منديل حرير !!! النور يوسف

قيامة دولة المتحولون الانسانية !!! أسعد

خِلِّي العيش حرام - عبر الأجيال !!! أشرف السر

آخر 5 مواضيع
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > منتـــــــــدى الحـــــوار

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 01-11-2026, 07:51 AM   #[1]
Abdullahi Gaafar
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي ليست مجرد أغنيات ... أو حين تصبح الأغنية وطنا

بسم الله الرحمن الرحيم
ليست مجرد أغنيات ... أو حين تصبح الأغنية وطنا
كما لو أنني أفتح درجاً قديماً في قلبي درجاً امتلأ بالأغنيات التي لم تكن موسيقى فقط بقدر ما هي ذاكرة كاملة تمشي على قدمين. الحزن القديم، أقابلك، شجن، الحب والظروف، ذات الشجون، خداري، أغاني الحقيبة، ليه بنهرب من مصيرنا، غاية الآمال، الى مسافرة، كسلا، بخاف، الطيف، الود، خاف من الله، يا أعز الناس، الذكريات، قصتنا، ضنين الوعد، حبيبة عمري، حسنك أمر، ليلة السبت، الذكريات، والله مشتاقين، كلمة، الزول الوسيم، وكت الليل يفلل، في سكون الليل، عذارى الحي، من زمن، سيد الاسم، في الليلة ديك، قف تأمل، شن طعم الدروس، الطير الخداري، كسلا، هل تدري يا نعسان، خداري، هوج الرياح، أغنيات من ذكريات ارتبطت بمكان ما وزمان ما وحبيب ما وأخرى بفرح ما وأخرى بأحزان وجراح
هذه ليست قائمة أغنيات لكنها خريطة حياة فكل أغنية منها تحمل مكانا، زمنا، وجها، لحظة، جرحا، فرحا، طريقا مشيته، ونافذة وقفت عندها ذات مساء
هذه الأغاني ليست صوتاً وليست ذكريات فقط هي جسر معلّق بين ضفتين داخل الروح ضفة يسكنها الذي كنتَه. ذلك الذي كان يمشي بخفة ويحلم دون خوف ويحب دون حساب ويغضب بسرعة ويسامح بسرعة أكبر ويظن أن العالم قابل للترميم مهما انكسر وضفة أخرى يسكنها الذي أنتَه الآن. هذا الذي يعرف معنى الفقد ويحمل في صدره طبقات من الصمت ويخاف على قلبه أكثر مما يخاف منه
في الغربة يصيبك الضعف في لحظات استماعك لتلك الأغاني التي ارتبطت بأفراحك واحزانك وارتبطت أيضا بأزمان العمر المختلفة. يصيبك الضعف ويأخذك الخيال بعيدا حد ان تحس بصعود الغصة اعلى الروح وتحس بانقباضات الخلايا داخل الجسد المرهق والمثقل بحمل ذكريات تداهمك كالحمى
ليست مجرد أغنيات إنها أرشيف الروح وهي الصندوق السري الذي يفتح نفسه عليك كلما ظننت أنك تجاوزت ما كان وهي الشيء الوحيد الذي يذكرك بأنك لم تفقد كل شيء وأن جزءاً منك ما زال سليما وما زال قادرا على أن يحب وأن يتذكر وأن يعود والأغاني التي ترتبط بأفراحك وأحزانك لا تعود كصوت فقط لكنها تعود كـزمن كامل ينهض من بين خلايا الذكرة وكأن العمر نفسه يضغط على صدرك ليذكرك بأنك كنت هناك وأنك ما زلت تحمل ذلك المكان وذلك الزمان وتلك اللحظة في قلبك مهما ابتعدت.
هي شكل آخر من أشكال العودة حين تستمع لـشجن، الحب والظروف، خداري، أغاني الحقيبة، ليه بنهرب من مصيرنا، غاية الآمال، إلى مسافرة، كسلا، بخاف، الطيف، الود، خاف من الله، ذات الشجون، قصتنا فأنت تسمع روعة ضحكة كانت على مقعد ما وارتباك خطوة في شارع تعرفه جيداً ووجه حبيب لم يعد في الصورة لكنه ما زال في الذاكرة وعشرة ونسة كنت فيها أقرب إلى نفسك مما أنت عليه الآن ونزف جرح لم يلتئم لكنه صار جزءاً من حكمتك
