"حول بوست حمور: أهميّة وقداسة الكتابة الشخصيّة
لقد كان بوستي عن حمور، (ولا أقول مقالةً) استفزازيّاً عن قصد، وشريراً كذلك، وقد حقَّق هدفه تماماً. خرج الكثير من الهواء الساخن، ولكنني لا أعتقد أن هنالك من تأذَّى حقيقةً منه، بما فيهم حمور نفسه الذي أصبح ضحيّةً ممتازةً جدّاً، وباستطاعتي رؤية ابتسامته المنتصرة عند مطالعته للبوست. لقد رأيت الكثير من الكتابات هنا وهناك عن الموضوع، بعضها سلبي تجاه البوست، كمقالة البراق النذير الوراق مثلاً، وبعضها كان مناصراً من قِبَل من طالعوا الرواية. قد عرفت، من خلال قراءات أصدقاء أثق في آرائهم (وذكرت ذلك من قبل) أن الرواية (شوق الدرويش) رواية متوسّطة، فيها جهد كالحفر على الصخر، ولكنها، بكل تأكيد، تفتقد للأصالة والعَظَمة؛ إنها رواية مصنوعة بجودة لأجل الفوز بجائزةٍ ما، ولكي تُوَزِّع، وقد حدث. ما علينا، فقد قلت من قبل أنني لن أطالع الرواية لانشغالي بالأدب العظيم؛ فلستُ ناقداً، أنا شاعر وكاتب، أستفيد من القراءة مثلما يستفيد الجسد الحي من الطعام والشراب والنزهة في الطبيعة والتأمّل؛ إن كنت ناقداً، ومن ضمن مشروعي، مثلاً، الكتابة عن الأدب السوداني وعرض الكتب لربما كنتُ مضطّراً لقراءة الرواية. لذلك فالنبعد هذه المطالبة: عليك أن تقرأ الرواية.
ثانياً، فقد كان ذلك الاستفزاز يصدر من كاتب شُمِلَ مع بقيّة الكتاب في خانة الاختناق والموات، وكنتُ أريد أن أرى هذا الموات بالدفع بآراءٍ حادَّةٍ، غير موضوعيّة وإنما ذاتيّة بامتياز؛ شخصيّة بالأحرى، لننتهي من قصة: المطالبة القضائيّة بالكتابة بموضوعيّة دائماً. كنتُ صادقاً في ما كتبت، إلى أبعد الحدود، بل كنت متهاوناً في حدّتي؛ إذ أن مشروع حمور الكتابي، في نهاية الأمر، لن يتأثّر بما أكتب، وبحدّته، فقراء حمور بالآلاف، وهو يعيش كنجمٍ سينمائي (على حدّ تعبيره)، إن الآراء المتداولة في هذا البسوت ظلّت حبيسة المناقشات والحوارات داخل وسط أدبي سوداني محلّي لم يتحاوز الـ150 لايك، والـ200 وحاجة تعليق، وهذه كلها في مواجهة آلاف؛ فأرجو أن لا يُصَوِّر الناس حدّتي هذه وكأنها اغتيالاً لشخصيّة حمور أو محاولة "تدميره" كما رأى فالبعض، فذلك، ببساطة: مستحيل!.
إن حمور يمثّل قدوةً لكتاب وكاتبات، وهو قدوة سيئة بالنسبة لرأيي الشخصي؛ فتحويل الكاتب إلى وكالة إعلانات تجاريّة، بل والتبرير لذلك بقول أن العالم أصبح (بيزنس في بيزنس)، فذلك لعمري كلمة الحق التي أُريد بها باطل؛ شخصيّاً لن أتسامح مع حالة الكتابة كونها تتماهى مع سوق التجارة وماركات الصابون والشامبو بذريعة أن العالم أصبحَ سوقاً جشعاً، لأن أجشع ما في العالم وأبأس ما به هو الاستسلام المريع لقيم التجارة والبيزنس على أنها (أمر واقع)، ولا مفرّ منه أبداً.
تقنيّاً، هذه الفرضيّة مغلوطة، فلقد أصبح بمقدار أي إنسان أن يصنع منبره الخاص، وأن يصل لأكبر عدد من القراء دون أن يدفع فلساً واحداً، أو، بالتالي، يجني فلساً واحداً. لقد قررت، منذ فترةٍ ليست بالطويلة، مثلاً، أن محاولة الحياة ككاتب محترف في السودان لهي مضيعة للوقت وقتل لمشروع الكتابة ذاته، حتّى الكتابة في الصحف اليوميّة مقابل عائد مادي؛ إذ يدفعك ذلك لتنازلات بلهاء وقاتلة ـ على الأقل في حالتي ـ لا تتوافق مع ما أراه في فعل الكتابة من تغييرٍ شاملٍ وكاملٍ ومقاومة حقيقيّة لـ(عهد التجارة) المتمدّدة في كلّ شيءٍ وتدفن في تربتها الملايين من الجثث والأحلام. الكتابة المجانيّة هي حلمٌ اليوم، على أن يكونَ لك قراء، في حالتي أجد "العدد القليل" ـ بالعداد الحمّوري طبعاً/زي بالدولار ـ من القراء الذين يزورون مدوّنتي كفاية مُبهجة، ولا أرى أن الحياة كمحرر مستقل مثلاً، كطريقةٍ لكسب العيش، سيئةً على الإطلاق، إنها غنيّة وشريفة ومتحررة من السوق إيّاه. حمور لا يطمح في أكثر من أن يكتب (كتاباً مسليّاً) كما عبّر في حواره المترفّع والمتعالي في صحيفة السوداني، والذي يُحطّم تماماً الأوهام التي يسوّقها حول صورته كـ"كاتب متواضع"، وما البوست الشخصي الذي كتبته إلا ردّاً "موضوعيّاً" على التعالي واللغة المجانيّة والغرور المتهوّر الذي اندفع به يُثرثر كـ(كاتب نَجَح في مشروعه تماماً بالنظر إلى عدد الطبعات التي تُباع). بهذا المنظور فمن الممكن أن نعتبر كاتبة سطحيّة كأحلام مستغانمي من أعلام الأدب المكتوب باللغة العربيّة. مع العلم أنني لم أقرأ لأحلام، ولن أقرأ لها كتاباً واحداً، فالكتاب باين من عنوانو، ويكفي أن تقلّب صفحات كتبها أو تقرأ مقالاتها الصحفيّة لتدرك مع من تتعامل.
بالنسبة لموضوع عدم القراءة إيّاه؛ يُحكى أن الشاعر محمد المهدي المجذوب كان برفقة أصدقاء، فجاء شاعر يُلقي قصيدةً لأجل أن يقيّمها الشاعر الكبير، وبعد الاستماع للأبيات الأولى من القصيدة قاطعه المجذوب لينصحه أن يترك الشعر ويبحث عن شيءٍ آخر. ذهب الشاعر حزيناً فغضب الأصدقاء وقال أحدهم: لماذا لم تدعه على الأقل يكمل القصيدة فلربما فيها ما يُعجب؟ قال لهم: إن مدَّ حمارٌ رأسه من هذا الشباك، أَعَليَّ أن أخرج لأتأكّد بأنه حمارا؟.
عموماً، هذا البوست مهدى لأصدقائي الذين اتصلوا مشفقين، أو راسلوني على الخاص، أو أتوا إلى البوست ووجدوا أنفسهم عاجزين عن الدفاع عني، وربما حزن بعضهم لقراءتهم لبعض الشتائم، هنا وهناك، من بعض المعلّقين، وقد قلت لهم أنني تعاملت مع الأمر بروحٍ مرحةٍ جداً، ولم أتأذّى، بكل تأكيد، من كل الردود، فزي ما قال محمد حسبو: تستاهل يا مأمون
تحياتي للجميع، مع تأكيد فرحي واستمتاعي، واستمتاع الجميع، بهذه المناقشة الحيّة.
علينا أن نضع أنفسنا أمام تيار النار المفتوح أحياناً، لنحظى ببعض الصراحة والآراء المختلفة، ذلك ما يميّز فيسبوك، فإن أردت أن أكتب مقالةً حقيقية حول حمور فلكنت اضررت لقراءة ما يكتب، وهو آخر ما أريد أن أفعله بزمني، ولكنت نشرتها، على الأقل، في المدونة."
مامؤن التلب
https://m.facebook.com/story.php?sto...5&id=638557764