[align=center][flash=http://www.youtube.com/v/LfK8HiOglec&hl=en&fs=1]WIDTH=500 HEIGHT=400[/flash][/align]
هل لهذه السّدود فعلاً جدوى من حيث إنتاج كهرباء؟
يحتاج السّودان إلى الكهرباء، مثله في ذلك كمثل أيّ دولة على وجه المعمورة. فهل يا تُرى يمكن لسدود إدارة السّدود أن تمدّنا بما نحتاج من كهرباء؟ في هذا الشّأن دعونا نتناول أكبر السّدود التي بالفعل قامت إدارة السّدود (أو كادت) أن تفرغ من بنائه، ألا وهو سدّ مِرْوِي (وليس "مَرَوي)؟ ظلّت إدارة السّدود تُكرّر في كلّ مجلس ومقام أنّ كميّة الكهرباء الموّلدة من سدّ مِرْوِي ستبلغ 1200 ميقاواط، فهل هذا صحيح؟ وهل هذا ممّا يقول به العلم، أم أنّ المسألة لا تعدو كونها كلاماً سياسيّاً للاستهلاك؟
***
في هذا الشّأن سنقوم بالاعتماد على أحد أهمّ المراجع العلميّة التي قام بتأليفها علماء سودانيّون لا زالوا يعيشون بيننا، منهم العالم عبدالله محمّد إبراهيم:
Ibrahim, A.M. 1984. The Nile Description, Hydrology, Control and Utilisation.
وقد ورد هذا البحث في المرجع الهام:
Dumont, H.J., el
Mogrhraby, A.I. & Desougi, L.A. (ed). 1984. Limnology and Marine Biology in the Sudan. The Hague, Boston, Lancaster: Dr W. Junk Publishers. PP. 1-13.
***
وهؤلاء علماء أجلاّء من لفيف علماء جامعة الخرطوم، ولا يزالون بيننا. إذن من يغالطُنا عليه أن يقوم بالاتّصال بهم. طبعاً استغنت الجامعة عن أغلبهم، إن لم يكن كلّهم، وذلك في هجمتها التّتريّة على العلماء، فأنعم وأكرم، إن كان في هذا إنعام وإكرام.
***
بناءً على ما يقوله عبدالله محمّد إبراهيم [صفحة 11]، لا يمكن أن نحصل على أكثر من الكّميّات التّالية من الكهرباء من كلّ سدٍّ على حدة (بما في ذلك السّدّ العالي وخزّان أسوان):
1. خزّان الرّوصيرص: 250 ميقاواط
2. خزّان سنّار 30 ميقاواط
3. خزّان خشم القربة 13 ميقاواط
4. خزّان جبل أوليا 30 ميقاواط
5. خزّان السّبلوقة (الشّلاّل السّادس ـ مقترح) 120 ميقاواط
6. خزّان الشّريك (الشّلاّل الخامس ـ مقترح) 250 ميقاواط
7. سدّ مِرْوِي (الشّلاّل الرّابع ـ تحت التّشييد) 600 ميقاواط
8. سدّ كجبار (الشّلاّل الثّالث ـ مقترح) 500 ميقاواط
9. السّدّ العالي (الشّلاّل الأوّل) 2100 ميقاواط
10. خزّان أسوان (الشّلاّل الأوّل) 345 ميقاواط
***
في هذا نلاحظ نقاطاً جدّ خطيرة، فكلّ الكهرباء المتحصّل عليها من السّدود المقامة على نهر النّيل الرّئيسي في السّودان لا تزيد عن 1400 ميقاواط بأيّ حال. فإذا أضفنا إلى هذا الكهرباء المتحصّل عليها ممّا يقدّر بحوالي 4 سدود بجنوب السّودان، يمكن أن يرتفع الرّقم إلى 5.000 ميقاواط، وذلك في أحسن الأحوال حسبما تقول بذلك بعض المصادر الحكوميّة التي سوف نتعرّض لها أدناه.
***
لكن أهمّ معلومة يمكن ملاحظتُها في هذا، تلك التي قدّمتها إدارة السّدود بخصوص الكهرباء المتحصّل عليها من سدّ مِرْوِي، إذ تبدو كما لو أنّها لا تسندها الدّراسات العلميّة. فمثلاً مجمل ما يمكن أن نحصل عليه من كهرباء من سدّ مِرْوي لن يتجاوز ما مقداره 600 ميقاواط، أيّ نصف ما تشدّقت به أرقام إدارة السّدود. فقد زعمت إدارة السّدود أنّها سوف تُنتج من سدّ مِرْوي ما مقداره 1250 ميقاواط من الكهرباء. فمن أين يا تُرى تحصّلت إدارة السّدود على هذه الأرقام التي ما أنزل الله بها من سلطان؟ دعونا نرى كيف حدث هذا!
***
يحتوى سدّ مِرْوِي على عدد 10 توربينات بطاقة 125 ميقاواط لكلّ توربين بما يساوي مجموع 1250 ميقاواط. هذه حقيقة، لكنّها لا تعني أنّنا سوف نتحصّل على هذه الكمّيّة من الكهرباء. فما لم تقل به إدارة السّدود، مما يعرفُه لفيف العلماء الأفاضل، أنّ ذلك مجموع الطّاقة المركّبة Power Installed، أي مجمل السّعة التّوليديّة للتّوربينات العشرة، وليس مجمل الكهرباء المركّبة Energy Generated، أي المولّدة والتي سنحصل عليها فعلاً. فالعشرة توربينات لن تعمل جميعها في آنٍ واحد؛ ففي أحسن الفروض ستعمل خمسة توربينات من مجموع العشرة، على أن تكون ثلاثة منها في حالة استعداد، واثنتان منها في الصّيانة.
***
وعليه، مجمل الكهرباء المولّدة ينبغي أن يتمّ حسابها في أفضل الأحوال من الخمسة توربينات العاملة، وليس من مجمل التّوربينات المركّبة. عليه، سنحصل بمضاعفة 125 ميقاواط (السّعة التّوليديّة للتّوربين الواحد) خمس مرّات (عدد التّوربينات العاملة) لنحصل على ما مقداره 625 ميقاواط فقط. وحتّى هذا بحساب أحسن الفروض، أي لو حافظ منسوب المياه على درجته العليا، ثمّ لو عملت التّوربينات على أكمل وجه. ولهذا قدّر العلماء كمّيّة الكهرباء الموّلدة من سدّ مِرْوِي على أنّها 600 ميقاواط لا أكثر.
***
وقد يسأل سائل بريء عن مصدرنا للطّاقة، إذ لا تنمية بلا طاقة! صدّقوني يا سادتي الإجابة على هذا سوف أقوم باستخلاصها من كلام السّيّد الفريق عبد الرّحيم محمّد حسين (وهو للعلم مهندس) وزير الدّفاع، حسبما نسبته إليه صحيفتا السّوداني وأخبار اليوم اللتان وردت إليهما الإشارة أعلاه، ثمّ من البيانات الصّادرة من السّيّد/ مكّاوي العوض، مدير الهيئة القوميّة للكهرباء، فإلى هناك.
***
جاء في تغطية جريدة أخبار اليوم ما يلي منسوباً للسّيّد الفريق عبد الرّحم محمّد حسين: "وحتّى إذا أنشأنا جميع السّدود التي ذكرناها فإنّها ستنتج 8 آلاف ميقاواط، العاصمة السّعوديّة فقط الآن الطّاقة المتوفّرة فيها 8 آلاف ميقاواط ...".
***
وجاء في تغطية جريدة السّوداني ما يلي منسوباً إلى السّيّد الفريق عبد الرّحيم محمّد حسين: "الكهرباء الموجودة في السّودان الآن لا تغطّي حيّاً واحداً في الرّياض ...". ومع كلّ هذا لم يخطر ببال أيٍّ من الصّحفيّين الذين قاموا بتغطية الحدث أن يسأل، أو يقوم بتحليل مثل هذه الإفادة الغريبة، إذ تُثير من الأسئلة أكثر ممّا تُجيب.
***
وأعظم هذه الأسئلة شأناً هو: ماذا سيكون مصيرنا عندما نستنفد بناء جميع السّدود، ثمّ تصبح لدينا عاصمة في حجم الرّياض ـ دع عنك عدّة مدن في حجم الرّياض؟ إلى ماذا نلتفت عندها كيما نقوم بسدّ العجز في الطّاقة في قطاع الخدمات، دع عنك قطاع الصّناعة والتّنمية؟ أولا يؤكّد السّيّد الوزير بحديثه هذا أنّ هذه المشاريع لا تنتج كهرباء تستحقّ كلّ هذا العناء وكلّ هذه التّكاليف وكلّ هذه التّضحيات؟
***
أمّا السّؤال الثّاني، وهو لا يقلّ في عظمة شأنه عن الأوّل، فهو: من أين وكيف تنتج السّعوديّة هذه الكمّيّات المهولة من الكهرباء؟ 8.000 ميقاواط لإنارة مدينة الرّياض وحدها! دع عنك باقيي المملكة!
***
والجواب على هذا السّؤال لا يحتاج إلى عبقريّة، إذ تنتج كلّ هذا بالتّوليد الحراري طبعاً، ذلك كونها دولة بتروليّة. لكن، أوليس نحن أيضاً قد صرنا دولة بتروليّة؟ ولكن الحكاية لم تنته هنا، إذ لا تكتمل إلاّ باستعراض وثيقة الهيئة القوميّة للكهرباء والتي كان السّيّد مكّاوي العوض (المدير العام) قد أقام لها مؤتمراً صحفيّاً بمنبر سونا للأنباء، ذلك قبل أيّام قلائل من سفر السّيّد عبد الرّحيم محمّد حسين للسّعوديّة. تحمل الوثيقة الإشارات الرّسميّة التّالية:
(إشارتُنا: م ع/ لجان/ 790/ إشارتُكم: ......../ التّاريخ: 4-12-2007م). ويعود الحرفان (م ع) إلى مكتب (المدير العام)، أي مكتب السّيّد مدير الهيئة. وتتعلّق الوثيقة بخطّة الهيئة للتّوليد الكهربائي حتّى عام 2030م. أي والله! عام 2030م! وفيها ستكون خدمات الكهرباء قد غطّت سكّان السّودان بنسبة 80%. وقد نُشرت هذه الوثيقة في جريدة السّوداني، عدد السّبت الموافق 16/2/2008م تحت عنوان: المدير العام للهيئة القوميّة للكهرباء لـ (السّوداني): الهيئة تبدأ تنفيذ خطّة قوميّة طويلة المدى لتوفير الكهرياء.
***
إذن ماذا قال السّيّد مكّاوي العوض؟ ببساطة أعطانا الجدول التّالي:
التّوليد الحراري: 18.491 ميقاواط (بنسبة 72%).
التّوليد المائي: 4.587 ميقاواط (بنسبة 28%)
***
من أين كلّ هذا التّوليد الحراري يا سادة؟ لا يتركنا السّيّد مكّاوي العوض نحتار في سبيل إيجاد الإجابة، إذ يعطينا لها بلا مقابل:
• توليد البحر الأحم بالفحم الحجري: 4.136 ميقاواط
• توليد غرب السّودان: 2.177 ميقاواط
• توليد النّيل الأبيض 3.500 ميقاواط
• توليد الخرطوم والجزيرة: 8.512 ميقاواط
• توليد ديزل مناطق متفرّقة: 250 ميقاواط
***
وبهذا يبلغ مجموع الإنتاج الكهربائي الحراري في العام 2030م ما مقدارُه: 23.078 ميقاواط!
***
فهل بعد هذا من يغالط يا سادتي في أنّ السّدود، بالنّظر إلى ما تُلحقُه من دمار بالبيئة وبالكيانات الاجتماعيّة المتأثّرة منها، قطعاً قليلة الجدوى، إن لم تكن عديمة الجدوى من أصلها؟ فمن بين 40 حالة سدود في العالم، وبعد دراسات استمرّت لعقود، حسبما سيرد أدناه، لم يجدوا أيّ تحسّن قد طرأ على الأوضاع، بل ساءت أوضاع السّكان إلى ما لا يمكن تصوّرُه.
***
فلماذا تُراهم يصرّون على بناء هذه السّدود على ما فيها من خراب للبيئة وعلى ما فيها من قلّة الفائدة؟
يتبع
|