هذه الأغنيات ليست موسيقى إنها أطراف الروح التي تركتها في أماكن بعيدة والتي ما فتئت تعود إليك كلما حاولت أن تكون قوياً أكثر مما ينبغي. والغربة لا تربكنا بالأغاني فقط ولكنها تعيد ترتيبنا بها حد ان نحس بأن الغربة ليست المكان فقط بل هي أن تسمع أغنية كانت تشبهك فتكتشف أنك لم تعد الشخص الذي كان يغني معها ولا الشخص الذي كان يبكي بسببها ولكنها ما زالت قادرة على أن تهزك من الداخل كأنك تعود للحظة لم تعشها كاملة. فالأغاني التي ترتبط بـمكان ما وزمان ما وحبيب ما أو جرح ما هي في الحقيقة تفاصيل فصل صغير من حلم العودة. ليس لأن هذه الأغنيات جميلة فحسب بل لأنها تحمل الطريق الذي خرجت منه والطريق الذي تحاول أن تعود إليه ولو في الخيال. هي فصل من حلم العودة الى تفاصيل ازمان العمر المختلفة فصل ينهض كلما سمعت صوتاً يشبه شبابك أو نبرة تشبه نساء الوطن أو حزناً يشبه رجال الطرقات القديمة في اقصى شمال القلب.
هي ليست مجرد أصوات تعبر الأذن ثم تمضي إنها أرشيف حي ومستودع للزمن ومخزن للوجوه التي عبرت حياتك ثم تركت ظلالها معلّقة على مراجيح الذاكرة. فكل أغنية هي باب صغير تفتحه فينهض أمامك المكان الذي ظننت أنك نسيته شارع عبرته في ظهيرة بعيدة أو ركن بيت كان يضج بالضحك أو حبيبة كانت ترفع شعرها بطريقةٍ عفوية تشبه بداية ترنيمة طار أو أصدقاء تفرقوا لكن أصواتهم ما زالت داخلك
حين تسمع أغنية ارتبطت بفرحٍ قديم تشعر أن قلبك ينهض من سبات طويل وحين تسمع أغنية ارتبطت بحزنٍ ما تتسلل إليك تلك الانقباضات التي تشبه الحمى وكأن الروح تتذكر فجأة أنها كانت مكسورة في يوم ما وأن الكسر ما زال هناك متمسك بخلايا جسدك حد ان صار جزءاً من جمال مدارك الذي تتحرك فيه كل تفاصيلك القديمة طفولتك وارتباكك الأول وخوفك الأول وحبك الأول وجرحك الأول وحزنك الأول
الأغنية هي رحلة العودة الوحيدة التي لا تحتاج فيها إلى جواز سفر فالأغاني التي ترتبط بمكان ما تعيدك إلى ذلك المكان دون أن تتحرك خطوة. تسمع كسلا فتشمّ رائحة التراب بعد المطر وتسمع إلى مسافرة فتشعر بارتباك الوداع تسمع الطيف فتتذكّر وجه من رحل وتسمع خاف من الله فتتذكّر حبيبا سقط اسمك من ذاكرته دون أن يقصد.
هناك أغنيات لا نسمعها فقط ولكن نعيشها من جديد. أغنيات تنهض فينا حياة كاملة وضحكة كنت قد نسيتها أو دمعة لم تكن تعرف أنها ما زالت موجودة أو حلما صغيرا كنت قد خبأته في جيبك ثم نسيته هناك. أغنيات تمنحك حياةً ثانية حياة تعاش في القلب حيث لا أحد يراك ولا أحد يحاسبك ولا أحد يعرف كم أنت هش حين يبدأ اللحن.
