أبيض أسود.. صراع القديم مع الحديث
[aldl]http://s.alriyadh.com/2004/12/27/img/271288.jpg[/aldl]
رجا ساير المطيري
يحكي الأديب الأمريكي الساخر مارك توين في قصة (الرجل الذي أفسد هادلبرج) حكاية قرية تدعى هادلبرج، وهي قرية تعيش على سمعتها التي اكتسبتها بفضل نبل وأمانة سكانها حيث غدت رمزاً للطهارة والبراءة. وبفضل هذه السمعة يسود القرية جو من الهدوء والسكينة، سكينة لا يبددها سوى صرخة انبعثت من حنجرة عجوز لتصطدم في وجه زوجها، وهي تقول: (إدوارد.. أنا مؤمنة أن أمانة هذه البلدة متعفنة مثل أمانتي.. مثل أمانتك.. إنها بلدة منحطة، بخيلة وبلا أية فضيلة سوى هذه الأمانة المزعومة.. أعترف لك بأنني مخادعة.. وكذا كنت طيلة حياتي).
بهذه الكلمات الصريحة وفي لحظة الانفجار هذه تبدو الحقيقة المرعبة، أن الجميع هنا في هذه القرية منافقون مدّعون، وأن هذه السمعة ما هي إلا كذبة طاب لهم تصديقها وعاشوا تحت كنفها سنين طويلة. وأمام سأم الزوجة من حياتها الرتيبة، يبدو الزوج مرعوباً من هذه الحقيقة التي أدركها لتوه أنه أفنى حياته في مجرد «كذبة» فلا هو بالأمين حقاً ولا قريته كانت طاهرة أمينة.
حالة الرعب هذه بدت كذلك على سكان مدينة أخرى، هي «مدينة السرور» التي كان الجميع فيها يرفل بالسعادة والفرح، معتقدين أن حياتهم هي الحياة المثالية الكاملة، لكنهم في لحظة يكتشفون زيف ذلك وأنهم ما كانوا إلا مسوخاً تعيش حياة مملة رتيبة إلى حد الاختناق. هذه المدينة كانت مكان الحدث في فيلم يحمل ذات الاسم ظهر عام 1999، هو فيلم (مدينة السرور- Pleasantville) من بطولة توبي ماغواير والشابة ريزي ويذرسبون.
وفي الفيلم تكون «مدينة السرور» مجرد مسلسل كلاسيكي يعرض على التلفاز في فترة التسعينات، حيث يحرص الفتى -ماغواير- على متابعة حلقاته، فيما تكون ابنة عمه -ويذرسبون- أقل اهتماماً منه، وبينما كان الاثنان يعبثان بالريموت كونترول أمام التلفزيون يحدث ما ليس في الحسبان فينتقل الاثنان إلى داخل الجهاز، إلى داخل المسلسل، إلى داخل مدينة السرور وليصبحا منذ الآن مواطنين في هذه المدينة وشخصيتين رئيسيتين في المسلسل الكلاسيكي القديم الذي تلونت جنباته بلونين فقط هما الأبيض والأسود. وبهذا الانتقال يبدأ مخرج وكاتب الفيلم «غاري روس» رحلة فلسفية ممتعة، يتأمل خلالها الصراع الأزلي ما بين القديم والحديث، ما بين المجددين والتقليديين، ما بين الظلام والألوان والحياة. ومنذ البداية نبدأ في تأمل حال المدينة التي يبدو واضحاً غرقها في الترف والسعادة، كما تبدو على سكانها ملامح الكمال والبراءة، حيث الكل أنيق نظيف منطلق تُشع منه الحيوية والحياة. وهذا ما يتبدى لنا من الوهلة الأولى، لكن بمزيد من العمق نكتشف أن الحال غير ذلك، إذ أن هؤلاء في الحقيقة إنما يعيشون خيبة وبلادة لا تطاق، فحياتهم هي هي لا تغيير فيها البتة، وما جعلهم لا يدركون ذلك أنهم ببساطة لم يفكروا بالأمر! ومن هنا جاءت أهمية بطلي الفيلم -ماغواير وويذرسبون- حيث مثلا العنصر المختلف والجديد الذي طرأ على المجتمع وأصابه بخلخلة عنيفة أدت في نهايتها إلى المواجهة مع التيار التقليدي الذي مثله كبار السن في المدينة والذين قاموا برفع دعوى ضد هذين الشابين بدعوى الإفساد ومحاولة طمس القيم التي تشربوها من آبائهم وأجدادهم الأولين.
