ليست مجرد أغنيات
برنامج ما يطلبه المستمعون.. أو حين كانت الأغنيات أوطاناً صغيرة لعموم السودانيين
كأنني أقف الآن أمام مرآة العمر فاتحا اقصى خلايا الذاكرة لأكتب تلك الأيام بمداد الروح التي كانت هناك في انتظار أحد يهديها اغنية ترتب الأحلام وتشعرها بأن شخص ما يحبها أو ينتظرها.
كنت واحداً من أولئك الذين ينتظرون البرنامج كمن ينتظر رسالة من الحياة نفسها، رسالة تقول إن أحداً ما في مكانٍ ما ما زال يحب وما زال يشتاق وما زال يرسل أغنية إلى من رحل أو إلى من سافر أو إلى من لم يفهمه الزمن.
برنامج ما يطلبه المستمعون في إذاعة امدرمان لم يكن مجرد مساحة للترفيه بقدر ما كان باروميتر اجتماعي يقيس حرارة العاطفة في المجتمع السوداني. ففي مجتمع محافظ ومحدود الموارد وقليل المساحات الخاصة كانت الأغنية تقوم بوظائف اجتماعية كاملة فهي تعوّض غياب الرسائل المكتوبة وتعوّض صعوبة اللقاءات وتعوّض الخجل الاجتماعي وتعوّض المسافة بين المدن والقرى
تلك الأغنيات المختارة كانت سيرة أجيال كاملة وجزءاً من تكوينها ومن طريقة حزنها ومن طريقة انتظارها ومن تلك اللحظة التي كانت تلك الأجيال تستمع للبرنامج كأنها تنتظر رسالة من الحياة نفسها
كان البرنامج هو المقياس الحقيقي للأغاني التي يفضلها السودانيون وكأنها منافسة يضع الشعب معاييرها لتحديد الأفضل من الغناء ومن المطربين، فيطلب من هجرته الحبيبة اغنية في الليلة ديك فتعتلي الليلة ديك عرش الأغاني وكأن نصف الشعب من الرجال هجرته حبيباته ونصفه من النساء كذلك أو ان معظم الشعب فارق احبابه حين تعتلي أغنيات الحب والظروف والى مسافرة المراتب الأولى في برنامج ما يطلبه المستمعون. ثم يحتل العشاق ساحة البرنامج حين تقفز الى المراتب الأولى أغنيات حسنك امر, الزمان زمانك, يا سليم الذوق وغيره. ثم عتاب العشاق واحزان الفراق واغاني الوداع واغاني السفر كل اغنية تصعد الى الأعلى تعكس الحالة المزاجية والاجتماعية لغالبية الشعب السوداني في ذلك الزمان البهيج وكأنما الأغنيات كانت اوطانا لعامة الناس
في مجتمعٍ لم تكن فيه استطلاعات رأي ولا منصات تواصل كان ما يطلبه المستمعون أقرب ما يكون إلى استفتاء شعبي على الذوق الفني فالشعب يقرّر عملياً أي الأغنيات تعيش وأيها تتراجع عبر كثافة الطلب. هذا يمنح الناس سلطة غير مباشرة على المشهد الغنائي.
وكان البرنامج أيضا يلعب دورا في صياغة تعريف النجومية فالمطرب الذي تطلب أغنياته بكثافة لا يصبح نجماً فقط فنياً بل نجماً عاطفياً واجتماعياً لأنه يمثّل حالة شعورية واسعة لا مجرد نجاح تجاري.
في ذلك الزمان، كانت الأغنية تقوم بوظائف تتجاوز الفن منها وظيفة نفسية لتخفيف القلق وتنظيم الحزن ومنح شرعية للبكاء والحنين. ووظيفة اجتماعية لربط المدن بالقرى والداخل بالخارج والباقين بالراحلين. فمن يطلب أغنية لمسافر يعلن أن العلاقة لم تنقطع رغم المسافة. ووظيفة رمزية حيث تتحول الأغنية إلى وطن صغير لمن لا يستطيع العودة إلى مكانه كي يعود إلى أغنيته.
أغنيات مثل الحب والظروف، حسنك أمر، إلى مسافرة، في الليلة ديك، الرحيل، الود، ربيع الدنيا، يا أعز الناس، حبيت عشانك كسلا، السنين، تمد الايد ونتسالم، لون المنقة، يا زاهية، خداري، الطير الخداري، الأوصفوك، ما قلنا ليك، لم تكن أغنياتي طلبها المستمعون فقط لكنها كانت محاولات للتمسّك بما تبقّى منّ الاحلام وكانت أصواتاً توضع على الجرح لئلا ينزف أكثر.
كأن الناس كلهم يعيشون نفس الحكاية، نصفهم هجرته حبيباته ونصفهم ينتظر عودة أحدٍ ما والكل يكتب رسائل طويلة لا تصل ويرسل أغنيات قصيرة تصل دائماً.
ذلك الزمن كان غضّاً والأحلام ندية وكان يمكن للأغنية أن تغيّر مصير يومٍ كامل ويمكن أن تعيد إلينا شخصاً فقدناه أو على الأقل تعيد إلينا القدرة على الانتظار. كان السودانيون يكتبون رسائلهم إلى الإذاعة كما لو أنهم يكتبون اعترافاتهم الأخيرة. يرسلون طلب أغنية ويهدونها لمن يحبون ويتركون للبرنامج مهمة أن يقول ما لا يستطيعون قوله مباشرة. كان البرنامج في جوهره مرآة المجتمع وكانت الأغنية مقياساً للحالة النفسية العامة
كان ترتيب الأغنيات في برنامج ما يطلبه المستمعون يشبه قراءة تقرير أسبوعي عن نبض السودانيين، إذا صعدت أغنيات السفر والرحيل والوداع فالسودان يودّع أبناءه (الاغتراب) وإذا صعدت أغنيات العتاب فالسودان يفتّش عن صوته في الليل وإذا صعدت أغنيات الحب فالسودان يحاول أن يتذكّر أنه ما زال حيّاً وإذا صعدت أغنيات الفراق فالسودان يضمّد جرحاً لم يلتئم.
كان الناس ينتظرون الحلقة الأسبوعية كما ينتظر العاشق رسالة من بعيد. كل رسالة تقرأ على الهواء كانت تمثّل شخصاً ما في مكانٍ ما يحاول أن يقول شيئا يخصه ويخص شخص آخر في مكان ما. كانت الأغنية هي الجسر الوحيد بين القلوب وكان الناس يطلبون أغنية ويرسلونها إلى من رحل وإلى من سافر وإلى من لم يفهمهم وإلى من لم يعودوا قادرين على الوصول إليه.
كانت الأغنيات أوطاناً مؤقتة يسكنها الناس حين تضيق الحياة ويغادرونها حين يكذبون على أنفسهم ويقولون إنهم تجاوزوا ما كان.
لم يكن السودانيون يعبّرون عن أنفسهم في السياسة أو الصحافة لكنهم كانوا يفعلون ذلك في الأغنية فقد كان البرنامج يكشف ما لا يُقال كان يكشف من يحب ومن ينتظر ومن يشتاق ومن فقد ومن يحاول أن يبدأ من جديد.
لم يكن هناك غني وفقير ولا مدينة وقرية ولا قبيلة وأخرى فقط كان هناك أغنية تُطلب وقلب ينتظر وزمن جميل يمرّ مثل بخور مقدّس.
برنامج ما يطلبه المستمعون، في عمقه الاجتماعي، لم يكن مجرد مساحة لسماع الأغاني فقط بقدر ما كان آلية بدائية وعبقرية في آن واحد لقياس الحالة النفسية والاجتماعية للسودانيين في زمن محدّد من خلاله يمكن قراءة المجتمع كما تُقرأ البيانات في الدراسات الاجتماعية اليوم ولكن بلغة العاطفة لا بلغة الأرقام.
فالأغنيات المطلوبة لم تكن عشوائية؛ بل كانت مؤشرات للمزاج الجمعي للسودانيين فهيمنة أغنيات السفر والرحيل والوداع ديك تعكس مجتمعاً يعيش توتراً بين الاستقرار والرحيل وبين التعلّق والانفصال وبين السفر والهجرة والاغتراب
صعود أغنيات العتاب والفراق يشير إلى حالة واسعة من الخيبات الصغيرة كخيبة في العلاقات وخيبة في الوعود وخيبة في الواقع نفسه. وكأنما العتاب كان بين الإنسان وزمنه.
بهذا المعنى، كان البرنامج مؤشراً أسبوعياً للمزاج العام فكل حلقة تقول شيئاً عن مستوى الأمل وعن مستوى الحزن وعن مستوى التعلّق وعن ومستوى الفقد في المجتمع.
كما أن ارسال إرسال طلبات الأغاني عبر رسالة بريدية إلى الإذاعة كانت تحمل دلالات اجتماعية عميقة، فالكتابة نفسها فعل اعتراف فالشخص يدوّن اسم الأغنية واسم المُهدى إليه وربما عبارة قصيرة، فيمارس شكلاً من البوح المؤجل. هذا يخلق ثقافة اعتراف غير مباشرة، حيث المجتمع يتعلّم أن يقول مشاعره عبر وسيط (الأغنية والإذاعة).
وهنا يأتي دور البريد أيضا كمسافة زمنية بين لحظة كتابة الرسالة ولحظة إذاعة الأغنية ولحظات الانتظار الذي يعمّق معنى الأغنية ويحوّلها من ترفيه إلى حدث عاطفي واجتماعي.
ختاما، لو تخيّلنا أن كل طلب أغنية كان يُحفظ في أرشيف الإذاعة لكان لدينا اليوم خريطة وجدانية للسودان في ذلك الزمن ترينا متى ارتفع منسوب أغاني السفر؟ ومتى طغت أغاني العتاب؟ ومتى انتصرت أغاني الفرح؟
هذا الأرشيف وإن لم يكتب عاش في ذاكرة الناس ولهذا حين نستعيد البرنامج اليوم نستعيد معه زمن الأحلام الندية وزمن كان فيه المجتمع يعبّر عن نفسه عبر الأغنية أكثر مما يعبّر عبر الخطابة. ولو أراد باحث أن يفهم المجتمع السوداني بين الستينيات والتسعينيات، فإن أفضل وثيقة ليست أرشيف الدولة ولا الصحف ولا الكتب بل قائمة الأغاني التي طُلبت في برنامج ما يطلبه المستمعون. هناك سيجد مزاج الأمة وجراحها وأحلامها وعلاقاتها ووحدتها وفراقها وذاكرتها التي لا تزال تمشي على قدمين.
في هذا العمر الذي لم يعد غضّاً نفتقد تلك الرسائل ونفتقد ذلك الانتظار ونفتقد تلك الأغنيات التي كانت أوطاناً صغيرة نحملها في جيوبنا ونفتحها حين يضيق القلب ونغلقها حين نكذب على أنفسنا ونقول إننا تجاوزنا ما كان.
|