الأغنية ذاكرة لا تشفى والأغاني هي الطريقة التي نتذكر بها دون أن ننهار ونبكي دون أن نهزم ونعود دون أن نغادر والأغنية التي أحببتها في لحظة عشق ما تعود إليك كـامرأةٍ كاملة بضحكتها وبمزاجها وبغضبها الجميل وبتلك العيون التي لا تشبه عيون الآخرين. الأغنية التي ترتبط بحبيبٍ ما لا تموت ولكن تتحول إلى حضور خفيف يمرّ في صدرك كلما مرّ اللحن وتربّت على روحك حين تتعب فحين تسمع ضنين الوعد تنهض ابتسامتها القديمة وتسمع الحب والظروف فتعود إلى تلك اللحظة التي وقفت فيها على حافة الوداع وتسمع الذكريات فتشعر بأن قلبك يعود إلى مكان لم يعد موجوداً إلا فيك وتسمع قصتنا فتتذكر أن الحكاية لم تنته بل توقفت في منتصف جملة لم تكتب فالأغنية التي ترتبط بحبيب تصبح مرآة للروح ترى فيها ما فقدته وما احتفظت به وما تمنيت لو بقي.
فجأة تكتشف بان أغنيات مثل زاد الشجون والحزن القديم والود ونظرة يا لسمحة ام عجن وبرضي ليك المولى الموالي ويا النازلة وحنيني اليك والحزن القديم وقلت أرحل أصبحت جزءاً من تكوينك ومن طريقة مشيك ومن طريقة صمتك ومن طريقة حزنك ومن طريقة انتظارك.
في الغربة لا أحد ولا شيء يعرفك كما تعرفك الأغنية ولا أحد يفهم لماذا ترتجف عند نغمة معينة ولا أحد يدرك أن هذا اللحن ليس لحن فقط هو ماضيك الذي يمشي معك في الطرقات البعيدة وهو فرحك وحزنك الذي يعاودك من حين لآخر
الأغنية في الغربة تصبح وطناً صغيراً وحبيباً كبيراً ومسافة تختصر كل المسافات والأغاني التي تحمل رائحة البلاد لا تسمع فقط ولكن تعاش فحين تبدأ الأغنية تنهض في صدرك أرض كاملة وتراب تعرفه وسماء كنت ترفع رأسك إليها في لحظات الحاجة والحمد وأشجار وبيوت كانت تلوح لك في طريق المدرسة ونساء مثل قمر 14 كن يملأن الشوارع بضحكات تشبه بدايات القصائد وشباك يفتح فجأة على بيت كنت تظن أنك نسيته أو على شارع كنت تمشي فيه بلا خوف وعلى طفولة لم تكن تعرف أنها ستصبح أغلى ما تملك.
تسمع طال علينا فراقكم فتشم رائحة الدعاش في المغارب وتسمع غاية الآمال فتشعر بأن يد الوطن يربّت على كتفك. تسمع سفري السبب لي ازاي فتتذكر أن السفر لم يكن خياراً وأن العودة كانت دائماً حلمك الأول تسمع الرحيل فتنهض وجوه الذين رحلوا عنك وكأنهم يقفون عند باب البيت ينتظرونك.
فالوطن ليس المكان فقط هو الطريقة التي يخفق بها قلبك حين تسمع أغنية تشبهه فالأغنية تحفظ تفاصيله الصغيرة في رائحة شاي الصباح وفي صوت المؤذن وفي رنة الطمبور وفي ضحك الجيران وفي ذلك الضوء الذي كان يدخل من نافذة البيت ويجعل كل شيء يبدو ممكناً.
تسمع أنا سوداني فتشعر بأن الوطن يقترب ويدنو حتى يصبح في صدرك وحتى يصبح في دمك ثم يمضي الى تلك المنطقة الصغيرة التي لا يراها أحد. الأغنية تعيدك إلى الوطن حتى لو كنت في أبعد نقطة من العالم تعيدك إلى أمّك وإلى اهلك وإلى أصدقائك وإلى طفولتك وإلى نفسك التي تركتها هناك.
هناك نسخ منا لا تموت لكنها تختبئ خلف ارهاق العمل وخلف التزام المسؤوليات وخلف خيبات الحياة وخلف المدن التي عبرناها دون أن نحبها. والأغنية هي المرآة التي تعيد تلك النسخ إلى الضوء فتريك نفسك كما كنت لا كما أصبح وتريك قلبك قبل أن يتعلم قراءة الخسارات وخطواتك قبل أن تثقلها الطرق الطويلة. وفي الغربة لا شيء يرافقك كما ترافقك الأغنية ولا شيء يعرفك كما تعرفك الأغنية ولا شيء يفتح باب الوطن لك كما تفعل الأغنية فالأغنية تصبح وطناً صغيراً تحمله في جيبك وتفتحه حين يضيق صدرك وتغلقه حين تستطيع التنفس

