بين الطيب صالح .. وعبدالرحمن بدوى
كنت دوما كلما سنحت لى الفرصة للاطلاع على مجلة المجلة , اذهب مباشرة لقرأة صفحة الطيب صالح وهى ذات نكهة ,
خاصة وبديعة والطيب صالح له اسلوب جميل فى كتابة المقالات ... اثناء تقليبى اليوم فى بعض الاوراق القديمة وقعت فى
يدى تلك القصاصة ( لقاء عابر ب د. عبدالرحمن بدوى ) ... المجلة - العدد (1257 ) 2004-03-20 /14 ....
ضحكت بشدة وتذكرت اطلاعى لها لاول مرة فى مكتبة عامة بامستردام ...
وسوف انقل لكم نص المقالة كاملا :
* يتجدد الحديث هذه الايام فى الصحافة المصرية , عن شيخ الفلاسفة فى مصر , بل فى العالم العربى , فى القرن العشرين .
تذكرت لقائى الوحيد به . كان ذلك فى باريس منذ عشرين عاما فى دار الدكتور عبدالله عبدالدايم .
وقد كان الدكتور عبدالله عبدالدايم , تلك الايام من كبار موظفى اليونيسكو يعمل فى قطاع التربية , وكنت انا اعمل فى قطاع
الاعلام والثقافة. دعانى وزوجتى للعشاء فى داره , وحين دخلنا وجدنا بالاضافة للدكتورعبدالله وزوجته , رجلا يميل الى
البدانة ويميل الى القصر , وعلى راسه قبعة فرنسية من نوع ال ( بيريه ) .
حين عرفت انه الاستاذ الفيلسوف الكبير الدكتور عبدالرحمن بدوى , فرحت وسلمت عليه بحرارة . رد على تحيتى ببرود ,
بل بشئ من النفور , كما بدأ لى ولا اذكر هل وقف لتحيتى ام ظل جالسا , لكن شيئا ما فى استقباله لى , حرك ( عنجهية )
دفينة فى طبعى , كما عند السودانيين .
الا اننى كتمتها فى نفسى , وجلست متأدبا , وقلت لعلنى فى هذه الامسية استفيد شيئا من هذا الفيلسوف الجهبذ .
قال الدكتور بدوى مواصلا حديثا دار قبل وصولنا , ان المرحوم انور السادات هو اعظم زعيم انجبته مصر , واطنب فى
الاشادة بأن الرئيس انور السادات عقد صلحا مع اسرائيل فى ( كامب ديفيد ) واستعاد سيناء للسيادة المصرية .
كنا قريبى عهد بمصرع الرئيس انور السادات المأساوى , لكن الدكتور بدوى لم يكتف بتمجيد السادات , بل مضى يقارن بينه
وبين الرئيس الراحل جمال عبدالناصر , ويشتم عبدالناصر شتائم فاحشة . ادهشنى ذلك من رجل فى علمه وما يفترض ان
يكون لديه عقلانية وسعة افق .
علمت فيما بعد حين قرأت سيرة حياته , ان الثورة صادرت اراضى كانت تملكها عائلته , وكانوا من صغار الاقطاعيين .
وحقد الكتور بدوى على الرئيس جمال عبدالناصر حقدا لازمة طول حياته .
خطر لى حينئذ ان اغيظه اكثر , وكنت قد فقدت الامل فى ان استفيد اى شئ من علمه ذلك المساء , تساقط علمه وفلسفته عنه
كما تتساقط الثياب من الجسد . صار مثل اليمينيين العقائديين فى امريكا هذه الايام , هو ايضا قسم العالم الى خير وشر .
وكان رمز الشر فى نظره شخصا اسمه جمال عبدالناصر , وكان يراه امامه حيا ماثلا امامه .
اتخذت عن عمد موقفا متطرفا جدا فى الاعجاب بالرئيس جمال عبدالناصر والدفاع عنه , وقد زاده ذلك غضبا على غضبه كما
توقعت , كان الدكتور عبدالله عبدالدايم يستمع ويبتسم , قال الدكتور بدوى :
" مادام عاجبكم قد كده خدوه عندكم . حلال عليكم احنا فى مصر مش عاوزينه "
قلت له " ياريت . بس هو فين راح يا خسارة ؟ "
قال " راح فى ستين داهية "
سألته وانا احاول تغيير مسار الحديث , مخافة ان يبلغ به الغضب الى ان يقوم ويخرج .
" يقال يادكتور انك تعرف خمس لغات "
" خمس لغات دا ايه ؟ انا اتقن اتناشر لغة " .
بعد زمن قابلت احد تلاميذه , وهو فيلسوف معروف يشار اليه بالبنان , سألته عن الدكتور عبدالرحمن بدوى , اجابنى :
" هو واحد من الفعلة ( بفتح العين ) فى حقل الفلسفة . يروح يقعد شهر ولا شهرين فى بلد اوروبى , وبعدين يزعم انه
يعرف لغته " مضيفا هكذا . وانا احاول ان اترفق بالدكتور عبدالرحمن بدوى .
فجأة قال لى الدكتور بدوى : " آه . انا افتكرتك دلوقتى , انت الواد الشيوعى اللى طرده الرئيس نميرى من السودان " .
لم اقل له اننى لم اكن شيوعيا يوم من الايام ,وان الرئيس نميرى لم يطردنى من السودان , وما كان ينبغى له .
فى نهاية السهرة عرضت عليه ان نوصله الى محل اقامته , وكان يقيم فى هوتيل صغيرفى الحى الذى نسكن فيه .
رفض عرضى بخشونة قائلا :
" انا ما اركبش مع واحد شيوعى زيك "
حين سمعت بوفاته, بعد هذا اللقاء بزمن , ولمت نفسى اننى لم اعامله بلطف فى تلك الامسية فى دار الدكتور عبدالله عبدالدايم .
وكنت قد قرأت سيرة حياته , وهو كتاب ممتع , رغم انه لم يترك احد الا وشتمه . لكننى ادركت كم كان وحيدا وكم كان معذبا .
لم يجد عزاء فى علمه الكثير ولا الشهرة التى احرزها .
رحمه الله . وغفر له , ولى *
( انتهت المقالة )
- اتمنى ان تكونوا استمعتوا بالقرأة لهذه المقالة , ولكم كل الود والتقدير ..
Garcia
|