا.... بيوتها التي ضرب المثل بجمالها صارت تتداعى بيتا بيتا , أنواع وأجناس البشر الذين جمعتهم بين ضلوعها صارت تفقدهم جنسا جنسا , سالت دموعها حتى جفت " الفولة " ويبست "شاتا" وتحجرت آبار "قب " . .. وبعد جفاف الدموع بكت دما و حجارة! , صارت حجارة بيوتها البيضاء الجميلة تتساقط كقطرات المطر وتختفي في قمائن الجير...صارت تحتضر... وتناهت إليها أنباء بأنهم يفكرون في علاجها , فقالت في نفسها ( هيهات .. هيهات .. و كأنهم لا يعرفون مرضي؟ بظنونه شيخوخة؟ وهل يشيخ المرء بين ليلة وضحاها؟ ردوا أبنائي وضيوفي ..وإلا ..فدعوني أموت ), ولكنهم احضروا الطبيب..... فحصها الطبيب وقال إنها حبلى ؟ واندهشوا.. كيف وهي عجوز فانية ؟! قال لهم الطبيب ( لا تنسوا أنها كانت شابة قبل 24 ساعة). وفرحت هي بالحمل الذي ما كانت قد شعرت به حتى تلك اللحظة , وتحسسته ، قالت في نفسها (أتراني سأنجب ثانية مثيلا ل عثمان دقنة , ابني الفارس البطل؟ ) . و لكنها حدست أنها ستضع بنتا لا ابنا، فاستجمعت قواها كي لا تموت قبل أن تضع الحمل وترى وريثتها.
وجاء مخاضها في ظروف صعبة من الجفاف والتصحر والحصار الاقتصادي و و و... ولكنها قاومت حتى لا تموت دون وارث , وآلت في نفسها ألا تموت قبل أن ترى عيون بنتها ... ولكن ...............يا للهول! سواكن الحجازية تلد بنتا لا تشبهها في شيء.. بنتا تفضل عابري السبيل على ضيوف الرحمن ، بنتا ليس لديها "بيت مسكين" ولا " شاتا " ولا قطرة ماء في الفولة ، بنتا لا ... باختصار.... بنتا لا تنتمي لأمها بأي شكل...... هنالك قالت الفتاة العجوز " الآن طاب الموت"واستسلمت لمصيرها ومنذ ذلك اليوم وهي بلا حراك والناس في انتظارها...هل ستموت فتدفن أم ستعيش؟..
|
ه
نقلاً عن موقع (مسكينة سواكن)
http://swakin.netfirms.com/yohka.htm
ه
|
|
|
|
|