لكن هل قام ماغواير وابنة عمه بارتكاب هذه الجناية الكبيرة؟ السؤال بصيغة أخرى: ما الذي فعلاه تحديداً؟ والجواب هو لا شيء إطلاقاً، فجنايتهما كانت فقط لكونهما مختلفان ليس إلا، ولأنهما يمتلكان روحاً منطلقة وفكراً غير مقيد، ما جعلهما يظهران كبؤرة استقطاب اجتمع حولها كم من شباب المدينة. إن حياة هؤلاء الشباب -وسكان المدينة كلها- كانت قبل قدوم الشابين مُقيدة ذات لون واحد ومسار ثابت لا يتغير، فهم يعيشون بطريقة آلية مبرمجة سلفاً لا مجال فيها لأي محاولة مروق نحو اليمين أو اليسار. وحين جاء الفتى والفتاة، وبفعل بعض التصرفات البسيطة التي اقترفاها بحسن نية ودون قصد، اشتعلت في أرواح الشباب الرغبة في المعرفة وازداد إلحاح الأسئلة عليهم، الأمر الذي قادهم في النهاية إلى المكتبة كي يقرأوا، وليصبحوا بالتالي أكثر جرأة على التفكير، وهي خطورة استشعرها أحد كبار السن الذي قال لأقرانه: ( إن ذهاب الشباب إلى البحيرة يمكن تفهمه.. لكنهم الآن يذهبون إلى المكتبة.. ما هو التالي؟ يجب أن نفعل شيئاً!).
إن الجميل في الفيلم هي طريقته البديعة في رصد أمارات التغيير التي تبدو على ملامح سكان المدينة، فهم حين يصلون إلى مرحلة التفكير في الجدوى من حياتهم، تبدأ الألوان بغزو أجسامهم حتى يتلاشى تماماً اللونان الأبيض والأسود، وكأنما هو يريد بذلك الإشارة إلى أن اشتعال روح «التساؤل» في شخصٍ ما يُحيله «إنساناً» ينبض ب«الحياة».. فالحياة هنا هي هذه الألوان البراقة.
إن هذه الصدمة التي دهمت أهل المدينة على حين غرة، شبيهة في شكلها بالصدمة التي تلقاها عجوز قرية «هادلبرج» حين أدرك حقيقة الأمر. ومنشأ هذه الصدمة في الأساس هو دخول العنصر المختلف الجديد إلى حيز جامد بليد، ما أحدث شرخاً في بنية هذا الحيز، صنع بلبلة وقاد في النهاية إلى المواجهة بين رموز التيارين الجديد والقديم. وقضية الصراع الأزلي بين الظلامية والتنوير ظهرت في السينما في أفلام عديدة اختلفت في طريقة تناولها للقضية ما بين أسلوب تأملي هادئ وآخر أشد حدة وقسوة على القديم.
فمن بين الأفلام الهادئة يبرز اسم الفيلم الرومانسي العذب (شوكولا- Chocolat) الذي حاز الترشيح لأوسكار أفضل فيلم عام 2000. وهو من بطولة النجم جوني ديب والفرنسية جولييت بينوش التي تمثل العنصر المختلف في الفيلم، حيث تأتي كغريبة إلى قرية فرنسية محافظة تدعى «روسكاري»، تأتي وهي مدفوعة نحو الحياة والشوكولا، الأمر الذي يؤدي إلى بعث الحياة في نفوس سكان القرية ويقود إلى النتيجة الحتمية، إلى المواجهة مع عمدة القرية الذي يرفض التغيير ويتوجس خيفة ممن يدعون إليه.
كان الفيلم لطيفاً وعذباً في طرحه، وبدا إنسانياً يبعث على الفأل والانتشاء، وذلك على عكس كثير من الأفلام التي تناولت ذات القضية لكنها نضحت تشاؤماً وخيبة وألقت بلعناتها على كل ما هو قديم، ومن تلك الفيلم الإيطالي Padre padrone -سعفة كان الذهبية عام 1977- الذي كان قاسياً إلى حد البشاعة في مقته لكل قديم، والأمر كذلك مع الفيلم المصري الرائع الكئيب (الطوق والإسورة 1986) لعزت العلايلي وشريهان. أما فيلم (عصر البراءة- The Age of Innocence) للمخرج الأمريكي مارتن سكورسيزي فهو يطرح القضية لكن بأسلوب موحش امتلأ خيبة وكآبة وبإيقاع بطيء مستفز، يحاكي الاستفزاز الذي تبعث به «ساذجة» تشيخوف!