الرياض أغسطس 2026



Abdullahi Gaafar غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-11-2026, 07:54 AM   #[2]
Abdullahi Gaafar
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

ليست مجرد أغنيات

النازلة ماشة على البحر – حين تتحوّل الأغنية إلى ذاكرة تمشي على قدمين

هو لقاء السحاب، التقاء حدربي محمد سعيد… شاعر الترابلة والمعوزين البسطاء كما وصفه حسن الجزولي، شاعر الذين يمشون حفاةً على الأرض ويعرفون أسماء الشجر والحجر كما يعرفون أسماء أبنائهم وحسن بابكر… زكريا أحمد السودان، الملحن الذي يعرف كيف يجعل النيل آلة موسيقية ومحمد ميرغني… الصوت الذي يشبه ظلّ نخلة باذخة الطول، رحل جسده وبقي صوته يلمع في ذاكرة الناس.
هؤلاء الثلاثة لم يصنعوا أغنية فقط بقدر ما صنعوا لوحةً من حياةٍ كاملة. لوحة فيها النيل والبنات والقماري، وفيها اعراس الشمال ورائحة اللوبيا والليمون… وفيها أنا وكل من كان هناك
النازلة هنّ البنات اللاتي كنّ يردن الماء في العصريات بفساتينهنّ الملوّنة كأنها قطع من الغروب، وطرحهنّ فوق رؤوسهنّ كتيجانٍ صغيرة، يمشين في طريقٍ يعرفهنّ ويحفظ أسرارهنّ، طريقٍ يزلن منه جريد النخل ليفسحن لأنوثتهنّ طريقاً نحو النيل.
يمشين على القرمصيص المصنوع من أزهار الطلح، المعطّر برائحة اللوبيا المتشابكة في جروف النيل وكأن الأرض نفسها تتزيّن لمرورهنّ. يتدلّى لهنّ سبيط التمر وتألفهنّ أسراب القماري وطيور الدندريس وكأن الطبيعة كلّها تعرفهنّ بالاسم وتعرف خطواتهنّ وتعرف أنهنّ يحملن الماء ليصنعن حياة البيوت.
أغنية النازلة ليست مجرد كلماتٍ تغنّى… إنها ذاكرة تمشي، ذاكرة لها جسد ورائحةٌ وخطوات على الرمل، ذاكرةٌ لها لون فستانٍ وطرحةٍ تُرفع قليلاً حين تهب نسمة من جهة النيل. وحدربي لم يكتب عن فتاةٍ واحدة لكنه كتب عن القرية كلّها وهي تنزل إلى النيل. كتب عن ذلك الطقس اليومي الذي يشبه الصلاة، حين تمشي الفتيات في الصباح لحلب الأغنام أو في العصريات نحو النيل لجلب الماء، يحملن جرارهن وتحيط بهن رائحة الليمون واللوبيا والبرسيم،
كان حدربي يرى ما لا يراه الآخرون، يرى أشعة الشمس الذهبية وهي تتسلل بين الغصون ويرى الندى وهو يلمع على خضرة الدرب ويرى أشجار الطلح وهي تفرش زهرها قرمصيص تحت الأقدام كأنه بساطٌ من ذهبٍ أخضر، ويرى السبيط وهو يتدلّى على رؤوس النازلات كأنه تاجٌ من ضياء. حدربي كان ابن تلك الأرض وابن ذلك النسيم وابن تلك الخطوات التي يعرفها الدرب كما يعرف اسم صاحبتها. لذلك استطاع أن يكتب الأغنية كأنها مشهدٌ يُرى لا يُتخيّل.
النازلة هي لحظة الانحدار نحو الماء، لحظة التقاء الجمال بالضرورة، لحظة أن تحمل الفتاة جرّتها على رأسها كأنها تحمل حياة البيت كلّه. هي لحظة أن يفسح الجريد الطريق وأن يبتسم السبيط وأن يوشوش اللوبيا وأن يرقص الضوء على الندى. هي لحظة أن يصبح النيل أباً والجروف أماً والطريق ذاكرةً تحفظ أسرار البنات.
وتبقى اللوحة باذخة البهاء حين يصف لحظة شرود النيل من ضفافه حين ينسحب النيل قليلاً، تاركاً وراءه جزر الرمل التي تتخللها المياه كأنها كبة عسل في صينية فطور العريس. هذا التشبيه وحده يكفي ليقول إن حدربي لم يكن يكتب شعراً… ولكن كان يكتب حياةً، كان يكتب طقس الصبحية وطقس الفرح وطقس الضحك من الأعماق وطقس الأكل الذي يُرسل كعربون محبة وطقس الزغاريد التي تفتح الصباح مثل نافذةٍ على الفرح.
هكذا وجدت نفسي أكتب ليس عن الأغنية ولكن اكتب عن طفولتي وعن مكاني هناك وعن النسيم الذي لا يزال يسكنني وعن الأزهار في موسم الازهار وعن القماري وعن الطرحة الملونة التي رأيتها ولم تغادر ذاكرتي. نعم وجدت نفسي أكتب عن الزمن الذي مضى وبقيت رائحته. هو ذلك الشعور الرائع بأن الحياة كلها تمشي أمامي بخطواتٍ هادئة وأن الجمال ليس فكرة بل هو امرأة تمشي نحو النيل.
أغنية النازلة ماشّة على البحر ليست أغنية فقط بقدر ماهي ذاكرة وطنٍ صغيرٍ على ضفة النيل. هي لوحةٌ من الضوء والندى والقماري والناس. هي حياة كاملة كانت هناك… وبقيت في قلب من عاشوها يعودون اليها كلما ضاق بهم العالم
القرى في الشمالية تتذكّر النازلة كما تتذكّر النيل. تتذكّر لون فستانها وتتذكّر طرحتها، وتتذكّر طريقة قدلتها وتتذكّر كيف كانت تزيح الجريد بيدها وكيف كانت الطيور تألفها فلا تطير من عشّها حين تمرّ.
النازلة كانت جزءاً من طقس يومي، طقس يشبه الصلاة فيعرفه الدرب ويحفظه مثل سرٍّ قديم.كل بيتٍ في تلك القرى كان يعرف النازلة ويعرف صوت خطواتها ويعرف وقت نزولها ويعرف الطريق الذي تسلكه ويعرف كيف يعود الماء معها ليملأ الأزيار.
في تلك القرى كانت المرأة هي التي تحفظ الماء واللبن وهي التي تحفظ البيت وتحفظ الإيقاع اليومي للحياة.النازلة كانت رمزاً لأنوثة تتزيّن بعلاقتها بالأرض والماء.كانت لا تمشي نحو النيل فقط لكن كانت تمشي أيضاً نحو دورها الأعمق، دور التي تحمل الحياة على رأسها ويديها وتعيدها إلى البيت.
مضى الزمان… رحل حدربي ورحل حسن بابكر ورحل محمد ميرغني، لكن اللوحة بقيت في ذاكرة الذين عاشوا تلك اللحظة، بقيت في صدور الناس. لحظة تعود إليهم كلما سمعوا تلك الأغنية، تعود كنسيمٍ محمّل برائحة أزهار الليمون، ورائحة البراسيم، ورائحة اللوبيا التي كانت تتدلّى على جروف النيل مثل ابتسامةٍ على شفاه طفلة.
كل حرف في هذه الأغنية يعيدني إلى هناك… إلى النيل والأرض وإلى الطفولة التي كانت تمشي على الأرض المفروشة بأزهار الطلح والسنط واللوبيا، إلى ذلك النسيم الذي لا يشبه أي نسيم آخر، إلى المكان الذي لا يغادر القلب مهما ابتعد الجسد.

