يُعتبر محجوب شريف من شعراء العامية السودانية القلائل الذين نالوا محبة واحترام قطاع كبير جدًا من الشعب السوداني، وذلك بسبب مواقفه الإنسانية المناصرة على الدوام لحقوق الطبقات المسحوقة، ورفضه الدائم للأنظمة الديكتاتورية، إضافة إلى مواقفه النضالية المعروفة، وتعرضه الشخصي للاعتقال عدة مرات على أيدي الأنظمة التي عاداها بشكل مباشر. تميز محجوب شريف بمواقفه المبدئية الواضحة جدًا تجاه القضايا الوطنية والإنسانية، وانحيازه التام للجماهير والشعب، مما جعله شخصية محبوبة جدًا، ومن الصعب تعريض شخصية ذات جماهيرية شعبية مثله للنقد، دون توقع نوبة عارمة من الرفض والاستياء، ولهذا أعتبر هذه القراءة النقدية سياحة في حقل ألغام؛ لاسيما وأننا كسودانيين نعشق رموزنا إلى حد التقديس، حتى وإن لم نستشعر هذا الأمر بشكل واضح ولم نعترف به؛ فالغالبية لا تتقبل النقد أو المساس برموز بعينها تراها أو تعتبرها أيقونات لها ثقلها التاريخي والثقافي. وحيث أنني ضد مفهوم القداسة التي تعني –ضمن ما تعنيه- تعطيل النقد، وأرى أنه لا شيء فوق النقد على الإطلاق، فإنني قررت خوض معركتي الخاصة في نقد تجربة الشاعر محجوب شريف بصورة موضوعية للغاية.
في البدء وقبل كل شيء، وحتى يكون نقدنا مبنيًا على قواعد ثابتة وراسخة، يتوجب علينا معرفة أن شاعرنا محجوب شريف لم يكن سوى شاعرًا غنائيًا، ولم يكن شاعرًا! ولفهم هذه النقطة علينا معرفة الفارق الأساسي والجوهري بين: الشعر والشعر الغنائي. فكثير منا قد لا يرى فوارق كبيرة وجوهرية بين الشعر الغنائي والشعر، وقد نعتقد أن الشعر الغنائي ما هو إلى شعر تم تلحينه وغناؤه، ولكنه في نهاياته القصوى ليس شيئًا آخر غير شِعر. هؤلاء قد يعتمدون في رأيهم هذا على أن عصب الحياة الشعرية يكمن في الموسيقى والإيقاع الذي يجعل أي شعر قابلًا لأن يكون مادة غنائية، ولكن ذلك ليس صحيحًا، أو ليس دقيقًا إلى حد كبير. والحقيقة أن الشعر الغنائي غنائي من داخله؛ حتى وإن لم يتم تلحينه وغناؤه، والشعر غير الغنائي لا يمكن أن يكون غنائيًا حتى وإن تم تلحينه وغناؤه؛ فالفكرة هنا ليست في التلحين والغناء أو حتى قابلية التلحين والغناء، وإنما في البناء الكلي أو الداخلي للقصيدة ، وهو ما يمكن أن يحدد شكل القصيدة بمعزل عن العوامل الخارجية.
وفي هذا المعنى تقريبًا يقول كريس روبلي، محاولًا توضيح الفارق بين الشعر والشعر الغنائي من وجهة نظره كممارس للموسيقى والشعر: "الشعر الغنائي قد يكون كلامًا شعريًا، والشعر قد يكون عملًا غنائيًا، ولكن نادرًا ما يجتمع الاثنان. وبطبيعة الحال؛ فإنه ليس من الجيد أن نكون دغمائيين كليًا حيال أي شيء، ولكن بشكل عام فإن نجوم موسيقى الروك يكتبون قصائد سيئة من الناحية الشعرية، وبالمقابل فإن الشعراء أيضًا يكتبون قصائد سيئة من الناحية الغنائية. وأعتقد أن حتى بول سيمون وراندي نيومان قد اعترفا بذلك إلى حد كبير. الشعر يجب أن يعتمد حصرًا على الكلمات فقط بما فيها من أصوات ومعانٍ وغموض؛ وحتى المسافة بين الكلمات. بالتأكيد، فإن الشعر الغنائي يمكن أن يعتمد على كل هذه العوامل ليكتسب قوته، ولكنه بالإضافة إلى ذلك فإنه مدعوم بتلك التجربة الصوتية الغامضة المُسماة (موسيقى). ولأن القصائد الغنائية تمتلك ذلك الدعم الموسيقي، فهي لا تعمل جيدًا في الغالب عندما تكون مشحونة بشكل مفرط بالمُحسنات البديعية المطولة أو التجريدية. وغالبًا ما تعمل الموسيقى على إلهائنا عن الاهتمام بمعاني الكلمات التي قد تبدو مبتذلة في ذاتها. أحيانًا فإن الأكثر حماقة وسخافة في موسيقى البوب يعتبر هو الأكثر ذكاءً."