مداخلة للمدهش حسن موسى على الرابط:
إمتاع ومؤانسة
"حين وصف الطيب صالح جعفر نميري بالحكمة في منتصف السبعينات راعنا أن المبدع يملك أن ينمسخ خصما سياسيا بين ليلة و ضحاها. في تلك الأيام اخترنا التعامي عن حقيقة الطيب صالح كخصم سياسي، خصم سياسي من نوع جديد لم نعهده بحكم استقرارنا النهائي في الخرافة الفاضلة التي تفترض ان المبدعين لا يمكن أن ينتموا لمعسكر الأعداء. فالإبداع ثورة و المبدع ثوري و مكانه الطبيعي [ شوف " الطبيعي" دي!] لجانب الجماهير، و ثورية المبدع عقيدة دينية صلدة في معسكر المثقفين اليساريين، بل و غير اليساريين من ولاة أمورالأحزاب اليمينية المحافظة ، الذين قيل أنهم توجّسوا شرا من طلب الشاعر محمد عبد الحي الإنتماء لحزب الأمة فرفضوا قبوله بين صفوفهم [وأنا لو رضيت بالهم مايرضى بي همّي ..].
بعدها توالت حسراتنا في فناني و شعراء " أمتي"، المشبوحة كما جلد الدبّاغ بين الغابة و الصحراء، الذين لم يرعوا "حرمة الإبداع " [ شوف برضو " حرمة الإبداع " دي!]،و بعد بما ينيف على عقد من الزمان على نقض الطيب صالح للعقد المضمر بين المبدع و جمهور الثوريين [" الجزافيين " في مصطلح عبد الله ع إبراهيم ]، شهدنا استقبال الطيب صالح الرسمي بواسطة زعماء نظام الإنقاذ [ " هؤلاء الناس"!]، في تظاهرة "الخرطوم عاصمة الثقافة العربية"، فأسقط في يدنا ـ كما تقول العبارة ـ و أدركتنا حسرة، سيّما و أديبنا الكبير كان في رفقة فناننا الرائد إبراهيم الصلحي. و قبل أن تجري مياه كثيرة تحت الجسور التي شيدها مبدعون آخرون مع نظام الرجوع ، شهدنا محمد وردي العظيم يرفـّه عن الغول بنفس الصوت الذي غنّانا " اصبح الصبح و لا السجن و لا السجان باق "!
أها، و من ديك و عيك، تعوّدنا على رؤية المبدعين يعبرون من ضفة المعارضة التقدمية لضفة الرجوع و يتبعهم " شاو مشل شلول شلشل شول "فيأكلون [ لحم الشعب ] مع الغول وينالون رضاءه و ينعمون بعطاياه، و فيهم من يحتج لأن محاسب الغول دفع له بالعملة المحلية بينما فلان و فلتكان قبضوا الثمن بالدولار! .
[5]
المهم يا زول شقّ علينا موقف الطيب صالح، و أخوانه الكواشف، مشقة كبيرة لأنه جعلنا نتشكك في تماسك أوهامنا الثورية حول الدور السياسي للمبدع، و لأنه فرض علينا إعادة النظر في تعريفنا الطوباوي للمبدع كثوري" بالميلاد" ، و لأنه يلغي ذلك الوجود البريئ للمبدعين كجماعة مفهومية منسجمة و مستعصية على التاريخ، كل واحد فيها معلق من عصبات الآخرين. موقف الطيب صالح و شركاه يفرض علينا فحص الهوية السياسية للمبدع بصيغة الإفراد، حتى و لو انضوى ذلك المبدع في أكثر الأحزاب مركزية. لقد انتهى دور " دوائر الخريجين " التي تحفظ للمبدعين حظوة" المسئولية الشهمة " في مقام العمل العام السياسي، مما دعا إليه عبد الله ع إبراهيم [ اللينيني] في " نحو حساسية شيوعية تجاه الإبداع و المبدعين" [ كاتب الشونة أبريل 1976، الحزب الشيوعي ]. و ضمن الجوبكة الحاصلة في "جبهة الإبداع" اليوم، صارت " المسؤولية الشهمة"، بالنسبة لهذا الحزب الذي يطمح للعمل في السياسة باستنارة ، صارت بابا يجيب الريح و هو مسدود . و خلاصة موقف الطيب صالح تبقى في كونه يردنا للحكمة السياسية البليغة: كيف يجوز للشاعر ما لا يجوز لغيره ؟َ!.
[6]
إن وطأة الفرز السياسي الذي يضطرنا إليه الطيب صالح و شركاه كبيرة لا تطاق، لأنها تضطرنا لإعادة ترتيب الأولويات المفهومية ضمن جيوبوليتيك طبقي لحركة الإبداع المعاصر، جيوبوليتيك طبقي يلغي الإمتياز الإعتباطي الذي حازت عليه الرافعة الوطنية المبذولة، إفتراءا، كقاسم مشترك أعظم بين شعوب السودان المتطلعة للإستقلال و الوحدة الوطنية و التنمية.ضمن هذا الجيوبوليتيك الطبقي الواسع تستثمر شعوب السودان شروط عولمة العمل لتستشرف آفاق تحالفات طبقية أنجع من الضيق اللاحق بالمنظور الوطني.
