أضرم (دبوسه) نيران غيرتها
في المقعد المقابل للدهشة أضرم(دبوسه) نيران غيرتها!
مابين أستاذ وتلميذة..وخزة قلب تطيح بنوبات الحنين
آمنة عمر
خيوط الشيب المسافرة في عمق سنواته الخمسين لم تبارح ليلتها تلك.. أطبقت وسادتها بلون(طباشير) أبيض على أنامل أنفقت ربيعها على (سبورة) سوداء.. عيناه العميقتان ويداته يديرها بإتقان من عركت سنواته قاعات الدرس هما أول ما أستوقفا أنوثتها الغضة وفي المقعد المقابل للدهشة جلست قطة صغيرة تلعق دروس المعرفة وتتأبط (دفاتر) إنبهارها بتقاسيمه الواضحة وعيناها تجوبان خلف خطاه الواثقة يوزعها بعدل بين المدرجات.
شعره المتراجع في وقار يعيد الي ذاكرتها مقولة روسية قديمة تحيل (الحكاية) الي أنها( شعيرات ذكية فارقت الرأس الغبي أو هي شعيرات غبية فارقت الرأس الذكي)..غمغمت في خفوت يشئ بإعتكافها في صومعة هذا الرجل (حتماً هو الرأس الذكي) ثم أفردت ذهنها المتقد وحلقت مع أحاديثه وكأنما كان (يحاضرها) وحدها دون سواها في تلك القاعة الرحيبة.
شهران ونصف مرا على عمر تورطها في عشق هذا الرجل.. الثانية نهار الشوق تحزم حقيبة توقها اليه وقدماها تقفزان بين أروقة الكلية، توزع إبتساماتها برحابة من يهيئ لنفسه أفراحاً خاصة تحمل ملامح(قاعة) وخصوصية(مدرجات)..تخلو بكلماته رغم الحضور المكتنز بالطلاب.. تتقاسم معه صوت أوراق يقلبها على عجل وتحصي بأنفاس اللهفة أقلام ملونة يزين بها صدر بدلته مفرطة الأناقة.
دبوس صغير يقبع بجمال ويتوسط ربطة عنقه الباذخة كان أول ما أهتاج غيرتها وأشعل نيران ضارية في قلبها الندي.. بعيني أنثى ثاقبة أحصت أنه لايدلف دون أن يعلق دبوسه الذهبي (تميمة) لا تفارق طلته أبداً وفي رأسها (المهووس) بشؤونه الصغيرة دارت الأسئلة كرحى طاحنة هيهات لو تهرب من سعير إجاباتها المعتمة كليلها الذي لا يعرف الإغفاءة
من الذي إنتقى له هذا الدبوس الحاضر دوماً؟
أي أنثى دفعت به له؟
وهل ثمة أنثى في حياته أصلاً؟
ولو غادرت! أتراه يحتفظ ب(تميمته) تلك لأجل الذكرى؟
أسئلة كثيرة وردود مبهمة على ذمة ذلك الرجل الغامض أحالتا نضار (نون) الي زهرة فارقها الندى أتبعتها الحسناء بقرار عنيد توقفت على إثره من حضور محاضراته بعد أن صار جلوسها في حضرته(دبوساً) يطعن في خاصرة أحلامها المتعلقة بوجوده الدائم في حياتها.
وبعد إسبوعين من الغياب تسمرت (نون) في مقعدها الدائم تتفرس غيابها وسط ملامحه الناضجة.. ضبطته متلبساً بحضورها الصاخب وبعد أن القى عصارة عمقه في تلك المحاضرة كادت (تجن) وهو يطلب منها أن تتبعه بهدوء الي مكتبه العامر.
هناك.. على مكتب مؤثث بعواطفهما المتأججة تركت لقلبها أن يستلقي بمحاذاة حنينه الدائم لحضورها .. القى ب(دكتوراه) الموقعة من أعتى الجامعات الأجنبية وأفرد لها مساحة أن تتمدد صبية شقية تنشب أظافرها الغيرى في نضجه و تتمرغ على حكمة سنواته الخمسين.. حكت له عن (دبوس) صغير أشعل ليلها .. ضحك كثيراً بعد أن أخبرها أنه هدية أخته الوحيدة وبغيرتها المجنونة خلعته وقذفت به على (نجيلة) حائرة تقابل شرفتهم تلك!
حكاية حب تجمع تلك الطالبة بأستاذها تتأجج في كل يوم ويشعل الحديث نهارات الكلية.. إحتمت بحبه من رمضاء النظرات الساخطة والحاقدة في كثير من الأحيان وربما شفعت لها(شطارتها) المعهودة من بعض الألسنة لكن الجميع كانوا في لهفة الي الفصول الأخيرة لقصة حب بين غادة جميلة ورجل كهل.. وحدهما وقعا على صك الأبدية بعد أن أدركا أن قاطرة الحب المسرعة لا يوقفها الإرتطام بالوهم في محطة(فارق العمر).
بإرادة قوية وتصميم فولاذي إستطاعت (نون) أن تقلص هاجس فارق عمريهما وتقضي على مخاوف أسرتها الصغيرة.. دخل دكتور عمر قلوب الجميع بلطفه الكبير وقلبه الطيب لكن سؤال كبير كان يباغت وحدتها..
ترى لماذا لم يتزوج حتى هذا العمر؟
وحتى لا تصيب قلبها ذات طعنة كانت تبدد مخاوفها وحدها وتجيب بلا مبالاة: تجده قد شغل بتصيد العلم سنيناً حتى نسى نفسه وعلى هذا المسكن كانت تغفو على آمال عراض.
في ليلة عمرها بدت كأجمل ماتكون النساء.. طافت كفراشة رقيقة توزع رحيق إبتسامتها على الحشد الأنيق..تمايلت على أنغام عشقها الضاري لهذا الرجل وقلبها يقرع ناقوس الفرح في معبد أشعلته له وحده.. أحاطها بقلبه ورقص على إيقاع جمالها وروعة أن تحتضن حلمك في ليلة( حقيقية) .
كحمامة بيضاء توسطت غرفة أعداها لليلتهما الأولى.. بكت كثيراً وعيناها تشيعانه بنظرة ملؤها الحب وغرقا في حلمهما بعشق سرمدي.
في هدأة ليل وخيم قطعت أبواق سيارة الإسعاف طريقها تبحث عن عنوان قبيل برهة كان معداً للحب.. بأيادي مازالت ترتع في خضابها الجميل إحتضنت التقرير الطبي وعلى وخزة(قلب) ماعرفت نوباته حنين عاشقين شيعت (قلبها)الي مثواه الأخير.
|