يا النازلة ماشه على البحر.. ساعة الحلب
ساعة الشمس يادوب بتطلع....
و الشعااع من بين فتيحاات الغصون
رقرق على قش الدرب....
مااع الندى
وقع متل خرز السبح خيطو انقطع....
......................
السمحة بى وسط التمر..دائما تفوت..
يتنى بى فوقها الجريد..يلمس سبايب فى الشعر..
و القمرى من عش ما بيطير..اعتاد عليها و والفها..
حتى السبيط..مد الشخاليب و ابتسم..
مرات تقيف..منو وتشيل ..
مرات تكون مشغولة بى شيتا كتر..
........................
شدر الطلح رمى البرم..
اصفر تحت اقدامها مفروش قرمصيص
اللوبا فى صدر الجرف..من عرقو فجالها الدرب
و نوارو ماال..
مال فى الدرب ..
وسوس و قاال..
السمحة جات
و لما انشبك نوارو فى توبها الجديد..
ماالت بشيش..
السمحة.. مالت فكتو
شان لا تحت نوارو..
لا تقطع صفق..
........................
شوفى البحر..يا السمحة يتقطع ترع
اصبح بعيد..
و الترع وسط الرملة..ذى كبة عسل..
جابوها فى صينية ليك..فطرة عريس..
حاشاها ما قالت بعيد..
السمحة مهما كان ترد..شان تسقى شتلاات الحياة..
شان تسقى فى البيت الأهل..



Abdullahi Gaafar غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

تعليقات الفيسبوك


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 12:01 PM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.