على قيد الحنين .. ثلاثةٌ رابعهم حرفهم ... !!!
هو غاية الرهق ومنتهى الوجل ويكاد يماثل آخر المسافات الحزينة حين تضج تلك الفضيلة ذات الأنين الأليم .. انه الحنين هذه المرة .. حنيناً يهدهدك فتحتويك قلاعه منسكباً على ذاتك مثل الشمس .. وما كان يوم أن طفق مسحاً بالسوق والأعناق إلا عن موجدةٍ وحنين لا يحتمل .. أما يعقوب فكان كما وصفوه متماهياً تماماً مع الوجد والحنين .. ( تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضاً أو تكون من الهالكين ).. نعم يقترن الحنين بالهلاك .. أو هكذا صورته الكثير من الآيات .. وساقت أبيات من الشعر الرصين العديد من دلائل ذاك الحنين الفجيعة شعراً مقروءاً أو معزوفاً بقيثارةٍ ذهب ومزمار داؤد .. !!
ربما كانت تفصيلاته عندي حسبما أعتقد تموج بي موجاً فوق ظلمات النفس وتأوهاتها .. وريثما نستثني الحنين ( سامرئ ) الملامح ذاك الذي ما انفك يضلني عن الجادة وهو يكتسي ذات الخوار لعظم وقعه وكثيف أثاره .. !
دعوني أحدثكم عنه في بعض الشعر المغنى أو غيره دون ترتيب وألوح لكم الآن بمن تبع عظماء الحقيبة باحسان .. ويتقافز الآن عندي صلاح أحمد ابراهيم الذي تمكن من ايداع كل ماأوتى من الحكمة وفصل الخطاب في قوله ... ولو تعب منك جناح في السرعة زيد ...!!!
كتب صلاح أحمد ابراهيم يقول ...!
كتب في الغربة
في بلدي
حيث يعزّ غريب الدار، يُحبّ الضيف
ويخص بآخر جرعة ماء عزّ الصيف
بعشا الأطفال
"ببليل ،، البشر والإيناس اذا ما رقّ الحال
يا طير الهجرة .. يا طائر
يا طيراً وجهته بلادي
خذني بالله أنا والله على أهبه
يكاد يفطر فؤادك كلما أوغلت في التصاعد أو حدثت نفسك بالتقهقر بين حروفه النابضات .. كم كان بعيد المدى في شأن حنينه الوقاد .. ثم تستبد بك حروف أخريات من صنع يديه حين يقول ...
نقرش قليبك بس بشيش
كم فيهو قاطع ليك وتر
قل للملاك وقتين سفر
سيد مهجتي الما ساد سواك
جاييك اموت مرتاح حداك
سميهو حب، سميهو جن ، سميهو طيش
اموت وتسلم لينا يا غالي وتعيش
اموت لبسمة تضوي في الثغر الجميل
وها هو ذا يكتب أحرفه النيرات تعلن عن نفسها في سفورٍ لا يعرف الحياء
هات لي الإبريق والكأس ودعني أتغنى
ان بي شوقا الى القافية الحسناء كالصهباء أدنيها لكم دنا فدنا
ان بي شوقا الى الشعر الذي احمله رمحا طويلا ومِجنا
ان بي شوقا الى لهبة مصباحي اذا ما الليل جنّ ..!!
لعل أنه من باب الإستطراد وحبي لهذا الرجل آثرت أن أختم حديثي عنه ببعض ( مريا ) تلك اللوحة البريق ... تأمل معي يا صديقي ..!!!
يامريّه:
ليت لي ازْميل((فدياس)) وروحاً عبقرية
وأمامى تل ُ مرمر
لنحت الفتنة الهوجاء في نفس مقاييسك
تمثالاً مُكبر
وجعلت الشعر كالشلال : بعضُُ يلزم الكتف
وبعض يتبعثر
عليك شآبيب من الرحمة يا صاحب الحرف الوضئ . . وها نحن نتعثر في حرفك ونتوضأ على باب نهرك العذب ...!!
####
أما عن الحنين عند ذاك النجم الثاقب الآخر .. وأعني الوريف .. سيف الدين الدسوقي فهو بمذاق آخر وحميميةٍ تحملك دون وعي منك الى التحليق عالياً هناك في السماء .. له أكيد محبتي حين يقول ..!!
أنا أم درمان تسكن في عروقي
فكيف أعيش في قفر وبيد
أما حين يشدو برائعته .. عد بي الى النيل .. تكاد تزمع أمتعتك راحلاً الى بلادك مردداً خلفه ..!!
عد بي الى النيل لا تسأل عن التعب
الشوق طي ضلوعي ليس باللعب
لي في الديار ديارٌ كلما طرفت عيني
يرف ضياها في دجى هدبي
وذكريات أحبائي اذا خطرت
أحس بالموج فوق البحر يلعب بي
*******
ياللللللللللله ... ثم تدور وتدور بك الدنيا وأنت تعلم في يقينك أن من البيان لسحرا .. وان طمست بصيرة بعضنا في تلذذ مواطن الجمال واستعذابها بل واكتشافها من قبل هذا وذاك .. أقول .. ان فات علينا معنى أن نسكر بغير خمرٍ ونستغرق في سيلٍ من المشاعر وفيضٍ من الإضاءات الجميلة فها هو يأتيكم بماءٍ معين .. حين يقول ..!!
وأصدقاء عيون فضلهم مددٌ
إن حدثوك حسبت الصوت صوت نبي
أمي التي وهبت حرفي تألقه
تجي رحمتها من منبعٍ خصب
وان تغيب في درب الحياة أبي
قامت الى عبئها أيضاً بعبء أبي
والناس في وطني شوقٌ يهدهدهم
كما يهزٌ نسيمٌ قامة القصب
والجار يعشق للجيران من سببٍ
وقد يحبهم جداً بلا سبب
الناس أروع ما فيهم بساطتهم
لكنّ معدنهم أغلى من الذهب
له أكيد ودادي وهو يزرع بالحنين طريقاً ساطعاً لا يخطو فيه إلا الرائعين أمثاله ..!!
###
محمد مفتاح الفيتوري
هذا الرجل لم يأخذ قدره من التبجيل الذي يستحق .. يتلاعب بالحرف والمعنى كيفما شاء ينسجه خيطاً رفيعاً في عبثيةٍ موجعة وبعض رنين كأني به ولد كي يستنطق الصخر العصي شعرا لاهبا وحنيناً متقداً أواره لا يخبو ..
ففي رائعته هوانا لا ينفك يردد ..
أه يا ذاكرة الأرض لكم ثقُلتْ أقدامُهم فوق ثرانا
والدُّجى كان بطيئاً والأسى كان مُرًّا رَشَفَتُه شفتانا
وحين ناجى ذاك المتربع على عرش الشعر العربي .. ( المتنبي ) ذيل قصيدته بقوله ...!
الله.. يا كم تغرّبنا
وكم بلغت منا الهموم
كما لم يبلغ الكبر
فإن أكُن أمس قد غازلت أُمنيةً
حيث استوى الصمتُ
أو حيث استوى الضّجر
فالمجد أعظم ايقاعاً
وَربَّ دمٍ يمشي حزيناً
ويمشي إثرهُ القَدَرُ
وعن حبيبتي بغداد الرشيد .. ينشد قائلا دون تواني ..
لا .. اني أكاد أقول .. لا
وأنا الذي لم يختبئ يوماً وراء دموعه ..
إن الألي سرقوا طفولة ذلك الآتي
من المأساة قد سرقوا فمي
لم يتركوا لي غير قافيةٍ على وترٍ خجول
سرقوا فمي
لم يتركوا لي ما أقول
أما الآن دعونا نصمت كثيرا ونتأمل أكثر تلك المعزوفة لذاك الدرويش المتجول نقرأها ونمسح بعض أحزاننا ببعض البريق من حروفه النابضات اذ يقول ..
شحبت روحي, صارت شفقا
شعت غيما و سنا
كالدرويش المتعلق في قدمي مولاه أنا
أتمرغ في شجني
أتوهج في بدني
غيري أعمى , مهما أصغى , لن يبصرني
فأنا جسد ...... حجر
شيء عبر الشارع
جزر غرقى في قاع البحر....
حريق في الزمن الضائع
قنديل زيتي مبهوت
في اقصى بيت , في بيروت
أتالق حينا. ثم أرنق ثم أموت
***
و يحي ... و أنا أتلعثم نحوك يا مولاي
أجسد أحزاني ....
أتجرد فيك
هل انت أنا؟
يدك الممدودة أم يدي المدودة؟
صوتك أم صوتي؟
تبكني أم ابكيك؟
***
في حضرة من أهوى
عبثت بي الأشواق
حدقت بلا وجه
و رقصت بلا ساق
و زحمت براياتي
و طبولي في الآفاق
عشقي يفنى عشقي
و فنائي استغراق
مملوكك.... لكنـي
سلطان العشاق
لهم كل المودة
|