هذا المبدع الطيب الصالح الذي نكن له إعجابا و معزة بلا حدود هو أيضا خصم سياسي لدود، لا يليق بنا أن نغفل لحظة عن كيده السياسي المضمر و المكشوف. و بسبيل تحقيق برنامجه السياسي [ صيانة استمرارية" دابر العرب" في السودان ] فهو لا يتورع حتى عن سب فقراء السودان من غير العربسلاميين بذريعة أنهم يتآمرون للهيمنة على الشمال:
".. الغريب الآن أن الجنوبيين أدخلوا معهم النوبة و أهل الشرق و الغرب.. هذا يؤكد رغبتهم في أن يكونوا أغلبية ، و بهذا يصبح السودان الشمالي ، الذي هو عصب السودان ، بلا قيمة."
".. الآن نلاحظ النزوح الجنوبي للشمال وصل حتى حلفا.. الكنائس تبنى على طول المنطقة الشمالية. هذه ليست قضية حقوق ، إنها قضية صراع على الهيمنة " [ أنظر جريدة " الخرطوم " 26 ابريل 1998 ، حوار الطيب صالح مع د. أبوبكر خليل شداد ].
و إن ساغ لنا أن نطمح للخلاص من خرافة "فشل النخبة " التي يلاحقنا بها أبناء النخبة الطبقية العربسلامية، بمناسبة و بدون مناسبة، فلا مفر لنا من إعادة ترتيب الأولويات المفهومية ضمن منظور جيوبوليتيكي جديد لحركة الإبداع. مفهوم يتجاوز الأوهام الوطنوية السودانية التي شيدها خريجو " مدرسة كتشنر " [ كبلنغ ] لينتحلوا عليها امتياز القوامة على مصائر الشعوب السودانية بدون أي وجه حق.
إنا أفهم القبول" الإجباري" الذي يتمتع به مبدعون مثل الطيب صالح و ابراهيم الصلحي و آخرون [ أستثني محمد وردي و فولته تفيض عن سعة مكيالي الراهن فصبرا] كنتيجة منطقية للبروباغندا السياسية الوطنوية التي صاحبت صعودهم الشعبي ،أكثر منه كحاصل منطقي لتأثير عملهم الإبداعي على ذائقة الجماهير السودانية.ففي بلد تعلو فيه نسبة الأمية ينحسر التأثير الحقيقي، لأديب مثل الطيب صالح، لنسبة متواضعة يشكلها قراءه بين من يقرأون الأدب . لكن سمعة الطيب صالح كأديب "سودانيعالمي"، قل: كالأديب السوداني العالمي الأوحد ، الذي ترجمت رواياته لعشرات اللغات، صار أمرا متداولا في وسائل الأعلام المنطوق و المرئي و المسموع، بطريقة ظلت تلهم السودانيين العاديين، من غير هواة الأدب، مشاعر الإعتزاز بالسودان الذي يتقاسمون فيه مع الطيب صالح نفس الإنتماء الوطني. و قد نجد نفس مشاعر الفخر الوطني عند الجمهور السوداني الذي يجل الصلحي باتباره فنان السودان الأول، رغم أنه يكاد يجهل كل شيء عن عمله الإبداعي . لأن يقين الشعب بأن الرجل فنان " سودانيعالمي" عالي المقام يرجع لأسباب الرواج الإعلامي الذي كرّس الرجل أيقونة تشكيلية للسودانوية السعيدة.. ذلك لأن الأمية التشكيلية في السودان أكثر استحكاما من الأمية الأدبية، ناهيك عن كون الصلحي طوال نصف القرن الذي امضاه في الإنتاج لم يعرض أثره في السودان سوى ثلاث مرات بين نهاية الخمسينات و بداية القرن الواحد و العشرين. طوال نصف القرن الماضي كانت وسائل الأعلام السودانية و غير السودانية تنقل أخبار معارض الصلحي في المتاحف و صالات العرض الأوروبية و الأمريكية المهمة .و رغم أن صلحي قد استفاد ـ بالمقارنة مع الطيب صالح و آخرين ـ من الشعبية الواسعة التي وفرها له البرنامج التلفزيوني الأكثر شهرة في السبعينات : برنامج " بيت الجاك " ، لكن بأس الصلحي السياسي في سودان الطبقة الوسطى العربسلامية إنما يتأتى من نجاحه في إرساء أسس أسلوب تشكيلي" سوداني " في زعم التشكيليين الوطنيين الذين تحلقوا حول تيار " مدرسة الخرطوم " بين الستينات و السبعينات من القرن الماضي.و هو زعم بلغت قوته ، في ذلك العهد ، أن مصلحة السياحة أصدرت ملصقا سياحيا فيه صورة الصلحي يرسم و عليه تعليق " فنان سوداني يعمل في مرسمه ".
[7]
ترى هل كان ازورارنا عن منازعة مبدعينا الكبار في أرض السياسة السودانية هو مجرد سماحة [ ترجم : مجاملة ] سودانية ؟ أم أن سماحتنا المفهومية تموّه تحتها شبهة الانتهاز السياسي الذي يحفزنا على الإشاحة بوجوهنا بعيدا عن الكبوات السياسية لهؤلاء الناس على زعم [ لينيني ] بكونهم ما زالوا صالحين للاستعمال في المنازعة السياسية ضد سلطة الظلاميين المتسربلين بسرابيل الدين. الطيب صالح و الصلحي و شبرين و أحمد عبد العال و محمد عبد الحي و صلاح أحمد ابراهيم و محمد المكي ابراهيم و مصطفى سند و محمد وردي و الفيتوري و ابراهيم اسحق إلخ.. هم الجزء البارز من آيسبيرغ الإلتواءات المفهومية المركبة التي تنتظرنا في شعاب جيوبوليتيك الإبداع في السودان . و هذه" دبنقة" جبارة عظيمة الهشاشة، لو دردقناها ستنكسر و لو تركناها برضها آيلة للإنكسار و قضيتنا بايظة و الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه"