(6)
عندما نأتي لقصص خلق الإنسان في الحضارات القديمة ، نجد أنها كلها تقريبا تتفق على خلق الإنسان الأول من طين الأرض (من مادة خام موجودة) و أن سبب خلق الإنسان هو القيام بخدمة و عبادة الآلهة .
لنقرأ لفراس السواح مقتطفات من كتابه "مغامرة العقل الأولى" :
الأسطورة السومرية المتعلقة بخلق الأنسان , هي أول أسطورة خطتها يد الانسان في هذا الموضوع . و على منوالها جرت اساطير المنطقة ، و المناطق المجاورة التي استمدت منها عناصرها الأساسية ، و خصوصاً فكرة تكوين الانسان من طين و فكرة تصوير الانسان على صورة الآلهة.
اما لماذا خُلق الانسان ؟ فان الأسطورة السومرية لا تتردد في الإجابة على هذا السؤال و لا توارب ، فالإنسان خُلق عبداً للآلهة يقدم لها طعامها وشرابها و يزرع أرضها و يرعى قطعانها. خُلِق الأنسان لحمل عبء العمل و رفعه عن كاهل الآلهة ، فمنذ البدء كان الآلهة يقومون بكل الاعمال التي تقيم أودهم و تحفظ حياتهم. و لكنهم تعبوا من ذلك فراحوا يشتكون لأنكي الحكيم ليجد لهم مخرجاً، و لكنه هو المضطجع بعيداً في الأغوار المائية لم يسمع شكاتهم فمضوا الى أمه الآلهة (نمو) المياه البدئية التي أنجبت الجيل الأول من الآلهة لتكون واسطتهم إليه ، فمضت إليه قائلة : (أي بني انهض من مضجعك انهض و اصنع امراً حكيماً ، اجعل للآلهة خدماً يصنعون لهم معاشهم .) ... فتأمل أنكي ملياً في الامر ثم دعا الصناع الإلهيين المهرة وقال لأمه نمو: (إن الكائنات التي ارتأيت خلقها ستظهر للوجود و لسوف نعلق عليها صورة الآلهة ، امزجي حفنة طين من فوق مياه الأعماق ، و سيقوم الصناع الإلهيون المهرة بتكثيف الطين وعجنه ، ثم كوّني انت له اعضاءه ، وستعمل معك ننماخ يداً بيد و تقف الى جانبك عند التكوين ربات الولادة ، و لسوف تقدرين للمولود الجديد يا أماه مصيره و تعلق ننماخ عليه صورة الآلهة في [هيئة انسان] .....) ، بعد ذلك يتشوه اللوح الفخاري حامل النص ثم نجد انفسنا بعد وضوح الكتابة مع انكي يحتفل بإنجازه المبدع في وليمة مع الآلهة .
و في أسطورة سومرية أخرى تحكي خلق الماشية والحبوب نجد رواية أخرى لقصة خلق الانسان :
(كالبشر ، عندما خلقوا اول مرة ، لم يعرف (الانوناكي) أكل الخبز ، لا و لم يعرفوا لبس الثياب ، بل أكلوا النباتات بأفواههم ، و شربوا الماء من الينابيع والجداول ، في تلك الأيام و في حجرة الخلق في دلكوج بيت الآلهة خلق لهار و اشنان ، و مما انتج لهار و اشنان أكل الانوناكي و لم يكتفوا ، و من حظائرها المقدسة شربوا اللبن ، شربوا ولكنهم لم يرتووا ، لذا و من اجل العناية بطيبات حظائرهما تم خلق الانسان .)
تسربت العناصر الرئيسية لهذه الأسطورة إلى معظم اساطير الشعوب المجاورة . ففي الاساطير البابلية اللاحقة يتم خلق الانسان من الطين ، و يفرض عليه حمل عبء العمل . و في سفر التكوين العبراني نجد إله اليهود يهوه يقوم بخلق الانسان من طين بعد انتهائه من خلق العالم و يجعله على شاكلته : (و جبل الاله آدم تراباً من الأرض ، نفخ في انفه نسمة الحياة فصار ادم نفساً حية) . ورغم ان الهدف الذي يقدمه النص التوراتي لخلق الانسان هو السيطرة على( سمك البحر وطير السماء و على البهائم و على كل الأرض وعلى جميع الدابات التي تدب على الأرض) إلّا انه يعود فيفرض عليه عبء العمل تماماً كالنص السومري : (لأنك سمعت لقول امرأتك و أكلت من الشجرة التي أوصيتك قائلاً لا تأكل منها . ملعونة الأرض بسببك . بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك ... بعرق وجهك تأكل خبزاً حتى تعود الى الأرض التي اخذت منها . لأنك من تراب والى التراب تعود ) .وفي الاساطير المصرية نجد ترداداً لنفس الفكرة . وكذلك الامر في الاساطير الاغريقية التي تعزو لبروميثيوس خلق الانسان . فقد قام هذا الأخير بخلق الانسان من تراب و ماء و عندما استوى الانسان بالوسائل التي تعينه على البقاء و الاستمرار فسرق له النار الإلهية من السماء ضد رغبة زيوس كبير الآلهة و أفشى له سرها وكيفية توليدها و استخدامها فنال بذلك غضب زيوس وعقابه .
.... انتهى النقل من فراس السواح (مغامرة العقل الأولى) .
|